قراءة نقدية في كتاب العنف الأسري.. دراسة منهجية في المسببات والنتائج والحلول
بقلم : أسعد النمر
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2011/01/10
التعليقات: 0 - القراءات: 9806

لا بد أن المؤلف قد بذل جهداً كبيراً لكي يخرج هذا الكتاب للنور ويكون بين يدي القارئ. كما أن موضوع البحث من الموضوعات المهمة في الحياة الاجتماعية، وقدم الكثير من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها من الناحية النظرية. ولكن من جهة أخرى، لا يوجد عمل بحثي أو أكاديمي متكامل. وهذا الكتاب جهد أكاديمي كباقي الأعمال الأكاديمية الأخرى التي نجد فيها ما يمكن أن يلفت النظر من الناحية النقدية. قراءتي لهذا الكتاب جاءت في سياق نقدي للمنهجية التي سار عليها المؤلف ليخرج كتابه بالشكل والمضمون الذي هو عليه في مؤلّفه.

عنوان الكتاب

في رسائل الماجستير أو الدكتوراه، أو الدراسات الأكاديمية المنشورة بالدوريات العلمية يعكس عنوان الدراسة – عادةً – طبيعة الدراسة المتصلة بالمتغيرات التي يسعى الباحث إلى دراستها عبر منهجية معينة يجري اختيارها بحيث تتوافق مع الأساليب الإحصائية التي تخدم في النهاية الوصول لنتائج معينة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر مجلة الطفولة العربية من الدوريات العلمية المحكّمة للدراسات وتنشر دراسات تعتمد العنوانين التالية:
1. أساليب المعاملة الوالدية السلبية وعلاقتها ببعض المتغيرات " دراسة مقارنة لأبناء الشهداء وأبناء غير الشهداء في المجتمع الكويتي "
2. علاقة مشاهد العنف الأسري بالتوتر والاكتئاب والتحصيل الدراسي لدى الأطفال "
وأحياناً ينشر بعض الباحثين رسائلهم الأكاديمية على شكل كتاب مع تغيير للعنوان ولبعض ما جاء بمضمون الرسالة خاصة تلك المتعلقة بالإحصاءات والجداول الإحصائية التي تثير الكثير من الملل لدى القارئ غير المتخصص أو غير المهتم بشأن الأكاديمي.
وبالنسبة لكتاب المؤلف: " العنف الأسري دراسة منهجية في المسببات والنتائج والحلول "، فربما يكون هو نفس العنوان لرسالته في الدكتوراه أو ربما أجرى على عنوانها بعض التغيير ليصبح العنوان الذي قرأناه على كتابه الحالي. وبالنسبة لي، أعتقد أن عنوان الكتاب الحالي ينسجم مع ما جاء في مضمون الكتاب وهذا في حد ذاته تُحسب للمؤلف لا ضده وبقطع النظر عما جاء في المضمون. وهنا، إذا اعتبر عنوان الكتاب هو ذاته على رسالة المؤلف للدكتوراه، فهذا يدفعنها من منظور الرأي العلمي إلى أن نقول رأياً.
" العنف الأسري " عنوان عام جداً وشامل للكثير من المتغيرات دون تحديد. وهذا عادةً يُعد نقطة ضعف في منهجية الباحث؛ إذ أن المطلوب أن يحدد الباحث المتغيرات التي يريد دراستها في سياق العنف الأسري. وحينما أردف المؤلف عنواناً فرعياً لكتابه، وهو: دراسة منهجية في المسببات والنتائج والحلول "، دفعني للتوقف كثيراً عند مفردة " منهجية ". وقد ظننت قبل أن أقرأ الكتاب أن المؤلف سيبني دراسته على منهجية أكاديمية تقوم على المنحى التطبيقي أو الميداني أو التجريبي أو نحو ذلك. أعلم جيداً أن جزءاً من المنهجية في الدراسات الأكاديمية ترتبط بطرق الاقتباس ونحوه، ولكن حتى هذا لم ألاحظه بما يتفق مع مفردة " منهجية ". علماً أن هناك دراسات أكاديمية لا تجري تطبيقات ميدانية بل تعتمد كثيراً على الدراسات السابقة بشكل مكثّف وواسع قد يصل عدد الدراسات السابقة المحكّمة التي يطلع عليها الباحث قد تتراوح بين 300 – 600 دراسة تتناول ذات الموضوع من مختلف الزوايا والرؤى. ولكن مثل هذه الدراسات الأكاديمية تصيغ فروضها بطريقة منضبطة منهجياً أو في سياق ما يُعرف بعلم مناهج البحث Methodology.
وسنرى كيف أن ثمة أخطاء منهجية كان من غير المناسب أن تكون بكتاب تم إخراجه باعتباره رسالةَ دكتوراه. إذ كان يجب أن تكون ممنهجةً وفقاً لمعظم الدراسات الأكاديمية سواء على مستوى الماجستير أو الدكتوراه.

