هاني فحص لآفاق: الإعتدال الحقيقي يحتاج الى علم كثير وعقل كبير وتدين عميق
حاوره: حسين زين الدين - مركز آفاق للدراسات والبحوث
كتبه: المحرر
حرر في: 2014/09/22
التعليقات: 0 - القراءات: 2136

ضمن سلسلة حوارات في التعددية والمواطنة كان لمركز آفاق للدراسات والبحوث هذا الحوار مع سماحة السيد هاني فحص رحمه الله ..

كان في النجف ضمن مجموعة حاولت أن تنفتح معرفياً على حقول علمية مختلفة وعلى الحداثة عموماً وتتعاطى الأسئلة التي تجسد القلق المعرفي.دخل في نقاشات وحوارات وسجالات يومية حول الأدب والشعر الحديث خصوصاً، وكتب في النقد الأدبي، كما كتب عدداً من القصص القصيرة. عاد إلى لبنان أثناء أدائه لدوره الديني لاحظ ان المسجد لا يكفي ما لم ينفتح على الحياة خارجه.كتب ويكتب في عدد من الصحف والدوريات اللبنانية والعربية،له ثلاثة عشر كتاباً مطبوعاً، وعدد آخر كتبه عام 2008 )ماضي لا يمضي(، ذكريات ومكونات عراقية ، )الإمامان الصدر وشمس الدين ذاكرة لغدنا(.من المؤتمر الدائم للحوار اللبناني إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. هذا هو السيد هاني فحص.

 كان لموقع آفاق هذه الوقفة مع سماحته في حوار يعالج مفهوم الحوار الإسلامي الإسلامي من زوايا متعددة، طارحا مرئياته في الموضوع؛ حيث أكد على حاجتنا إلى ما يمكن أن يسمى " أكاديمية الحوار"، يلتقي فيه أهل العلم الديني والعلوم المدنية ، ليؤسسواً معاً لرؤية مشتركة لمشروعنا النهضوي الحضاري والإنساني الذي يؤهلنا للشراكة في المستقبل الكوني.

ورأى أن فكرة "الأمة الدولة" أثبتت أنها شديدة الضرر على وحدة المجتمعات الإسلامية المحمية بالعقيدة والشريعة والشراكة في المنافع والمخاطر.

داعيا الأنظمة العربية والإسلامية لبناء سلطتها وإدارتها على أساس فكرة تحويل الوحدة المجتمعية العميقة إلى " واقع تضامني وتكاملي" يساعد على رفع وتيرة التنمية ووحدة الموقف تجاه قضايانا الكبرى.

واعتبر أن النخبة العالمة، والتي يجب أن تكون حذرة من إنتاج الفكر والفقه الشقاقي من الاختلاف الطبيعي ، هي من أهم ضمانات الحوار والاندماج ، ومن أهم أسباب القطيعة والتنازع والتدابر في ذات الوقت .

موضحا أن الخلط العشوائي بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة ، وأسلمة الشمولية تقليداً للقومية والأممية (الشيوعية) من أهم عوامل التجزئة وتحويل الاختلاف إلى صراع .

ماذا يعني مفهوم الحوار الإسلامي ؟

الحوار الإسلامي يعني المسلمين في ما يعني ، لأنهم متفقون في الإسلام ، مختلفون على فهمهم له ، ولا يجوز بل هو مضر بالجميع أن يغلبوا الإختلاف على الاتفاق ، ولا يجوز بل هو مضر أن ينزلوا بالاختلاف الى الخلاف ، ما يكون عادة مقدمة للصراع وتبادل الخسائر في كل شيء ، ولا يجوز بل هو مضرّ أن يعتبروا الاختلاف عيباً ، أو أن يتوهموا أنه غير موجود ، والجدير بالاعتبار هو أن الإختلاف مصدر حيوية؛ لأن التعدد في كل مستوياته سنة إلهية وقانون طبيعي ، فإلغاؤه إفقار الحياة من حيوية ضرورية ، كما أن الجدير بالإعتبار هو أن الإختلاف ، لكي يؤدي دوره الإيجابي في تلوين الحياة وتبادل المعرفة ، يحتاج الى إدارة راقية ، روحية وعلمية وإنسانية وحضارية ، وهذا لا يتم إلا بالحوار ، الحوار العلمي والأدبي والشعبي واليومي والحوار الحياتي ، وهو ، أي الحوار ، المدخل الحقيقي ولعله الوحيد ، للاكتشاف الدائم للمساحات المشتركة في الأفكار والقيم ، وتحريرها من الجهل والأفكار الجامدة والنابذة ، ما يؤدي الى تحديد مساحات الإختلاف وضبطها وتضييقها بأسلوب منهجي غير متسرع ، وجعلها محكومة لقواعد وضوابط الإتفاق .. كل ذلك يؤدي الى اكتشاف المصالح المشتركة ، التي لا يمكن تحقيقها إلا بالإجتماع ، لتعود هذه المصالح فتشجع المتحاورين على المزيد من وعي وتظهير المشتركات في العقيدة والشريعة والذاكرة والأحلام المشروعة ، وتحفز على استبعاد السلبي والجارح من الذكريات والذي أنتجه أو كان السبب الأول فيه ، من حولوا الدين الى ذريعة ، وبنوا مواقعهم وثرواتهم وتفوذهم على التجزئة وتضخيم الفوارق وتضييق الجوامع وتعطيلها . أما أن الحوار يهدف الى الوحدة الاسلامية التامة والناجزة كيانياً وإدارياً ودستورياً وقانونياً واقتصادياً ، فلا أدري كيف ولماذا ؟ إنها تحتاج الى قوة تفرضها وتلغي الاختلاف ، أي تغلب رأياً على رأي أو جماعة على جماعة ، بالقوة المباشرة أو غير المباشرة ، وهذا عنف وإلغاء وليس حواراً ، وإن أنجز وحدة ظاهرية ، فإنه كما جرت العادة في تاريخ كل الأمم التي ابتليت بالتوحيد التعسفي القسري والشامل ، يؤدي الى انفجارات مدمرة ، ويؤدي الى مفاقمة الوعي المرضي بالفوارق ، وإعادة إنتاجها بشكل مضخم ( تجربة يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي) ، مضافاً إليها فوارق مفتعلة يتم استيلادها تحت ضغط الشعور بالإلغاء مقابل الإستقواء . الى ذلك فإن هناك كيانات راسخة عاشت نمواً غير متناظر وجمْعها في كيان واحد يؤدي الى تفتيتها .. ثم من قال إن إسلاماً ناجزاً ، ولو بتعسف يلغي التعدد الطبيعي، والمذهبي والمعرفي ، أمر مطلوب ومفيد ، ومطابق للرؤية القرآنية التي رفعت الإختلاف وبتكرار ملحوظ الى مستوى الآية الدالة على عظم المدبر ووحدانيته وحسن التدبير ".. ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم" ، " إن في اختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .." .

أما أن المجتمعات الإسلامية بحاجة الى الوحدة ، فإن تقديري أن حالة الوحدة في وعي وحياة المجتمعات العربية والإسلامية ، قد أثبتت انها أشد رسوخاً من أي فكرة أو مشروع وحدوي سياسي عربي أو إسلامي ، بل إن فكرة "الأمة الدولة" أثبتت أنها شديدة الضرر على وحدة المجتمعات الإسلامية المحمية بالعقيدة والشريعة والشراكة في المنافع والمخاطر .. وعليه فإن على الأنظمة العربية والإسلامية أن لا تكون أقل وحدوية من مجتمعاتها ولا أكثر وحدوية منها ، وأن تبني سلطاتها وإداراتها على أساس فكرة تحويل الوحدة المجتمعية العميقة ، الى واقع تضامني وتكاملي يساعد على رفع وتيرة التنمية ويوحد الموقف تجاه تحديات التقدم والإصلاح والسلام الأهلي ، وتجاه القضايا الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين التي أدى اغتصابها واقتطاعها من قلب عالمنا ، الى تنشيط التجزئة ، ما يعني أن التضامن من أجلها حتى التحرير ، أو على طريقه ولو طالت ، من شأنه أن يكون من أهم عوامل تجسيد وتجلي التوحيد والوحدة ، في الحدود التي لا تلغي طرفاً لصالح طرف الحوار ( أي التضامن العميق).

من القضايا الحيوية والتي لازالت بحاجة إلى إضافات نوعية على مستوى الفكر والممارسة ، قضية الحوار الإسلامي - الإسلامي .. كيف تنظرون إلى هذه المسألة ، وفي نظركم من أين يبدأ الحوار الإسلامي ؟

الحوار لا يتوقف؛ لأن المختلفين ملزمون بالحوار من أجل الحياة ، بل قد يتقطّع الحوار ، أو يتراجع ، أو يذهب الى أماكن خلف المشهد في فترات الإضطراب والفصال والفتن ولكنه لا يتوقف . وهناك نخب علمية واجتماعية تؤمّن استمرارية الحوار وحيويته ، وهناك قطاعات تتسع أو تضيق من الناس ، من الأهل الذين يعيشون في حيز واحد أو متصل ، ويتعرضون معاً لتحديات مشتركة وإملاءات فتن مختلفة ، ويصرون على الحوار على طريقتهم ويحافظون على التواصل والعيش المشترك ، الذي يكونون سابقاً قد أسسوه على المشتركات العظمى من عبادات وتقاليد وأشكال من التضامن الإجتماعي ، حتى إذا ما هدأت الأمور اتسعت صفوفهم وظهرت حاجات الجميع اليهم وظهر ما كان لحركة الإندماج الإجتماعي بينهم من تاثير كبير على عودة اللّحمة الى أهلهم وحياتهم .. هؤلاء هم الإحتياطي الذهبي والشعبي ومنتجو صمامات الأمان ، من شبكات المصاهرة ، الى مجالات العمل الصناعي والتجاري والتربوي والعمراني . ولو ترك المسلمون وحدهم لما تصارعوا كثيراً وإن تصارعوا تصالحوا وأنجزوا تسوياتهم بالتنازل المتبادل والطوعي . وهذا لا يعني أنهم من دون مشكلات .. بل أنهم جاهزون الى تجنب الأخطار الأعظم التي يستدعيها الشقاق ، من خلال العودة الى الحوار وتغليب الوفاق على الشقاق والحياة على الموت .. والدين على الطائفية ، حفظاً للدين بالمذهب وللمذهب بالدين وحفظاً لأفراد الطائفة بعيداً عن الطائفية وضغوطها .

هذه الحالة الإجتماعية لا بد لها من أطراف أخرى تحفظها أو تحميها أو تمتنع عن هزها والإخلال بها .. لأسباب سياسية ، وغيرها .. أي لا بد للدولة أن تحمي حركة الإندماج والحوار والتواصل ، لأن في ذلك مصلحتها ، باعتبار أن أهم عناصر قوتها واستمرارها هو أن تكون حاضنة جامعة لمكوناتها المختلفة ، لتعيش على الحوار بينها ، بين المكونات ، وبينها وبين الدولة معاً ، والدولة التي تستفيد بشكل غير مدروس من صراع مكوناتها أو تشجعه ، لن تلبث أن تكتشف أنها قد ارتكبت خطأ مميتاً ، وليس أكيداً أن العصبية التي تحتمي بها الدولة مقابل جماعات أخرى ، ليس أكيداً أنها تبقى على ولائها للدولة أو السلطة ، بل سرعان ما تكتشف الحقيقة والواقع وتنقلب على من استغلها ، لتعود الى العيش المشترك سبيلاً الى الدين والدنيا والوطن والمواطن والعزة والسلام والأمن والأمان والازدهار والنمو الخ .

وهناك طرف ثالث .. مسؤوليته أعظم ، وهو طرف العلماء ، مدنيين ودينيين ، ودينيين بصورة خاصة .. وعليهم أن يعرفوا أن الدين والحياة أقوى من الجميع ، وعندما يتورطون في العصبية النابذة ، ويبنون جماعاتهم عليها ، فإن هذه الجماعات سرعان ما تلزمها الحياة وتجاربها ، وحركة المعرفة والتعارف على الحق والحقيقة بسلوك مختلف في التعامل مع المختلف وباتجاه قبوله لا إقصائه أو عدائه ..

وهنا يكون الخاسر الأعظم هم العلماء الذين يجب أن تكون عقولهم بحجم علومهم حتى يصبح العلم مفيداً .. لأن العالم " إذا اصاب كان دواءً وإذا أخطأ كان داءً" ، كما في المأثور النبوي الشريف.. إن النخبة العالمة ، والتي يجب أن تكون حذرة من إنتاج الفكر والفقه الشقاقي من الاختلاف الطبيعي ، هي من أهم ضمانات الحوار والإندماج ، ومن أهم أسباب القطيعة والتنازع والتدابر في ذات الوقت . ويجب أن تكون على حذر ، لأن أهل السوء والنوايا المدخولة قد يحتاجون اليها في لحظة ما ، ويصانعونها ويستدرجونها الى خلاف واجباتها ودورها ، ولكن التجربة أثبتت أن أهل السياسة ، مختلفون أيضاً ، وقد يختلف رأيهم اليوم عن الغد ، ويعودون عن حال الاستئناس والإنتفاع بالتجزئة والصراع ، الى المصالحة والتواصل ، وحينئذ تصبح النخبة العلمية الدينية أمام مأزق يتأتى من تقصيرها في أداء دورها الذي يحمي التوحيد بالوحدة ، أو الفهم الخاطئ لهذا الدور .. إذن فالعيش المشترك ، ثمرة الحوار وغايته ، هو شأن عامة المسلمين ، وحمايته شأن دولهم ، وتغذيته بالفكر والروح والقيم والأفكار ، هو شأن العلماء الذين لا حماية لهم ولعلمهم ، إلا بمقدار ما يحمون التوحيد والإيمان الجامع والإسلام الحاضن من خطر نقص الوحدة أو تناقصها .

 ماهي الأفاق والحقول المهمة ، التي ينبغي أن يطالها مشروع الحوار الإسلامي ؟

نحن بحاجة الى تحويل الحوار الى حقل معرفي علمي منظم بالإضافة الى كونه حلقة معرفة وخبرة حياتية لدى أهلنا .. هناك حاجة الى ما يمكن أن يسمى أكاديمية الحوار ، يلتقي فيه أهل العلم الديني والعلوم المدنية ، ليؤسسواً معاً لرؤية مشتركة لمشروعنا النهضوي الحضاري والإنساني الذي يؤهلنا للشراكة في المستقبل الكوني الذي يسحقنا بالعولمة إن لم نحقق شروطنا المعرفية والتنموية التي لا يمكن إنتاجها إلا بالمشاركة بيننا .

نحن بحاجة الى قراءة علمية دقيقة للمباني الفقهية التي تدخل في عملية الإستنباط الفقهي ، على أساس أن الفقه هو الناظم الأساس والتفصيلي لحياتنا اليومية ولغتنا اليومية ومجمل علائقنا الإجتماعية .

لعلنا نكتشف أن الخلاف على كثير من المباني هو سطحي أو لفظي ، وأن الخلاف على غيرها هو علمي لا بد من فهمه واستيعابه من أجل تجاوزه بالإحتكام الى المقاصد العامة للشريعة ، والى إنفتاح الأفق العلمي على البحث والمراجعة الدائمة والحذف والإضافة على أساس منهجي يجمع بين محمولاتنا وأسئلة العصر .

الى ذلك .. فإننا لا بد أن نتدبر أو نخترع مواقع عمل وإنتاج أهلية يشارك فيها الجميع عملاً وانتفاعاً وإسهاماً في تبادلية الثروة والمعرفة .

ولا بد من الإلتفات الى الأجيال الجديدة ، التي يختلف علمها وأسئلتها وطرق استدلالها عن الحاضر والماضي ، لا بد من الدخول معها في حقول معرفية حديثة ، حتى نلتقي ، بلغة موحدة وهموم متوافقة .

لا بد من معاهد حوارية .. حوارها هو العلم والمعرفة والأدب والحياة .. ولا بد من مؤسسات طفولة وشباب يتم فيها التعارف والتثاقف ووضع حد للقطيعة المستشرية . أي لا بد من التدريب والتربية على الحوار والمشاركة والإندماج .

ولا بد من الإتفاق على أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا على أساس الإعتدال والوسطية والتسوية ، وأنه من أجل أن يبقى ويتطور فلا بد له أن ينتج ويوسع ويرسخ الإعتدال والوسطية والتسوية ، تعزيزاً لإرادة الإندماج بين أطراف المتعدد الإسلامي على أساس الوحدة .. لا بد أن نصنع سلامنا .. الذي يبدأ بأن نعرف ، وأن نتعارف ، وأن نعتبر الحياة الدنيا كمزرعة للآخرة هي شأننا جميعاً .. لا بد أن نكون وسطاً لنستحق الشهادة لأنفسنا وعليها وللآخر وعليه كما استحقت أمتنا الشهادة بالإسلام من خلال وسطيتها التي شرفها بها الله وكلفها .. والوسط في العربية هو أعلى الجبل حيث ترى الجميع ويراك الجميع .

طبعاً ، في هذه المناخات والمساحات ، لا بد أن نتوفر معاً على التعطيل العلمي لثقافة التجزئة والإلغاء ، التي تذهب الى المدون من موروثنا الفكري وتتوفر فيه على مساحات من النصوص والأحداث التي تهيج أو تساعد المهيجين على التهييج . ولا بد من إخضاع ذاكرتنا ووعينا ونصوصنا لكليات الاجتماع لا لجزئيات الإفتراق .. ولا بد من وسيلة مدروسة للحد من هذا الإعلام الفتاك الذي يتعاطاه الجميع ضد الجميع .. خاصة تلك الفضائيات التي تعبئ أجيالنا بطريقة مدمرة وتؤهلها عندما تنضج وتكتشف الواقع والحقائق لإلقاء السلبية على الدين لا على مستغليه .. هناك خطر شديد يأتينا من جهة إعلام الفسق والرذيلة .. ولكن الخطر من جهة الفضائيات التفريقية أشد .. وهو الذي يمكن الخطر الأول من التحقق .. لأن الشقاق الديني يسهل مخالفة الدين والتفلت من أحكامه وآدابه .

على مستوى التجربة التاريخية والواقع المعاصر ، ماهي العقبات التي تحول دون الحوار الإسلامي -الإسلامي .. وما السبيل إلى تذليل هذه العقبات ؟ وكيف تفهمون العلاقة التي ينبغي أن تكون بين التعددية على المستوى المذهبي ومبدأ المواطنة ؟

إن الخلط العشوائي بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة ، واسلمة الشمولية تقليداً للقومية والأممية (الشيوعية) من أهم عوامل التجزئة وتحويل الأختلاف الى صراع .

الى ذلك ، فإن الطائفية ، أي التضييق المذهبي ، في مقابل الشمولية المتخطية للدين والمذهب والوطن ، من أهم العوائق وأهم الغوائل والتحدي هو أن نعرف كيف نتدبر دساتير وقوانين وتربويات وأدبيات تحفظ الطائفة كمتحد ثقافي واجتماعي من دون أن تحولها الى كهف أو قبو لا يستحضر إلا الفوارق ولا يعمل إلا على توليد أو افتعال فوارق أخرى .. وكيف تكون دولنا دول الأفراد المواطنين وعلى اساس المواطنة ؟ حتى لا تصبح الطائفة آكلة للدولة ولا تصبح الدولة آكلة للطائفة .. هنا يزدهر الحوار والعيش المشترك . خاصة وأن من أهم معاني الحوار هو الحوار بين الدولة والمجتمع .

أخيراً ، لو تركت المذاهب وحدها ، على آلياتها العلمية والعملية لما تصارعت أو تباعدت ، وإن اختلفت ، ولو ترك المسلمون وحدهم ، على تنوعهم واختلافهم ، لما تصارعوا ولما تباعدوا ، والذي يباعد بينهم أو يساعدهم على التباعد أو التقارب ، هو نوع الفهم للدين أو المذهب الذي يقدمه لهم المعنيون ويربونهم عليه .. ومن هنا فإن الحوار العلمي بين علماء المذاهب يقطع الطريق على من يذهبون الى المذهب ليجلبوا الى المجتمع أسباب الفراق والفصال ، والتقريب الحياتي بين المسلمين من شأنه أن يدفع العلماء الى البحث عن المشتركات لتمكينها وإعمالها وحمايتها وتشغيلها والإشتغال عليها والحفاظ على المذهب باعتباره رؤية من رؤى المسلمين للإسلام وإبقائه مفتوحاً على النقد والمسائلة منفتحاً على المذهب الآخر وأهله كشرط وجودي ومعرفي من دونه يميل أي مذهب الى الفقر والعزلة .

من أجل نصاب علمي اسلامي للحوار ومن أجل تحويل العلم الديني الى حارس للمدينة المتدينة وأهلها .. أرى أن نبذل معاً جهداً أكبر وأكثر معاصرة على فقه المقاصد باعتباره مكاناَ علمياً وحياتياً وتدبيرياً من شأنه أن يجمعنا من أجل همومنا ويوحد رؤيتنا بالمقدار الذي لا يلغي التنوع أو يقمعه .

وقد اشتغل علماء من كل المذاهب على فقه الخلاف والإختلاف كما اشتغلوا على فقه الوفاق والإتفاق ولكن بصورة مجزأة وبمبادرات فردية مشكورة ، واشتغل البعض فأسسوا للفقه المقارن ، وفي رأيي المتواضع أن نستكمل دراسة قواعد وأصول الفقه المقارن مقدمة الى الإنتقال الى الفقه الجامع أو الإجتهاد الجامع ، إجتهاد المذاهب مجتمعة اجتهاد الإسلام الجامع من دون تغييب التنوع لأنه ضروري ونافع وواقع لا في مقابل اجتهاد المذهب بل انطلاقاً منه وبناءً عليه وحفاظاً على فعاليته وجدواه . وهذا مجال حواري واسع وعميق يمكن أن يصبح أكثر فعالية لو توفرنا معاً ، ومن خلال معاهد متخصصة ومستقلة على قراءة جديدة للمنظومات العقدية من أجل علم كلام جديد ومعاصر وأصيل يتكفل لنا بترتيب خلفية فلسفية عامة لفقهنا الذي أصبح بحاجة اشد الى شرطيْ الحرية والغائية حتى لا يبقى الاجتهاد تكراراً مطمئناً بشكل مبالغ فيه وقليل الإحتفاء بالأسئلة والمستجدات المعرفية والحياتية التي من شأنها أن تثير لدينا قلقاً معرفياً يحرر الفقه من ظاهريته العلمية التي إذا ما اشتدت وطأتها من شأنها أن تنتقص من الصفة العلمية لعملية الإستنباط الفقهي وتحول الفقيه الى أداة لتكييف الوقائع المستحدثة أو التكيف معها بعد الممانعة الشديدة وكأنه انكسار أمام قوة الوقائع وتحولها الى ظواهر ومسلمات شعبية ، وأن تنقل الفقه من مقام اللحاق أو اللحوق بالحوادث ، الى مقام الاستشراف والتوقع .. الى ما يقتضي ذلك من توفر على حقول معرفية مساعدة الى حد الضرورة العلمية الفقهية من علوم انسانية وبحتة ودقيقة وتطبيقية وآداب وعلوم لغوية ذاهبة الى مزيد من التفريع والتخصص والإرتقاء باللغة ، دالاً ومدلولاً ودلالة ، الى مستوى علمي ريادي ، يحتاج إليه كل العلماء في كل الحقول ، ويحتاج اليه الفقيه أكثر لأنه يتعاطى أكثر ما يتعاطى مع النص .. إن باستطاعتنا أن نعود الى سيرة علمائنا في العصور الأولى وكيفية تبادلهم للمعرفة والمعارف من دون عقد أو انغلاق من موقع الإختلاف والتكامل .. وبتواضع علمي وروحية إيمانية .. لندخل في تجربة جديدة تجعل الحوار العلمي ضمانة الحاضر والمستقبل وتثميراً للماضي المشترك سواء كان وفاقياً أو خلافياً .. ولكنه ماضينا وتراثنا ومسؤوليتنا جميعاً .

ختاماً .. لا بد أن يتحول المعتدلون الى شخصية معنوية وأن يكون لهم إطار واسع ومرن ويوسع الحيز الذي يجمعهم ويساعدهم على مراكمة جهودهم وتثميرها حتى لا تضيع ، ولا بد أن يتساندوا ويصبح كل اعتدال مجلبة وحافزاً لإعتدال آخر تماماً كما أن التطرف يجلب التطرف المضاد .. هذا مع العلم أن الإعتدال الحقيقي يحتاج الى علم كثير وعقل كبير وتدين عميق على عكس التطرف الذي يكفيه الأقل من العلم والأكثر من الجهل .. أما التقوى فهي ليست في حسابات التطرف لأنها تعني دماء الناس وأعراضهم وأموالهم الموارد الأولى للإحتياط والتي لا تحفظ إلا بالإعتدال والتراحم وكره المعصية لا كره العاصي من أجل علاج المعاصي لا اجتثاث العصاة .. الذين قد لا يكونون عصاة لو تحاورنا معهم وقد يكونون عصاة ولكن الحوار يردهم الى طريق الصواب .

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق