الكتابات الإسلامية والتسامح.. فقدان الحس النقدي
صحيفة اليوم
كتبه: زكي الميلاد
حرر في: 2016/08/23
التعليقات: 0 - القراءات: 428

حين النظر في الكتابات الإسلامية المعاصرة التي تناولت الحديث عن التسامح، سنلاحظ أنها تفتقد الحس النقدي الموجه إلى الذات، ولا تقترب من هذا الحس بأية صورة من الصور، وبأية درجة من الدرجات، لهذا فإن هذه الكتابات لا تقدم خبرة نقدية من هذه الجهة.

وتصدق هذه الملاحظة على حديث الشيخ محمد عبده حول التسامح في كتابه «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية»، وعلى حديث الشيخ محمد الغزالي في كتابه «التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام»، وعلى حديث الدكتور مصطفى السباعي حول التسامح الديني في كتابه «من روائع حضارتنا»، وهكذا على حديث الشيخ محمد الطاهر بن عاشور حول التسامح في كتابه «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام»، وحديث الدكتور شوقي ضيف في كتابه «عالمية الإسلام».

هذه الكتابات أخذت على عاتقها بصورة رئيسة تلميع صورة التسامح في الثقافة الإسلامية، وفي تاريخ الحضارة الإسلامية، وجاء هذا المنحى ردا ودفاعا أمام المنتقدين أو المشككين أو المنتقصين عربا أو غربيين، مسلمين أو مسيحيين، لهذا فإن هذه الكتابات لم تكن في وارد النقد، ولا تود استحضاره والاقتراب منه، وتصويب النظر عليه، فالمنحى الذي سلكته لا يلتقي أو يتناغم مع الحس النقدي.

التلميح بهذه الملاحظة ليس بقصد تحميل هذه الكتابات ما لا تحتمل، ولا حرفها عن سياقها أو صرفها عن مقاصدها، ولا تبديل طبيعتها وتغيير مسلكها، ولا حتى التشكيك في نواياها أو في مروياتها، وإنما لأنها تشبهت ببعضها وتطابقت، وأخذت بصبغة واحدة، وانحازت إلى جانب واهملت جانبا آخر، تعلم بوجوده وتحققه لكنها تعمدت الصمت عنه.

نتفق مع تلك الكتابات على أصالة مفهوم التسامح في الإسلام، وثباته ورسوخه في الثقافة الإسلامية، وضربت به الحضارة الإسلامية مثلا ساميا جعلها متفوقة على باقي الحضارات الأخرى، مع ذلك فهذا لا يبرر السكوت عن ظواهر التعصب واللاتسامح التي حصلت في تاريخ المسلمين، وحصلت بتأثيرات لها علاقة بالسياسة أو بعوامل ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، لكنها بالتأكيد ليس لها علاقة بالدين الإسلامي.

فالمسلمون كغيرهم من البشر لم يكن تاريخهم معصوما وصفيا ونقيا من الأخطاء أو الزلات أو العثرات، فقد شهد تاريخهم في أزمنته القديمة والوسيطة والحديثة، ظواهر وصفت بالتعصب واللاتسامح حصلت مع المختلفين في الدين، وحتى مع المتفقين في الدين. ولم تعد هذه الظواهر في الخفاء، وليس هناك من يتكتم عليها، والحديث عنها لا يثير ازعاجا، ولا يولد قلقا، بل إن الإزعاج والقلق في عدم الاقتراب منها، والمكاشفة بها.

من هذه الظواهر الدالة على التعصب واللاتسامح، ما عرف في الأزمنة الإسلامية القديمة بفتنة الخوارج التي ظهرت سنة 37 هجرية، ومعها بدأت أخطر ظاهرة حصلت في حياة المسلمين، وهي ظاهرة التكفير التي لم تمح في سيرة الفكر الإسلامي، وما زالت إلى اليوم تظهر جماعات تتشبه بها، وتوصف بخوارج العصر.

ومن هذه الظواهر كذلك، ما عرف في تاريخ الفكر الإسلامي بمحنة خلق القرآن التي ظهرت في العصر العباسي، في العقد الثاني من القرن الثالث الهجري، وأحدثت ما أحدثت من أفعال بعيدة عن التسامح، ومن شدتها وصفت بالمحنة، وتعد من أغرب الحوادث التي حصلت في تاريخ الفكر الإسلامي، وبقيت هذه الظاهرة وظلت إلى اليوم موضع مساءلة ومناقشة وذلك لشدة غرابتها من جهة، وفداحتها من جهة أخرى، وغموضها من جهة ثالثة.

يضاف إلى ذلك ما حصل مع ابن رشد وسجنه ونفيه وحرق كتبه الفلسفية في أواخر حياته، وتحديدا خلال الفترة ما بين «593 - 595 هـ » مع نهاية القرن السادس الهجري، الحدث الذي وصف في تاريخ الفكر الإسلامي بالنكبة.

إلى جانب تلك السيرة الطويلة لظواهر التعصب واللاتسامح بين أتباع الفرق والمذاهب الإسلامية التي حصلت في أزمنة وأمكنة مختلفة، وأشارت لهذه الظواهر وتطرقت إليها الكثير من الكتب والمصنفات على أقسامها الفقهية والكلامية والتاريخية، القديمة والحديثة، وما زالت هذه الظواهر تحصل إلى اليوم، بل إنها تشتد اليوم أكثر من أي وقت مضى.

إن لفت الانتباه لهذه الظواهر، والاقتراب منها، والتعامل معها بمنطق التشريح والتفكيك والتقويض هو من صميم الحديث عن التسامح، فمن الواضح والثابت أن الحديث عن التسامح لا يكتمل من دون الحديث عن اللاتسامح، فنحن أمام حالة لها وجهان، الوجه الأول هو التسامح، والوجه الثاني هو اللاتسامح، فلا يكفي معرفة الوجه الأول من دون معرفة الوجه الثاني، ولا يمكن حماية التسامح وتحصينه من دون الاحتراز من اللاتسامح.

وهذا يعني أن غياب الحديث عن ظواهر التعصب واللاتسامح، أحدث نقصا بينا في تلك الكتابات المذكورة، ولعل طبيعتها الدفاعية هي المسؤولة عن هذه الحالة، لكونها جاءت ردا ومواجهة مع المنتقدين أو المنتقصين، ومن طبيعة النزعة الدفاعية أنها تسلب الحس النقدي، إما بدافع أن الوقت ليس أوانه، والمناسبة لا تصلح له، ومن ثم الحكم عليه بالتعليق والتجميد أو التأجيل والتأخير.

وإما بدافع عدم إعطاء الخصم مبررا أو حجة أو سندا أو تأييدا يدعم موقفه أو يقويه أو يرفع من رصيده، وإما بدافع إبقاء النزاع مع الآخر البعيد، وقطع الطريق على إمكانية نقل النزاع إلى الداخل في ساحة الذات.

ولتوازن الموقف يمكن القول إن الكتابات السابقة أولت الاهتمام إلى الجانب الدفاعي في النظر لمفهوم التسامح، وأنجزت ما هو مطلوب منها في هذا الشأن، وعلى الكتابات التالية تخطي هذه الملاحظة والعناية بالجانب النقدي، ابتداء بالتعامل النقدي مع تلك الكتابات لتخطيها وإنجاز ما هو أجود منها.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


زكي الميلاد

 القسم الأول: السيرة الذاتية

-        زكي عبد الله أحمد الميلاد

-        مواليد محافظة القطيف,  شرق المملكة العربية السعودية, سنة 1385هـ /1965م.

-      متخصص في الدراسات الإسلامية, وباحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة.

-        رئيس تحرير مجلة الكلمة, فصلية فكرية تصدر من بيروت.

-   منحه الإتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية لقب دكتوراه إبداع على مجموع المؤلفات والأبحاث والكتابات والأعمال الفكرية الأخرى, بموجب خطاب بتاريخ 25/1/2003م الموافق 23/11/1423هـ.

 

عضوية في جمعيات ومؤسسات

-        مستشار أكاديمي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي, مقره الولايات المتحدة الأمريكية.

-        عضو الجمعية العمومية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية, مقره في طهران.

-        عضو المنتدى العالمي للوسطية, مقره في الأردن

-       عضو اتحاد الكتاب العرب في سوريا.

-        عضو الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون, مقرها في أنقرة.

-        عضو المنتدى العربي للحوار والمواطنة, مقره في بيروت.

 

 

في الهيئة الاستشارية لمجلات فكرية

عضو الهيئة الاستشارية لعدد من المجلات الفكرية العربية, من هذه المجلات:

 1ـ الحياة الطيبة. مجلة فصلية متخصصة تعنى بقضايا الفكر والاجتهاد الإسلامي, تصدر عن معهد الرسول الأكرم العالي للشريعة والدراسات الإسلامية في بيروت.