مقدمة الكتاب

لفتت نظري بمقدمة المؤلف هذه العبارة: " . . . بالرغم أن هذه الظاهرة السلبية ليست بالشيء الجديد، فهي موجودة منذ وُجد الإنسان على سطح الأرض؛ . . . " ( ص7 ). ربما تكون هذه العبارة منطقية أو مألوفة لمن لم يدرس علوماً مختلفة كالبيولوجيا والعلوم التي لها صلة بالمنطق التطوري أو النشوء كالأنثروبولوجيا والجيولوجيا. لقد أيقن المؤلف أن بدء ظاهرة العنف ( الأسري ) كانت موجودة منذ أن وجد الإنسان على الأرض. وأظنه يرمي للعنف الذي وصم علاقة هابيل بقابيل باعتبار أن مرحلة آدم هي مرحلة الإنسان الذي مارس العنف. فإن صحّ ما أشير إليه، فإن وجهة النظر الإسلامية التي ربما يرى فيها المؤلف كامل الحقيقة، ليست بالضرورة تعكس حقيقة الظاهرة بالفعل من وجهة نظر علمية معينة. وهنا أيضاً لا يجب إنكار أن العنف حدث في علاقة هابيل بقابيل، ولكن ما ذكره المؤلف في عبارته السابقة أعلاه لا تنسجم كثيراً مع وجهة النظر العلمية كما أعتقد، إلا إذا اعتبر المؤلف أن الإنسان ممتد إلى ما قبل آدم بمراحل تطورية جرت خلالها أشكال متباينة من العنف التي يمكننا أن نصنفها نحن بطريقتنا. فهناك أبحاث كثيرة أشارت إلى أن العنف قد سبق مرحلة آدم لأن آدم جزء من سلسلة تطور وليس بداية لها. وبالتالي لا يمللك المؤلف ما يؤيد وجهة نظرة على أن العنف بدأ منذ مرحلة آدم باعتباره بداية وجود الإنسان على الأرض. بالطبع من حق المؤلف أن يطرح وجهة نظره كما يشاء، ولكن عليه أن يدلل على ما يطرح إذا أخذ بعين الاعتبار أن كتابه هو رسالة أكاديمية للدكتوراه ينبغي أن تتقيد فيما يرد فيها بمنطق المنهج العلمي من حيث جودة الاقتباس والإحالات العلمية كمصادر.

منهج الدراسة كما يراها المؤلف

اتبع المؤلف ترتيباً معروفاً في الدراسات الأكاديمية. فقد جاء تسلسل منهجيته بدراسته على النحو التالي:
أهمية الدراسة؛ أهداف الدراسة؛ فرضيات وتساؤلات الدراسة؛ الدراسات السابقة ( ص ص 14 – 17 ). ولكن لم يورد ضمن منهج الدراسة عينة الدراسة ولا أدواتها ( المقاييس أو الاختبارات التي يتم بها التحقق من صدق الفروض ) وهذا يعني أن دراسة المؤلف التي بين أيدينا لم تعتمد لا عينة وبالتالي لا توجد أدوات يتم تطبيقها على عنية. كذلك لم يعيّن المؤلف حدود لدراسته. وبطبيعة الحال في الدراسات الأكاديمية، يحدد الباحث حدود دراسته معتمداً في هذا على:
1. حجم العينة في المجتمع الأصلي. فقد تكون عينة البحث كبيرةً جداً، سيما الدراسات المسحية بحيث تشمل جميع السكان في بعض الأحيان ( المجتمع الأصلي )
2. المناطق التي تم أخذ أفراد العينة منها. قد لا يكتفي الباحث بمنطقة صغيرة، فربما يختار لعينته مبحوثين من مناطق أخرى أيضاً، وهذا كثيراً من يصدق على الدراسات عبر ثقافية Cross – cultural studies بين شعوب محددة
3. الأسلوب المتبع في اختيار العينة. إذ لا بد أن تكون العينة ممثلة للمجتمع الأصلي التي أُخذت منه بإحدى طرق اختيار العينات، كالعينة العشوائية، والعينة الطبقية ( كأن توزع العينة على أساس العمر أو مستوى الدخل ).
ولمّا لم تكن بدراسة المؤلف أي عينة ممثّلة للمجتمع الأصلي، فهذا يعني أن النتائج التي اعتمدها يجب أن نكون حذرين في اعتمادها.
وفي مجال آخر من نقدنا لهذا الكتاب، لنا أن نطرح على المؤلف السؤال التالي: كيف لنا أن نميز بين بنود أهمية الدراسة وأهدافها ؟ فهل يمكن أن نعتبر رفع مستوى الوعي . . . إلخ الوارد في أهمية الدراسة، كأحد أهداف الدراسة ؟ كذلك، هل يمكن اعتبار الإلمام بخصائص ممارسي العنف . . . إلخ الوارد بأهداف الدراسة، كتعبير عن أهميتها ؟ إن من يمعن النظر في كلا البنود سواء في بنود أهمية الدراسة أو أهدافها سيلاحظ أن التمييز بين الأهداف والأهمية لا تبدو واضحة كثيراً.
أما فرضيات وتساؤلات الدراسة ( ص 15 ) فقد شعرت بارتباك أبعدني عن صياغة الفروض المعروفة أكاديمياً سواء على هيئة سؤال أو عبارة. فأهم مصادر ارتباكي جاءت من الصياغة التي اعتمدها المؤلف كفروض لدراسته. فأي فرض سواء صِيغ بطريقة سؤال أو في عبارة، لا بد أن يعكس الفرض علاقة ما أو فرق ما بين متغيرين أو أكثر. فعندما نحلل صياغة التساؤلات التي صاغها المؤلف، لا نجد في أي منها أي صياغة يمكن أن تساعد المؤلف ( أو الباحثين الآخرين الذين يرغبون في دراسة متغيرات الدراسة في بيئات مختلفة ) على قياس الظاهر السلوكية التي أراد دراستها. فدعنا نأخذ مثالاً: جاء في التساؤل الأول: " ما هي أنواع العنف الأسري وأشكاله ؟ " هذه الصياغة تخلو من متغيرات قابلة للقياس. بل فيها من العمومية ( ضمن مفرد أنواع وأشِكاله ) إذ كان الأولى من الناحية المنهجية في الدراسات الأكاديمية أن يصيغ فرضه بطريقة دقيقة توضح إمكانية اختبار الفرض بطريقة موضوعية. فمثلاً يمكن أن تكون الصياغة على النحو التالي:
1. هل هناك علاقة دالة جوهرياً بين العنف الموجّه نحو الزوجة من الزوج وارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع ...... ؟
2. أو هل هناك فروق دالة جوهرياً بين أشكال العنف الأسري وارتفاع العدوان لدى أطفال المدرسة الابتدائية في المجتمع ..... ؟

أو يمكن أن يُصاغ هذين الفرضين بطريقة صفرية على النحو التالي:
1. لا توجد هناك علاقة دالة جوهرياً بين العنف الموجّه نحو الزوجة من الزوج وارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع ......
2. لا توجد هناك فروق دالة جوهرياً بين أشكال العنف الأسري وارتفاع العدوان لدى أطفال المدرسة الابتدائية في المجتمع .....
فالفروض هي بمثابة حلول مؤقتة تحتاج من الباحث أن يتحقق من صدقها؛ فإما يكون الفرض قد تحقق بنسبة دلالة معينة أو لم يتحقق.

مفاهيم الدراسة

تناول المؤلف ثلاثة مفاهيم أساسية هي : العنف – العنف الأسري – الأسرة. واستوقفني هنا مفهوم العنف. فقد أورد المؤلف مفهوم العنف في عدّة سياقات، هي: العنف في اللغة، والعنف اصطلاحاً في معناه القانوني، والاجتماعي، والنفسي. ويختتم المؤلف سياقات تعريف العنف في (6) نقاط وأهمها من وجهة نظري ما ورد في النقطة الثانية والرابعة ( ص 21 ). وهنا يتبدى خلط لا لزوم له بين مفهوم العنف ومفهوم العدوان. فمعظم الدراسات التي تناولت السلوك العدواني تحديداً فرّقت بين العنف باعتباره أقصى حالات التعبير عن العدوان سلوكياً. فالعدوان مصطلح يندرج ضمنه العنف وليس العكس. بمعنى، لا تعتبر الاستجابات اللفظية كالسب عنفاً بل عدواناً. فيقال عدوان لفظي على أساس أن تعريف العدوان يتضمن هذا النوع من الاستجابات وغيرها من الاستجابات الدالة على الاستجابة العدوانية في مستوياتها المختلفة من العدوان غير الصريح الذي يتمثل في الكراهية والحقد مروراً بالسلوك العدواني الصريح كالتلفظ ببذاءة أو التهديد اللفظي والتحطيم الأشياء واستخدام الأدوات الحاّدة والعنف بصوره المتطرفة. فالعنف بذلك هو أعلى مراحل الاستجابة العدوانية. وفي هذا السياق لم تفرق دراسة المؤلف بين هذه التباينات في الاستجابة العدوانية، بل لم يرد العدوان كمصطلح جامع لكل أشكاله بما فيها العنف. لقد اُعتمد العنف كمفهوم للدلالة على كل أشكال العدوان التي ذكرناها للتو. وهذا يخلط معنى المفهوم بمساق الاستجابات الأخرى التي تعكس درجات معينة من العدوان.
والعنف مصطلح يرد في الإعلام بطريقة لا تفرق بين مستويات العدوان، ولهذا قد يؤثر ما يرد في الإعلام في وعي المتلقي بطريقة غير دقيقة تفسد عليه الرؤية الدقيقة للمفاهيم خاصة تلك المفاهيم التي ترد في مجال البحث العلمي.
كذلك كان ملفتاً مفردة الشرعي وغير الشرعي كترجمة لـ Legitimate V.، وIllegitimate ( ص 20 ). وهنا لدينا معنيين: معنى الشرعي وغير الشرعي، ومعنى القانوني وغير القانوني. فالمعنيان يختلفان في سياق ثقافي ما. فالشرعي في سياقه الثقافي الإسلامي قد ينحو بنا نحو مسألة الحلال والحرام، بينما القانوني قد يبدو أكثر تحديداً وأكثر تعبيراً عن المعنى الشرعي في السياق القانوي. فكنت تمنيت أن التزم المؤلف بعبارة العنف القانوني وغير القانوني بدلاً الشرعي وغير الشرعي.
كما ورد في التعريف النفسي للعنف ( ص ص 19 – 20 ) أن علماء النفس يرون أن " . . . العنف هو سلوك غريزي . . . " . فعلماء النفس لم يروا جميعهم هذا المنحى في التعريف. منهم اعتبر العدوان ( العنف ) غريزياً هو سيجموند فرويد S. Freud ، ومنهم منْ لم يعتبره كذلك أمثال جون واطسون J.Watson وبرْهَس كسينر Skinner B. وإفان بافلوف I. Pavlov. فهؤلاء يعتبرون العنف سلوكاً متعلماً. بل أن مدرستهم – وهي السلوكية – تنكر الغريزة كمفهوم علمي أساساً.

العنف الأسري وأنواعه

من أهم ما يحفّز الباحث على إجراء دراسة ما، هو شعوره بوجود مشكلة تحتاج لحل. ووجود المشكلة مرتبط كثيرا بحجمها في المجتمع. ولا يمكن الوقوف على هذا الحجم إلا بوجود إحصاءات تعكس مدى هذا الحجم وبالتالي أهمية أن تُجرى الدراسة أو لا تجرى.
والمؤلف أشار إلى إحصاءات مهمة ( ص ص 35 – 48 ) أراد منها القول: إن حجم مشكلة العنف الأسري في المجتمع متسعة. إلا أن ما أورده من إحصاءات قد استلّها من غير مصادرها الحقيقية. وأعني بذلك المصادر المعتمدة علمياً كالدراسات العلمية المسحية المحكّمة والمُجراة على مجتمعات مختلفة حيث نجد مثل هذه الدراسات في مختلف الدوريات العلمية Journals أو الكتب العلمية المتخصصة في هذا النوع من الدراسات. أما اعتماد الصحف أو مواقع الإنترنت " إلا ما ندر من هذه المواقع ( هامش ص 46 ) " كمصادر بارزة في الدراسة، فهذا يقلل من أهمية الدراسة من الناحية العلمية. فالصحافة أو المواقع الإلكترونية العامّة فليست مصادر علمية إلا في حدود ضيقة جداً تتعلق بالإشارات لوجود مشكلة تؤيدها بعد ذلك دراسات مسحية محكّمة علمياً. وهنا نشير إلى أهمية الصحف فقط في الدراسات التاريخية مثلاً التي يُعتمد عليها لتتبع أحداث محددة بزمن محدد. أما في دراسات أخرى كالتي بين أيدينا فلا تعتبر الصحف مثلاً محطة مهمة من الناحية العلمية. لأن الصحافة عادة تهتم بعرض المشكلة من خلال معايير الخبر الصحفي والإعلامي؛ وهي معايير غير علمية؛ إذ تهتم كثيراً بمعايير الإثارة الصحفية خدمةً لأهداف تجارية أو تسويقية. أو ربما يرتبط نشر الإحصاءات صحفياً بالتقديرات الشخصية للصحفي وآلياته في التعامل مع الإحصاءات والأرقام. بل ربما تتدخل متغيرات شخصية كالدوافع والاتجاهات الفردية لدى الصحفي في صياغة الخبر. وبالتالي، تسقط أو تضعف الاعتبارات العلمية الموضوعية في نقل المعلومات. لهذا فمصداقية الصحف كمصادر علمية مشكوك فيها أحياناً فلا يؤخذ بها بالتالي في كل الدراسات. وفي هذا السياق، اعتمد الباحث على الصحافة وبعض مواقع إلكترونية لتدعيم ما يراه حجماً لمشكلة العنف الأسري. كان عليه أن يعود للمصادر العملية فينهل منها ما يحتاجه لموضوع دراسته حتى تبدو دراسةً معتبرة علمياً.

