

الكتاب: ضد الطائفيّة
المؤلف: محمد محفوظ
الناشر: المركز الثقافي العربي
الطبعة: الأولى 2009م
كتاب من القطع المتوسط يقع في 161 صفحة
يحتوي الكتاب على سلسلة من الدراسات والبحوث كتبت ونشرت في أوقات متفاوتة، وهذا لا يفرغها من مضمونها المتسق مع وحدة الأوطان والمجتمعات العربية والإسلامية، وإفشال كل المخططات التي تستهدف تجزئتنا وتعمد إلى تقسيمنا على أساس مذهبي أو طائفي! ..
الدراسة الأولى: الأقليات وجدليات الوحدة والحرية.
الدراسة الثانية: مقاربات في المسألة المذهبية.
الدراسة الثالثة: سؤال المواطنة والتعددية المذهبية.
الدراسة الرابعة: التعددية المذهبية والوحدة الإسلامية.
الدراسة الخامسة: التعددية المذهبية بين التعايش القانوني والتقريب الديني.
الدراسة السادسة: من الحوار المذهبي إلى الوحدة الوطنية.
من خلال هذا الكتاب "ضد الطائفية" يروم الباحث محمد محفوظ إلى بناء استراتيجية عربية وإسلامية متكاملة للتعامل مع المسألة المذهبية في أبعادها المتعددة حسب طبيعة النسيج الاجتماعي في المنطقة العربية والإسلامية. الأمر الذي يستدعي الانفتاح على كافة أطياف المجتمع وتنوعاته المذهبية، وكأنه – الباحث المحفوظ – يرسم معالم الدولة الوطنية المعاصرة المغلبة للمصالح العامة على المصالح الخاصة، إذ تمثل هذه الدولة الحديثة الحاضنة الأم إلى كافة التعدديات المذهبية عبر عملية تعاقد اجتماعي واعد.
وتأسيسًا على هذا، يأتي القول: بأن أي دولة معاصرة لا يلتقي دستورها ولا تتضمن قوانينها الاعتراف بالتعددية الطائفية، فإن مكونها الوحدوي الوطني مهدد بالتفكك والهشاشة. على العكس تمامًا فيما لو كانت هذه الدولة تتمتع بإرادة سياسية لا تستوعب التعدد المذهبي والطائفي فحسب، بل وتبني خياراتها السياسية على ضوء الحقائق الوطنية والشعبية، عندها بالإمكان تقوم هذه الوحدة الوطنية على قاعدة صلبة ومتينة.
وعنوان الكتاب – ضد الطائفية – هو عبارة عن رسالة خاصة لكافة الأطراف المعنية بذلك، الشعبية منها والرسمية على حد سواء، فيما يكون الانتباه واليقظة من قبل الحكومات العربية والإسلامية للحد من تنامي الخطر الطائفي والذي بات عنوانا مخيفا في الفترة الراهنة، كما لا يُعفي مجتمعاتها من المسؤولية ذاتها مع قياس الفارق الموضوعي هنا. وأعتقد بأن المشهد العربي والإسلامي وما يشهد من انزلاقات طائفية على مدى العقود الأربعة الماضية لا يخرج عن السياق ذاته، وقد لا نجد ما يختزل كل ذلك إلا في عنوان "العصبية" .. القبلية أو المذهبية أو الدينية .. إلخ. لذا يؤكد – المؤلف المحفوظ – على أهمية الدور الذي بالإمكان أن تلعبه دولة القانون باعتبارها الجهة المتحكمة بعملية الضبط والحسم في المنازعات، ولا يقتصر دورها عند هذا الحد بل وبمقدورها أيضا أن تساهم في دفع عجلة النهوض والتنمية في الفضاء الاجتماعي إلى الأمام، مستمدة الدعم من تلكم القيم الأخلاقية العليا كالحرية والشراكة والتعددية وصون كافة الحقوق الإنسانيّة، واعتبار الأمر كحجر الزاوية للوحدة الوطنية الشاملة.
على هذا الأساس جاء هذا الكتاب كمحاولة لتأسيس استراتيجية متكاملة تسهم بالقدر الممكن في ضبط التعامل مع المسألة المذهبية في أبعادها المتعددة على كافة الأصعدة، لا سيما وهي تستهدف كل ما من شأنه مكافحة حالات من التباغض والتشاحن سواء في المكون الاجتماعي نفسه أو في طبيعة العلاقة التعاقدية بينه وبين الدولة والقضاء عليها في مهدها، وهذا ولا شك يتطلب إطلاق ماكنة مستمرة من الحوارات يسهم فيها كافة القوى الاجتماعية والسياسية. وبدوره المؤلف ومن أجل عقد تفاهمات عميقة حول العديد من القضايا العالقة والتي لها الصلة الوثيقة بالمساحات الطائفية يراهن على وعي مكافح؛ يستطيع أن يصمد أمام العديد من التحديات كما هو الحاصل في المشهد العربي والإسلامي، فمبدأ الاستئثار السياسي من قبل طائفة معينة هنا أو هناك لا يبني استقرارا أبدًا، ولا يحرر المجتمعات من عقدها وتوتراتها التأريخية والمعاصرة. وهنا يشير المؤلف إلى حجم الخلاف وتباين الرؤى تجاه فكرة الطائفية ولو أنه أعزى مفتاح الحل الأسرع إلى السياسي أكثر منه الديني!.
وقد أشار المؤلف للعديد من الأحداث الساخنة وتزايد التوترات (السنية/ الشيعية ) على وجه التحديد وفي أكثر من موقع عربي وإسلامي ومدى خطورة هذه المسألة على المستويين الاجتماعي والسياسي، فالقوة لا تبنى على القتل أو التهجير أو خطابات التكفير واستعداء السلطات الدينية والسياسية، وإنما باحترام التعدد والتفاعل الإيجابي مع حقائقه ومقتضياته، والابتعاد عن كل المكايدات والمشاحنات، والمساهمة الجادة في بناء وحماية أسس العيش المشترك بين أبناء المجتمع الواحد.
وتفاقم المشكلة الطائفية في الواقع العربي والإسلامي لا يعني بالضرورة هو انكماش للوطنية فحسب، بل تجعل كل الوطن العربي ساحة مفتوحة للتقاتل والتناحر والانتهازية وإلا ما هو تفسير الحروب الأهلية اللبنانية لعام 1975م!؟ . ناهيك عن المد والجزر للتراشقات المذهبية في الواقع العراقي، بل وكل بؤر التوتر الطائفي في العالم الإسلامي والعربي. وما ستؤول إليه الأمور فيما لو استمر التجاذب السلبي؛ مما يحول من تقدم هذه المجتمعات وتطورها.
من هذا المنطلق حمّل المؤلف الواعين من أبناء الأمة المسؤولية جراء ما يحدث باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من المشكلة، فما الصمت يجدي أمام هذا الطوفان الطائفي!. بل لا بد من العمل المكثف على كافة الميادين، وتعزيز كل ما من شأنه المساهمة في نزع فتيل الألغام بين مختلف أطياف المجتمع الواحد، فعندما يحدث الاقتتال ما بين (الشيعي والسني) في العراق مثلا، لا يعني بالضرورة أن يتشرنق المثقف مذهبيًا بقدر ما يسعى جاهدًا لأن يذهب بالساحة بعيدا عن عناوين الاصطفاف المذهبي، متحليا بالحكمة ومتسلحًا بالوعي، فالمثقف الواعي ينبغي أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة!.
وقد خصص المؤلف في الأخير من كتابه بثقافة العمل بالقانون؛ إذ لا يمكن لنا في الدائرة العربية والإسلامية من إنهاء الطائفية وخطابات التكفير والإلغاء وبث الكراهية، إلا عبر سن قوانين رادعة تقف حائلا أمام تمدد ثقافة التناحر والتباغض بين أبناء المجتمع الواحد. بحيث تكون هذه القوانين مدعومة بشكل رسمي وأخلاقي من قبل الحكومات وإلا ستدخل هذه الحكومات قبل شعوبها في مزايدات مذهبية لا طائل لها سوى تكريس للانقسام بين أبناء المجتمع الواحد. خاصة وتلك المجتمعات تمتاز بطبيعة تعددية .. قبائلية، مذهبية، فكرية، اثنية ..مما يسترعي تدخلا قانونيًّا صريحًا بإمكانه أن يلجم أوار الفتن الداخلية في مهدها. بمعنى أن تضع يدها على كل ممارسة تمييزية مذهبية؛ إقرارا بالعدالة والمساواة. وبكلام آخر، ولا يتسنى لنا إعادة بناء الوطنية ودولة القانون في الكنف العربي والإسلامي دون مكافحة جادة للطائفية !.
بهذا بذل المؤلف ما في وسعه لأن يؤسس لمنظومة من العلاقات بين أبناء الوطن الواحد على تعاقد اجتماعي رصيد يستمد طاقته الاعتبارية من روح القانون باعتباره الجهة الناظمة للعلاقات بين كافة القوى المذهبية في المجتمع الواحد، وشحذ كل ما من شأنه ليكون رافعة لكل أبناء الوطن للارتقاء إلى فضاء الانجاز والتطوير والحضارة. إذ لا مخرج من نزاعات الطائفية المتكررة والمتعددة صورها إلا بتكريس مفهوم الوطنية وسيادة دولة القانون المستندة على الحرية والعدالة والمساواة، والعاملة بمبدأ احترام حقوق الإنسان، أي ذلك التأهيل الحقيقي والمطلوب لتصبح دولة الحق والقانون.
لاتوجد تعليقات بعد