متى يكون المرء ديمقراطيّاً؟ محاولة في الشخصية الديمقراطيّة
ريغينالد غروننبرغ
كتبه: المحرر
حرر في: 2013/03/01
التعليقات: 0 - القراءات: 753

بعكس ما يتخيل المرء عموماً فليس سهلا على الإطلاق أن نعرّف بدقّه متى يكون المرء ديمقراطياً أو ما الذي يميّز الإنسان الديمقراطي. يحتاج البشر قبل كل شيء إلى الحرية في أن يستطيعوا تصوّر وجود بدائل سياسية.

قبل أن يستطيع الديمقراطي أن ينتخب يجب أن يمتلك القدرة على تنمية الإحساس بحرية الانتخاب أولاً في تصوّراته الخاصة وأن يسمح بالشيء نفسه للآخرين أيضاً.

يبدو السؤال المطروح في عنوان المقال بسيطاً إلى درجة أن المرء قد يعتقد بوجود جواب جامع مانع، حاسم ومختصر عليه. لكنّ أية محاولة لذلك لن تلبث أن تفشل وبسرعة. حاولوا ذلك بأنفسكم! اشرحوا بجمل قصيرة ماذا يعني الإنسان الديمقراطي. بالمناسبة: لا تصلح أجوبة كالتالية: „هو إنسان يعيش في دولة ديمقراطية“، أو: „النوع من البشر الذي تتشكل منه دولة ديمقراطية“. والسبب هو أن الكثير من الديمقراطيّات تتحمّل وجود كمّية من غير الديمقراطيّين ضمنها. ومن الجهة الثانية فثمة ديمقراطيين في دول لا يمكن وصفها بالديمقراطية أبداً. وفضلا عن ذلك فما تلك سوى محاولات لشرح ماهيّة غير معروفة باستعمال ماهيّة معروفة، وليس شرحها انطلاقاً منها هي بالذات. يتوجّب على التعريف الصحيح أيضاً أن يزوّدنا بمقاييس للتفريق ما بين الديمقراطي وغير الديمقراطي. يبدو إذن أن المسألة فعلا ليست بهذه البساطة. أليس كذلك؟ لكنّكم يمكن أن تقوموا بتجربة أخرى: ادخلوا الشبكة العنكبوتية وابحثوا عن المفهوم «ديموقراطي»، أو حتى عن „ما هو الإنسان الديمقراطي أو ما معنى ديمقراطي؟“. هاهم أخيرا: إنهم أعضاء أحزاب معيّنة تسمّي نفسها ديمقراطية. لكن لا. هذا ليس صحيحاً أيضا. لابأس بفرصة أخيرة: فلعلنا نحن الألمان فقط من لا يعرفون ما هو الإنسان الديمقراطي. فلنجرب السؤال بالإنجليزية إذن: What is a democrat? ، لأن العالم الذي يتكلم الانجليزية أكبر بكثير كما أنّه كان دائما سابقاً لنا في مسائل الديمقراطية. لكنّ النتائج مخيّبة للآمال بالدرجة نفسها.
السبب الأساسي لاندهاشنا هذا هو أننا في «الغرب» لا نكتفي بمنح الديمقراطية كل هذا التعظيم عندنا فقط، بل ونريد تصديرها إلى العالم كله وإسعاد كل الشعوب بها. صحيح أن هذا السلوك قابل للتفهّم منطقياً بل ويتطابق مع خبرتنا بأن ديمقراطيةً ما تحتاج كي تستطيع البقاء على الحياة إلى عدد معيّن ــ وإن غير محدّد تماماً ــ من الديمقراطيّين. لكنّنا لا نعرف رغم ذلك ماهو كنه الديمقراطيّ. وبالرغم من هذا فنحن نريد أن نجعل كلا من العراق وأفغانستان وحبّذا الصين أيضا ديمقراطيةً. ولا ننس الأمم العربية أيضاً، التي حرّرت نفسها من مستبدّيها بهذا الشكل المذهل وغير المتوقّع. صحيح أنّنا نحس كيف يمكن أن يكون المرء ديمقراطيّا، ولدينا فكرة مبهمة عن معنى ذلك، لكنّنا لا نملك الكلمات الكافية للتعبير عنها. وعلي للأسف أن أخبركم بأننا لن نستطيع حل مشكلة التعريف هذه نهائيا هنا، بسبب أبعادها ومستتبعاتها الأبعد بكثير مما يستطيع أن يوحي به سؤال صغير كالذي بدأنا به.