 2ـ تفكر. مجلة محكمة نصف سنوية تصدر عن معهد إسلام المعرفة بجامعة الجزيرة, بالسودان.

3ـ المعارج. مجلة شهرية متخصصة تعنى بالدراسات القرآنية وحوار الأديان, تصدر عن منتدى المعارج لحوار الأديان في بيروت ودمشق.

4ـ نصوص معاصرة. مجلة فصلية تعنى بالفكر الديني المعاصر, تصدر عن مركز البحوث المعاصرة في بيروت.

5ـ إسلامية المعرفة. مجلة فكرية فصلية محكمة, يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي, من بيروت.

 

المؤلفات

المؤلفات المنشورة عددها (25) كتاباً صدرت في بيروت ودمشق والقاهرة والرياض, وقد حضيت هذه المؤلفات بعناية واهتمام الكتاب والنقاد والمتابعين للشأن الثقافي.

إلى جانب هذه المؤلفات هناك مشاركات في كتب أخرى يزيد عددها على (20) مؤلفاً صدرت في لبنان والأردن وسوريا والكويت والسعودية وإيران, وهي مؤلفات مشتركة, وبعضها أعمال لندوات ومؤتمرات وحلقات دراسية.

كما قدم لبعض المؤلفات الأخرى التي صدرت لكتاب وباحثين. وهناك أيضاً بعض المؤلفات التي تحدثت عن كتاباته ودراساته وأفكاره صدرت في لبنان وسوريا والأردن والكويت.

 

الدراسات والمقالات

له العديد من الكتابات ـ دراسات ومقالات ـ منشورة في أكثر من (60) بين دورية ومجلة وصحيفة, يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية, تصدر في السعودية, الكويت, البحرين, سلطنة عمان, اليمن, لبنان, سوريا, الأردن, العراق, المغرب, إيران, أفغانستان, بريطانيا, أمريكا.

وله مقالة أسبوعية ينشرها في صحيفة عكاظ السعودية, زاوية الرأي, منذ بداية عام 2003م.

 

§        ترجمات

ترجمت له العديد من المقالات والدراسات إلى اللغة الفارسية, تزيد على عشرين مقالة ودراسة, نشرت في صحف يومية, ومجلات أسبوعية وشهرية, ودوريات فكرية, وما زالت مقالاته ودراساته تترجم وتنشر.

ونشرت له دورية (العلوم السياسية), على أربع حلقات كتاب كامل, ترجم إلى الفارسية, وهو كتاب (الفكر الإسلامي.. تطوراته ومساراته المعاصرة), وهي مجلة فصلية متخصصة تصدر عن جامعة الإمام الباقر للتعليم العالي في مدينة قم الإيرانية. وأعادت نشره أيضاً مجلة (الكوثر), في أربعة أعداد متتالية, وهي مجلة فصلية علمية تصدر في مدينة كابل الأفغانية.

كما ترجم معظم كتاب (تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة), ونشر على صورة مقالات في عدد من المجلات الأسبوعية والشهرية, المعنية بشؤون المرأة, والشؤون الفكرية العامة.

وتم ترجمة كتاب (المسألة الحضارية) في إطار إنجاز رسالة علمية لمرحلة الليسانس, في حوزة علمية نسائية بمدينة مشهد الإيرانية.

 كما ترجمت له بعض الكتابات إلى اللغة الإنجليزية, ونشرت في بعض المجلات الفكرية الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

رسائل وأطروحات جامعية

أنجزت حول مؤلفاته وأفكاره وأطروحاته رسائل وأطروحات جامعية, منها:

1ـ رسالة ليسانس في الدراسات الإسلامية باللغة الفارسية, حول ترجمة كتاب (المسألة الحضارية) بعنوان: (مدنيت.. جكونه آينده مان را در اين دنياي دكر كونه رقم زنيم) إعداد الباحثة: انسيه كفش كنان, إشراف: الدكتورة هما ميرزا وزيري, مدرسة السيدة نرجس العلمية, مدينة مشهد الإيرانية, 2005م, تقع في 263 صفحة, قياس A4.

2ـ رسالة ماجستير في الفلسفة بعنوان (تعارف الحضارات.. الأطروحة البديل في التعامل مع الآخر), إعداد الباحث: علي المحمداوي, كلية الآداب, جامعة بغداد, إشراف: الدكتور نبيل رشاد سعيد, 7 أكتوبر 2007م, تقع في 200 صفحة, قياس A4.

 

 

كتب ومؤلفات تحدثت عن السيرة

هناك بعض الكتب والمؤلفات التي تحدثت عن السيرة الذاتية والفكرية, من هذه الكتب والمؤلفات:

1ـ الملحق المفيد في تراجم أعلام الخليج. تأليف: أبو بكر عبد الله محمد الشمري, الدمام: دار الراوي, الحلقة الثانية, 2000م, ص 128.

2ـ موسوعة الشخصيات السعودية. إشراف: عبد الجليل عبد الرحيم طاشكندي, جدة: مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر, 2006م, ص 570.

3ـ كتاب المشورة الثقافية. إشراف: عبد الرحمن بن سبيت السبيت, الرياض: المهرجان الوطني للتراث والثقافة, 2008م, ص 61.

4ـ موسوعة الساحل الإلكترونية. قسم الأعلام, وهي موسوعة تعنى بالتراث والنشاط الإنساني في منطقة الساحل الشرقي للسعودية. عنوان الموسوعة www.alsahel.org

 

القسم الثاني: المشروع الثقافي

يشتغل الأستاذ زكي الميلاد على مشروع ثقافي له ملامحه ومكوناته وأبعاده, المحددة والواضحة والمميزة. وقد تشكل هذا المشروع وتبلور من خلال رفده بالعديد من المؤلفات والكتابات والدراسات والمقالات, إلى جانب العديد من المشاركات والنشاطات في ندوات ومؤتمرات وحلقات دراسية وفكرية وأكاديمية, بالإضافة إلى حوارات وتواصلات.

ومن مكونات هذا المشروع وملامحه وأبعاده:

أولاً: التأكيد على قيمة الثقافة والإعلاء من شأنها, وإعطائها درجة عالية من الأولوية, والاستلهام منها, والتخلق بها, واعتمادها كمنظور في التحليل والنقد والاستشراف. فالثقافة هي تلك الطاقة والقوة والروح التي تبعث على التجدد والتقدم والنهوض, مع التركيز على الجوهر الإسلامي للثقافة, والاهتمام بأبعادها الإنسانية والأخلاقية والحضارية.

ثانياً: دراسة الفكر الإسلامي, قضاياه ومسائله ومقولاته, وهكذا تطوراته وتحولاته, مساراته ومسلكياته. والتأكيد على ضرورة التواصل مع العصر, ومواكبة العلوم والمعارف, والانخراط في حركة العالم, والعناية بقضايا التجديد والتحديث والتنوير المنضبط بالقواعد والأصول العامة, والذي يتأطر بالمرجعية الإسلامية.

ثالثاً: العناية بالمسألة الحضارية, التي تعني النظر إلى القضايا والظواهر والمشكلات على أساس منهج التحليل الحضاري, الذي يأخذ بعين الاعتبار مشكلات التخلف من جهة, وضرورات التقدم من جهة أخرى. فالتخلف بكافة صوره وأنماطه هو المشكلة الأولى والكبرى في الأمة, والتقدم هو السبيل في التغلب على مشكلة التخلف من جهة, والنهوض باتجاه التحضر من جهة أخرى, وهذا يتطلب التأكيد على طلب العلم, وحب المعرفة, وتطوير مؤسسات التعليم, والنهوض بالبحث العلمي, وتقدير العلماء, كما تعني المسألة الحضارية استشراف مستقبلنا الحضاري في هذا العالم.

رابعاً: الاهتمام بقضايا الوحدة الإسلامية, والحوار الإسلامي, والتقريب بين المذاهب الإسلامية, واعتبار وحدة الأمة من الضرورات المقدسة, والواجبات العليا, وأن مصير الأمة ومستقبلها الحضاري يرتبط بوحدتها وتكاملها. فالوحدة هي مصير ومستقبل, والحوار هو فضيلة وتواصل, والتقريب هو انفتاح وتكامل, والعمل على إحياء كل ما هو جامع في الأمة, ورفض خطوط الانقسام بكافة صورها وأنماطها.

 

نظريات وأطروحات

لقد تبلورت وتحددت بعض النظريات والأطروحات التي تبناها الأستاذ زكي الميلاد, وساهم في تطويرها وإنمائها, والتبشير بها, والدفاع عنها, كما عرف بها أيضاً. وتبلورت هذه النظريات والأطروحات بعد زمن من النظر والبحث والتفكير, ومن خلال دراسات وأبحاث ظل الاشتغال بها متواصلاً ومستداماً, وجرى الحديث عنها, ومناقشتها في ندوات ومؤتمرات, ومع العديد من المفكرين والباحثين والأكاديميين.

ومن هذه الأطروحات والنظريات:

أولاً: تعارف الحضارات. وهي نظرية مستنبطة من آية التعارف في القرآن الكريم قال تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) فالآية جاءت لتأسيس مفهوم التعارف في سياق خطاب موجه إلى الناس كافة, باعتباره المفهوم الكلي والجامع والشامل الذي يمكن أن يخاطب به الناس كافة, بكل تنوعاتهم وتعددياتهم الدينية والمذهبية, القومية والعرقية, اللغوية واللسانية. ولأن الخطاب موجه إلى الناس كافة, وإلى مجتمعات وجماعات كبيرة وصغيرة (شعوباً وقبائل), لذلك جاز لنا استعماله في مجال الحضارات, الاستعمال الذي نتوصل منه إلى مفهوم تعارف الحضارات, وهو أكثر دقة وضبطاً من مفهوم حوار الحضارات, لأن الحضارات لا تتحاور وإنما تتعارف وتتعاقب.

وقد لقيت هذه النظرية تقبلاً واهتماماً وتداولاً في أوساط بعض الكتاب والباحثين والأكاديميين في العالم العربي والإسلامي, وجرت حولها مناقشات وحوارات وكتابات في ندوات ومؤتمرات, وفي صحف ومجلات ودوريات عربية, وأنجزت حولها رسائل وأبحاث جامعية.

ثانياً: اعتبار الاجتهاد هو المفهوم الإسلامي الذي يعادل مفهوم الحداثة عند الغرب. فالحداثة مفهوم ابتكره الغرب وهو يعبر بصورة أساسية عن تجربته الفكرية ورؤيته للتقدم. وهذا المفهوم في جوهره الكلي عبرت عنه كل التجارب الحضارية التي مرت على التاريخ الإنساني, لأن كل حضارة في زمن صعودها وتقدمها تبتكر لها مفهوماً تعبر من خلاله عن ذلك التقدم.

والاجتهاد هو أحد أهم المفاهيم الذي ابتكرته المنظومة الإسلامية وانفردت به الحضارة الإسلامية, وهو يعني إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية, والتحريض المتواصل على البحث, ومضاعفة الجهد العلمي, كما يعني مقاومة كافة عناصر الجمود والتفكير السطحي والنظر القشري, ومن جهة أخرى مواكبة تجددات الحياة ومتغيرات العصر وتطورات الزمن ومقتضيات التقدم وشرائط المستقبل.

ثالثاً: التكامل المعرفي بين مفاهيم الجامع والجامعة والجماعة. فهناك علاقة تفاعلية بين هذه المفاهيم الثلاثة التي تتداخل فيما بينها وتتشابك من خلال مداخل ومسالك معرفية ووظائفية. فالجامع يأخذ من مفهوم الجامعة ومن مفهوم الجماعة, والجامعة تأخذ من مفهوم الجامع ومفهوم الجماعة, والجماعة تأخذ من مفهوم الجامع ومفهوم الجامعة. وبهذا التداخل والتفاعل تتحدد وظائف هذه المفاهيم, فيكون لكل مفهوم ثلاثة وظائف هي: وظيفة دينية يرمز إليها مفهوم الجامع, ووظيفة علمية يرمز إليها مفهوم الجامعة, ووظيفة اجتماعية وإنسانية يرمز إليها مفهوم الجماعة.

وهناك صور متعددة للتكامل المعرفي بين هذه المفاهيم, والصورة الكلية والنهائية لهذا التكامل هو أن عملية البناء الحضاري هي محصلة التكامل بين الدين والعلم والإنسان.

وقد تحقق هذا التكامل بين هذه المفاهيم في عصور الازدهار الحضاري, وتفككت هذه العلاقة وانقطعت في عصور التراجع الحضاري.

رابعاً: أطروحته في كتاب (الفكر الإسلامي التأصيل والتجديد) هي الربط المعرفي والمنهجي بين التجديد والتأصيل. وحسب هذه الأطروحة لا تجديد بدون تأصيل, ولا تأصيل بدون تجديد. فالتجديد بدون تأصيل قد يتحول إلى انفلات وفوضى فكرية, أو الخروج على القواعد والثوابت والأصول العامة, والتأصيل بدون تجديد قد يتحول إلى استغراق في النصوص واحتباس في التراث, وانقطاع عن الحياة والعالم والعصر. وهذا الربط والاتصال بحاجة إلى منهج يرتكز على قاعدتين هما الوحي والعقل, فالوحي هو مرجعية التأصيل في المرتبة الأولى, والعقل هو مرجعية التجديد في المرتبة الأولى. 

خامساً: أطروحته في كتاب (الإسلام والغرب.. الحاضر والمستقبل), هي ضرورة البحث عن منظور معرفي جديد يؤسس لعلاقات مستقبلية إيجابية بين عالم الإسلام وعالم الغرب. يخرج هذه القضية من أسر الماضي وضيقه, إلى رحاب المستقبل وسعته, كما يخرجها من التعامل معها في غير مجال اختصاصها, كالذي يحصل مع وسائل الإعلام العربية والغربية. وضرورة أن يتأسس هذا المنظور المعرفي الجديد على خلفية نقد القراءات المتشكلة من الذات حول الآخر. وحاجتنا نحن بالذات لمثل هذا المنظور الذي ينبغي أن يتشكل على قاعدة الأمة التي تبحث لنفسها عن التحضر, فكيف عليها أن تتعامل مع من يمتلك الحضارة في هذا العصر؟

سادساً: أطروحته في كتاب (محنة المثقف الديني مع العصر) تحدد هذه الأطروحة في صياغة سؤال هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب, والسؤال هو: الدين هل يمنع الإنسان من أن يكون مثقفاً ؟ وجاء هذا السؤال لكي يواجه الرؤية التي تشكلت حول المثقف, وهي الرؤية التي اكتسبت صورتها تماماً من صورة المثقف الأوروبي, والتي تصور بأن المثقف هو الذي ينتسب إلى ما هو إنساني, لأنه لا يتقيد في تفكيره وتأملاته ونظراته بعقيدة أو دين يفرض عليه قيداً أو شرطاً يحد من فكره. وحسب هذه الرؤية فان المثقف هو صاحب نزعة نقدية وفردية وحرة. وأطروحة هذا الكتاب تشكلت على أساس نقد هذه الرؤية المغالية, ولكي تبرهن على أن الدين لا يمنع الإنسان في أن يكون مثقفاً؟  لأن الدين الذي جعل من العلم فريضة, ومن التفكير عبادة, ومن العقل حجة, ومن البرهان دليلاً, وأمر بالاجتهاد, وقول كلمة الحق, فلا يعقل على الإطلاق أن يمنع الإنسان في أن يكون مثقفاً! وبالتالي فلا تعارض بين الدين والثقافة, بين الدين والحضارة, وبين الدين والتقدم.

سابعاً: أطروحته في كتاب (تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة) هي ضرورة أن يتحول الفكر الديني من موقف الدفاع السلبي في النظرة للمرأة وقضاياها. وهو الموقف الذي ينطلق من الخوف والحذر, ومن زحف وهيمنة النموذج الغربي المخيف. وهذا الموقف لم يعد فعالاً حتى في الحماية والتحصن والممانعة. وضرورة التحول إلى موقف الدفاع الإيجابي من خلال تجديد مناهج النظر, وقواعد السلوك, وتنوير الخطاب تجاه قضايا المرأة, وذلك بالتركيز على قضية تعليم المرأة بأعلى المستويات, وتدريبها لاكتساب الخبرات العالية, وفتح فرص التقدم أمامها, وتشجيعها على المشاركة في الحياة العامة.

والجانب الثاني في هذه الأطروحة, هو أن الفكر الديني كان يربط كرامة المرأة بالعفة فقط, والخطابات غير الدينية كانت تربط كرامة المرأة بالحقوق فقط. والأطروحة التي يدعو إليها الكتاب هو ربط كرامة المرأة بالعفة إلى جانب الحقوق الشرعية والمدنية والدستورية.

2016/02/17 | مقالات | القراءات:8929 التعليقات:0
2016/01/27 | مقالات | القراءات:12945 التعليقات:0
2016/01/20 | مقالات | القراءات:10121 التعليقات:0
2015/12/15 | مقالات | القراءات:21247 التعليقات:0
2015/12/14 | آفاق الكلمة | القراءات:8479 التعليقات:0


ارسل لصديق