فئات العنف الأسري

ظاهرة العنف ضد المرأة في دول العالم. هذا هو العنوان الذي وضعه المؤلف ليخبرنا عن أشكال العنف الذي تتعرض لها المرأة في عدد من الدول الإسلامية والعالمية. وما لفت نظري هو فهم المؤلف لتعريف العنف الموجّه نحو المرأة. فهول يشير لهذا العنف باعتباره " . . . أي فعل مقصود أو غير مقصود . . " مؤذي للمرأة. فهل السلوك المؤذي غير المقصود يُعد فعلاً عنيفاً أو عدوانياً ؟ ثمة جدل مطروح حول مسألة القصدية في الفعل العدواني أو العنفي. فهناك شبه اتفاق في مجال أبحاث العدوان على أن الفعل المؤذي غير المقصود لا ينطبق عليه مفهوم العنف أو العدوان. إذ أن انطباق المفهوم على المعنى الخاص به يقتضي أن يكون مقصوداً؛ أي أن يقصد الشخص أن يؤذي. فهل الأذى الذي يسببه قائد مركبة خطأً لأحد الأشخاص في الشارع هو فعل عدواني أو عنف ؟ أو بعبارة أخرى، هل منْ يتعمد إسقاط حجراً على رأس أحدهم فيجرحه يماثل في المسؤولية – أي كان شكل المسؤولية – ذلك الذي سقط منه الحجر خطأً أو عفوياً فتسبب بالجرح نفسه ؟
كما تناول المؤلف العنف ضد المرأة على المستويين الإسلامي والعالمي ( ص ص 79 – 93). واستخدم من اجل ذلك عدداً من المصادر. فقد أشار إلى حالات العنف ضد المرأة في أمريكا، وبريطانيا، ونيوزلندا، والنمسا، وفرنسا، والهند، واليابان، وسويسرا، وبلغراد، والمجر، وروسيا، وكندا، وألمانيا. إضافة لدول عربية هي المغرب، وتونس، ومصر، والأردن، والضفة الغربية وقطاع غزة، والسعودية. ولتحديد مدى اتساع العنف ضد المرأة في أمريكا، وبريطانيا، ونيوزلندا، والنمسا فقد رجع المؤلف إلى " دراسة ميدانية على مستوى المملكة العربية السعودية ". كما رجع إلى مصدر آخر هو " العنف الأسري وخصوصية الظاهرة البحرينية " لتحديد اتساع العنف نحو المرأة في اليابان، والأردن، والضفة الغربية وقطاع غزة. واعتمد صحيفة الحياة للإشارة للعنف ضد المرأة في السعودية.
إن رجوع أي باحث لمصادر علمية لتحديد مدى اتساع المشكلة التي يبحثها يُعد إجراءً علمياً مفيداًً. ولكن ما لاحظته بدراسة المؤلف التي بين أيدينا أنه اعتمد مصادر علمية نعم – عدا صحيفة الحياة – ولكن ما يُلاحَظ هو أن المؤلف لم يوفق في توظيف بعض المصادر لتوثيق الإحصاءات التي ذكرها ( تحديداً ) في السعودية والبحرين. فبالنسبة للسعودية فقد اعتمد صحيفة الحياة مصدراً لمعلوماته الإحصائية وأغفل مصدر مهماً كما يبدو في هذا السياق وهو الـدراسة الميدانية التي أجريت على مستوى المملكة العربية السعودية عام 2005. كما أغفل أن يذكر البحرين ضمن مجموعة البلدان العربية مع أنه استخدم مصدراً بحرينياً " المركز الوطني للدراسات " حيث استخدمه كمصدر للعنف ضد المرأة في اليابان، والأردن، والضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي الصفحات ( 119 – 120 ) أشار المؤلف إلى خصائص الآباء المسيئين لأطفالهم؛ فذكر تسعة عشر خاصية يتميز بها هؤلاء الآباء. ولكني أتساءل: كيف تسنى للباحث أن يحدد هذه الخصائص ؟ علماً أن المصدر ليس واضحاً بما يكفي. فقد أشار بهامش 1 ( ص 121 ) إلى مصدر هو سيكولوجية العنف . . . إلخ؛ فهل هو مصدر للخصائص التي ذكرها بـ ( ص 120 ) ؟ إن كان نعم، فأظن المؤلف قد أثار شيئاً من الغموض على طريقته في التوثيق العلمي. إذ كان الأولى أن يشير لمصدر تلك الخصائص بعد عرضها مباشرة لا بعد أن يتخطها مناقشاً سياقاً آخر في دراسته.

أساليب التوثيق العلمي

معلوم أنه كلما كان التوثيق العلمي مُحْكَماً، كانت الدراسة أكثر رزانةً ورصانةً وقوة من الناحية العلمية. بمعنى، أن جمع المادة العلمية يقوم على التوثيق الدقيق من المصادر المعوّل عليها علمياً.
وفيما يخص التوثيق العلمي في هذه الدراسة التي بين أيدنا، يمكنني قول الآتي:
1. اعتمد المؤلف في بكثير من توثيقاته المتعلق بالإحصاءات على الصحافة المحلية، كصحيفة الحياة، والوطن السعودية، وذلك لتحديد مدى اتساع أو حجم العنف الأسري في المجتمعات بما في ذلك المجتمع السعودي. يمكن أن تكون الصحافة مصدراً من مصادر البحث ولكن من الأهمية بمكان أن يحدد الباحث عن أي معلومة يريد وتتناسب مع مجريات دراسته. فلو افترض أن عنوان دراسة المؤلف هي: " العنف الأسري كما تعرضها الصحافة المحلية وتأثيرها في الرأي العام " لأمكننا القول إن الاعتماد على الصحافة كمصدر سيكون له قيمة أساسية بل الصحافة هنا ستعتبر مصدراً أولياً. أما إذا كان البحث يتناول العنف الأسري كما ورد في كتاب المؤلف، فإن الأولى أن تعتمد مصادر أخرى، كالدراسات المسحية المنشورة بدوريات علمية محكّمة. فما تعرضه الصحافة أحياناً قد يخضع لمتغيرات غير علمية كما أُشير سابقاً. فمثلاً، أورد المؤلف ( ص 52 ) عن صحيفة اليوم دراسة غطت جميع مناطق المملكة وأورد العينات التي شملت – كما يذكر المؤلف – " . . . العينة عدة فئات . . . منها 1900 عينة . . . و50 عينة . . .و90 عينة . . . مجموع مفردات الدراسة 2040 عينة ". الخطأ الكبير الوارد هنا يتمثل في مفهوم العينة وأفراد العينة. فالعينة تختلف عن أفراد العينة. فحينما نقول: 1900 عينة فهل هذا يعني 1900 شخص أو مبحوث أو أن هناك 1900 عينة فعلاً وبالتالي كم عدد أفراد كل عينة من هذه العينات الـ 1900 ؟ إن مثل هذا العرض مربك جداً وغير علمي. فالخطأ العلمي هنا إما يكون سببه الباحث أو صحيفة اليوم وبالتالي الصحفي الذي صاغ الخبر. وفي كلا الحالتين سينعكس هذا سلباً على القيمة العلمية للدراسة.
2. تفتقد الدراسة إلى أي توثيق علمي مرتبط بالمجتمع الأصلي للدراسة ( مجتمع العينة ). فكل دراسة أكاديمية لنيل الماجستير أو الدكتوراه تتحدد بخطة بحث تلزم الباحث بجمع بياناته أو مادته العلمية على أساس عينته التي سيقوم بتطبيق أدواته البحثية عليها. ولأن دراسة المؤلف تخلو من أية عينة، فبالتالي جاء عرض مادته البحثية لتبدو كما لو أنها لا تخدم سوى جمع الإحصاءات، وليس لخدمة تحقيق الفروض عبر اختبارها، وبالتالي، إما أن تؤيد الدراسات السابقة أو بعضها صحة هذه الفروض أو بعضها أو لا تؤيدها وذلك من خلال استعراض النتائج ومناقشتها.
3. استند المؤلف مصادر مادته العلمية من مصادر وردت بهوامش صفحات مختلفة كـ ( ص 25، ص 28، ص 29، ص 123، 144، ص 261 ) لكنها لم ترد في قائمة المصادر. إن قائمة المصادر يجب أن تعكس كل ما ورد في الدراسة من مصادر حيث يتم عرضها بطريقة مفصلة وفقاً لما هو متبع في كتابة المصادر. كما أن المؤلف أحالنا لمصادر أثناء جمعه لمادته العلمية ولكنها مصادر غير موجودة بقائمة المصادر. أنظر مثلاً [ ص 24: الرازي 2004م؛ عوض ( 2004م )؛ الشربجي ( 2004م )؛ الجبرين ( 1425 هـ ) ]. فهذه مصادر وردت في المتن لكن المؤلف لم يوردها في قائم المصادر. وهذا خلل علمي ما كان يجب أن يحدث. إلا إذا اعتبر المصدر الوارد بالهامش 1 ( ص25 ) هو المصدر الذي اعتمد عليه، فهذا له شأن آخر. فلو اعتبر مصدر الهامش 1 هو المصدر لكل المعلومات التي أوردها عن الأسماء المذكورة للتو أعلاه، فهذا يوقع المؤلف في خطأ الإحالة العلمية في التوثيق. إذ كان يجب عليه أن يشير لهذه الأسماء باعتبارها ورادة في مصدر الهامش1. كأن يقول مثلاً: " فوفقاً لما ذكره ( اليوسف، 2005 )، أشار فلان وفلان وفلان . . . . ودون وضع تواريخ النشر.
أورد المؤلف أسماء مؤلفين أو باحثين بعضهم عرب كـ ( ص 24 ) وأجانب كـ إلا أنه لم يوثقهم كمصادر. فمثلاً، يقول المؤلف ( ص 22 ): " يرى ( Thomas, 2002 & Pierson ) أن مصطلح العنف العائلي . . . ويرى اليحيا ( 1423ه) أن العنف العائلي . . . " . إن هذا المنوال من طرح المصادر لا يبدو واضحاً تماماً. فكل ما ذكره في هامش ( ص25 ) هو مصدرين لا يمتا بصلة لأي من المصادر التي ذكرها في ( ص 24؛ ص 25 ). كذلك، لم يشر المؤلف لأي مصدر لمادته العلمية المتعلقة " بدراسة جديدة استقبل مستشفى واحد بالرياض 30 أنثى . . . والدراسة المتعلقة أيضاً باستطلاع أشار إليه حول تحقير البنات ( ص 40 ).

نتائج الدراسة والمقترحات والتوصيات

1. جاءت النتائج على أساس نتائج دراسات، الكثير منها أوردتها به الصحف. ولأن الصحف ليست مصدراً علمياً موثوقاً علمياً في طرح المادة الإحصائية التي استعان بها المؤلف، فبالتالي فإن ما يترتب على هذه الإحصاءات يحدّ من قيمة النتائج التي على أساسها وضع المؤلف توصياته واقتراحاته.
2. نظراً لافتقاد دراسة المؤلف لعينة وأدوات وحدود لها، فبالتالي إن متغيرات العنف الأسري غامضة وغير محددة؛ وعليه تأتي النتائج عامّة وليست محددة ومن ثمّ يصعب وضع الحلول الممكنة التطبيق.
3. إن ما قدّمه المؤلف في توصياته ومقترحاته لا تخرج عن أي جهد نظري عام لمشكلة العنف الأسري دون تحديد. فمثلاً، لا تشير أي من توصيات المؤلف أو مقترحاته لأي تحديد عملي مرتبط بمتغيرات محدد ذات صلة بالعنف الأسري بقدر ما هي توصيات عامة على الرغم من أهميتها بشكل عام.

وفي النهاية، أقول: يظل جهد المؤلف بارزاً كمشروع نظري في مجال العنف الأسري الذي يُستفاد منه سواء من أجل الوعي الثقافي العام بمجال العنف الأسري أو في مجال إجراء دراسات في ذات المجال.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق