استغلال الأيديولوجيا للدين
حوار مع الصديق د. فالح مهدي في مراجعته النقدية لكتابي (الدين والظمأ الأنطولوجي).
كتبه: د.عبدالجبار الرفاعي
حرر في: 2016/07/31
التعليقات: 0 - القراءات: 4869

كتب الصديقُ د. فالح مهدي مراجعةً نقديةً لكتابي (الدين والظمأ الأنطولوجي) من منظور مختلف عن المنظور الذي أتبناه في كتابي هذا. فكتبت له: كتابتك اعتز بها، ذلك أنها كانت أقرب للمنهج الغربي الحديث في البحث والنقد العلمي، وهو منهج يفتقر اليه الكثير من الكتابات في شرقنا العربي، التي تبتعد عن النص، وتنشغل بالكاتب أحياناً، وتنزع للمدح والثناء أو الذم والهجاء.

كل كتابة تكشف لي ثغرات كتابتي، وتحيل الى مرجعيات غير مرجعياتي، وتحاكم أفكاري من منظور مختلف، تمنحني فرصة لمراجعة مرجعياتي، وفحص أفكاري، وترشدني لنقد وثوقياتي ومنطقي في التفكير والتعبير.

 أكرر امتناني لحضرتك، لأنك حرّضت عقلي على التفكير في الايمان خارج الايمان، والتفكير في الدين خارج الدين، والتفكير في التدين خارج التدين، والتفكير في التراث خارج التراث، والتفكير في أفكاري خارج أفكاري.

 لا أزعم أني نجحت في التحرر من ذاتي، ذلك ألا تفكير خارج الذات، كل تفكير يلتبس بـ"الذات". تداخل تفكيرنا بذواتنا حتمي، يصعب علي الفرار من أحكامي المسبقة القابعة في أعماق عقلي، ويتعذر علي فهم العالم خارج رؤيتي للعالم التي تشكلت في سياق تربيتي وبيئتي وثقافتي وديانتي، ويشق عليّ التفكير بأفكاري خارج أفكاري المترسبة في ذهني والمولودة في فضاء دراستي وتدريسي ومطالعاتي وخبرات حياتي، ويعب عليّ عبور آفاق انتظاري.

 أود عاجلاً توضيح مايلي:

1. كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" يشدو لحنَه الخاص، خطيئتُه أنه لم يكرّر الأصوات المكررة في أدبيات الجماعات الاسلامية، أو غيرها من أدبيات الجماعات اليسارية والقومية، التي يغرق المجالُ العام في مجتمعاتنا في شعاراتها ومقولاتها ودعواتها وأحلامها وأوهامها، منذ أكثر من قرن.  

"غيرُ الاسلاميين" من بعض القراء أزعجهم دفاعي الشديد عن الايمان والدين والوحي والنبي الكريم "ص"، ودعوتي لتدين ينشد إغناءَ الروح والأخلاق. كذلك أزعج بعضَهم اكتشافُهم  أني كائن روحاني أخلاقي ميتافيزيقي مؤمن، وامتعض البعض الآخر من تمسكي بالصلاة والفرائض العبادية وتديني التقليدي، إذ فوجئوا بأني مازلت حتى اليوم وسأبقي ألجأ لطقوس تدين أمي.

كما أن معظمَ الاسلاميين أزعجهم ايماني وتفكيري الحرّ، ونقدي لإحراقهم الدين في عربة الأيديولوجيا والصراعات على السلطة والمال والنفوذ.

 لا أستطيع حين أكتب أنْ أُزيّفَ تفكيري، أو أكذب، أو أتملق أحداً. لا قيمةَ لكتابة تتملق القراء. ما قيمة صوتي حين يصبح صدى ببغاء تكرّر أصواتاً لا تفقهها. الكتابة هي الكاتب، كلُّ كاتب أصيل يكتب ذاتَه، وينسج من ألوان حروفه لوحةً تحيل إلى: مسبقاته ومعتقداته وفكره وأفق انتظاره وأحلامه.

2. الدين في مفهومي يمكن أن تستغله الأيديولوجيا فينقلب إلى سم يدمّر الحياة، ويحطم الحضارة والتمدن البشري، مثلما تستثمره بعض الجماعات الدينية اليوم. ويمكن أن يكون الدين مفارقاً للأيديولوجيا، كما هو دين أمي وأمك ودين أبي وأبيك، ودين الحلاج وأبو اليزيد البسطامي وجلال الدين الرومي وايكهارت والدالاي لاما ... الخ. فيكون عذباً خلّاقاً، يمنح الحياةَ معناها، وطاقتَها الحيوية الايجابية، عبر تكريس الحياة الروحية، وإثراء الحياة الأخلاقية.

ربما لا تستطيع أنت تذوق حالات الروح وفضاء إشراقها وتجربة تساميها عبر وصالها بالحق خارج سياق الأيديولوجيا، ذلك أن تذوق الحالات لا طريق له سوى القلب، وما كان طريقُه القلب يضل العقلُ الطريقَ اليه غالباً.

علماً أن اختزال الكائن البشري في العقل ينطوي على تبسيط تكذبه علوم الانسان في القرن الأخير، وأنت تعرف جيداً المواقفَ النقدية الجذرية لعلم النفس التحليلي، وفلاسفة ومفكري "معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت"، وغيرهم من فلاسفة ومفكري فرنسا في القرن العشرين، لمنطق العقل الوضعي، وفضحهم العقل الأداتي، الذي يتجاهل اللاشعور والمتخيل والأسطورة والرمز، ويتعاطى مع الانسان بوصفه كائناً يسيّره العقل فقط.

لقد أوضح فلاسفةُ ومفكرو الغرب في القرن العشرين أن كارل ماركس الذي فضح تزييفَ الأيديولوجيا للوعي البشري في كتاب (الأيديولوجية الألمانية) وغيره من آثاره، لم تتحرر كتاباتُه من بصمة أيديولوجية، بل

كانت آثارُه هي أيضاً ضحية استغلال أيديولوجي، واكبنا تطبيقاتِه على المجتمعات البشرية في سنوات طويلة من القرن العشرين، وبرر ستالين، وجماعة "الثورة الثقافية" في الصين، وبول بوت في كمبوديا ، في سياقه  ذلك المنطق الأيديولوجي كلَّ انتهاكات الكرامة البشرية، والمجازر الوحشية التي ارتكبوها.

3. "معنى المعنى" ما أقصده منه هو ذروة المعنى، أو كثافة المعنى، وهو أبعد مدى من المعنى، وأعمق منه. ويمكن أن نتعرف على "معنى المعنى" في آثار الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين الذين تناولوا تعبيرات المعنى في اللغة والدلالة والعلامة والاشارة والرمز، وتجلياته في العقل والروح والعاطفة. وفي مطالعة كتابات شلاير ماخر ودلتاي ونيتشه وهوسرل وهيدغر وغادامير وبولتمان وتيليش وريكور ورولان بارت وأمبرتو ايكو وغيرهم ما يضيء ذلك. كذلك يمكننا اكتشاف معنى المعنى في آثار فلاسفة الاشراق والحكمة المتعالية، ونصوص التصوف والعرفان.

4. لو بطل التعميم تبطل العلوم، العلوم تنشد التعميم والارتقاء من الجزئي إلى الكلي، ومن الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام. لو بطل التعميم لاندثر التقدم في كل معارف وفنون وخبرات ومهارات البشر، ولم تتطور ويهتدي الانسان من خلالها كل يوم لاكتشاف القوانين العامة للطبيعة، وسنن النفس والمجتمع.

حين يتعطل منطق التعميم لا تتعطل علوم الطبيعة فحسب، بل علوم النفس والمجتمع. فلماذا يصبح حديثي عن الدين وتعبيراته، بوصفه ظاهرة أصيلة عامة كلية مشتركة في الحياة البشرية، ليس دقيقاً.

5. اشارتكم إلى عدم تمييز الكتاب بين (الذات الفردية) و(الهوية المجتمعية)، إذ أشرتم بقولكم: (في تقديري إن الذات والتي بطبيعتها شخصية ليست الهوية التي أطلق عليها الرفاعي"شخصية"...). والذي ورد في سياق تعليق على حديثي عن "الأنا الشخصية"، وبيان أني أعني بها: (الذات الفردية والهوية الشخصية، والتي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري. فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته، ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد مصاغ سلفاً).

من الواضح أن (الهوية) لا ترادف (الذات). سياق الحديث يدل على أني استعملت الهوية هنا وفي هذا المورد فقط بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي، لذلك خصصتها بأني أعني بها (الذات الفردية والهوية الشخصية) بغية تفسير ما أقصده. وماورد في الفصل الأول من الكتاب يؤشر بوضوح في عباراتي للتمييز الذي أقمته بين الذات الخاصة (الأنا)، والـ(هوية) المجتمعية.كما تشي بذلك هذه النماذج من عبارتي: (فائضُ هويتي يسجنُ ذاتي، ويصادرُ حريتي .. أنا لست أنا، يفرض علي انتمائي لهويتي ألا أكون أنا؛ كي تتطابق صورتي مع ما تنشده هويتي).  

  6. نقدكم لكتابي (الدين والظمأ الأنطولوجي) يستقي من رؤيتكم للعالم، وللدين أيضاً، بوصف الدين كما ترون منتجاً بشرياً، وهي رؤية أحترمها، وإن كنت لا أتبناها. لا أنكر أن فهم وتأويلات وتمثلات الدين بشرية.

 رؤيتكم للعالم والدين من الطبيعي أن تختلف عن رؤية للعالم وللدين لمؤمن لا يشرق قلبُه إلاّ بحب الله وتجليات جماله، كما هو (أنا)، إذ إني أتذوق تجليات جمال الله في كل شئ، ولا أستطيع تذوقها إلاّ عبر تديني وايماني. هذه الرؤية خلاصة عمر تجاوز الستين عاماً، تكرس في دراسة الدين والعلوم الاسلامية والانسانية، وتجربة حياتية لنمط ايمان وتدين اقترن بسياحة وأسفار مزمنة لكائن لن يكفّ شغفُه الأبدي عن متعة أسفار الروح والقلب والعقل، متعة الطريق لدى هذا الكائن على الدوام تنسيه متعةَ الوصول، إنه لن يبلغ محطةً إلاّ ليرحل منها إلى ما هو أعلى وأثرى منها، وهكذا. إنها أسفار لن تبلغ مدياتها النهائية مهما امتد به العمر، ذلك أنها مسكونة بغبطة السير التي تشغلها عن الوصول.

 هذه هي خلاصة شديدة لتجربتي الدينية التي أعيشها، ورؤيتي للعالم، وفهمي للايمان والدين، والتي لا أنشد فرضَها على أي كائن بشري في هذا العالم، ولا أحسب أنها خشبة الخلاص الحصرية لكل البشر.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق