المواطنة و تنوع مفهوم الحقوق و الواجبات
تم اعداد هذه الدراسة للمشاركة في ندوة بعنوان المواطنة : قراءة في المفهوم و التحديات في منتدى سيهات الثقافي في يوم الاثين ١٦/١١/٢٠١٥
كتبه: الدكتور أحمد محمد اللويمي
حرر في: 2016/01/13
التعليقات: 0 - القراءات: 1888

يشهد عالمنا المعاصر نهضة منقطعة النظير في مطالبة الشعوب بحقوقها الطبيعية من العدل و الحرية و المشاركة السياسية في إدارة شؤنها. و يحتل مفهوم المواطنة موقعا مركزيا في الحراك العالمي للمطالبة في الحقوق. بالرغم من ما حققته المواطنة من تنظيم و تطوير للمجتمعات الغربية و ما بلغته اليوم من نضج في تنظيم الحقوق السياسية والاجتماعية و المدنية للدول الغربية تراوح الدول العربية مكانها في تطوير مفهوم المواطنة في تطبيقاتها المختلفة في شتى مناح الحياة. من خلال الاستعراض الذي قدمته الورقة اتضح حجم القطيعة بين مفاهيم المواطنة في بعدها الغربي و تطبيقاتها في المجتمع العربي. و قد تبين ان هذه القطيعة ترجع الى هيمنة حالة الضياع و الشتات في الدول العربية

يتسم عصرنا الحاضر بالتحولات المدنية التي لعبت فيها التقنية دورها البارز في نقل الانسان من حالة التخلف إلى ما يعاصره الانسان اليوم من تحولات مدنية هائلة في شتى مناح الحياة. و كما كان الفضل للتقنية من دور بارز واثربالغ في نقل الانسان إلى المرحلة الراهنة من التطور والتحول كانت لمفاهيم الديمقراطية الليبرالية و خصوصا وليدها المبارك المواطنة من أثر لا يمكن الاستهانة به في إرساء النظام الاجتماعي السياسي الذي ساهم بشكل كبير في الدفع بحركة التقدم و النمو وبناء القواعد الاساسية للاستقرار الاجتماعي من خلال تعزيزالحقوق المدنية والسياسية و الاقتصادية التي ساهمت في توفير بيئة  الاستقرار التي تشهدها المجتمعات الغربية.

و أما حالة اللاستقرار التي تشهدها المجتمعات العربية بشكل خاص و كثير من الدول الاسلامية بشكل عام يرجع إلى غياب الرؤية التي تعاني منها الانظمة السياسية و المجتمعات في إرساء منهج يحدد طبيعة العلاقات السياسية ـ الاجتماعية أحد اهم العوامل الذي تشهده هذه العوالم من الفوضى في طبيعة المناهج المعتمدة و المكونة من نظام هجين متناقض المحتوى متضارب الدوافع.

بين ايدينا قراءة لمفهوم المواطنة في تحولاتها التاريخية و مفاهيمها في التطبيق الليبرالي و اشتغال المنظرين المفكرين المعاصرين من الغربيين في قراءة المواطنة على ضوء التحولات التي يشهده العالم في ما بعد الحداثه من تحولات العولمة و ما صحبتها من تغيرات جيوسياسية. كما تقدم القراءة لمفهوم المواطنة في النظام الديمقراطي الليبرالي و كذلك الرؤية الاسلامية المعاصرة في مدارسها المختلفه في جانبيها الرافض للمفهوم في بعده الليبرالي و المتعاطف مع تفاصيله بالرغم من ان القراءة الاسلامية تراوح في مضانها التنظيرية و لم تشهد بعد تطبيقا جادا و ناضجا.

أولا: تعاريف المواطنة و جذورها

يذهب الكثير من الباحثين إلى ان كلمة المواطنه لا جذر لها في اللغة العربية و هي مستوردة من عصر النهضة لترجمة المواطنه في الفرنسية او الكلمة الانجليزية Citiznship. و يذهب برنارد لويس إلى ان المواطنه غربية المنشأ. و يقال بان كلمة المواطنه مشتقه من كلمة وطن ، ففي لسان العرب لابن منظور (هو المنزل الذي تقيم به و هو موطن الانسان و محله، و وطن بالمكان و وطن أقام). و اما مفهوم المواطنه في الاستعمالات الحديثه ترجع بالاصل الى الاصلاحي المصري رفاعه رافع الطهطاوي الذي ادخلها في كتبه (مناهج الالباب) و (المرشد الامين)[1]. و يذهب الدكتور منير مباركيه في كتابه (مفهوم المواطنه في الدوله الديمقراطيه المعاصره و حالة المواطنه في الجزائر) لا يوجد تعريف جامع شامل للمواطنه و الذي يجمع ابعاد المفهوم المعاصر للمواطنه و قيمها و التي تشمل التالي:

