ابن رشد رمزا للتنوير والحوار مع الآخر
العرب أونلاين- حسونة المصباحي
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/08/19
التعليقات: 0 - القراءات: 1715

يبدو ابن رشد (1126م /1198م) وكأنه الفيلسوف العربي الوحيد من بين الأموات ومن بين الأحياء، إذا ما كان هناك فلاسفة عرب أحياء، القادر على إعادة ربط الحوار بين الشرق والغرب.هذا الحوار الذي يتعطل وينقطع بين وقت وآخر. مرة بسبب الحروب الصليبية. ومرة بسبب الاستعمار وغطرسته. ومرة بسبب النزاع العربي- الإسرائيلي الذي طال أمده. ومرة بسبب الحركات المتطرفة التي لا ترى مصلحة في إقامة مصالحة دائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، مركزة تحركاتها وأدبياتها باتجاه تكريس القطيعة المطلقة بينهما..

 وخلال السنوات العشر الأخيرة أظهرت أوروبا اهتماما كبيرا بـ"حكيم قرطبة" قد يكون تجاوز بكثير الاهتمام به في العالم العربي- الإسلامي. ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها أن الإسلام أصبح الديانة الثانية في القارة العجوز.
كما أن نفوذ الحركات الإسلامية المتطرفة ازداد توسعا وقوة داخل الجاليات الإسلامية المهاجرة حتى أنه أصبح يهدد الاستقرار والأمن في العديد من البلدان الأوروبية. بالإضافة إلى ذلك حصل إجماع بين القادة الأوروبيين على أن ما يجد من أحداث على الضفة الجنوبية من المتوسط، يمكن أن يكون له تأثير مباشر وخطير على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في بلدانهم.
ومن هنا بدأوا يبحثون عن وسيلة أو عن رسائل لتخفيف هذا التوتر بين الشرق والغرب، ساعين لإعادة فتح الحوار بينهما، وتذليل العقبات والمصاعب التي تمنع من ذلك. وبما أن السياسة غالبا ما تضر أكثر مما تنفع، فإن اللجوء إلى الثقافة يصبح ضروريا. لذا كان لا بد من العثور على رمز ثقافي كبير لمثل هذه المهمة العسيرة. ونظرا لعدم توفر هذا الرمز في الزمن الحاضر، أوروبيا كان أم عربيا، فإن الماضي بدا مناسبا لذلك. ولأن ابن رشد كان من أكثر الفلاسفة العرب انشغالا واهتماما بالفلسفة اليونانية حتى أنه شكل في ما بعد همزة الوصل بين هذه الفلسفة، وفلسفة أوروبا الناهضة من ظلمات القرون الوسطى، فإنه بات هذا الرمز الثقافي الذي يمكن أن يقنع المسيحيين والمسلمين بأنه لا مستقبل لهم إلا بقبول تعايش سلمي بينهم. وكانت ألمانيا، بلد الفلسفة، ولازالت من أكثر البلدان الأوروبية اهتماما بابن رشد. وأذكر أني حضرت ندوة انتظمت في شهر ديسمبر/كانو الاول 1999، في "دار ثقافات العالم" ببرلين وحضرها عدد كبير من المفكرين العرب والأوروبيين. وكان موضوعها: "ابن رشد اليوم".
وفي بداية مداخلته القيمة التي لاقت استحسان جل الحاضرين، طرح المفكر الجزائري المرموق محمد أركون، الأسئلة التالية: هل كان ابن رشد حاملا للأنوار فعلا؟ وإذا ما كان الأمر كذلك، كيف أصبحت هذه الأنوار بعد وفاته عام 1198؟ وكيف نفسر التراجع على مستوى الأنوار والعقلانية في العالم العربي والإسلامي الممتد من اندونيسيا إلى المغرب؟ وهل بإمكاننا أن نربط الصلة مع الأنوار في الإسلام؟ وما هي هذه الأنوار؟ وكيف لنا أن ننجز هذه المهمة، مهمة ربط الصلة مع الأنوار في الإسلام؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه في هذا الاتجاه الفضاء الجغراتاريخي والجغراثقافي المتوسطي؟
وفي مقدمة إجابته عن هذه الأسئلة، قال الأستاذ محمد أركون: "غالبا ما تطرقت إلى هذه الأسئلة في إطار التاريخ العام للفكر في الفضاء المتوسطي. وأعيد لفت الانتباه لهذا الفضاء لسببين أساسيين: السبب الأول علمي. أما السبب الثاني فجغراسياسي. إلا أن السببين غير منفصلين إذ أن البحث الراهن عن سلام وعن تعاون دائم في العالم المتوسطي مرهون بإعادة جذرية لكتابة التاريخ، تاريخ الشعوب والثقافات والأنظمة الفكرية انطلاقا مما نسميه بـ"الشرق الأوسط"، وصلت تدريجيا إلى أوروبا كلها، ثم إلى العالم بأسره عبر الديانات الثلاث من ناحية، ثم عبر الفكر اليوناني- الروماني من ناحية ثانية". وأشار الأستاذ محمد أركون إلى أنهم أعادوا الاعتبار إلى موسى بن ميمون، معاصر ابن رشد.
وفعل المسيحيون الشيء ذاته مع توما الأكويني "1225-1274" الذي انتقد بشدة ابن رشد ومنهجه الفلسفي. أما العرب المسلمون فقد أهملوا ابن رشد إهمالا شبه تام، ورموا بفلسفته وبأعماله في بئر النسيان المعتمة. ويرى الأستاذ محمد أركون أن مهمة المؤرخ لا تكمن فقط راهنا في ضرورة إعادة الاعتبار للفلاسفة المذكورين أي ابن رشد وابن ميمون وتوما الأكويني وإنما أيضا في إثبات وتوضيح ماهية اسهمات كل واحد منهم في إحداث قطيعة ثقافية ومذهبية بين المجموعات الثلاث، المسلمة والمسيحية واليهودية. ويضيف أركون قائلا بأنه يعتقد أن الأنظمة الفلسفية اللاهوتية التي بناها كل من ابن ميمون وتوما الأكويني والتي ظلت حية في التقاليد اليهودية والمسيحية ساهمت إلى حد ما في تهميش الفكر العربي والمتمثل في ابن رشد حتى القرن الثالث عشر ميلاديا.
وانتقد الأستاذ محمد أركون أولئك المفكرين العرب الذين يعتقدون أنه بإمكانهم استعمال نفس الأدوات ونفس المناهج ونفس المفاهيم التي استعملها ابن رشد إذ أن أفكار هذا الأخير كانت مقتصرة على عصره، وبالتالي لا يجب تحميلها ما لا طاقة لها به. وفي نفس هذا الاتجاه النقدي.
أضاف الأستاذ محمد أركون قائلا: "إن المثقفين العرب المعاصرين يميلون إلى إلصاق بعض الأفكار الخاصة بالحداثة بابن رشد وبابن خلدون وبالفارابي وبابن سينا، وبمفكرين آخرين أُهْمِلوا لمزن طويل بهدف إثبات أن الغرب أخذ الكثير من الفكر الإسلامي. لذا، ولإنهاء هذه الممارسة الدفاعية التمجيدية، أنا ألح دائما على ضرورة الأخذ بعين الإعتبار ثنائية المفكر فيه وغير المفكر فيه في التقاليد الفكرية".
وانتقل محمد أركون إلى الحديث عن ما يسميه بـ"الإجمال الثقافي والروحي والفكري" في الفضاء المتوسطي وقال إن هذه المهمة هي من المهمات الكبيرة التي على "العقل النابع" إنجازها واستكمالها.
وعلى هذا "العقل النابع" أن يتحرر من "الخلاقات" "من خلاقة، وهي علم القيم، ويشمل البحث في قيم الأخلاق والدين وعلم الجمال" ومن المسلمات، ومن الموضوعات المهجورة والمتروكة لدى العقلية الدينية، اليهودية منها، والمسيحية، والمسلمة، ولا بد من التحرر أيضا من بعض المفاهيم المتصلة بعقل التنوير الذي يهيمن على إرادة القوة لدى الدولة- الأمة في أوروبا.
وأضاف الأستاذ محمد أركون قائلا: "إن طموح العقل النابع هو أن يضع على ذمة البحث والتحليل، وبأدوات فكرية جديدة، وبدوافع إنسانية، القضايا الثقيلة المتنازع بشأنها بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، والمتراكمة منذ بروز المسيحية والإسلام بصفة خاصة". وبما أن الفلسفة هي كما قال فيتكنشتاين "تعليم الذبابة كيفية الخروج من الزجاجة" فإن مهمة "العقل النابع" هي تحديد السبل والأدوات الفكرية المناسبة للخروج من الطرق المسدودة، ومن الأوضاع الموروثة عن التقاليد القديمة حتى يتمكن من التوجه نحو آفاق جديدة في مجال المعنى وفي مجال الأمل بوضع إنساني جديد.
وعن الحضور البارز لابن رشد في الجدل الفكري والفلسفي في المغرب الأقصى، قال عبدو فيلالي الأنصاري، مدير الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز في الدار البيضاء: "في المغرب، ومنذ عقود عديدة، وابن رشد موضوع عدد هائل من الدراسات والمحاضرات والندوات والنشريات.
والتذكير بهذا الوجه الثقافي الذي ينتمي إلى الماضي، يتم بطرق مختلفة ربما تكون أهمها تلك التي تستجيب للمعايير الأكثر دقة في مجال البحث الفلسفي. وبالفعل بات ابن رشد رمزا ورهانا لمواقف، ولحركات فكرية تتمحور حول مشاكل وقضايا تعيشها المجتمعات الراهنة، وتهدف بالخصوص إلى بلورة تركيبة جديدة للسياسي والديني في نفس الوقت". وأشار الدكتور الفيلالي الأنصاري إلى أن ابن رشد تميز مقارنة بمثقفي ومفكري عصره بالانتقال إلى مجال آخر، غير المجال الديني والفقهي.
وهو المجال الفلسفي، ومجال العلوم اليونانية القديمة ليتوصل أخيرا إلى أن يخالف الرأي المتداول والمألوف. كما يخالف المعرفة الدينية التقليدية. ومعنى ذلك أنه استحدث طريقا ثالثا ليس هو طريق التقليد العلمي السائد في مجتمعه آنذاك، ولا طريق المقاربة "الخارجية" الموازية أو المعادية لما يحدده العلم الأورثوذكسي في عصره. وميزة هذه الطريق الثالثة بالنسبة للمفكرين المعاصرين هي أنها- حسب الدكتور الفيلالي الأنصاري أدخلت العقل في مجال المعرفة مانحة إياه وزنا وثقلا حقيقيين.
وأما الدكتور عبد المجيد الشرفي، أستاذ الحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية، فقد أشار في مداخلته إلى أن إعادة الاعتبار الحقيقية لابن رشد لا بد أن تتم من خلال الحاضر وذلك بجعله رمزا لكل عمل فكري جديد ينهض على أسس عقلانية، ويمكن المجتمعات العربية المعاصرة من الخروج من حالة التخلف والركود التي تعيشها منذ قرون عدة. ويرى الدكتور الشرفي أن النهوض الحقيقي للمجتمعات العربية- الإسلامية لا يمكن أن يتحقق في غياب تحديث الاقتصاد والتعليم والسياسة في المجتمعات العربية.
وفي مطلع مداختله التي حملت عنوان: "أهمية ابن رشد في تكون الهوية الأوروبية"، أشار الفرنسي آلان دي ليبيرا، أستاذ الفلسفة القروسطية في جامعة جينيف إلى أن ابن رشد قدم في العصور الوسيطة من قبل لايبنيتز وتوما الأكويني وبيترارك كما لو أنه رمز للزندقة والشك الديني. بل ذهب البعض منهم إلى حد القول إن ابن رشد وأتباعه من الأوروبيين هم مصدر الزندقة التي عرفتها أوروبا خلال القرن الخامس عشر. ويبدو ذلك واضحا من خلال الهجوم العنيف الذي شنه الإيطالي بيترارك على أتباع ابن رشد في أوروبا معتبرا إياهم "ملحدين يحتقرون كل ما هو مطابق للديانة الكاثوليكية".
ويضيف بيترارك قائلا بأن أتباع ابن رشد، خوفا من إفشاء سرهم، يلجأون إلى النفاق، ويزعمون أنهم يناقشون قضايا فلسفية لا صلة لها بالعقيدة في حين أنهم لا يفعلون شيئا آخر حين يكونون في مأمن من العيون والآذان غير تمزيق العقيدة والسخرية منها ومن رموزها. وعن موقف ارنست رينان "1823- 1892" من ابن رشد، قال آلان دي ليبيرا: "لم يكن صاحب "صلاة على الأكروبول" "يعني رينان" يحب العصور الوسيطة. وكانت هذه القرون العشرة بالنسبة له "مغامرة مريعة" أو "انقطاع" استمر ألف عام في تاريخ الحضارة.
وكان ابن رشد النقطة الأكثر سوادا، أو "الحفرة المعتمة" في هذه القرون المعتمة. لماذا؟ السؤال يثير الدهشة. غير أنه يظل إلى حد هذه الساعة فريدا من نوعه. ما ينتقده رينان ليس فرادة ولا وقاحة قول خارق، وإنما منبعه أولا. وحسب رينان، فإن فلسفة ابن رشد ليست فلسفة أصيلة. ومحتواها مليء بالمقولات المتكررة، وهو أيضا مضطرب المعاني، وليس بيّنا وواضحا إلا عندما لا يدفع بنفسه وراء أرسطو والشراح اليونانيين. والحقيقة حسب رينان هي أن الموهبة الوحيدة لابن رشد هي عرضه لمجمل المذاهب المتعلقة بأتباع أرسطو من بين العرب واقتراحه لفكر يلخص روح الفلسفة العربية".
ويقترح آلان دي ليبيرا أنه علينا أن نخرج اليوم من التقاليد القومية، وأن ننظر إلى المستقبل. وهو يرى أن ابن رشد لعب دورا إيجابيا في تكوين الثقافة الأوروبية، وفي الهوية أيضا. وفي هذا الوقت الذي يتم فيه إعداد مشاريع كبيرة تخص الفضاء الأوروبي- المتوسطي، يجدر بنا- ودائما حسب آلان دي ليبيرا- أن نحيي العلاقات الأوروبية- العربية، وأن ننشئ ذاكرة لا تقتصر مهمتها على تكرار الماضي واجتراره، وإنما هي تبني المستقبل، وتؤسس له. وبذلك يكتسب البحر الأبيض المتوسط بضفتيه، ذاكرة طموحة، ذاكرة مستقبلية، متحررة من أساطير الماضي.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق