

واعتبر الموسوي نفسه مزيجا من الثقافات ومركبا من التجارب المختلفة وشخصا منفتحا على كل الفضاءات، وانتقد الممارسة الدينية عند السنة والشيعة على السواء، وبخصوص الوضع المذهبي في البحرين شدد الموسوي على أن البحرين تعيش حالة من التعايش بين السنة والشيعة مع وجود بعض الاستثناءات الشاذة بحسب تعبيره، مسجلا حضور الديانات السماوية الثلاث جنبا إلى جنب في الحياة العامة البحرينية، ودعا إلى الحذر من المتاجرين بالمذاهب والساعين لتأزيم العقل المسلم، المنشغلين بالبحث التاريخي السلبي. ولم يتردد الموسوي في التعبير عن رأيه في تفضيل التجربة الديمقراطية الضعيفة في العالم العربي على نموذج الدولة الدينية المستبدة، معتبرا أن الإصلاح الديني هو بوابة التغيير في العالم العربي والإسلامي.
وعبر المفكر البحريني عن تفاؤله وثقته في تجاوز أزمة عمل قناة الجزيرة في البحرين، وفي ما يتصل بمواقف الغرب الأخيرة بخصوص المآذن والنقاب أكد ضيفنا أن من حق الغرب أن يضع قوانينه ويحمي هويته .
وحول علاقته بالكنيسة نفى الموسوي أن يكون «مسكونا بالكنيسة» مؤكدا في المقابل أنه «مسكون بالإنسانية». وصرح بأن أغلب الحركات الإسلامية تؤمن بالدولة الدينية، وأنها مرشحة بقوة لتبني نموذج الدولة الدينية المستبدة، وانتقد تورط العقل الإسلامي في المسكنات الفكرية والأوهام، وفي المقابل أشار الموساوي إلى أن الشعوب الأوربية تعاني بدورها من الأمراض، لكنها تحمي نفسها بالمؤسسات المدنية والممارسة العقلانية. وفيما يلي نص الحوار:
- تم تأسيس «مركز الحوار الثقافي» قبل خمس سنوات تقريبا، وكان يطمح إلى خلق علاقات بنيوية ثقافيا وحضاريا مع المجتمعات العربية والغربية وهذا الكوكتيل من الثقافات، لكن الأفق الآن أصبح أكبر.
لقد أسست «حزب الإنسان» حاليا في البحرين، ومن خلاله نتواصل مع كل العالم، خصوصا في عالم عربي وعالم إسلامي مفخخ، خاصة في غياب الفهم بين الشعوب العربية الإسلامية والشعوب الغربية، وتجد في المقابل أن (البوت) العسكري هو دائما سيد الموقف، نحن نقول: لا.. هناك جوانب مضيئة عند كلا الطرفين، ويبقى السؤال المطروح هو: كيف نفتح العقول والقلوب على بعضها البعض بعيدا عن البراغماتية السياسية؟ من هذا المنطلق أسست حزب الإنسان، وهو ليس حزبا سياسيا، لكنه يدعو إلى فهم السياسة دون التورط في خدعها، أو أن نكون لعبة في يد السياسيين، والأعضاء الذين يتواصلون معنا هم من مختلف دول العالم، منهم من يريد أن يرسم لوحة أو يسجل موسيقى أو يقوم بترجمة أو تأليف كتاب، كل من يريد خدمة الإنسان كما هو الإنسان بعيدا عن العقيدة سيكون منتميا إلينا، وقريبا سندشن موقعنا الإلكتروني، ولدينا مقر، ورصدنا جائزة للإبداع الإنساني، والفائز في أي إبداع إنساني ستكون جائزته كما يلي: إذا كان مثلا في مجال الإخراج فسنوفر له رحلة إلى هوليوود ليطلع على تطور فن ومهارات الإخراج العالمي، وإذا كان على مستوى الفن فسنبعثه لكي يزور مواقع الإبداع في فرنسا أو إيطاليا وهكذا..
(ضاحكا): كيف تستطيع أن تمسك الهواء؟ انظر أخي.. الحضارات لا يمكن أن تسمو وتنمو بدون أخلاق، لذلك فلسنا مع البراغماتية السياسية كما طرحها ميكيافيلي في «الأمير»، بل نحن نبحث عن إضاءات، وهي موجودة في السياسة وفي الفنون وفي الاقتصاد وغير ذلك، نحن كوكتيل «أوسباجيتي»، حتى ديكورات حزب الإنسان تعكس التنوع وتعدد الثقافات، والإمام علي
يقول: «أعلم الناس مَنْ جمع كلَّ العلوم»، ونحن نؤمن طبعا بالتخصص، فعندما تأخذ باقة ورد بيضاء تكون جميلة، وعندما تأخذ باقة ورد حمراء تكون جميلة، ولكن الأجمل عندما تكون باقة الورد منوعة.
ما أجمل التصوف، ما أجمل قول رابعة العدوية عندما تنشد:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرته أبصـرتني
وإذا أبصرتني أبصرتنا
التصوف حالة من الانقطاع الجميل، ونحن كما قلت نبحث عن إضاءات، وأنا لا أؤمن بالرؤية التعتيمية، هذه نظرة قديمة، الآن النظرة العلمية هي أن تضع كل شيء في ميزان، لذلك فأنا خليط من ثقافات.. خليط من تكوينات.. مركب من أشكال متنوعة، بدأت بالشعر وعشت في إيران عشر سنوات، وقضيت ثلثي عمري في الأحزاب، ثم انفتحت على الحضارات الأخرى وقرأت الفلسفة الغربية وزرت أوروبا والدول الإسلامية، ومن كل هذا الخليط خرجت بهذا المشروع الذي أعتبره باقة العمر، وهو أن أكون إنسانا، وانتمائي الوحيد هو للإنسان، وأدعو إلى حزب الإنسان، وأنا لست رومانسيا ولا مراهقا فكريا..
إنني أدعو إلى التصالح مع الذات حتى تتصالح مع النصوص، بمعنى أنني أقوم بعمليات حفرية بحسب التعبير الفلسفي، فمهما كانت قيمة النص الموجود ومهما ضربت له الدفوف لا يهمني هذا، بقدر اهتمامي بأن ينسجم النص مع العقل والواقع وأن يكون ثابتا في انتمائه للرسول صلى الله عليه وآله، والخروج من السنية والشيعية مسألة مهمة أيضا، في الفلسفة يقولون: لكي تدخل إلى المشرحة الفكرية يجب أن تتجرد من كل ما علمته وما حفظته وما تحمله من الهواجس النفسية والفكرية، ثم تبدأ بتشريح النص.
وأنا أحمل رؤية نقدية للممارسات الدينية عند السنة والشيعة، وأعتقد أن كل مذهب فيه إيجابيات وسلبيات، وأحاول أن أبحث عن الإيجابيات وأبتعد عن السلبيات وأتجاوزها، يقول ديكارت «ينبغي لنا تدمير القناعات الخاطئة»، ونحن عندنا القرآن والسنة وأهل البيت والصحابة كأسس وثوابت موجودة، وما بعدهم يبقى أشياء بشرية قابلة للنقاش، وما وصلنا عن الرسول صلى الله عليه وآله أو عن أهل البيت ينبغي لنا التحقق منه أيضا، لأنه ربما يكون هناك أناس قد لعبوا فيه، إذن فنحن في حاجة إلى تفكيك النص وإعادة تركيبه مرة أخرى والنظر إلى سياقه التاريخي، ويجب أن نسحب البيت الإسلامي ونصالحه مع العصر، سواء كان سنيا أو شيعيا.
إن مرحلة رومانسية الثورة تختلف عن مرحلة بناء الدولة، حتى المعارضات، حيث تجد المعارضة تنظر للحكم العادل والتغيير وغير ذلك، وعندما تصل إلى الحكم تتغير المعادلة لأنها تصطدم بالواقع، والكثير من الوزراء قبل أن يصل إلى الوزارة يقدم الكثير من الآراء والوعود، لكن عندما يصل إلى المنصب وموقع التسيير يكتشف أن هناك الكثير من التعقيدات والحساسيات، لذلك فما زال العقل العربي أو العقل الإسلامي -و حتى الإيراني- مخطوفا إلى الأوهام ومبتلى بالمسكنات، ومسكونا بنظرية المؤامرة، والحركات الإسلامية نفسها تعيش حالة من الأنيميا وفقر الدم في معرفة الواقع، فالحياة لا تقاد بالشعارات الرنانة والمظاهرات، بل تقاد الحياة بمشاريع عملية على الأرض..
وهناك مفكر يقول عليك أن لا تناقش مؤدلجا عن الحياة لأن الدنيا غير موجودة ضمن معطياته، وفي أيام المواجهة بين البروتستانت والكاثوليك كانوا يعيشون نوعا من التأدلج والرومانسية، لكنهم راجعوا أنفسهم وبدؤوا بالتصحيح، لذلك فإنني أعتقد أن بوابة التغيير في العالم العربي والإسلامي هي الإصلاح الديني.
(مقاطعا) أقول يجب أن نفرق بين غرب الحكومات وغرب الشعوب..
صحيح.. صحيح، ولكن هذه الشعوب هي التي خرجت في مظاهرات ضد الحرب على العراق، والمؤسسات المدنية هناك تقوم بما لا يستطيع العرب القيام به، فمثلا هي التي طالبت بتوقيف الوزيرة الإسرائيلية، أقول: لا تضعوا الغرب كله في خانة واحدة، وأدعو الغرب أيضا إلى عدم النظر إلى المسلمين بنظرة واحدة أو على أنهم إرهابيون، لماذا نختصر العالم كله في الجانب السياسي، هناك جوانب كثيرة.
يجب أن نراهن على العقلاء من الغرب، واليمين المتطرف الغربي يسعى إلى الحصول على أصوات انتخابية باستغلال حالة الصدام بين الغرب والمسلمين، ونحن يجب أن نبحث عن القواسم المشتركة.
أنا لست مسكونا بالكنيسة ولا غير الكنيسة، بل إنني شخص مسكون بالإنسانية وإنصاف الآخر بما فيه الإنسان المسلم، انظر إلى مواقف الكنيسة في فلسطين الداعمة لقضية المسلمين وفي لبنان أيضا، وحتى في الغرب الكنائس ليست كلها واحدة، وهناك حاخام في روسيا دعا إلى منح المسلمين المزيد من الحريات، وهناك أيضا جماعات يهودية ضد إسرائيل، في المقابل انظر إلى المسلمين، يوجد منا المتطرف إلى أبعد الحدود، فلا يجب أن تكون الظواهر الشاذة هنا وهناك هي الموجه لنظرتنا إلى الآخر.
ما رأيك أنني ألبس (الناكتاي) واللباس الإفرنجي منذ عشر سنوات، في المحاضرات والندوات والشارع والحياة العامة، فقط لم أكن أظهر به في الفضائيات.. والحقيقة نحن في العالم العربي مسكونون بنظرية المؤامرة.. لماذا في الغرب لا يتساءل الكاثوليكي عن لباس وسلوكات البروتستانتي، هذه أشياء تجاوزوها، بينما نحن بسبب الفراغ الذي نعيشه ما زلنا نتابع جزئيات بعضنا البعض على الفضائيات التي تنبش في الماضي وتتراشق بالاتهامات..
في العام الماضي احتلت الصين الرتبة الثانية في البحث العلمي بـ120 ألف مقالة علمية، وفي المرتبة الأولى هناك أميركا بـ350 ألف مقالة علمية، لأن التغيير والتنمية يتحققان بشيئين فقط، هما: التعليم والبحث العلمي، بينما نحن متورطون في البحث التاريخي السلبي، ولا أحد يتحدث عن الجانب الإيجابي، مَنْ يتكلم عن جمالية الإنسان عند الإمام علي في نهج البلاغة، أو عن العدالة الجميلة عند الإمام عمر بن عبدالعزيز، لا أحد يبحث عن القواسم المشتركة الكثيرة الموجودة.. فقد كتب جورج جرداق وهو مسيحي كتابه «الإمام علي.. صوت العدالة الإنسانية».
الشعب البحريني جد متسامح، عاش فيه السني إلى جانب الشيعي منذ زمن طويل، ولا تستغرب حين تجد هناك مسجدا إلى جانب كنيسة، تاريخ من التعايش، وقد قام جلالة الملك في البحرين بتعيين المسلم واليهودي والمسيحي في مجلس الشورى، وقد وجدت الكنيسة عندنا قبل حوالي مائة عامة وهي الكنيسة الإنجيلية..
المشكلة تكمن فيمن يسعى إلى تفجير التاريخ، البعض من رجال الدين يضحكون على عقول الجماهير عبر القنوات الفضائية، ويسعون إلى تأزيم وتوتير الجمهور العربي الإسلامي، والمتشددون يبحثون باستمرار عن أسباب الوقيعة والألغام التاريخية لتفجيرها، دكاكين مذهبية تعمل للحفاظ على وضع القطيعة والصراع بين المذهبين..
ونحن في البحرين رهاننا دائما على العقلاء، رغم وجود كلمة طائشة هنا أو خطبة هناك، لكنها تبقى شاذة، وتبقى الأمور ضمن إطار التسامح الذي يعتبر أفضل الموجود في المنطقة.
لكن نحن نقول إنه يجب تأسيس واقع أقوى، لذلك نسعى من خلال حزب الإنسان كي نضم السني والشيعي والمسيحي واليهودي ونشتغل على الإبداع الإنساني، وأهم بند بالنسبة إلينا أن لا يسأل أي عضو في حزبنا عن عقيدته.
في اعتقادي أن الاستبداد العربي خير بكثير من الاستبداد الديني، أن تكون على ما أنت عليه في العالم العربي داخل ديمقراطيات مازالت تحبو وسلبيات كثيرة، خير ألف مرة من دولة دينية، لأن من يجرب الدولة الدينية ويعيشها سيقل دينه، الاستبداد الديني خطير لأنه يقتلك باسم الله ويذبحك باسم الله ويصادرك باسم الله ويبتر أصابع إبداعك باسم الله، على الأقل الديكتاتور في الدولة غير الدينية حين يفعل كل هذا يقول: باسم أمن الدولة أو غيره، لذلك فإنني أعتقد أن الكثير من الحركات الدينية في العالم الإسلامي، باستثناء التجربة في ماليزيا أو تركيا أو بعض النماذج العاقلة، أقول أغلب هذه الحركات لا تؤمن إلا بالدولة الدينية، إذا وصلت إلى الحكم تبدأ بالتطبيق الخطأ للشريعة، وبتعبير آخر فإن أغلب الحركات الإسلامية في تعاطيها مع مسألة الدولة والوصول إلى مسألة الحكم، هي جينات مختلفة لكن الحمض النووي واحد، والتاريخ شاهد ولا نحتاج للدخول في التفاصيل أو الأسماء..
هذه مرحلة عابرة وسنتجاوزها، لأننا في العالم العربي مهما كان سوء التفاهم نبقى أمة واحدة، وينبغي دائما السعي إلى حلول ترضي الجميع، وتعزز علاقاتنا المتينة، وأعتقد أننا بحاجة إلى تعميق العلاقة الثقافية والفكرية، وهي كفيلة بحل الكثير من المشاكل.
الأزمة ليست أزمة شعوب، فالشعوب كما يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» «مثل الأكواب، تستطيع أن تملأها بالخل أو أن تملأها بالزيت»، وكما يقول نزار قباني: «الشعب مثل الطفل الصغير يرضى بقطعة حلوى»، الشعوب طيبة، لكن المشكلة في النخب، المشكلة في المثقف عندما يخرج ويحاول أن يخلق أزمة بين شعب وشعب ومذهب ومذهب، الشعوب الأوروبية نفسها تعاني من أمراض، لكنها تحمي نفسها بالمؤسسات المدنية والنقاش العقلاني الذي يقيها من منزلقات العاطفة.
(نقلا عن جريدة العرب)
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=133305&issueNo=911&secId=28
لاتوجد تعليقات بعد