مشاكل التعريف

لو صعدنا درجة أعلى في مستويات التحليل وبحثنا عن المفهوم الأشمل، أي الذات السياسية والذي ليس مفهوم الديمقراطي إلا واحداً من تنويعاته فسوف يتكرّر الشيء نفسه: „ما هي الذات السياسية؟“ سنسأل ثمة ولن نجد جواباً ولن يفيدنا الإنترنت شيئا وستزداد حيرتنا، فالماركسية تعتبر أن الطبقة العاملة هي الذات السياسية أو أنها منذ لينين الحزب الشيوعي. وهي لدى القانوني النازي كارل شميت الدكتاتور الذي له صلاحية فرض حالة الطوارئ. وهكذا فلا نتقدّم هنا أية خطوة إلى الأمام. وعلى درجة أعلى في مستوى التجريد سنجد مفهوم الفرد. سنتبع حدسنا بأن البشر هم أفراد طبعا. وبهذه الصفة يستطيعون أن يكونوا ذواتاً سياسيةً. وكذوات سياسية يستطيعون من جهة أخرى أن يكونوا ديمقراطيين أيضاً. ولكن إن طرحنا السؤال بشيء من التردّد: „ماهو الفرد؟“ فسنغرق في طوفان من الأجوبة الفلسفية والسوسيولوجية والسيكولوجية المختلفة تماماً والتي لا تساعدنا في التقدّم في بحثنا أبداً.

إن التسلسل القياسي للمفاهيم فرد ـ ذات سياسية ـ ديمقراطي سيظلّ إذن عصيّاً على محاولتنا هذه للوصول من خلال تعريفات وافية إلى استنتاجات مرضية. والسبب هو أنّنا في هذه الحالة لن نفسّر لغزاً إلا من خلال لغز آخر مبهم. غير أن ثمة بعض الدلائل المثيرة للانتباه تشرح لنا سبب عدم إخضاع هذه المفاهيم للمعالجة والتعريف. فضلا عن ذلك فإن لدي مقاربة خاصة للمفهوم الأوسط «ذات سياسية» طوّرتها بنفسي وأودّ أن أطرحها هنا للمداولة. لربّما استطعنا في النهاية أن نصل إلى تحديد عام تقريبي لما هو الديمقراطي على الأقل.

لقد نشأت الفردانية في القرن الثامن عشر في حقل التجاذبات والصراعات في غمرة الثورات البورجوازية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. تحقّق هذا من خلال أفعال المواطنين الغاضبين من ناحية والذين ناضلوا من أجل مزيد من العدالة والحرية ـ الحكم الذاتي ـ والمشاركة في السلطة السياسية، ومن خلال المقالات والمباحث التي كتبتها العقول النيّرة لذلك العصر وحاولت من خلالها أن تُشَرِّح معنى هذه الفردانية ذات التأثير التاريخي. وهكذا تم تطوير خطاطات مختلفة للفرد. يتقدّمها الفرد «كذات» معقّدة ذات آفاق مدهشة في الفلسفة )ديكارت، ليبنتز، كانط(، ثم الفرد كمادّة التربية في علم التربية )لوك، روسو، بستالوزي(، وكفاعل في الأسواق في علم الاقتصاد )سميث(، وكطرف ذي اعتبار قانوني في العقد الاجتماعي والسلطوي )لوك، هيوم، روسو( وأخيرا كجندي يقاتل في الحرب انطلاقاً من قناعته الخاصة )كلاوسيفيتز(. لقد بلغ هذا التطوّر قمّته عام 0081 من خلال فلسفة عمانويل كانت النقدية التي تم فيها دمج معظم الأفكار السابق ذكرها في فلسفة متكاملة بورجوازية للجمهوروية والفردانية. غير أن ذلك كان أيضا نهاية العصر الذهبي للفرد. خصوصاً في ألمانيا، التي لم تحقّق ثورتها البورجوازية الخاصة، قامت الفلسفة التأمّلية المثالية لفشته وشلنغ وهيغل، والتي أرادت أن „تتجاوز“ و „تتغلّب“ على الكانطية، بإزاحة الفردانية الفلسفية والفردانية المادية الواقعية كموضوع للفلسفة. وكبديل لها تم البحث في المفهوم المجرّد «لأنا» الذات المتعالية عن أساس لدين وعلم حقيقة شاملة، بل وحتى لروح العالم التي ينبغي أن يجد فيها الناس سلامهم خارج فردانيّتهم المزعجة من خلال «الإلغاء الديالكتيكي» وفي ظل دولة تغطّي كل شيء. كل هذه المحاولات بما فيها المحاولة الشيوعية فشلت مما أدى إلى تشويه متزايد لسمعة فلسفة الذات منذ منتصف القرن التاسع عشر ومعها موضوع الفردانية.

المعاداة للفردانية

وحتى اليوم مازلنا نلاحظ النتائج المتأخرة لذلك. وتبدو أبعادها بوضوح إذا رأينا كيف تسود دوغما ميتانظرية ـ أو ماوراء نظرية ـ معيّنة العلوم الإنسانية ـ علوم الثقافات والمجتمع والعلوم النظرية ـ وهي الدوغما التي تقول بأن المرء لم يعد يستطيع الانطلاق من أنموذج الذات المفكّرة ولا بالأحرى من فكرة الفرد الملموس كحامل للأفعال. لم يعد ثمة نظرية جديّة للفعل في هذه الأيام مازالت تعزو الفعل الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي، العلمي أو الفنّي إلى ذوات أو أفراد وتنشغل بآفاقهم الداخليّة. عوضا عن ذلك يستند بناء النظريات على «منظومات» و «بنى» )التاريخ، الاقتصاد، علم النفس، علم السياسة، علم الاجتماع(، «سياقات» و «خطابات» )أدب، فن، فلسفة(. ومن هذا المنظور سيبدو السؤال: „ما هو الديمقراطي؟“ وكأنّه محاولة رجعية لإحياء تقليد ميّت هو الفردانية ونظرياتها „الساذجة“ التي تنطلق من الذوات القابلة لتحمّل المسؤولية والأفراد المادّيين. هذا في الوقت الذي يجب أن يكون فيه البحث في الفرديّة وسبر غورها موضوعاً مهمّا وقبل كل شيء في المجتمعات الديمقراطية، لأن تلك المجتمعات تطرح بذلك الشروط الأساسية لقيامها هي نفسها للسؤال والبحث.

من المدهش أن من نبّه إلى هذه الإشكالية هو بالذات أكثر واضعي نظرية المنظومات جذرية، ولكنّه أكثرهم عبقرية وحساسية في الوقت نفسه. „بالنتيجة فإن مفهوم الفرد يخصّ مجتمعاً يرى نفسه وبسببه بالذات مطالباً بأن يصل إلى رؤية واضحة حول نفسه“. هكذا يقدّم نيكلاس لومان للمسح الذي أجراه للجهود النظرية في هذا الحقل ـ عام 2991ـ، لأنّه „بعد سنوات من إغفال الموضوع يبدو أن إعادة طرح موضوع الفرد قد بدأت. لكن لا يبدو أن كلاسيكيّي هذا الحقل )علم الاجتماع( يستطيعون فعل الكثير: لقد اكتفوا بأمثولة ـ الانقسام (Split Paradigim): هوية شخصية/هويّة اجتماعية، أو بالاقتراض من فلسفة المتعالي، راضين بالكلمة ذات دون أن يحفروا عميقاً باتجاه الفرديّة “.

