

تنشيط جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان في البلدان العربية، يعد الخطوة الأولى للقضاء على انتهاكات حقوق الإنسان الغليظة. لكن إرساء العدالة في المجتمع واحترام الإنسان لذاته لا يتمان بمجرد إنشاء جمعيات نفع عام، أو إصدار تقارير في هذا الشأن، فهو يحتاج أيضا إلى بيئة ثقافية واجتماعية وأيضا قانونية تدعمه وتقاوم كل محاولات التقليل من شأن الإنسان، أو الاعتداء على حرياته.
انتهاك حقوق الإنسان لا ينتج عن الرغبة في إهانة الآخرين، أو ملاحقتهم، ولا يصدر عن الطغاة المستبدين فقط. ثمة أسباب أخرى تدفع إلى ممارسة الظلم، واستسهال لجوء السلطة، أو المجتمع، أو الأفراد، إلى انتهاك حقوق الآخرين، والتضييق على حرياتهم، من بين أهم تلك الأسباب تفشي «فكر الوصاية».
ينتشر فكر الوصاية مع سيادة الاعتقاد الداخلي بأن الآخرين لا يحسنون التمييز بين ما يضرهم وما ينفعهم، ويحتاجون دوما إلى مرشد ملهم يدلهم على الطريق السوية، لأن الإنسان بصورة عامة يسير في طريق الضلال والانحراف، وهو غير كفؤ للتعرف إلى مصلحته الخاصة، وينتظر من يرشده إلى جادة الصواب وطريق الخير. الحكومات العربية ترى المواطنين مجموعة من الرعايا القصر، الذين يحتاجون إلى من يقسرهم على ممارسة محددة، حتى تصب جهودهم في إطار المصلحة العامة. ولذا فإن جميع الدول العربية والمتخلفة، تمارس الرقابة الشديدة على حركة المعلومات التي تصل إلى المواطنين، وهي تختار في العادة نوعية الكتب المسموح بتداولها، ومواقع الإنترنت التي يستفيد منها المواطن الصالح، وتحدد حجم المعلومات السياسية والأمنية التي يمكن تبادلها بين الأفراد.
التيار الليبرالي في العالم العربي، ينظر إلى الإسلاميين والمتدينين، بصفتهم مجموعة من الأفراد الظلاميين، لم يصلوا مرحلة تعيين الكتب التي يطلعون عليها، ونوعية الثقافة التي يتبادلونها. ولذا فهم لا يترددون في تحديد الكُتب المتخلفة، والتي تنتمي في العادة إلى التيار الديني، والكتب المتقدمة، وهي الكتب الليبرالية والعلمانية، كما لا يترددون في تحديد الفئات الرجعية، وهم كل المتدينين، من التقدميين، وهم كل الليبراليين. والإسلاميون العرب، لا يتورعون عن تحديد الأفعال التي يجب على الآخرين أن يلتزموا بها حتى يحسبوا من المسلمين، وإذا خرجوا عنها صنفوهم في خانة جماعة الملحدين أو المنافقين، أو أهل البدع، أو أهل الانحراف والضلال، وكل هذه التصنيفات وغيرها من القذائف الدينية، توجه إلى جهات وشخصيات داخل المجتمع الإسلامي لا خارجه.
كما أن التصنيف عند الإسلاميين ينقسم إلى دائرة كبيرة تنقسم في داخلها إلى دوائر أصغر، وتضيق الدوائر من كثرة التصنيفات والتقسيمات، حتى لا يبقى من أهل الجنة والفلاح إلا فئة محدودة جدا، هم أصحاب التصنيفات وأتباعهم. أما غيرهم فهم من أهل النار والضلال!!
ويبدو أن ثمة خلطا كبيرا عندنا بين فكرتي الوصاية والتواصي، فالقرآن الكريم يصف المؤمنين بكونهم يتواصون بالحق، والتواصي هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو دور توجيهي يستهدف تكافل المجتمع وتداعيه لفعل الخير وتجنب المنكر، وهو مختلف تماما عن ممارسة الوصاية، والتي تعني التسلط على أفكار الآخرين، والتحكم في إرادتهم، وهذا النوع من ممارسة الوصاية مرفوض دينيا، والنصوص صريحة في هذا المجال، وقد جاء في سورة يونس قوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». أما عن إقرار حرية المعتقد للأفراد فقوله تعالى: «فذكّر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر» - الغاشية 88.
غالبية النخب السياسية والدينية، وعلى رغم دعواتها المستمرة إلى الحرية والتحرر، لا تدعم الانتقال إلى زمن الحرية. وقد سمعت مرارا من شخصيات دينية وسياسية مهمة على المستوى العربي والإسلامي، أن التضييق وتحجيم الحريات أفضل من إطلاقها بكثير، وذلك يعود في حقيقته إلى عدم الثقة بالناس واختياراتهم.. على المستوى السياسي دعت شخصيات معروفة بعض الحُكَّام إلى التدخل شخصيا في اختيار الشخصيات التي تمثل الناس سياسيا، وإلغاء الانتخابات العامة لسنوات عدة، لأن الناخبين يختارون شخصيات صدامية.
وأسرّت لي شخصية دينية مرموقة قبل سنوات بأن الأوضاع الأخلاقية والتربوية في معظم البلدان العربية لا يصلحها سوى تطبيق هيئات ترصد تحركات الناس في الأسواق والأماكن العامة، وتلاحق المخالفين بعقوبات صارمة، ويكون دورها الأساسي التحقق من الأفكار والكتب المتداولة، والمواقع الإلكترونية التي يقبل عليها الناس، لأنها منبع الفساد وشرك الشيطان.
ربما يفسر ذلك بدرجة ما سبب بقاء الأوضاع في مجتمعاتنا على ما هي عليه. فالثقافة السائدة تدعم التضحية بالحريات، وتفرض الوصاية على الآخرين تحت مبررات دينية أو ليبرالية، سياسية أو اجتماعية. فنحن نحذر من نقد السلطة ونعتبره مسلكا للفوضى، ونحذر من نقد الأفكار والممارسات الليبرالية ونعتبرها تدعيما للرجعية، ونحذر من نقد علماء الدين وآرائهم ونعتبرها خروجا على الملّة، ثم نتساءل عن سبب سلبية المجتمع وعدم نجاح مساعي التغيير؟!
أعتقد أن التغيير يبدأ من خلال مساعدة الناس على الاشتراك في الحياة المدنية، وتعميق شعورهم بالمسؤولية العامة، وهو ما يتطلب إطلاق الحريات، لا أقول أن تكون الحريات بلا ضوابط، بل كل ما أدعو إليه هو التخفيف من الضوابط، والثقة بالناس الذين يولدون على فطرة صالحة. أما الفساد، فهو حدث طارئ في حياة الإنسان، ويجب مكافحته بوسائل تقلل من التكلفة التي ندفعها باستمرار، لا بزيادتها ومضاعفتها.
استقرار الحريات العامة واحترام حقوق الآخرين، والثقة بالإنسان، هما شرطان أساسيان لتحول الأفراد من حيز المصالح الشخصية إلى المصالح العمومية، وأبرز إثبات على ذلك ارتباط انتشار الفساد بانتشار الديكتاتورية، وسيطرة المصالح الشخصية في المجتمعات المحكومة من قبل أنظمة استبدادية، وانهيار المؤسسات الاجتماعية والثقافية تحت سطوة النظم التسلطية. لا يمكن إذن، أن نحلم بمجتمع جديد من دون أن نغيّر البيئة العامة التي يعيش فيها الأفراد، فالأفراد الذين يترعرعون في بيئات مغلقة، سواء أكانت «دينية أم غير دينية»، لا يمكن أن نأمل منهم الإسهام في بناء مجتمع حر وديمقراطي، لأن الحرية في الأساس هي انعكاس لشخصية القائمين عليها.
لاتوجد تعليقات بعد