الكتابة الخلافية أو اصطناعُ الخلاف
عبد الرحيم صادقي
كتبه: المحرر
حرر في: 2016/01/03
التعليقات: 0 - القراءات: 567

يبدو أنَّ صنفاً من المفكرين والكتاب العرب يستهويه الخلاف الفكري أكثر مما يستهويه التوافق والإجماع. فبعض الأقلام تراها تسأم من إثارة قضايا فكرية خلافية، ولو كانت قضايا جزئية وهامشية، في الوقت الذي تغضُّ فيه الطرف عن قضايا رئيسة لامجال للخلاف فيها.

يُذكِّر هذا النوع من الكتابة ـ المنجذب إلى ما يفرّق أكثر من انجذابه إلى ما يجمعُ ويوحّد ـ بصنفٍ من الكتابة التراثية عند المسلمين، يتعلق الأمر بعلم الكلام. فرغم أنَّ موضوع هذا العلم (العقيدة) أبعدُ ما يكون عن مواطن الاجتهاد، وميادين العمل، فقد كان مرتعاً خصباً للخلاف، وحقلاً معرفياً رائجاً لإشكالات لاحدَّ لها ولا حصر. فما الذي حصل؟

حين تحرك العقل المسلم، وخاض المتكلّمة في مسائل العقيدة، خلَّفوا لنا من الفِرَق والمدارس والتيارات مافاق غيره في حقول معرفية هي أشدُّ التصاقا بالفكر الإسلامي، وأكثر أصالةً وأعمق صلةً بالمعارف الإسلامية. والحصيلة؟ إشكالات هامشية، بعضها مفتعلُ وبعضها الآخر مستوردٌ من بلاد الاغريق. ومثال ذلك: إشكالية العقل والنقل، مسألة الذات والصفات (هل صفات الله هي عين ذاته عز وجل أم هي شيء زائد عن الذات!)، مسألة الرؤية (رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة!)، وقيس على ذلك مسألة العدل الإلهي، ومسألة الجبر والاختيار وهلم جرا..

فهذه المعارك الكلامية، التي كان من أبرز وجوهها فرقتا المعتزلة والأشاعرة، لاتعدو كونها معارك مفتعلة (على الأقل جلُّها)، والخلاف الذي دام بشأن بعض المسائل الكلامية، ليس إلا خلافاً لغوياً، لا أقل ولا أكثر. وإلاّ فأيُّ فرق بين قائل برؤية بلا تجسيم وبين نافٍ لرؤيةٍ تقتضي التجسيم؟!

***

ولكن ما مناسبة هذا الكلام؟ مناسبته، المقال الذي نشرته مجلة «الكلمة» في عددها الرابع والعشرين (24). في باب المناقشات، يتعلق الأمر بالمقال المعنون بـ «التحدي الحضاري في فكر المثقف المسلم» للأستاذ عبد الواحد علواني. هذا المقال الذي ناقش فيه صاحبه مقالاً للأستاذ رشيد أبو ثور، تحت عنوان «العالم الإسلامي والتحديات الحضارية»، المنشور بالعدد الثاني والعشرين (22) من المجلة المذكورة.

فوقوفاً عند كلا المقالين، لم أستطع أن أتبين جوهر الخلاف بين صاحبيهما. بل لم يَلحُ في مناقشة الأستاذ علواني ما يشير إلى خلاف فكري حقيقي، أو تضارب في الآراء، تضارب يستدعي الردّ والتوجيه. فبداية، واضحٌ أن الكاتبين معاً يستندان إلى مرجعية واحدة هي المرجعية الإسلامية، ومن ثمَّ فإن الخلاف بينهما لن يكون ـ ولاريب ـ كخلاف أحدهما مع ذي توجه قومي أو علماني.. إلا متى كان الخلاف مقصوداً لذاته. وإذا كان يلزم التأكيد ـ كما يقول علواني ـ على ضرورة عدم الخلط بين عظمة الإسلام كمصدر للتشريع وكنظام للحياة، وبين فهمنا لهذا الدين وممارستنا لأحكامه (ص104)، فهل يلزم التأكيد أيضاً على أنه ما مِن نصٍّ بشري، وأيّاً ما تكن مرجعيته، وكيفما طلب الدقة والإحكام، فليس يسلم من بعض الملاحظات؟! وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون من الأولى تركيز النظر على الأفكار الرئيسة في النص، والتي هي موضع الخلاف (إن كان هناك خلاف طبعاً)، بدل الاشتغال بالتفاصيل والجزئيات! ثم ألا يكون من الأصوب ترك البحث في القضايا الخلافية الجزئية متى حصل الاتفاق حول الخطوط العريضة في المسألة محلِّ النظر! خصوصاً إذا استحضرنا أن تحديات الآخر لاتستهدف الجزئيات والفروع بقدر ما تستهدف أصول الفكر الإسلامي والبُنى التحتية للمرجعية الإسلامية.

ولكنَّ المنطق الذي أسر الأستاذ المناقش ـ على ما يبدو ـ هو منطق البحث عن الخلاف، منطق الحفر في الصخر، مهما كلف ذلك من شقاءٍ وعناء، بدعوى ممارسة النقد الذاتي (ص101) ونبذ التقليد والإتكالية (ص105).

ومن الملاحظات التي تساق في هذا المجال وتدخل في باب المناقشة:

أولاً: صنَّف الأستاذ الباحث صاحب المقال في خانة المنتظرين لتحولٍ عجيب كفيل بإحداث القطيعة مع ماضي المسلمين المتخلف والمزري (ص101)، تحولٌ هو أقرب إلى المعجزة منه إلى السنن الجعلية ونواميس الكون والحياة.

 وانتقد الكُتَّاب والمفكرين المسلمين (والأستاذ رشيد من هذا الصنف) الذين يقدمون الحلول على أنها وصفة سحرية، كما عاب على د. رشيد اتكاله على من يعتنقون الإسلام، بدل إعداد القوة الذاتية، والعدد والعدة وترسيخ أسس نهضة إسلامية تنطلق من أرض الإسلام. والسؤال الآن هو: هل د. رشيد يروم فعلاً إقناع القارئ العربي بالإنتظار والاتكال بدل الإيجابية والحركة المستندة إلى الأسباب والوسائل؟ وهل تنطبق الأوصاف المذكورة على نص د. أبي ثور؟ فإذا كان الجواب: نعم، فما معنى إذن حديث المقال عن البديل الحضاري، والذي أبى علواني إلا أن يناقش بعض أطروحاته (ص106)؟ فكيف ينسجم منطق الانتظار والسلبية مع منطق الدعوة والتفكير في البدائل؟ لايبدو أن هناك جواباً مقنعاً، اللهم إلا طلب الخلاف والإمعان في الطلب، إلى الحد الذي يجعل أ. علواني يُنكر على د. رشيد استشهاده بالآية الكريمة من سورة النور، والتي تبشر المؤمن بالاستخلاف في الأرض متى أطاعوا الله وعملوا الصالحات {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} الآية 53، بدعوى أن الآية تشير إلى عكس مقصود د. رشيد، فالآية ربطت الاستخلاف بأسبابه، والتي هي الإيمان والعمل الصالح. ولا أجد مبرراً لهذا الاعتراض بل لم أتبيَّن وجهه ولا مناسبته للمقام. وكأني بالأستاذ علواني يخاطب أحد المرجئة القائلين بعدم ضرر المعصية مع وجود الإيمان. فما جدوى حديث د. أبي ثور عن ضرورة استغلال شبكة الانترنت، وحديثه عن الواجب التربوي والإعلامي.. إذا كان يفهم من الآية أن الاستخلاف هو قدرُنا المقدَّر بلا كدٍّ ولا نصب!

ثانياً: يتفق أ. علواني مع رأي د. رشيد في الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، فالهيئتان معاً حسب الأستاذ، قائمتان على الظلم والفساد والإفساد وإرادة التسلط والهيمنة..

 بل إنه لايشك في رغبة الغرب في استئصال سكان الجنوب وإبادتهم عن آخرهم (ص103)، ولكنه مع ذلك ينفي نظرية المؤامرة، أو هو على الأقل لايقدّرها قدرها. والحق أن نظرية المؤامرة هذه غالباً ما تقع في هذا الطرف أو في ذاك، حيث لا وسط ولا اعتدال.

فإمَّا أن نعتبر الغرب ذلك المارد ذا الأعين الألف التي لاتنام، والآذان التي تلتقط دبيب النمل وتستشعر نسمات الصباح، فهو فوق الزمان والمكان، ومن ثمَّ تكون مشاكلنا وهمومنا كلها، وحياة الضنك التي نعيش، سببها هذا المارد. وإمّا أنه لامؤامرة ولا خطة، ومن ثمَّ فلا أحد غيرنا مسؤول عن انحطاطنا وتخلفنا.

وهكذا تغيب الحقيقة بين إفراط وتفريط، وبين موسوسٍ ومخدوع. فلا تكاد تعثر على من يقول: «لستُ بالخبِّ ولا الخبُّ يخدعني». فكيف يسعنا أن ننكر مثلاً تآمر الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إذا كنا نسلم بأن العالم الذي يضمنا عالم براجماتي، يسخر التاريخ والثقافة لحماية مصالح الأقوياء (ص103)؟. والشيء نفسه يُقال عن موضوع الشركات العالمية وجشعها، والبنوك الأجنبية وحيلها. فالأقرب إلى الصواب أن نعتقد أن الجاني والمجني عليه ـ في هذه الحالة ـ شريكان في الجريمة. فهذه المؤسسات التي تخطت كل الحدود والفواصل، وتجاوزت الدولة وأجهزتها، بل أصبحت هذه تابعة لتلك لا متبوعة، هذه المؤسسات ما كان لها أن تكون على ما هي عليه الآن، فتعلو ولا يُعلى عليها، لو لم تشرع لها أبواب عالمنا، وتُفرش لها الطرق بالورود والياسمين، ولو لم تنادِ الشاة على الجزار. فالمؤامرة جارية على قدمٍ وساق ولايسع أ. علواني أن ينفيها.

ثالثاً: النزوع إلى الخلاف قاد الباحث إلى قياس الفتوح الإسلامية على غيرها من غزوات الأمم الأخرى وحروبها، دون مراعاة الفارق المنهجي في مقارنة من هذا النوع.

 إذ خلط الباحث بين النظرية والتطبيق أو قل بين المبدأ والممارسة الفعلية. فحين نكتفي بحصر «وجه الشبه» بين الحروب الصليبية التي تمت تحت ستار القيم العلوية (ص103) والفتوح الإسلامية التي جرت باسم القيم العلوية أيضاً، حين نحدّدٌ وجه الشبه في وقوع الأخطاء والتجاوزات المُخزية رغم الشعار المرفوع، فإننا نكون قد عقدنا مقارنة بين «نظرية» الحروبة الصليبية و«تطبيق» الفتح الإسلامي. وهي مقارنة لاتصح. إذ الصحيح أن نقارن بين نظرية هذا ونظرية تلك. أو بين تطبيق هذا وتطبيق تلك. فلا تكون المقارنة إلا بين نظريتين [أو قل مبدأين]، أو بين تطبيقين [أو قل ممارستين]. فعلى فرض أن الفتوح الإسلامية عرفت أخطاء معينة في لحظات تاريخية محددة، فإن ذلك لايعني بتاتاً أنّ هناك عيباً أو نقصاً في الرسالة التي حملها هؤلاء الفاتحون. فنظرية الإسلام في الحروب واضحة غاية الوضوح، وأحكام الجهاد وأصوله وأهدافه، كل ذلك ليس فيه تشريع للتخريب والتدمير والإبادة. فمن الخطأ أن نحمّلَ الإسلام أخطاء معتنقيه، وهذه نقطة أشار إليها الباحث في موضع غير هذا، لكنه غفل عنها هنا. أما فيما يخص الحروب الصليبية أو المجازر الجماعية التي ارتكبها الأنجلوساكسونيون قصدَ إبادة الهنود الحمر وقطع دابرهم، فإن الأمر يختلف، فقد كانت مجازر هؤلاء وحروب أولئك منسجمة تماماً مع عقائدهم ومبادئهم الأرضية. فإذا كان الصليبيون فعلوا ما فعلوا بدعوى نشر دين المسيح كما يؤكد أ. علواني (ص103)، فإن الأنجلوساكسونيين ذَبَّحوا وأبادوا ليُتمموا مكارم الرجل الأبيض، المكلَّف بترقية باقي الأجناس وتحضيرهم (من الحضارة).

وبناء على ما تقدم يتضح أن تصنيف الفتوح الإسلامية والحروب الصليبية ومجازر الرجل الأبيض في خانة واحدة، بدعوى قابلية التأويل لمعنى القيم العلوية، ومن ثَمَّ إمكان وقوع الظلم والطغيان، تصنيف لايقوم على أساس سليم، منهجاً ومضموناً. فمن حيث المنهج، لاتكون المقارنة إلا بين النظريات بعضها وبعض، أو بين التطبيقات بعضها وبعض. وأما من حيث المضمون، فإن الإسلام لايدعو إلى الجهاد وفق منطق الهوى، كما أنه لايبرر الأخطاء متى وقعت أو يقنّنها، بينما لايرقب الرجل الأبيض في الأجناس الأخرى إلاًّ ولا ذمة، كما تستبيح الصليبية كل شيء في سبيل التنصير، وهما معاً لايعترفان بوجود أخطاء، لا قليلة ولا كثيرة. فكل مماثلةٍ إذن بين الإسلام وغيره من الشرائع الأرضية قياسٌ مع وجود الفارق.

رابعاً: ثم إن اعتراض أ. علواني على د. أبي ثور في دعوته العالم إلى تبنّي النموذج الإسلامي، اعتراضٌ مثير للدهشة. فإذا لم يدع المسلمون إلى النظام الإسلامي، فإلامَ يدعون إذن؟!

 أما المشكلات الثلاث التي تعترض سبيل هذه الدعوة كما حددها الباحث، فلا يجادل فيها إلا مكابر. غير أن الإقرار بوجود المشاكل لايمنع من الاستمرار في دعوة العالم أجمع إلى تلبية نداء الإسلام، بل والإلحاح في ذلك، مثلما أنّ الإقرار بوجود العوائق لاينبغي أن يفتَّ في عضد مفكري الإسلام أو يشككهم في قدرة الإسلام على صياغة الحلول وتقديم البدائل، فهذا من باب أولى. غير أن مروراً سريعاً على المشكلات الثلاث الحائلة دون استجابة العالم لدعوة تبنّي النموذج الإسلامي، يكشف عن نمط حواري بلا وجهة ولا غاية. فالمشكلة الأولى هي واقع المسلمين المزري، وهذه ليست محلَّ خلاف بين الباحثين. والمشكلة الثانية هي عدم تبلور النموذج الإسلامي، وهي الأخرى ليست محل خلاف، ولو كان للأستاذ رشيد رأيٌ آخر لما أجهد نفسه في صياغة بعض معالم البديل الحضاري. وأما المشكلة الثالثة، فهي أوضح من الوضوح، فمن قال إنَّ العالم ينتظر أو يرغب أو يُرحِّب بمن يقترح عليه البدائل والحلول لمشاكله المتعاظمة! ولو كان الأمر كذلك لبطلت سُنة التدافع. والأكيد أن د. رشيد واعٍ بهذه المسألة كل الوعي طالما أنه يدعو إلى نهضة إسلامية تتجاوز سلبيات الحاضر وأزمة القيم في العالم بأسره. فواقع المسلمين شيئ، والدعوة إلى الإسلام بديلاً حضارياً ونظاماً كونياً كفيلاً بتحقيق سعادة البشرية قاطبة شيئ آخر. فلئِن كان المسلمون غير مؤهلين لقيادة العالم حاضراً (ص105)، فلا يمنع ذلك من الاعتقاد الجازم بأن الإسلام مؤهلٌ لإيجاد مخرج للإنسانية من المخاطر التي تتهدَّدها. وليس هذا الاعتقاد خروجاً من الواقع والمرحلة والعالم والعصر بالتعبير الحرفي للأستاذ علواني(ص106).

وكيف يعتبر الباحث هذه الرؤية تخيلات عجيبة وغريبة، ثم يستمر بعد ذلك في الحديث عن ضرورة إيجاد بديل حضاري يكون منطلقه الإسلام؟ وأي نظام هذا الأقدر على دفع المخاطر عن البشرية وجلب المصالح والمنافع! إنّ أ. علواني يدعو إلى التمييز بين الإسلام بوصفه ديناً سماوياً كاملاً، وبين التفسير البشري لنصوص الدين، حيث إنه لاعصمة لهذا التفسير. كما يؤكد على ضرورة بذل الجهد في التجديد والإحياء الحقيقي للقيم النهضوية (ص106)، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر أن النظر إلى الإسلام على أنه الحل والمخرج، أحلام يقظة وخروجاً عن المرحلة. فهل يكون من مقتضيات المرحلة اعتبار الإسلام غير مؤهلٍ لإيجاد الحلول إذن!

خامساً: تساءل أ. علواني عمّا هي الأخطار التي اتفق العالم على أنها تتهدد الإنسانية (ص106)، والتي من شأنها أن تُمهّد الطريق أمام البديل الإسلامي، وتقنع الناس كافة بضرورة الإسلام وجدوائيته.

 فحسب الأستاذ ليس هناك أخطار مجمَع عليها. والحق أن هناك خطرين اثنين على الأقل، ليسا محل أخذٍ وردٍ، ولا جدال حولهما مطلقاً. الخطر الأول: التدمير البيئي، وهذا يشكل هاجساً حقيقياً ليس لدى المنظمات المهتمة بالبيئة (الخُضر مثلاً)، أو في الأوساط الثقافية في الغرب نفسه فحسب، وإنما أصبح موضوع البيئة هاجساً حقيقياً في الدوائر الرسمية الغربية كذلك، وإن كانت هذه تحاول إخفاء قلقها والتهوين من شأن هذا الموضوع إرضاءً للُّوبيات الجديدة (الشركات متعدية الجنسيات)، وخضوعاً لديانة السوق كما يقول جارودي. وأما الخطر الثاني: فهو الترسانة النووية العالمية، القادرة على محو أثر الإنسان على هذا الكوكب (إن لم يمحَّ الكوكب نفسه) في حالة لجوء أباطرة الأرض إلى استعمال هذا السلاح الفتاك في حرب تكون الأخيرة، ولكن لاسلام بعدها، طالما أنه لاحياة بعدها. فلأوَّل مرة في تاريخ البشرية يستطيع الإنسان أن يُدمر ذاته، ويدمر نوعه، كما يقول المهدي المنجرة (الحرب الحضارية الأولى).

فهذان خطران ليس في الوسع إنكارهما أو التقليل من شأنهما، وطالما أن الإنسان الغربي المتفلّت من كل القيم هو سيد هذه الأخطار، فإن الدعوة إلى النموذج الإسلامي لها ما يبررها، بل هي دعوة واجبة حتى لاتغدو التقنية ميتافيزيقيا العالم الجديد، بتعبير هايدجر (Heidgger) .

سادساً: تضطرب الرؤية عند أ. علواني في موضوع علاقة التخلف بالقيم. وللأمانة العلمية نورد قول الأستاذ بتمامه، ثم نعلق عليه.

  يقول الباحث: «فالواقع الإسلامي يعاني من التخلف والفقر والهوان والتبعية، مع أنَّ معظم المسلمين ملتزمون بدينهم. وكل القيم العلوية لاتفلح في إنقاذ العالم الإسلامي من عِلَلِه التاريخية والسلوكية والفكرية. فقد تحولت إلى شعارات وطقوس بدلاً من أن تكون منهجاً تجديدياً للحياة» (ص103). هكذا نجد الباحث يجزم أنّ كل القيم العلوية لاتشفي المسلمين مما تلبَّس بهم من أمراض مزمنة، ولكنه يؤكد أن القيم العلوية لم تُجسد على أرض الواقع إذ كل ما لدى المسلمين إنما هو شعارات وطقوس، فكيف إذن يأخذ القيم العلوية بجريرة الطقوس والشعارات، وطالما أن سبب فشل المسلمين وخيبتهم ـ كما يعتقد الأستاذ ـ أنهم لم يتمسكوا بالدين الصحيح! وإذا كان الأمر كذلك، فما معنى قوله إنّ معظم المسلمين ملتزمون بدينهم؟ فهذا الاضطراب الذي وقع فيه الأستاذ، إنما سببه الخلط بين قيم صحيحة وقيم زائفة. فالأولى قيم تعكس صورتها جوهرها، ويتناغم مبناها مع معناها. أما الثانية فهي خادعة، ظاهرها حق وباطنها باطل وضلال. وما دام أن القيم الحقيقية لم تُطبق على أرض الواقع أصلاً، فإنه يكون من البعث الزَّج بها في الموضوع، أو استخدامها في صياغة معادلة التخلف.

فالأستاذ علواني رغم وعيه بالفارق بين القيم الحقيقية والقيم الزائفة، بدليل كلامه عن القيم العلوية من جهة والشعارات والطقوس من الجهة الأخرى، ورغم تسليمه بأن الساري في واقع المسلمين هو الشعارات والطقوس، رغم هذا الوعي الحاد، فإنه لم يسلم من الوقوع في التناقض، فيقرر أن معظم المسلمين ملتزمون بدينهم (إلا إذا كان المقصود بالدين، الدين المحرَّف والمشوَّه، أي دين القيم الزائفة، وهذا معنى لايفيده السياق)، فعن أي التزام يتكلم الأستاذ، عن الإلتزام الصحيح أم عن الإلتزام الزائف؟ ومن المسؤول عن التخلف، القيم الحقيقية أم القيم الزائفة؟ ربما فات الباحث أن يُدقق الأمر، لايهم. ولكن المهم أن سياق الكلام يفيد أن تخلف المسلمين لا علاقة له بموضوع القيم. الذي يؤكده في مكان آخر يقوله: «ونؤمن مع الكاتب أبو ثور أن ما يعانيه المسلمون اليوم من تخلف وعجز.. هو نتيجة أزمة قيم تنعكس عواقبها على الإنسانية جمعاء»(ص105).

سابعاً: لنشير في نقطة نجعلها الأخيرة، إلى شاهد آخر على مآلات الكتابة الخلافية، والتي بدا لنا أن مقال الأستاذ علواني نموذج لها. والشاهد المقصود هو اعتراض الباحث على د. أبي ثور في مراهنته على أمورٍ لاتقدم ولا تأخر، كالتعويل على العدد المتزايد للمسلمين ولمعتنقي الإسلام (ص106). والذي يهمّنا هنا هو تعليق أ. علواني على الرهان الثاني، إذ اعتبره رهاناً فاشلاً، وهو رهان أكل الدهر عليه وشرب، بتعبير الأستاذ المناقش. ولكنه ما يلبث أن ينوه في السطر الموالي بإشارة الأستاذ أبي ثور إلى الاهتمام الإيجابي بالإسلام من قبل أعداد متزايدة من الطلبة والمثقفين وغيرهم في العالم الغربي. ويشاطره الرأي في ذلك، معتبراً أنه أهم ما أشار إليه الكاتب. فكيف يستبشر المفكر المسلم خيراً باهتمام (مجرد اهتمام) الغرب المتزايد بالإسلام ولا يأمل خيراً من الإقبال المتزايد على الإسلام! أيعقل أن لانُسر بهذا ونبتهج بذاك! أيكون الاهتمام بالإسلام أقوى أثراً وأأكد نفعاً للمسلمين من الإقبال عليه! أحسَبُ أن المطلوب من المسلمين ـ حسب أ. علواني ـ أن يستبشروا لا أن يُراهنوا!!

خلاصة القول، إن مقال أ. علواني الذي كان هدفه التصويب والمراجعة ولا ريب، انتهى إلى عكس مُراده، حيث إنَّ اعتراضاته لم تسلم من الغموض والتناقض أحياناً. ومردُّ ذلك في رأينا إلى هاجس سيطر على الأستاذ الباحث، هذا الهاجس الذي سميناه هاجس الخلاف. فمتى استحكم هذا الهاجس من الناقد رأيته ينزع إلى الخلاف ويجدُّ في إيجاد مسوغاته، ويوغل في ذلك، حتى ينتهي إلى أسوأ النتائج، وإلى أهداف غير مقصودة. وهذه الكتابة تنطلق من تصورٍ معين لكيفية تجديد الفكر وتنويع مشاربه، إيماناً بضرورة التجديد والإبداع. ومقتضى هذه الضرورة أن النقد الذاتي مطلوب باستمرار. ومتى مورس هذا النقد دفعاً للجمود والتقليد، دون استحضار الغاية الأخيرة منه، وقع في تهويل الخلاف وتضخيمه، إلى الحد الذي يوحي إلى القارئ أن ما يفرق بين الناقد والمنقود أكثر مما يجمع بينهما.

ونحسب أن النقد من هذا النوع يهدم ولايبني، وإن لم يقصد إلى ذلك مطلقاً. والذي يحسن التذكير به في هذا السياق أن النقد كما يكون الدافع إليه تعارض وجهات النظر، يكون كذلك لأجل تعميق فكرة المنقود، أو توسيعاً لمجالات تطبيقها، أو بياناً لمشمولاتها. ولكنك لاتكاد تظفر في دائرة الكتابة العربية بنقد من هذا الصنف، حتى لكأن كل كاتب يكتب لحسابه الخاص، ولا مُناصرَ له، أو لكأن الخلاف هو الأصل، والاتفاق شذوذ.

* مناقشة لموضوع (التحدي الحضاري في فكر المثقف المسلم) عبد الواحد علواني، الكلمة، السنة السادسة، العدد 24، صيف 1999م/ 1420هـ، ص100ـ106.

** كاتب من المغرب.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق