خمسة وثلاثون عاماً في صحبة الرفاعي
كتبه: جاسم الغزي
حرر في: 2015/09/16
التعليقات: 2 - القراءات: 33998

أبا محمد، أنت الأخ الغالي الذي افتخر به .. قرأت رسالتك الروحية الأخلاقية التربوية الجميلة، فوددتُ أن أكتب شيئاً عن صداقتنا الطويلة، وبعض المواقف التربوية الأخلاقية في مسيرة هذه العلاقة اﻹيمانية العطرة .. مازالت ذاكرتي طرية، فقبل 35 عاماً كان لقائي الأول بك، سنة 1980 في بيت الأخ الحاج أبي عادل (شريف القحطاني) حفظه الله، في الكويت.

   مذ رأيتك اصطاد قلبُك قلبي، وتعلقت روحي بروحك، فقد سحرني بيانُك العذب، وتنوع منابع ثقافتك، وحماستك اﻹيمانية، وغيرتك الوطنية ..كنت لا أود مفارقتك عندما نلتقي، لكن مشاغلك المتنوعة، التي لاتعد، تجعلني أودعك، واقتنص الفرص للقاء آخر، بغية اﻹصغاء لأحاديثك التي تنعش روحي، حيث لم أسمع من غيرك حلاوة الكلام عن نمط علاقة اﻹنسان بربه، وما يصوغه بيانك من صورة رحمانية جميلة لله، أتذوقها وكأني أستنشق عطراً ..كم تجذبني رؤيتك لطبيعة العلاقات الاجتماعية، وكيف أنها لن تترسخ إلاّ بالمحبة، ونبذ الكراهية من القلب .. لقد كنت مولعاً بتضحية السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وزهده وعمق إيمانه، وفكره الغزير، أتذكر أنك تحدثني عن الجريمة الشنيعة التي ارتكبها صدام حسين بسفك دمه الطاهر هو وأخته الطاهرة، كنتُ أجهش بالبكاء، وأتمنى لو تستمر بالحديث عن قافلة الشهداء من رفاقك، الذين أعدمهم طاغية العراق، لكن فجأة أرى احمرار عينيك من شدة النعاس، حيث إنك عادة ما تكون منهمكاً كل اليوم في مهام مختلفة، وقد أنجزت الكثير من اﻷعمال في النهار والليل، وربما رأيتك يومذاك أحياناً لم تنم  ليومين.

   مازلت أتذكر  قبل 35 عاماً مثابرتك وإصرارك على عقد دروس كثيرة لتثقيف الشباب، وتربيتهم روحياً وأخلاقياً وفكرياً .. أنت تعرفني أنا عاطفي لحظة توارد صور مواقفنا المشتركة الآن أشتهي أبكي.. والله كنت لشبابنا مناراً. لقد هاموا بك كلهم، ومازالوا حتى اليوم يتحسسون عبق وثراء تلك الجلسات واللقاءات الروحية التربوية الثقافية الخصبة.. لن أنسى أنك كنت في الكويت مدة من الزمن من دون إقامة رسمية، لكنك كنت تغامر في عقد مثل هذه الندوات مع الشباب، الذين وجدوا ضالتهم بك، وكم كنت تجازف حين تواصل العمل في سبيل الله ليلاً نهاراً، وأنت تعلم أن تسفيرك للعراق ذلك الوقت ينتهي إلى كارثة فتك جلاوزة صدام بك .. مرة ودعتك وخرجت، وأنا أردد مع نفسي: هنيئاً لهذا الشاب الرائع، الذي يحمل قلباً متيماً بحب الله واﻹنسان والعالم .. والله ياعزيزي ما أكتبه ليس  مجاملة، إنما هو الواقع الذي تمثلت لي بعض صوره الآن، وكأني أراها، ونحن نجلس ونتحدث، نأكل ونشرب، نفرح ونحزن، نضحك ونبكي، معاً.

   أتذكر أنك تأخرت يوما مع الشباب، في ندوتك الليلية  الثقافية التربوية المتنقلة، إلى ساعة متأخرة من الليل، فدعوتك للمبيت في دارنا، وكان المرحوم أبي يسكن اليك، ويبتهج حين تأتي منزلنا، فنمت في غرفة الضيوف، التي كان ينام فيها المرحوم الوالد، غير أنك استفقت مبكراً بمعية أبي لصلاة الصبح، وكان أبي يتمنى  لو يتكرر مبيتك بمنزلنا، لأنه يشعر بفيض روحك في بيتنا.

   تذكرت عندما سافرنا للعمرة في فبراير عام 1981 كنت تحدثنا عن الأهمية الفائقة للإيمان في بناء شخصية اﻹنسان، وأثر علاقة اﻹنسان بربه في إغناء حياته، طيلة الطريق البالغ ١٥٠٠كم تقريباً، وعندما أحرمنا من ميقات (قرن المنازل) في الطائف، وركبنا سيارة مكشوفة (وانيت)، كنت تتضرع ونحن نتضرع معك بالدعاء، كنا جميعاً تتصاعد ابتهالاتنا وتتسامى أرواحنا، وتنزف دموعنا مدراراً. ما ألذ تلك اللحظات وأعبقها وأغناها.. لحظة أدركنا بيت الله الحرام، وهرعنا للطواف، غرقت أنت بحالة روحية خاصة، تغيّرت معها ملامح وجهك، وتعبيرات جسدك، وغمرك ما يشبه السكر، إذ ذبلت عيناك، وارتخت يداك ورجلاك، وأضحت الأذكار والدعوات التي تكررها تكاد تختفي في طبقات صوتك، وكأنها تغيب في أعماق قلبك، بل كأن قلبك يشدو لحن عاشق، حالة تفاعلك وانغماسك بالدعاء والذكر، ومعه بالتدريج تعطّل لسانك، إلى أن تلاشت قواك، وانهار بدنك، فسقطت مغشياً عليك بجوار الكعبة المشرفة، وقتها بادرنا أنا والأصدقاء لإنقاذك، فحملناك إلى مستشفى (اجياد) مقابل باب المسجد الحرام، وبقينا جالسين عند الطبيب، وهو يحاول تزريق الدواء في وريد يدك عبر المغذي، والحمد لله رجع اليك وعيك، فاستفقت بعد مدة، وكان وجهك يتهلل، وأنت تتحدث عن تجربتك الروحية حالة الطواف حول الكعبة للمرة الأولى في حياتك، وتصفها لنا، بقولك: (أول مرة في حياتي أعيش مثل هذه الحالة، التي كانت هي الأثرى والأخصب، إذ عشت فيها:كثافة حضور الذات وتدفقها، وإشراقة الروح، وانبثاق ضوء في القلب، وضرباً من أشواق العشق الإلهي، لذلك ذبلت قواي، وانهارت قدرة جسدي) .. هنيئا لك يا أخي هذا القلب العاشق لله، الذي عرف ربه حق معرفته، وعاش لذة وصاله.     أتذكّر أحد المرات أني جئت أزورك بعد غياب أربعة أيام في بيت أخيك الحاج أبي عادل، ففاجأني قائلاً: إن صاحبك قد سافر. صعقت لهذا الخبر، كيف يسافر هذا الشباب المؤمن المتدفق رقة ودفئاً وثقافة، والذي انجذبت إليه وتأثرت به بشدة؟! سرني أبوعادل بأنك في رحلة لأحد البلدان، لشؤون تخص عملك في سبيل الله، وستعود قريباً. حمدت الله لأني سألتقيك مرة أخرى.

   منذ ذلك الوقت وأنا قريب منك، ملكتني بقلبك النابض بمعرفة الله، أأنس بقربك، وأستمتع وأرتاح بمجالستك .. طيلة عشرتنا الممتدة 35 عاما لم أسمع منك ما ينفر أو ما يزعج جليسك، يكللك دائماً الصمت والوقار، لا تنطق عادة  إلاّ حين يسألك أحد الجالسين، تجيد فن اﻹصغاء، وتمنح محدثك ثقة واحتراما وتبجيلاً، وإن كان حديثه عادياً ..كنت ومازلت تحب الكل، وتسأل عن الكل، وتبادر للتواصل مع الكل، تتفقد الأصدقاء بمناسبة أو بدون مناسبة، معرباً عن اشتياقك الدائم لهم.

   قرأت قبل يومين رسالة بعثتها أنا اليك، تعود إلى 1-3-2008 أشكرك فيها على تعزيتك لي بوفاة والدي، حيث أن اتصالك الهاتفي كان له الأثر الكبير في عزائي بأبي، الذي أقض رحيله مضجعي، وقد شكوت لك جفاء الأخوة الذين تربطني بهم علاقة وطيدة، لكن لم يكلفوا أنفسهم دقائق قليلة لمهاتفتي ومواساتي بفقدان أبي الغالي. أثار دهشتي جوابك الموجز لي، إذ كتبت: (ستنبؤك الأيام بما هو الأسوأ من رفاق الدرب مستقبلاً) .. نعم لقد رأينا وسمعنا ولمسنا وعشنا الأسوأ.

   والله ياعزيزي أنا مثلك أحمل قلباً ليس فيه مكان للغل والحقد .. أنا طفل برئ في علاقاتي مع اصدقائي، أتمنى كما الطفل أن أشركهم بألعابي، أبكي عندما أرى دموع الآخر، بغض النظر عمن يكون هو الآخر .. أنا قاتلني قلبي مايتوب من (چوياتهم). 

    ستبقى أنت علماً ومناراً ومشعلاً يداوي جراح المتعبين، ممن أنهكهم السير، وأدمت أقدامهم أشواك الطريق، ويظل قلبك الكبير يخفق بحب الله واﻹنسان والعالم، وينبض رحمة ووفاءً لكل من عرفك وتتلمذ على يديك الكريمتين .. لاحرمني الله منك، فديتك أنا أخي وصديقي وأستاذي أبا محمد.

المدينة المنورة  ١٤ - ٩ - ٢٠١٥ ، موسم حج ١٤٣٦ 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


جاسم الغزي
2015/09/16 | مقالات | القراءات:33998 التعليقات:2


ارسل لصديق