·      العضويه في الجماعه السياسية (دوله)

·      المساواة

·      التمتع بالحقوق و اداء الواجبات

·      غياب ممارسات التمييز

·      الاحترام المتبادل بين المواطنين

·      الاعتراف بالتنوع و إدارته

و قد أكد مباركيه ان تعريف مفهوم المواطنة  تشاطرته عدة مقاربات و منظورات هي:

1.    منظور رعوي : رابطه تربط الافراد بحاكم او سلطه سياسيه محدودة

2.    منظور قانوني: رابطة قانونية يتمتع الداخلون ضمنها بتساوي الحقوق

3.    منظور سياسي: المشاركة الفعالة في العملية السياسية

4.    منظور الهوية: انتساب او عضوية الافراد في جماعة مشتركة الهوية

5.    منظور التكافل الأجتماعي: منح حزمة من الحقوق للافراد في إطار دولة الرفاهية

6.    منظور ثقافي: تتضمن المعنى الثقافي لنمط الحياة الذي يكرس لعالم الافكار و الفن و العلوم.

7.    منظور وظيفي: هي توزيع للحقوق و الواجبات بين الدولة و المواطن من اجل حفظ  المجتمع و تطويره.

8.    منظور روحي: حب الوطن و الأعتزاز بالانتماء اليه  والتضحية من أجله.

9.    منظور بيئي: الحق في بيئة سليمة و بالواجبات التي تتلازم مع هذا الحق.

و يعد تعريف الدكتور علي خليفة الكواري من التعاريف التي تتصف بشيء من الشمولية (المواطنة علاقة الفرد بدولته وفق الدستور السائد فيها القوانين التي تنظم العلاقة بينها من حيث الحقوق و الواجبات)[2]. و من التعاريف الشاملة للدكتور حسين الخشت ( الانتماء إلى الوطن انتماء يتمتع المواطن فيه بالعضوية الكاملة الاهلية على نحو يتساوى فيه مع الاخرين الذين يعيشون في الوطن نفسه مساواة كاملة من الحقوق و الواجبات و أمام القانون  دون تمييز بينهم على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الفكر او الانتماء السياسي و يحترم كل مواطن المواطن الآخر كما يتسامح الجميع تجاه بعضهم البعض رغم التنوع و الاختلاف بينهم)[3]

ثانيا: تطور مفهوم المواطنة

ان القيم و المفاهيم التي يحتضنها مفهوم المواطنة الراهن لم تأتي الا بعد مرور هذا المفهوم عبر تطورات و تحولات كبيرة و عبر قرون من الزمن. إلا ان التطور المعاصر لمفهوم المواطنة بدء مع انطلاق الثورة الفرنسية و اعلان حقوق الانسان عام ١٧٩٨م. و قد مرت المواطنة في اتساع الحقوق و الواجبات بثلاث مراحل هي:

1.    المواطنة المدنية: بدأت هذه المرحلة في القرن السابع عشر و تتسم بمفهوم المساواة أمام القانون و حقهم في المطالبة بالحقوق و الامتيازات القانونية.

2.    المواطنة السياسية: و هي المرحلة التي تشير الى ظهور الجماعة المنتمية لجنسية ما الحق في المشاركة في صناعة القرار في النظام السياسي و سن القوانين دون وضع أي عوائق او تمييز في العرق او الدين، و شملت المواطنة السياسية حرية التعبير و الكتابة و طباعة الاراء.

3.    المواطنة الاجتماعية: و يمثل هذا الشكل من المواطنة الأهتمام بالرعاية الاجتماعية و بناء مجتمع الرفاه. بدأت هذه الرحلة بغد عام ١٩٤٥ و تشمل الحق في المطالبة بنظام الضمان الاجتماعي و غيره من النظم الفاعلة في مكافحة الفقر و العدالة الاجتماعية.

المراحل الثلاث كان لها الدور التأسيسي في جعل كل مرحلة تمهد للمرحلة المقبلة ، فالمساواة السياسية تعزز و تدعم المساواة المدنية و تحقق مفهوم المساواة و كلاهما يضفي على المساواة الاجتماعية الواقعية و الثراء في التطبيق.

ثالثا: المواطنة و الهوية

الهوية : وتعتير هوية الجماعة هي الصفات التي تحدد معالم شخصيتها. وتبنى هوية الجماعة على ثلاث عناصر ، العقيدة واللغة والتراث الثنائي[4] .

ويذهب المفكر الفرنسي أليكس ميكشيللي إلى أن الهوية هي (منظومة من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي وتتجسد بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها)[5] .

وتعد الهوية أعمق تجذراً وأشمل انتماءاً من المواطنة مما يجعلها مهيمنة عليها ويجعلها تواجه تحدياً أكبر في بيئة فيها الهويات متغولة ومهيمنة فتصبح البيئة الجامعة للهويات تحت مظلة المواطنة أمراً عسيراً. و يمثل النجاح الذي حققته المواطنة في الديمقراطية الليبرالية تحت مظلة مفهوم العقد الاجتماعي أنموذجاً في جعل المواطنة مرجعية غالبة على الهويات المختلفة كما يشير إلى ذلك عبدالوهاب الأفندي في بحثه (إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية) [6]

(أن الولاء للمؤسسات الديمقراطية في المجتمعات الديمقراطية هو إحدى مهام الاندماج مع الممارسات والالتزام بقواعد اللعبة وبالمؤسسات. أن الولاء للموسسات الديمقراطية في المجتمعات الديمقراطية هو إحدى مهام الاندماج مع الممارسات و الالتزام بقواعد اللعبة و بالمؤسسات التي تكون نمط حياتنا. إن التضامن في مجتمعات كهذه يقرره "خارج مؤسسي" أو آخر أو "هم" و التي تتناقض مع "نحن": الهوية التي يجري تأكيدها. و بسبب هذا جزئيا يصبح الفصل بين سياق التضامن (قيم مشتركة) و سياق السياسة (اختلافات محتملة بخصوص ترتيب و تصنيف القيم) أمرا لا يمكن الدفاع عنه و يعتبر ما هو سياسي متأصلا في جميع الممارسات الإنسانية، إذ ان الاقرار بالقيم كملك خاص بالفرد يستوجب علـى الفرد إقرار (خارجها المؤسس لها) و كذلك القيم التي ينبغي استثناؤها)

وتبقى الهوية الكلية والهويات الفرعية (المذهب ، القومية ، وبالذات الدينية "الإسلام" ، القبيلة ، الاقليم ) في العالم العربي أهم العوامل الدافعة لمفهوم المواطنة والسبب الرئيس وراء تراجع تطبيق قيمها ومفاهيمها .

العالم العربي لم يحظى بتطور طبيعي لقيم المواطنة التي مرت بها في بيئتها الأصلية (الغرب). العنصر الأساسي وراء الحركة البطيئة وغير الطبيعية لمفهوم المواطنة بالرغم من وفودها على العالم العربي ما ينيف عن قرن من الزمان، بقاء عناصر وقيم الهوية الإسلامية فاعلة مؤثرة في العالم العربي. وقد واجهت المواطنة تحدياً أكبر في العقود الأخيرة مع تغول الهويات الفرعية متخذةً زخماً قوياً في دفع المواطنة خارج حلبتها الطبيعية. المشهد الراهن لتزاحم الهوية الكلية والهويات الفرعية مع مفاهيم المواطنة يرجع بالأساس لحالة فوضى تداخل خطوط التلاقي بينهما لاسيما مفاهيم حدود حقوق الفرد المحددة في قيم المواطنة للنظرية الغربية.و يتجلى ذلك بوضوح في ظل الالتزام بالتمسك  بالتنظير الإسلامي للدولة من جهة والإصرار على تطبيق مفاهيم الدولة الغربية القطرية المتضادة مع التنظير الإسلامي للمواطنة في البعد الديمقراطي الفردي. هذا التناقض الصارخ بين مفهوم الهوية في الاسلام و قيم الديمقراطية أخذ عوائق مزمنة في تعذر تدجين المواطنة بين التنظير الإسلامي و الأخذ الكامل بتطبيقاتها في المفهوم الديمقراطي الغربي. ويظهر ذلك جلياً في تصريح الشيخ صالح الحصين رئيس مركز الحوار الوطني حول تعارض مفهوم الانتماء للهوية الإسلامية والوطنية قائلاً:

(إن الرابطة السليمة هي تلك التي تقوم على أساس مفهوم الجماعة في الإسلام بكل مضامينها من الولاء لبعضهم وأوسع بكثير من فكرة الوحدة الوطنية ) ويعلل ذلك قائلاً ( أن فكرة الوطنية أنشأت سلبيات غير إنسانية وغير حضارية وبالنسبة لنا غير إسلامية )[7]

ويعتبر هذا التوجس من  شخصية سياسية مهمة كالشيخ الحصين الذي يتكفل بمشروع الحوار الوطني في المملكة حول صعوبة هضم هيمنة مفهوم المواطنة على الهوية الكلية .

المواطنة والدين "الإسلام"

الانتماء أو المرجعية في مفهوم المواطنة المعاصرة والتي تنحصر مرجعيتها إلى إطار الوطن والقانون الذي تفرضه الدولة . فالمواطن يكتسب صفته بحيازته الجنسية التي تعرفه فرداً للجماعة المشتركة بصفة القومية والحدود الجغرافية. بينما الإنسان المسلم مرجعيته إلى الله خالقه والشريعة التي تنظم حياته وعلاقاته الإنسانية . ومن القضايا الهامة التي تشكلها مرجعية المسلم العليا إلى الله هو التشريع الذي يجعله الأعلى من غير المسلم (لأنه يجعل المسلم في مكانة أعلى من غيره ويجعل الأخير دائماً مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة ويحرمه من بعض حقوقه ويمنعه من استعمال بعض مكانته الاجتماعية باعتبار أنه يدخل في إطار مايسمى بـ أهل الذمة).[8]

وانطلاقاً من إشكالية الإسلام حول انتماء الأقليات إلى مفهوم المواطنة الحديث الذي يضمن الوحدة والمساواة لجميع مكونات المجتمع يمكن تلخيص الدراسات الإسلامية الحديثة إلى مجموعتين في موقفها من الأقليات الدينية .

·      المجموعة الشمولية التي تمنح حقاً محدوداً من المواطنة للأقليات .

·      المجموعة التي تنظر للمواطنة بمفهوم القانون الذي يجعل من الأقليات في إطار الوطن الواحد مواطنون .

من أبرز المنظرين المعاصرين للمجموعة الأولى هما :

1.    راشد الغنوشي : المواطنة عامة وخاصة

(للإنسان في الدولة الإسلامية أياً كان مذهبه وجنسيته حقوق ثابتة في العيش الكريم ولكن يملك حق الاختيار في أن يؤمن بأهداف الدولة والأسس التي قامت عليها ويمثلها الأسلام عمودها الفقري . أو أن يرفض ذلك فأن آمن بها وكان مسلماً فليس له ما يميزه عن اخوانه غير مؤهلاته وإن اختار الرفض فهو مخير من أجل اكتساب حقوق المواطنة أن يوالي الدولة ويعترف بشرعيتها فلا يتهدد نظامها العام بحمل السلاح في وجهها أو موالاة أعدائها ولكن مواطنته تظل ذات خصوصية لا ترتفع إلا بدخوله الإسلام)[9] .

2.    أبو الأعلى المودودي (ذميون لا مواطنون)

مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان في رسالته التي نشرها عام 1948 بعنوان (أهل الذمة في الدولة الإسلامية) المواطنون قسمين مؤمن بالمبادئ الإسلامية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية وقسم غير مؤمن ويقول (إن الحكومة في الدولة الإسلامية لايسير دفتها إلا الذين يؤمنون بمبادئها وهي إن جاز لها أن تستخدم غير المسلمين لشؤونها الإدارية إلا أنه ليس أن تقلدهم في نظامها مناصب القيادة والحل والعقدة ) (والدولة الإسلامية لامندوحة لها عن أن تمنح الذميين غير المسلمين جميع الحقوق التي قد قرره الشرع وليس لأحد أن يسلبهم تلك الحقوق أو ينقص منها شيئاً. ولاريب أن يزودوهم حقوقاً أخرى زيادة عليها بشرط أن لاتعارض مبدأ من مبادئ الإسلام)[10]

3.   مصباح يزدي

يذهب مصباح يزدي الفقيه المعروف في الجمهورية الاسلامية في ايران الى عدم الاعتراف بمفهوم المواطنة و انما الفرد عضو في الجماعة الدينية. يرى يزدي ( ان لمواطنة في مجتمع اسلامي لا تمنح صاحبها حقوقا دستورية متساوية. تولي المناصب العامة مثلا، تحدده معايير الحقوق الدستورية. في الوقت الذي يعتبر المواطنون-من حيث المبدأ-متساوين ، فأن حقوقهم ولاسيما الحق في اشغال المناصب العامة ليس على هذا النحو ...رضا الله اولى بان يراعى و يتبع. يجب ان لا يكون هناك اي رأي او مطلب او حق يعارض رضا الله و قانون الله)[11]

·      المجموعة التي تنظر للمواطنة بمفهوم المساواة القانوني للأقليات

1)   محمد مهدي شمس الدين  

 (ويؤمن الفقيه محمد مهدي شمس الدين بإمكانية تحقيق المساواة بين المواطنين مسلمين وغير مسلمين وذلك في إطار "الصيغة التنظيمية للدولة الحديثة" التي توضع فيها السياسة العامة وتفاصيلها من قبل هيئات وليس في إطار صيغة الدولة كما عرفت في نظام الخلافة وحكومات التغلب حيث كانت السياسة تعبيراً عن أهواء ومزاج شخص)[12].

ويستند شمس الدين على بنود صحيفة المدينة التي دونها النبي excaim عند وصوله المدينة المنورة مستنداً إلى أن المواطنة لا تساوق الانتماء الديني دائماً بل يمكن أن تفترق عنه حين يكون المجتمع السياسي مكوناً من فئات ذات انتماء ديني متنوع ، فقد تتساوى المواطنة مع الانتماء الديني حين يكون المجتمع السياسي كله ذات انتماء ديني واحد فيتحد في الخارج المعاش مفهوم الأمة مع مفهوم الوطن ، والدولة ، (والمواطنة)[13] .

ويستطرد قائلاً بأن مجال عمل الدولة المدنية المستندة لمبدأ تداول الرأي (الشورى) هو رعاية المصالح وحماية النظام العام وليس مجالها الأساسي تنظيم الانتماء الديني أو الفكري لحياة المواطن من المسلمين أو غيرهم وذلك لما تكفله قوانين الدولة المدنية حرية العبادة والانتماء .

2)   فهمي هويدي (مواطنون لا ذميون)

يستند الكاتب إلى القاعدة التي أسسها النبي (لهم مالنا وعليهم ماعلينا) في دمج الأقليات الدينية في مفهوم المواطنة والتي تستند إلى صحيفة المدينة (إن أهل الكتاب بنص هذه الصحيفة كانت لهم حقوق المواطنة الكاملة يمارسون عبادتهم بكل حريتهم ويناصحون المسلمين ويناصرون في حماية المدينة ويتعاونون كل في موقعه على حمل أعباء ذلك)[14]

ثالثاً : البيئة الحاضنة للمواطنة والإمكانات اللازمة لتطورها

أن مفهوم وقيم المواطنة لا تحظر في السلوك الاجتماعي دفعة واحدة وأن القيم العليا للمواطنة تستلزم حاضنة اجتماعية وبيئة ملائمة لتطور هذه القيم إلى سلوك اجتماعي يمارس في العلاقات بين الأفراد والجماعات. والبيئة الحاضنة لتطور ونمو قيم المواطنة تشتمل على الشروط والمفاهيم التالية :

1.    المدنية : (مراعاة أخلاق المصلحة العامة عبر تنظيم فضاء عمومي مشترك للمواطنين) (إنها اعتراف متبادل وتسامح للأفراد فيما بينهم باسم احترام كرامة الشخص البشري الذي يسمح بتناغم وانسجام كبير في المجتمع) (ويتمتع هذا الفضاء العمومي للمواطنين ببعد خاص : إنه مساواتي وهذه المساواة في الحقوق والكرامة تجمع بين جماعة من المواطنين يتقيدون بسلوكيات عامة يحترمون في ضوئها بعضهم البعض)[15]

2.    حسن المواطنة : هي محاولة ترسيخ المفاهيم التي تجعل مصلحة الوطن (المصلحة العامة) مقدم على المصالح الفردية والذاتية .

3.    التضامن : هو تنمية حالة الإندماج والتعايش الذي يزيل الحواجز المعوقة لخلق بنية إجتماعية يشاع فيها التبادل والمفضي للاندماج و (هذا التعاون ليس معنوياً ورمزياً فحسب بل مادياً)[16] وهذا الانتماء وهذه المواطنة هما مصدر الهوية الجماعية في شكل إحساس وطني للتضامن قادر على تجاوز المصالح الخاصة والهويات النوعية وعلى القضاء على مظاهر اللامساواة والصراعات الداخلية المحايثة للفضاء الاجتماعي والسياسي للدولة)[17]

كما تتطلب المواطنة  شروط ومتطلبات كي تترعرع وتتطور هي أيضاً بحاجة إلى عوامل وظروف مساندة لتولد البيئة الملائمة منها :

1.    الشعور بالمواطنة : ويستند هذا العامل إلى جملة من المواصفات أهمها :

v الروابط المشتركة للأفراد فيما بينهم وما يترتب من هذا الرابط من واجبات .

v العمل على جعل المجهود التي تبذله الجماعة للاستمرار .

v المصير المشترك بالانتماء للجماعة من خلال الشعور بالمصير الواحد .

v إشاعة المشاعر أعلاه بين أفراد المجتمع لتحقيق الاندماج بين أفراد المجتمع في هذه المشاعر .

2.    تعزيز فكرة المواطنة من خلال :

v المساواة في المنافع الاجتماعية .

v المساواة أمام القضاء .

v المساواة في تولي الوظائف .

v المساواة أمام القانون .

v المساواة في عمل الواجبات .

رابعاً : المواطنة ومفاهيمها المعاصرة وآفاقها المستقبلية :

يشهد مفهوم المواطنة تطوراً مضطرداً ونوعياً في الفكر الغربي وتشهد تطبيقات المواطنة توسعاً تطبيقيا و فكريا ليتجاوز مفهوم الهوية القومية إلى الهوية الإنسانية الأوسع في ظل ما يشهده العالم من اضمحلال لمفهوم الدولة القومية مقابل التكتلات الدولية الأوسع كسوق الأوروبية المشتركة ليضم تحت مظلته هويات منوعة ومختلفة بالإضافة إلى انفتاح أبواب الكثير من الدول أمام المهاجرين لتضيف إلى تنوع الهوية تعقيداً و أستثناءاً. بينما يراوح مفهوم المواطنة مكانة في العالم العربي فلم يشهد هذا المفهوم التطور الطبيعي للمفهوم الذي مربه في العالم الغربي من المواطنة المدنية ثم السياسية والاجتماعية. فالمواطنة في العالم العربي فيها من كل هذه المفاهيم شيئاً فقد يغلب مفهوم المواطنة السياسية على البعد المدني لها وقد تغيب المواطنة الاجتماعية تماماً في مكان آخر .

ويشهد مفهوم المواطنة في بعد مفهوم العدالة نقاشاً حثيثاً وجدلاً محمواً لتطويره في ظل التحديات التي يمربها العالم ما بعد الحداثة. ويمكن تلخيص الجدل الذي دار بين اثنين من الباحثين في هذا المضمار لتطوير مفاهيم المواطنة ما بعد الحداثة. هذان الباحثان هما المفكر الأمريكي جون راولز والألماني يورغين هابرماز .

جون راولز في كتابه نظرية العدالة يحاول تطوير مفاهيم التعاقد التي جاء بها جون لوك وروسو وكانط كما يقول (إن هدفي هو تقويم تصور للعدالة يعمم وينقل إلى أعلى مستوى من التجديد نظرية العقد الاجتماعي)[18]

السعادة في نظرية النقيضين:

 (تعتقد هذه النظرية النفعية للعدالة بلزوم ضمان أقصى حد من السعادة لأكبر عدد ممكن من المواطنين وهي مستعدة للتضحية من أجل ذلك بحقوق الأقلية من الأفراد إذا كانت هذه التضحية قد تجلب من ورائها مصلحة غالبية المجتمع)[19].

و يعني ذلك التقابل بين المذهب النفعي المعياري الذي يعرف العدل بأنه تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكثر عدد من الناس والمذهب النفعي الايجابي والذي يرى تحقق مفهوم السعادة تكمن في العقل الحاسب والنفعي للأفراد .

و يشدد راولز في مفهومه لنظرية العدالة في ربط المصلحة بالعدالة لا العدالة بالمصلحة (أساس فكرة المواطنة لدى راولز مع مذهب الاستكمالية الذي يؤكد على أولوية بعض القيم وبعض مفاهيم الخير التي تستحق أن تضحي في سبيل المحافظة عليها وتحقيقها على أرض الواقع الاجتماعي بمصالح وحقوق لايؤمنون بهذه القيم)[20]. وينشد راولز في نظريته حل إشكال الإلزام السياسي في كيفية احترام  المواطنين القوانين التي تسنها الدولة لحمايتهم ومن جور بعضهم .

 و باختصار فأن مبدأ نظرية راولز للعدالة  يتمثل في:

1)   مبدأ الحرية : يجب أن يحصل كل شخص على حق مساو للنسق الأكثر اتساعاً من الحريات التي يتساوى فيها الجميع بحيث يكون منسجماً مع نسق حريات الآخرين[21]

2)   مبدأ الاختلاف : افتراض وجود لامساواة عادلة من خلال اطلاق الإستفادة من حق المواطنة وتقسيم الثروة في مصلحة جميع المواطنين وأن مراكز السلطة في متناول الجميع .

يتجلى من خلا هذا الاستطراد ان جل مفهوم نظرية راولز لمفهوم العدالة هو أن العدالة الاجتماعية المؤسسة على مبدأ الحرية ومبدأ الاختلاف.

نظرية يورغين هابرماز ورده على راولز :

يوجه هابرماز نقداً لاذعاً لراولز ويصفه بأنه يتبنى موقفاً ليبرالياً كلاسيكياً للمواطنة الذي يؤكد على أولوية الحقوق الذاتية الخاصة التي تحمي الحريات الشخصية على الحقوق السياسية .

هابرماز يقدم الحقوق السياسية على الحقوق المدنية لأنها تحقق حكم الشعب لذاته الذي يحقق الأمة المدنية والعدالة الاجتماعية وفي كتابه "الفعل التواصلي" يقترح هابرماز التواصل المبني على البحث عن القيم المشتركة التي انطلاقاً منها يتحقق بناء شأن الجماعة (أخلاق الحوار) والوطنية ليست بالضرورة مرتبطه بالأمة بقدر ماهي ارتباط بمؤسسات وقيم اجتماعية معينة .

من خلال المقارنة بين اراء راولز و هابرماز يتضح ان نظرية راولز تبنى على ثلاث أفكار أساسية :نقد النزعة العرقية للوطنية ونقد النموذج الليبرالي للمواطنة وتجاوز نموذج الدولة الأمة .

و اما مقاربة هابرماز فهي ديمقراطية استشارية وهي في مجملها تمنح الحق لأعضاء المجتمع أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وهذا التشريع الذاتي الديمقراطي هو مصدر شرعية المعايير القانونية . ليس الشعب مصدر شرعية القوانين والمبادئ الدستورية بل تنبثق من عمليات التشاور العمومي بين المواطنين الأحرار المتساويين .

و بالتالي (ألح راولز المنشغل بمشكلات الاستقرار السياسي التي أحدثتها التعددية الخاصة بالديمقراطية الحديثة أكثر على المعايير الأخلاقية ومبادئ العدالة التي يجب حمايتها ولو على نحو أقل من هذه التعددية) و أما هابرماز المتأثر بالمثل الأعلى الكانطي للاستقلال تصور أن منتديات الحوار الاجتماعية هي أساس شرعية الحقوق والمبادئ الدستورية للمجتمع)[22] .

الخاتمة

يشهد عالمنا المعاصر نهضة منقطعة النظير في مطالبة الشعوب بحقوقها الطبيعية من العدل و الحرية و المشاركة السياسية في إدارة شؤنها. و يحتل مفهوم  المواطنة  موقعا مركزيا في الحراك العالمي للمطالبة في الحقوق. بالرغم من ما حققته المواطنة من تنظيم و تطوير للمجتمعات الغربية و ما بلغته اليوم من نضج في تنظيم الحقوق السياسية والاجتماعية و المدنية للدول الغربية تراوح الدول العربية مكانها في تطوير مفهوم المواطنة في تطبيقاتها المختلفة في شتى مناح الحياة. من خلال الاستعراض الذي قدمته الورقة اتضح حجم القطيعة بين مفاهيم المواطنة في بعدها الغربي و تطبيقاتها في المجتمع العربي. و قد تبين ان هذه القطيعة ترجع الى هيمنة حالة الضياع و الشتات في الدول العربية. فالسياسي الذي يرفع شعار المواطنة الليبرالية لا تجد ممارساته في ما يصدر من انظمة و قوانين و تشريعات تطبيقا  وتاسيسا واضح المعالم لجريان تطبيقات مفهوم المواطنة في المجتمعات العربية. وما يفاقم امر التبني للمواطنة في بعدها الغربي تصاعد الصوت الاسلام السياسي الذي يتخذ من موقفه المضاد لهذا المفهوم اسلوبا في تمرير قرائته الدينية المتشددة التي كما تم الإشارة اليها لا ترى الوحدة الوطنية و لا تجد للحقوق الطبيعية للمواطنين الا بربط نسبة الفرد لانتمائه الديني. وهكذا في ظل هذا التضاد والتعارض بين الواقع والتنظير الديني تبقى الهوية الدينية في عالمنا الاسلامي هي الحكم في تحديد انتماءات الناس و ما يترتب على ذلك في تشخيص طبيعة الحقوق و الواجبات. تطبيق المواطنة سيبقى يراوح مكانه في عالمنا ما زال حبيس التفسير الديني و ما يحدده السياسي من سعة و ضيق.

٣٠/٣/١٤٣٧


المراجع :

1)   مباركية/ منير: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية و حالة المواطنة في الجزائر، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت- لبنان ٢٠١٣

2)   الخشت/ عثمان: تطور المواطنة في المفهوم في الفكر السياسي الغربي، موقع أنفاس ٢٠١١

http://www.anfasse.org/2010-12-29-18-25-49/2010-12-30-15-58-49/4148-2011-02-02-23-38-43

3)   أبو المجد/عبدالجليل : مفهوم المواطنة في الفكر العربي الإسلامي .أفريقيا الشرق--المغرب 2010

4)   سيدي محمد/ولد ديب: الدولة وإشكالية المواطنة ، قراءة في مفهوم المواطنة العربية ، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع ، عمان-الأردن 2012

5)   المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية مركز دراسات الوحدة العربية،  ، بيروت-لبنان ٢٠٠١

6)   الأفندي /عبدالوهاب : إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الإسلام : مسلم أم مواطن

7)   ثائر رحيم كاظم / العولمة و المواطنة و الهوية, مجلة القادسية في الاداب و العلوم و التربية العدد ٨، ٢٠٠٩.

8)   مفهوم الهوية : مؤسسة لجان العمل الصحي ‪www.opgai.org/app/download/5871342762/مفهوم+الهوية.pdf

9)   السيف/توفيق ،الهوية الوطنية و المواطنة: تفصيح للاشكاليات، مركز آفاق للدراسات و البحوث

10)                 عبداللطيف /سامر، المواطنة و اشكالياتها في ظل الدولة الاسلاميةحقوقه, مجلة الفرات العدد السابع.

11)                السيف/توفيق، مكانة العامة في التفكير الديني السياسي: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة و الاجتماع السياسي. مدونة توفيق السيف http://talsaif.blogspot.com

12)                عامر/طارق عبد العزيز، المواطنة و التربية الوطنية. مؤسسة طيبه ٢٠١٢، القاهرة.



[1] ابو المجد/عبد الجليل:مفهوم المواطنه في الفكر العربي الاسلامي

[2]  الكواري/ علي خليفة: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية و حالة المواطنة في الجزائر

[3]  تطور المواطنة في الفكر السياسي الغربي

 [4] ثائر رحيم كاظم / العولمة و المواطنة و الهوية

 [5]  مفهوم الهوية : مؤسسة لجان العمل الصحي

 [6]  المواطنة و الديمقراطية في البلدان العربية ، صفحة ٥٥

[7]   نقلاعن توفيق السيف  الهوية الوطنية والمواطنة : تفصيح للاشكاليات

[8]   عبداللطيف /سامر، المواطنة و اشكالياتها في ظل الدولة الاسلامية

[9]  ابو المجد/عبد اللطيف: مفهوم المواطنة في الفكر العربي الاسلامي

[10]   المصدر نفسه

[11]   السيف/توفيق: مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة و الاجتماع السياسي

[12] ابو المجد/عبد اللطيف: مفهوم المواطنة في الفكر العربي الاسلامي

[13]هالمصدر نفسه

ا[14]لمصدر نفسه

[15] عامر/ عبد الرزاق طارق: المواطنة و التربية الوطنية

[16] المصدر نفسه

[17] المصدر نفسه

[18] سيدي محمد/ولد ديب: الدولة وإشكالية المواطنة ، قراءة في مفهوم المواطنة العربية

[19] المصدر نفسه

 [20]المصدر نفسه

[21]  المصدر نفسه

 [22]المصدر نفسه







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


الدكتور أحمد محمد اللويمي


ارسل لصديق