عندما يدرك المرء هذه المعاداة للفردانية مرةً يفهم سرّ الاستياء الذي قابل به العالم الاختصاصي كتاب المؤرّخ دانييل غولدهاغن «منفذو هتلر الراغبون» لدى نشره. لقد رفض المؤلِّف في كتابه أن يتابع كتابة تاريخ اجتماعي أو بنيوي، لأن البنيوي والاجتماعي لا يشيان بالناس ولا يقتلانهم. عوضاً عن ذلك فقد اتبع التقليد الأنغلوأمريكي: الوصف المكثّف )كليفورد غيرتس( وعالج دوافع المجرمين الفرديّين. إن إفقار نظرية الفعل في علم الاجتماع الذي اشتكى منه بطريقة مثالية هو السبب الأول لكوننا لا نستطيع أن نعطي جوابا على سؤال: ما هو الديمقراطي أو ما هي الذات السياسية لأننا لا نعرف حتى السلف التاريخي والمنطقي لهما أي الفرد.

أما السببان الثاني والثالث لهذا العجز اللغوي فهما متطبّعان بقوة في ألمانيا خاصة. ففي هذا البلد يوجد أولاً تقليد لم ينقطع أبداً يقضي بأن ننطلق من الدولة عندما نفكّر بالسياسي ولا ننطلق إطلاقاً من الفرد كذات سياسية. ووفقا للأسلوب الأرسطوطاليسي الجيّد يعتبر الإنسان حيواناً سياسيا منسوبا للدولة (zoon politicon). وهكذا يتم الانطلاق من نظام الدولة المقبول في حالة ما ليتم الاستدلال على الكائن الذي عليه أن يحمل ويتحمّل ذلك النظام. أما التعقيد الداخلي لذلك الكائن فيتم تجاهله كليّاً. الخصوصية الألمانية الثانية هي الحكم على الذات السياسية بمقاييس الأخلاق حصراً بل وحتى تشكيلها على تلك المقاييس. إن الفلسفة السياسية في هذا البلد تطبّق على الذات السياسية القيم المعيارية حصراً. إذن فهي لا تعير أي اهتمام للسؤال حول حقيقتها الواقعية ولكن حول ما ينبغي أن تكون عليه. وهذا ما يستتبع فورا مطالبتها بأن تتوجّه في فعلها إلى الخير العام والتضامن مع المجموع ) تضامنا مفهوماً بشكل خاطئ تماما(. لا يمكن أن يفهم المفكّرون الألمان أن الخطاب المعياري أي ذا البنية الأخلاقية لا ينتج سوى „يجب عليّ“ و „يجب علينا“، بينما ما يلهب اهتمام الفرد كذات سياسية هو الموقف الوقح „أنا أريد ـ والآخرون يفترض بهم أن!“. هذه الأخلاقية السياسية نقابلها في كل ما يُنشَر للكتّاب ذوي التعليم الأكاديمي غالباً. وفي صفحات التعليق السياسي والأدبي أيضا. لنتذكّر «الديمقراطي الأناني ــ أو ديمقراطي الأنا ــ» أو «المحتجّ ــ أو مواطن الغضب» والذي اكتُشف حديثا وأصبح ضحية أنموذجية لشتم الصحافة. إن المفهوم الإيجابي للديمقراطي الذي ينتَج بتلك الطريقة لا يتطابق إلا مع «إمّعة» تابع أو «إنسان مقدّس يشتغل بالسياسة». ولذلك فليس من العجب ألاّ نستطيع التعبير الصحيح عن „ما هو الديمقراطي“، فنحن لا نعرف لا ماهو الفرد ولا ما هي الذات السياسية. إنها شهادة فقر لعلم السياسة لأنها لم تستطع أن تنجز حتى الآن ولا بشكل تقريبي نحت وتمميز مصطلحاتها الأساسية الخاصة. هذا ينطبق على مفهوم السياسي انطباقه على مفهوم الذات السياسية. لقد نحتت علوم الاقتصاد )سميث، مالتوس، ريكاردو، شومبيتر، كينيس، الخ( والاجتماع )دوركهايم، فيبر، بارسونز، لومان( والنفس )فرويد، ادلر، يونغ، بياجيه، اركسون، الخ( مصطلحاتها الخاصة بما يناسب احتياجاتها وبنتها بشكل متين وقابل للتطوّر. وهذا لا ينطبق على علم السياسة، لا في ألمانيا ولا في أي مكان آخر. فهم لا يعرفون ما يفعلون ولا ما يتكلّمون عنه.

المقدرة على الكلام حول النظام السياسي

سنتحوّل الآن إلى القسم البنّاء من عملنا لنرى إن كنّا سنستطيع إنجاز شيء يفي الديمقراطيّين حقّهم، طالما أنهم فئة موجودة بداهةً. في العمل العلمي الذي قمت به تحت عنوان: «الذاتيّة السياسيّة، الطريق الطويل من الرعيّة إلى المواطن، 6002» حاولت الوصل مع عصر الفردانية الذهبي الذي ذكرناه قبل قليل وأن أتابع تطوير المعارف المكتسبة فيه. سأقول باختصار „الذاتية السياسية هي المقدرة على تفكُّر النظام العام ـ وما يسمّى الرأي العام ـ“. إنها ـ وهو المعنى نفسه ـ ما يجب على إنسان ما أن يحوزه لكي يكوّن لنفسه أفكاراً وأحكاماً يمكن أن تُقيَّم على أنها سياسية. والواجب الفلسفي يكمن قبل كل شيء في شرح معنى كل من «التفكّر» و «النظام» و «الرأي العام» في ذلك التعريف. لم أنطلق في ذلك من النظم السياسية القائمة، ولكنّني بحثت في القدرة الفكرية التي تمكّن الإنسان من إبداع وإخراج هذه النظم لكي يشاركوا فيها كأفراد وذوات سياسية وأخيراً كمواطنين )بالتضاد مع رعيّة(. ولذلك فالمقصود لدى استعمال تعابير «الرأي العام» والـ «نظام» ليس فقط معانيها الواقعية التي نراها أمامنا في العالم، ولكن كيف نعي تلك المفاهيم وهي تنشأ في داخلنا أفكاراً وأحكاماً بحيث نستطيع أن „نتفكّرها“ أو نفكّر حولها. ولذلك فنّحن لا نعني بتعبير «الرأي العام» الوارد أعلاه المعنى التجريبي البورجوازي فقط، أي بالمعنى الذي استخدمه يورغن هابرماس في كتابه «التبدّل البنيوي للرأي العام، 6291» مثلا، بكل وسائل إعلامه كالأحاديث ودوائر القراءة والبرلمانات والصحف والتلفزيون )وهذه الأيام طبعا: الانترنت والتويتر، الخ( ولكن مبدأً بنيوياً لتفكيرنا، أقصد عندما نناقش مصالحنا وأمنياتنا ومثلنا العليا في جو عام مفترض يمكن فيه لآراء مضادّة تقابل آراءنا أن تواجهها. ووفقا لهذا فليس «النظام» المقصود في الصيغة الواردة أعلاه هو ما يوجد واقعيا ولكن النظام الذي „نفكّر“ به وقبل كل شيء نتمنّاه )للاقتصاد والسلطة السياسية والعادات والدين، الخ(. فقط بعد هذا يمكن لنا أن نقارنه بالنظام الموجود واقعياً أي خارجنا ثم نقبل أو نرفض هذا النظام الموجود وندلي بهذا القبول أو الرفض إلى الرأي العام الواقعي التجريبي. وسيتم هذا بأشكال مختلفة كالإدلاء بأحاديث أو القيام بنشاطات سياسية أو نشر كتب أو صحف أو الظهور في التلفزة أو المشاركة في الانتخابات، في حالة الديمقراطيات. إذن فالذات السياسية تتميّز من خلال مقدرتها على تصوّر وجود ما هو مختلف عن الحالي. وبكلمات أخرى فالذات السياسية قابلة للاتصال المعرفي بمفهوم الاختيار. وحيث لا يوجد ذلك لن تنشأ إطلاقاً فكرة سياسية ما في داخل إنسان ما. يبدو هذا بعيداً عن التصديق أو غريبا بالنسبة للأوروبي الذي أصبح مدلّلاً بالديمقراطية. ولكن السبب في هذا الاستغراب هو أنّه قد نسي مدى ضيق نافذة التاريخ العالمي التي حصل هو من خلالها على قدراته الفكرية.لذا فعلى نظرية عالمية للذات السياسية من هذا النوع أن تتبرهن من خلال أفكار أنثروبولوجية وملاحظات إثنولوجية. وهي قادرة على ذلك.

علم السياسة والاثنولوجيا

أصبحت دراسات لويس دومون حول الإنسان التراتبي أوالهرمي (Homo Hierarchikus, 1966) مشهورة، حيث وجد المثال الأفضل له في مجتمع الطبقات المغلقة الهندي. هناك لا يوجد )أو لم يوجد على الأصح، لأن الوضع تغيّر بعد ذلك( أي أثر للقدرة على التفكّر السياسي ومن ثمة التصوّر أن النظام الموجود يمكن أن يصبح شيئاً آخر. لكن الأكثر دلالة هي أعمال عالم الاجتماع والأنثروبولوجي والإثنولوجي الفرنسي جورج بالانديير والتي لم تحظ بالاهتمام الجدير بها. إن عمله الذي حافظ على وصفيّته الأنثروبولوجيا السياسية )7291( يظل غريبا تماما على المقاربة المعيارية لعلم السياسة الألماني. لقد فحص الأدب الإثنولوجي فيما يخص مشكلة السياسة وأراد أن يطوّر منها ومن المعارف الإثنولوجية التجريبية التي حصل عليها من بحوثه في أفريقيا موجزاً لنظرية السياسي المدعومة اثنولوجيا. وكان هدف هذا العمل التعليمي هو تفنيد الحكم المسبق القائل بغياب التاريخ لدى الشعوب البدائية وبأن الكثير منهم، وخاصة أولئك الذين لم يلاحظ وجود شكل للدولة عندهم، لا يعرفون أي نوع من السياسة. وقد كانت المدرسة البنيوية هي التي أنكرت على المجتمعات البدائية أي بعد تاريخي ـ سياسي. يلفت النظر ذلك الوعي المنهجي ـ المتميّز للمشكلة لدى بالانديير. إنه يرى أن علينا أن نعيد طرح السؤال حول تعريف السياسي بشكل جديد إذا أردنا أن نستطيع كتابة تاريخ عالمي حقيقي للتفكير السياسي. يخضع بالانديير الطروحات المختلفة الواردة في أعمال الأنثروبولوجيين السياسيين المبكّرين لمقارنة مفصّلة. فبينما يتحدّث بعضهم عن السياسي هناك حيث تتوقف القرابة أو حيث تتوفّر خصائص معيّنة للمكان )إقليم، فرق بين داخل/خارج( أو للفعل )صلة أو نسبة للقوة بدلاً عن السلطة(، لا ينطبق وصف الوظيفة السياسـية بالنسبة لآخرين إلا على شـكل خدمات للمجتمع ككل )تعاون، تكامل ودمج، التوصّل إلى قرار، أمن(. يكتشف بالانديير „أن السياسي لا يمكن اختصاره إلى شيفرة «كود» )كاللغة أو الأسطورة( ولا إلى شبكة علاقات )كالقرابة أو التبادل(؛ فسنظل نحتاج إلى منظومة شاملة لم تحظ بمعالجة شكلانية مُرضية بعدُ.“. ما هو حاسم بالنسبة لغرضنا هنا هو أنه أراد البرهنة على وجود السياسي أو شكل من أشكال الذاتية السياسية في المجتمعات الإثنية وأنه لم يجدها. إذن فهناك أشكال للثقافات لم تخالجها فكرة يمكن تقييمها على أنها سياسية أبداً ولا يمكن أن تخالجها لأن كل شيء هناك هو طقس وسحر ونظام غير خاضع لتقلبّات الزمن.

لقد سلك مؤرّخ العصور القديمة كريستيان ماير الطرق المعاكس. إن كل عمله متوجّه إلى البحث عن أجوبة عن سؤالين: „كيف حدث أن ديمقراطيّات نمت عند اليونان وهو ما لم يحدث عند كل الآخرين ممن سبقهم أو جاورهم؟ وأين يكمن السياسي عند اليونان؟ وبماذا تميّز كعنصر حياة مقرِّر ومحدّد لمجتمعهم؟“. وهو يدعو محاولته النظرية هذه في مكان آخر من عمله محاولةً في «الإثنولوجيا السياسية». هذه المقاربة تشترط مسبقاً وجود وعي للخاص، وللبزوغ أو النشوء التاريخي ولاحتمالية عدم وجود السياسي. بدا له أن اليونان تميّزوا بالسياسي عن غيرهم من الثقافات والشعوب، وبهذا يسم هؤلاء، أي الشعوب الأخرى، بأن السياسي إما غائب عندهم تماماً أو أنه ليس ذا طابع واضح. لم يحدّد أحد المبدأ المعرفي الذي ذكرناه أعلاه، أي الاختيار، كشرط للتفكير السياسي الأصلي عند الفرد بشكل أوضح أو أفضل كما فعل ماير. لقد كانت أهم نتائج بحوثه بالمناسبة «وعي الاستطاعة» الذي تشكّل عند الفرد اليوناني بعد أن انتصرت الدولة المتوسطية الصغيرة في الحرب على الامبراطورية الفارسية العظمى ذات الجيش المليوني وبعكس كل التوقعات.

أودّ أن أسمّي هنا منافحاً مرجعياً آخر عن البنية القاعدية التاريخية، الأنثروبولوجية للذاتية السياسية وهو الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري الذي درس هذه المسألة في سياق ثقافة محدّدة دينيّاً. في عمله البارز ذي الأربعة مجلّدات نقد العقل العربي )4891 ـ 1002( والذي يتفحّص ظواهر التأخّر والنقص في العالم العربي انطلاقاً من مصادره الثقافية الخاصة يصف الجابري موقفا مفتاحيا ملموسا كما يعيشه معظم الأطفال العرب منذ قرون. والأمر يتعلّق بنصوص القراءة المشتركة وخاصة حفظ النصوص المقدّسة في مدارس القرآن. ويشرح الجابري بكل وضوح كيف لا يتم الفصل بين الذات القارئة والموضوع المقروء في هذا النوع من القراءة المستبطِنة. ويسهّل حدوث هذه الحالة حقيقة أن الكثيرين من العرب الذين يستطيعون القراءة لا يعرفون سوى القرآن. يطرح الجابري الآن السؤال: مَن يقرأ هنا مَن؟ لم تتغيّر اللغة العربية منذ ألف وخمسمائة سنة وقد تماهت خلال ذلك مع الإحساس بالأصالة في الثقافة العربية كما اتّخذت سمة مقدّسة من خلال الوحي وتقديس القرآن. في حقل القوى الثقافي هذا حصل قلب مميت لاتجاه التأثير من خلال طريقة تعليم القرآن لأن النصوص المقدّسة أصبحت هي التي تقرأ البشر. كانت النتيجة تخلّفاً في المقدرة على التفكّر وقطع الطريق على فردنة الذات القارئة. يواجه الجابري بذلك مفهوماً للتراث مفاده تكرار التاريخ. يسمّي طريقته التأويلية „قراءة تفصل وفي الوقت نفسه تعيد الربط“. ينبغي على الذات أن تستطيع فصل نفسها عن النص كي تستطيع أن تعرف كلاً من الطابع الموضوعي للمنظومة الدينية ــ التراثية ونفسها كفرد. فقط في هذه اللحظة يمكن أن يبدأ التفكُّر ببدائل للمنظومة السائدة. وهو يعني التأمّل بإمكانيات التوافق بين النظام المتجسّد في النصوص رمزياً )مثلا: الحدود، الاقتصاديات الإسلامية، الخلافة( من ناحية وبين المنظور الفردي لهذه الأشياء من ناحية أخرى. „إعادة الربط“ يصفها الجابري على أنها „حدس متفحّص“ يستطيع أن يشمل الأنا القارئة والأنا المقروءة. وهو يلحّ على هذا الربط بين أُفق الذات وأفق النظام، فالتفكّر لا يكفي أن يحرّر الذات ولكن أن يمكّنه من إيجاد توجّه سياسي أصيل باعتباره جزءاً من النظام الاجتماعي.

فضاء عام واقعي وتصوّري

استناداً إلى هذه الملاحظات الاثنولوجية والأنثروبولوجية نستطيع القول بشيء من اليقين أن الذات السياسية هي فرد مؤهَّل للتفكّر حول النظام العام. ولكن ما هو الديمقراطي؟ ماهي الحالة الخاصة من حالات الذات السياسية التي تنطبق على الديمقراطي وما هي السمة التي تميّزه عن غير الديمقراطي؟ هاهي محاولة أولى: إن الديمقراطي هو شخص يريد أن يرى فضاءً عاماً تصوّريا، لكنّه مؤهّل للعيش به، وقد تحوّل إلى واقع أو فضاء واقعي كي يستطيع هناك أن يُدلي بتصوّراته الخاصة حول النظام من خلال أحاديث ووسائل إعلام وأحزاب وبرلمانات دون عقوبات أو خوف من الموت. إن دافع الديمقراطي للمشاركة في هذا الفضاء الواقعي هو إمكانية كامنة في الأساس لأن يجعل إرادته السياسية جزءاً من عملية السلطة وسن القوانين وذلك من خلال فعله ــ كدخول الأحزاب مثلا، أو النشر في الإعلام أو تأسيس حزب جديد أو المشاركة في مظاهرة أو الانتخابات، الخ ــ. يصنع الديمقراطي لنفسه صورةً ، أو خطاطةً، للأفراد الواقعيين الآخرين الذين يعارضونه في الفضاء الواقعي العام لأن لديهم أفكاراً مختلفة ليس كأعداء وجوديين ولكن كخصوم سياسيين. وهذا يعني أن تصوّراته عن النظام العام تتميّز بالتسامح مع المعارضات الموجودة لأنه هو أيضا يمكن أن يصبح في أي وقت في المعارضة. إن الديمقراطي يتخّلى عن تشييئ تصوّراته حول النظام أي اعتبارها حقائقَ ذاتَ وجود أزلي ثابت، ويدرك أنها في الواقع مصالح واهتمامات شخصية ذاتية يودّ أن يراها مطبّقةً ومن ثمة معمّمةً من الجانب الحكومي، وذلك في إطار الكل السياسي ، الحكومة والمعارضة.

إن هذا مجرّد مخطط أولي. لكنّه يوضّح أنه مازال علينا أن نكتشف الديمقراطي وأن نبحثه. إنه، مضافاً إلى الأفكار السابقة، يشرح سبب غياب جواب بسيط على السؤال عن الديمقراطي، إذ لا أحد يولد ديمقراطياً. إنه ذلك التعقيد بالذات الذي يوضّح لنا كم هو جميل وكثير الشروط وهشّ في الوقت نفسه ذلك المُنتَج من منتجات تطوّرنا الذهني والثقافي.
ريغينالد غروننبرغ
هو دكتور في الفلسفة السياسية. مؤلّف وناشر ويعيش في برلين.

ترجمة‮: ‬حسين شاويش
حقوق النشر: معهد جوته فكر وفن







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق