لماذا تكريم الدكتور عبدالجبار الرفاعي ومشروعه؟
مقدمة الكتاب التذكاري (كلمة لجنة التكريم: هاجر القحطاني، محمد حسين الرفاعي، مشتاق الحلو)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2014/05/28
التعليقات: 0 - القراءات: 1566

في هذه الشهادات قصص شخصية، وهموم عامة وهواجس معرفية، كتبها رواد فكر، وصحفيون، ومحررون وناشطون وإعلاميون، واكبوا الرحلة في أزمان مختلفة، ومن أماكن متعددة...

يبدأ العقم الثقافي حين تنطفئ الأسئلة في الأذهان وتتنحى عن المجال العام، ويؤسس لانطفاء الأسئلة كثير من العوامل، لعل أبرزها أن تفقد المؤسسات النافذة في أي مجتمع قدرتها على تنظيم الناس دون أدوات القهر والعسف.

وفي ظل العقم الثقافي تنمو أحراش الفساد بكل انواعه، وتحاصر المجتمعات بالجهل والخوف، وتسحق كرامة الفرد وحريته، ويخسر "الانسان" قابليته للتحقق الكامل كنوع فذ، لا حدود منظورة لإمكانيات ارتقائه.

لذلك، في بيئة كهذه، فإن من ينتج الأسئلة، ويزرعها، ويحرسها، ويرعاها؛ فرد استثنائي، يقف أمام تيارات عمياء، من الركود والانصياع والتلاشي الحضاري.

بهذه الاسئلة يتخلق فضاء يتنفس فيه افراد استثنائيون آخرون، يحمون حق الجماعة في أن تبقي على بقية من رئتها، تمتص شيئاً من الهواء الطلق. والجماعة، كأي كائن حي تختنق دون هذا الفضاء.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، في الحوزة العلمية بمدينة قم وسط الصحراء الايرانية المأهولة، بدأ شاب عراقي في منتصف الثلاثينات من عمره، يدافع عن أسئلته، ويحررها واحدا تلو الآخر، فينسج منها فضاءً جذاباً، سرعان ما انشدت إليه عقول وأفئدة فتية، زاحمتها أسئلة فتية، وأقلقت سكونها المدجن.

لم يكن راعي الأسئلة فريدا في أسئلته، لكنه كان فريدا في رعايتها ربما، فتلوّن فضاؤه وتعدد وتكاثر. وكأثر طبيعي لأي نمو سليم، تفرعت أغصان لم تكن بالضرورة تكرارا للأصل، بل ربما اختلفت تماما، وابتعدت نحو الطرف المقابل من ذلك الطيف. وبعد جيل كامل من الشغب على الموات، والاشتباك مع الركود، توزع هؤلاء المتسائلون على أصقاع الارض من ايران والعراق، مرورا بأوروبا والولايات المتحدة وليس انتهاءً باستراليا.

وفي بيئة كتلك، فإن كل الأسئلة خارج مختبراتها، مدانة عموما، غير ان بعضها يُطرد وتُلاحق كل تبعاته، تلك هي الأسئلة، التي تشبه أساطير الكيمياء، تحدث تحولات جوهرية في من تصيبه، فيصير المعدن الرخيص نفيساً ولامعاً. أسئلة الدين والعقيدة والإيمان هي من سنخ تلك الأسئلة.

الأسئلة هنا؛ لاذعة وجذرية، لكنها مراوغة ومتناسلة، تبدأ بالاستفهام وتنتهي به، تأخذك من شيء واحد متوقع الى أشياء متعددة مدهشة، قد تتناقض ويهدم بعضها بعضاً، وقد تتكامل فيبني بعضها بعضاً، لكنها في كل الأحوال تعيد صياغة نظرتك الكلية، وتتدخل في جزئيات مختبئة تحت معاطف الموروث والثقافي، واحتيال الأذهان على أنفسها.

وحين تدخل هذه الغابة، فأنت بلا شك تغادر صناديق "الآيديولوجي" الى رحابة "المطلق"، فتبث هذه الصلة الحياة بكلّك. والحياة تحدٍ عظيم لافتراضاتنا الواهية وذعرنا المزمن...

في تلك الغابة، أخذ عبدالجبار الرفاعي بأيدي أصدقائه وتلامذته، معهم تلمّس الطريق الى تلك الصلة المحررة، خاف تارةً كما خافوا، واطمأن اخرى كما اطمأنوا، سبقهم وسبقوه، لكن عينيه ظلتا دائما تحرسان تلك المسافة الطويلة بين السؤال والإشراق.

هنا، نصوص عديدة، تروي قصة هذا الراعي في اضاءات ثرية، لأن قصته هي قصة جيل عراقي مختلف، خرجت ظروفه عن السياق التاريخي الساكن، ورُمي في عراء المضطرب والمتحول واللامضمون، تلقفته السرديات الجاهزة؛ كي تفسر له الماضي والحاضر والمستقبل، وتعلبه في قوالب ردود الأفعال القاصرة على تحديات ظروفه، لكن ضيق أفقها سرعان ما انكشف امام أسئلة صعبة، جاهر برفعها عالياً ذلك الراعي وثلة من رفاقه الشجعان. أسئلة الإنسان المسحوق امام الخديعة والزيف والطمع وصراع الغلبة.

ولأنها قصة جيل وقصة وعي، فقد سارع شهودها للاستجابة الى ذكر شهاداتهم عليها، تابعهم بشغف المهجوس بالبحث عن النور، الصديق مشتاق الحلو، الذي أشرف طوال شهور عدة بصبر وجدّ على متابعة إصدار هذا الملف واعطائه هذه الحلّة الجميلة.

في هذه الشهادات قصص شخصية، وهموم عامة وهواجس معرفية، كتبها رواد فكر، وصحفيون، ومحررون وناشطون وإعلاميون، واكبوا الرحلة في أزمان مختلفة، ومن أماكن متعددة...

ولأن لا مروية بشرية تكتمل بنفسها، فإن هذه الاضاءات على هذه الرحلة الشائقة لا تقدر بثمن، وهي تدور دورة كاملة حول السؤال الأبرز، الذي رعاه الرفاعي طيلة الـ 25 عاما الماضية في سياقه العربي: سؤال اللاهوت الجديد.

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق