سيرة المطالعات... الخيارات... محطات من سيرة ذاتية
كتبه: جعفر الجمري
حرر في: 2017/01/26
التعليقات: 0 - القراءات: 2519

لا يحدِّد الكاتب والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي نفسه في كتابه «الدِّين والظمأ الأنطولوجي»، الصادر عن مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، ودار التنوير للطباعة والنشر في طبعته الحديثة للعام 2017، ضمن سلسلة تحديث الفكر الدِّيني، وفي 300 صفحة من الحجم الكبير. لا يحددها بتلك الانتقالات التي تأخذ القارئ إلى أكثر من محطة وتجربة وتحوُّل.

العنوان يلجأ إلى ما يشبه التورية. «الظمأ الأنطولوجي» من المفترض أنه الظمأ الوجودي، أو الحنين للوجود. فصول كثيرة في الكتاب تقف عند سيرة المطالعات... الخيارات... الوقوف عند أسئلة وجودية وفكرية أولى، في تشكّل الوعي الأول... المحطات التي مر بها ذلك الوعي. الأوعية التي استقبلت ذلك الوعي على اختلاف قدرتها على تنميته وصعوده، وقدرته على الانشغال بالأسئلة أكثر من اندفاعه باتجاه الإجابات.

أبان الرفاعي شيئاً من خريطة وتوجه الكتاب بقوله هو «خلاصة أسفار الروح والقلب والعقل مدة تزيد على نصف قرن، لبثت فيها أفتش عن ذاتي الهاربة مني، وبصراحة لم أظفر بها كلها حتى اليوم. كنت أغور كالغواص في طبقاتها، وكلما قبضت على شيء منها انزلقتْ مثلما ينزلق الزئبق بين الأصابع. أدركت ألا باب للنجاة إلا اكتشاف الذات والعمل على بنائها وتربيتها مادامت الحياة».

سيرة ذاتية يتداخل فيها الوجود الخاص بالوجود العام. الوعي الخاص بالوعي العام الذي كانت له يد طولى في تشكيل الأول، والأخذ به نحو التمايز، والتصدِّي لقضايا وأطروحات ربما تكون مبكّرة أو غير ذات اهتمام لدى البيئة الحوزوية أول الأمر. الجمع بين عالمين معرفيين: الحوزة والجامعة، واستفادة الثانية من الأولى أيما استفادة، بالتأسيس والعمق والاشتغال وما يشبه الحفر الذي ينكب فيه الطالب الحوزوي تقليباً ومتابعة وتأسيساً للهوامش في أمهات الكتب ومقررات التأسيس.

حضور الصوت الفردي... غيابه

نحن إذن إزاء أكثر من تجربة، روحية، ومعرفية أكاديمية. يحضر الصوت الفردي ويغيب. وفي غيابه استدعاء لأصوات أخرى ربما شكلت جوانب من معمار وتوجه وفكر الرفاعي نفسه.

وليسن أجلى من قوله في هذا الباب من «يرمي هذا الكتاب إلى عزل المسارات عن بعضها؛ إذ إن كل شيء يفتقد غرضه حين يتم استعماله خارج سياقه. كثيراً ما يقع الخلط بين مفهوم الدِّين وبين توظيفه خارج وظيفته الحقيقية. هكذا يُفرغ التوظيف الدِّين من مقاصده ويهدر غاياته وأهدافه، بل غالباً ما ينقلب استعمال الدِّين خارج مقاصده على الضد منها، كما يفضي استعمال كل شيء خارج سياق وظيفته إلى نفي غرضه».

وفيما يقدمه لنا من تعطش إلى المعرفة يتيح لنا صورة أخرى في الفصل بين ما يمكن أن نسمّيه «دين الأيديولوجيا» والآخر «دين الأنطولوجيا»، وما يمكن للأخير أن يمنحك من سعة أفق وتفكير وحرية تنقل وأخذ ورد، من دون أن تكون مشدوداً إلى حالات من اليقينيات التي لا يمكن الاستناد إليها في تحديد وجهة فكر مُسائل... جدلي... لا ينفك عن إثارة وإيقاظ الإشكالات التي تبدأ من المكان... البيئة الواحدة، وبالتالي ما ينتج عن تلك البيئة من منهج وفكر وحتى اعتقاد.

سنقف في الكتاب على تناول ومحاولة تمهيد لفهم البعد الأنطولوجي والإمكانات التي يمكن أن يتيحها لدارسي الدِّين؛ إذ يرى الرفاعي بأنه يمكننا المرور إلى جوهر الدِّين، في محاولة منا لتذوق الجوانب الجمالية فيه، تلك التي كثيراً ما يتم تغييبها عنا، أو لا تكون في صلب أو عمق الصورة، انشغالاً بما ظل تكريسه باعتباره اللب والأساس، في الوقت الذي لا يمكن فهم أو تحديد ذلك اللب والأساس بعيداً عن الجماليات المرتبطة بها، تلك التي تتيح لنا فهماً أكبر، وربما تجعلنا على مقربة من فهم أكثر ألفة لذلك اللب والأساس.

النص الدِّيني وإسلام التاريخ

في الكتاب أيضاً، وعبْر الفصول التي تتاخم السيرة الذاتية، أو تكون في الصلب منها، نقف على الانتقالات التي عرفها الرفاعي بين التيارات والاتجاهات الفكرية والدِّينية والحزبية. ثمة صوت فردي يطلع بين ثنايا تلك الكتابة، لكنه يقولنا جميعاً، وخصوصاً حين يكون الصوت وصاحبه مر بما يشبه تضييع الذات، ومرورها بحال من الطمس بفعل انشغالها بأدبيات حزبية لا تكاد تشكِّل تمايزه في الصوت حتى تعود نسفاً له، أو إرباكاً لقناعاته. نصغي إلى ذلك الصوت: «يولد الإنسان بمفرده، يحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألم بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميره بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويلحد بمفرده، ويجتاحه بمفرده أيضاً: القلق، اليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والسوداوية، والعدمية، والجنون (...)».

ينوه الرفاعي هنا إلى أن تحديث التفكير الدِّيني الذي يدعو إليه ينشد تحرير النص الدِّيني المؤسس من إسلام التاريخ «ذلك أنه بمرور الزمان تتراكم الشروح والتأويلات على هذا النص، حتى تسجنه وتسجن الإنسان داخله، وغالباً ما يمسي تفسير النص المقدس مقدساً، يستعصي على النقد، بل يمسي مفسر النص مقدساً أيضاً لا يخضع للمساءلة فيما يقول ويفعل (...)».

ذلك يقودنا إلى مؤدَّى الأيديولوجيا في الكتاب؛ ليس باعتبارها علم الأفكار: دراسة الأفكار دراسة علمية، بل مؤداها ومعناها هنا بالنسبة إلى الرفاعي «نظاماً لإنتاج المعنى، يصنع نسيج ميكروسلطة متشعبة لإنتاج حقيقة متخيلة، تبعاً لأحلام تخيلية مسكونة بعالم طوباوي موهوم. إنها عملية تزييف للحقيقة، وطمس لمعناها عبر حجب الواقع، واحتكار نظام إنتاج المعنى».

لا ينشغل الكتاب بتوصيف وتقعيد بعض المفاهيم، وإن جاس خلالها، في الوقت الذي لا ينشغل بالشكل والمضمون الكلي للسيرة الذاتية، فلا الكتاب سيرة من جهة، ولا هو تأصيل أو تقعيد لبعض المفاهيم، بل يتناوب على هذا وذاك.

في الجانب السيري الذي يتبدَّى في فصل «نسيان الإنسان»، يقدم لنا الرفاعي تنقلاته ضمن محطات متنوعة، والمدن التي ضمّته، والبشر الذين عاشر، والعقود الأربعة في الحوزة العلمية. مع كل ما يبدو اقتراباً من الجرأة في تلك السيرة إلا أن الرفاعي لا ينكر أن الكتابة التي هو بصددها، وفي الجانب السيري على الأقل «تقدم صورة مخاتلة مراوغة ماكرة، تخفي أكثر مما تظهر، وتتكتم أكثر مما تعلن، وتحجب أكثر مما تظهر، وتطمس أكثر مما تكشف (...)»، متسائلاً: هل يستطيع شخص التغلب على تمركزه حول ذاته، ويحكي إخفاقاته قبل نجاحاته، ويجرؤ على إعلان أخطائه، على رغم أن أهم حافز بشري في حركة التاريخ هو طلب اعتراف الآخرين وثنائهم؟ هل نجح الرفاعي في تلك الجزئية، تخطياً للتساؤلات تلك، وتجاوزاً للمخاتلة والمراوغة، ونسيان التمركز حول الذات؟ لا تكشف القراءة شيئاً من ذلك، ولم يجرؤ الرفاعي نفسه ادِّعاء ذلك.

نحتاج العودة لمراجعة فصول مهمة من الكتاب لم تتحها المساحة المخصصة هنا، مع ضرورة ربط الإصدار موضوع الاستعراض بعدد من أعمال الرفاعي الرائدة في مجال معالجتها وتناولها.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


جعفر الجمري

كاتب من البحرين



ارسل لصديق