ثقافة الديمقراطية
حول تربيتها والتثقيف عليها والتدريب على ممارستها
كتبه: السيد إبراهيم الزاكي
حرر في: 2010/07/06
التعليقات: 0 - القراءات: 606

تحتل المسألة الديمقراطية اهتماما ملحوظا مند فترة من الزمن، رغم الأوضاع الصعبة التي تمر بها المنطقة، من حروب وأزمات ومشاكل مستعصية. ومن الملاحظ أنه خلال السنوات القليلة الماضية، ارتفاع وتيرة ومستوى الاهتمام بالمسألة الديمقراطية ومفاهيمها وشروطها ومتطلباتها وخصائصها وتطبيقاتها، حيث أخذ هذا الاهتمام مساحة واسعة من التعاطي والحوار والجدل، سواء كان ذلك على مستوى الكتابة، من خلال ما يكتب في الصحافة والمجلات من مقالات ودراسات، أو من خلال إقامة المحاضرات والندوات والحوارات والمؤتمرات التي تعقد على مدار السنة، والتي تتناول النواحي المختلفة من مسألة الديمقراطية وطرق إقامتها وعوائق وصعوبات نشرها. فالديمقراطية كما يرى فيها البعض، هي المنقذ أو المَعبر الإلزامي الذي تمر به الشعوب والمجتمعات ومن خلاله إلى الحرية، بعد سنين طويلة من حالات الاختناق السياسي، والممارسات السلطوية والدكتاتورية، والاستبداد التي تعرضت له هذه الشعوب، بالإضافة إلى وصول الأمور في هذه المجتمعات إلى نهاية الطريق، واصطدامها بالحائط المسدود.

(ولا تزال قضية الديمقراطية والشورى والتعددية السياسية في عالمنا العربي تلقى النقاشات والحوارات في العديد من الملتقيات والمؤتمرات، لتجسد بذلك إحدى أهم القضايا والموضوعات في حاضرنا العربي الراهن، وتُلقي بظلالها على أصحاب القرار والفكر والثقافة باعتبارها باتت قضية محورية في عالم السياسة. وقد كانت قضية الديمقراطية محل أطروحات متعددة، بعضها يرى فيها المنقذ من وضعنا الراهن الذي أصبح لا يطاق جراء الاحتقان، والبعض الآخر يرى هذه القضية مصطلحا مستوردا، لكنه في الحقيقة لا يكون مُعبِرا تعبيرا صادقا عن ظروف الأمة وحاجاتها، ولأنه خضع لاعتبارات ومزايدات، بل وتناقضات جعلها تخفق في النجاح المأمول).
وعلى الرغم من تشكيك البعض في جدوى مسار المسألة الديمقراطي، إلا أن هناك من يرى فيها الحل، حيث رفع كثير من النخب الفكرية والثقافية والسياسية يافطة "الديمقراطية هي الحل"، وسعت إلى الترويج والدعاية لها والترغيب فيها، وذلك ترجمة وتعبيرا عن المعاناة التي تعانيها شعوب المنطقة والضائقة التي تمر بها، والشوق إلى التحرر من ظاهرة سلطة الاستبداد، وتجاوز المحن التي تكبل وتعيق وتمنع تحقيق التنمية، ومعالجة الأوضاع المتردية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

في معنى المفهوم ودلالاته

إن الديمقراطية في أبسط صورها ودلالاتها المتفق عليها، تعني كفالة الرأي الآخر والتعددية والاقتراع والانتخاب والفضاء الحر، الذي يجعل الآراء تتلاقى وتتلاقح وتتحاور وتختلف وتتصارع وتتناقض، ولكن ضمن حدود مصلحة الجماعة، سعيا إلى تحقيق النهوض والتقدم والازدهار لجميع مكونات المجتمع الواحد ومصلحته العليا. " صحيح أن الديمقراطية ليست خالية من العيوب، أو أنها وصفة جاهزة للنهوض والتقدم من دون معوقات أو سلبيات عند التطبيق، لكن تظل تجسيداً حقيقياً لاختيارات الشعوب ورغباتها وفق الاختيار الحر النزيه، إن طبقت تطبيقاً صحيحاً، وهذا الاختيار الحر هو الذي يحقق النجاحات مع الوقت بالاستناد إلى التعدد في الخيارات، وإيجاد ما هو أصلح وأنسب في هذا الاختيار، فالديمقراطية في جوهرها، إذا أمكن الحديث عن الجوهر، تأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها وصنع حياتها وفقاً لرؤيتها، وهذا ما يتم السكوت عنه غالباً، بل وتقل أهميته عند الحديث عن الديمقراطية الغربية التي تُصدّر إلينا مصطبغة بمصالح صانعيها وأطماعهم. ونحن هنا لا نقلل من أهمية الديمقراطية الغربية وتجربتها الخصبة، بقدر ما نشير إلى الطابع المزدوج لحداثة الغرب، فحرية الرأي والاحتكام إلى الشعب، بالإضافة إلى المساواة السياسية والقانونية، وصولاً إلى التداول السلمي للسلطة، استناداً إلى مبدأ الاقتراع المباشر أو التمثيلي، تشكل إسهامات فعلية لتجربة الحداثة الغربية".
والديمقراطية كما يشير عصام سليم الشنطي ( تقوم بدور الحارس الذي يحول دون تحول نظام الحكم إلى حكومة مركزية تمتلك كل السلطة. كما تقوم الديمقراطية بالعمل على نزع صيغة التحكم المركزي بالسلطة ونقلها إلى المستويات المحلية والإقليمية، متفهمة أن الحكومة المحلية ينبغي أن تتصف بسهولة الوصول إليها من قبل الشعب والاستجابة لاحتياجاته قدر الإمكان، وأن النظام الديمقراطي يقوم على حماية حقوق الإنسان الأساسية مثل حرية التعبير وحرية المعتقد وحق المساواة أمام القانون، وإتاحة الفرصة للتنظيم والمشاركة بصورة كاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، وأن الديمقراطية تقود إلى انتخابات دورية حرة ونزيهة تتيح المشاركة الحرة فيها لجميع مواطنيها. فالانتخابات الديمقراطية لا يمكن أن تكون واجهة لدكتاتور أو حزب منفرد يتخفى وراءها، بل ينبغي أن تكون منافسة حقيقية على الفوز بتأييد الشعب. وأن تُخضِع الديمقراطية الحكومات لحكم القانون وتؤكد على أن كل مواطنيها يلقون الحماية بدرجة متساوية في ظل القانون وأن حقوقهم يحميها النظام القانوني، وأن تتنوع نظم الحكم الديمقراطية بما يعكس الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية التي ينفرد بها كل مجتمع، وأن المواطنين في ظل الديمقراطية لا يتمتعون بالحقوق فحسب، بل إن عليهم مسؤولية المشاركة في النظام السياسي، الذي يحمي بدوره حقوقهم وحرياتهم).
وعن مدى التشابه والانسجام بين الشورى، كونها مفهوم إسلامي، والديمقراطية الغربية، من حيث الأسس والعناصر يشير مشعل بن فهم السلمي بقوله: (المفكرون الإسلاميون المعتدلون، ومعظم قادة الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في العصر الحاضر، يتبنون آليات ومؤسسات الديمقراطية الغربية ولكن بعد أسلمتها، أي يتبنون ما يمكن تسميته "الديمقراطية الإسلامية" وأعادوا صياغتها (أسلمتها) في ضوء مبادئ وقيم الشريعة الإسلامية، لتكون الأسس والمبادئ التي يقوم عليها نظام الشورى في العصر الحديث. لذلك يمكن القول أن هناك تشابها وانسجاما بين النظام الديمقراطي والنظام الشورى (الديمقراطية الإسلامية) في معظم الأسس والمبادئ الرئيسية التي يقومان عليها (الحريات المدنية، مبدأ الأغلبية أو الإجماع، التمثيل، عدم الجمع بين السلطات، المشاركة السياسية، الانتخابات التنافسية، التنظيمات المستقلة). المبدأ الأساسي الوحيد الذي يفرق بين النظامين هو مبدأ السيادة. فالشعب هو صاحب السيادة في النظام الديمقراطي الليبرالي في مقابل الحاكمية لله في النظام الشوري).

كيف تتحقق الديمقراطية؟

والسؤال هل يمكن تحقيق هذه الديمقراطية بمجرد رفع يافطة "الديمقراطية أولا"، وتلك الشعارات المصاحبة لها، أو بالدعوة إليها خطابيا وكلاميا، أو من خلال الدعوة إليها تماهيا مع ما حدث من تحولات ديمقراطية في العديد من دول العالم، أو في إطار التبدلات والتغيرات التي أصابت وتعرضت لها بعض المنظومات الأيدلوجية، أو تماهيا وتجاوبا مع دعوات بعض القوى الدولية، التي تبشر بالديمقراطية وتعظم من شأنها وفوائدها ومردوداتها؟
الديمقراطية لا ينبغي أن تكون شعارا عابرا، أو يافطة مؤقتة، تفرضه ظروف سياسية معينة وقاهرة، وفي لحظة تاريخية قد تكون مؤقتة وعابرة، ومقتبس ومأخوذ ليس عن قناعة، وإنما جاء أخذه انتهازا لفرصة حُسبت بأنها مؤاتية، إلا أنه لم تتحول فيها الشعارات المرفوع إلى قيمة حقيقية على ارض الواقع، والى منهج يُتّبع ونهج يُسلك في الحياة.
لن يكون هناك جدوى وقيمة للديمقراطية عندما تكون مجرد شعارات ترفع بذريعة الإصلاح والتغيير، أو تماهيا مع فرص وضغوط خارجية، إذا لم يكن المجتمع المراد إصلاحه أو تغييره يملك الاستعداد والقابلية لاستقبال الوافد الجديد واستيعابه، ومن ثم القيام بإعادة إنتاجه وفق بيئته الحضارية الخاصة، وبما يتفق والمرحلة التاريخية التي يمر بها، وصولا إلى حالة التطور والتقدم التي يسعى للوصول إليها، والديمقراطية لن تكون ("برسم القطف" بمجرد رفع شعارات وانتظار نتائج سريعة لإحداث التنمية المنشودة من دون شروط ومستلزمات ذاتية وموضوعية، وحسبما يبدو فإنها لم تنضج بعد، بل لعلها لم تزرع بعد في العديد من البلدان العربية، وان تم بذرها أحيانا في بعض منها، ولهذا لن تكون مفتاحا سحريا لفتح جميع الأبواب الموصدة، المفضية إلى جميع الطرق المغلقة، من دون تهيئة الشروط العامة والخاصة، بما فيها البيئة الثقافية والاجتماعية وإحداث التراكم الطبيعي التدريجي التاريخي، وبما يتناسب ودرجة تطور المجتمع).
إن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بين يوم وليله، وهي تحتاج إلى زمن وتراكم معرفي وممارسات عملية، تتحول مع الزمن إلى تجربة متراكمة تخص البيئة الاجتماعية التي تولد فيها، من خلال إنتاج وانتهاج الآليات والوسائل والنظم، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحق الاختيار، والمساواة، والمساءلة، والشفافية، وإشاعة الحريات العامة والفردية، لأن (الديمقراطية هي عملية تطور سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ذات طابع تراكمي، ولا تأتي عبر استصدار قرار داخلي أو خارجي، من هذا الطرف أو ذاك، ولكن فقط عبر إرادة شعبية ورسمية وإصرار وصبر وعمل دؤوب، والذي يتطلب وقتا طويلا).
والديمقراطية لن تكون ذات قيمه مثمرة إلا حيث يكون لها جذور مترسخة في التربة الاجتماعية على حد قول محمد جابر الأنصاري وذلك من خلال تبلور تكوينات وبنى اجتماعية متطورة اجتماعيا وحضاريا يؤهلها لتَمثُّل الديمقراطية واستيعابها. وفي اعتقاد الأنصاري الراسخ (أن الديمقراطية “لا بد، ويجب، وينبغي” أن تكون لها جذورها الاجتماعية الملائمة لتقوم وتنمو وتتطور، وإلا فإنها نبتة في مهب الريح، ويمكن أن تطيح بها أي نسمة هواء، ولا يمكن أن تنقذها النوايا الطيبة، أو حقوق الإنسان، أو الضغوط الخارجية، فبالإمكان إصدار دستور يتضمن برلماناً منتخباً من دون تنفيذ). ويختصر الأنصاري كلامه بالقول أن "لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين. ومن هذه الزاوية تبدو مسألة الإعداد الجماعي للديمقراطية طويلة الأمد تقتضي أجيالاً من التحول المجتمعي التنموي والتحضيري التقدمي. ولا توجد في التاريخ حلول سحرية، وفاقد الشيء لا يعطيه").
لذلك فإن من أسباب فشل الديمقراطية يكمن في بعض جوانبه بسبب الضعف في هذا الإعداد والتأسيس البنيوي على مستوى القاعدة الاجتماعية التي تمتلك القابلية للتفاعل مع التحولات الديمقراطية والقادرة على احتضانها، وعندما تكون البنية الفكرية المعول عليها احتضان مفهوم الديمقراطية ورعايتها ضعيفة الأساس وهشة التكوين في أي مجتمع، فإن قابلية فشل التجربة والمشروع الديمقراطي تكون ممكنة، وسهلة المنال لأي أحد يريد اختراقها وتغيير مسارها.
إلا أن السؤال الذي يغري المهتم بشأن التحول الديمقراطي في مجتمعاتنا هو: هل المجتمعات العربية لها قابلية للدمقرطة، في ظل نظام للقيم في الثقافة العربية تتأثر فيه قيمة الفرد داخل مجتمعه بمدى روابطه القبلية والعائلية، ويتأسس على الرؤية الفردانية في الخطاب، والتي ترى في الشخص الفرد سوبرمان يحل جميع قضاياها المعقدة ويبني لها مستقبلها المشرق؟ ويجيب على هذا السؤال خليل الزنجي بقوله (إن نزعة القيادة الفردية متأصلة في الفكر العربي والشرقي على السواء، وباتت تشكل إحدى نظام القيم في هذه المجتمعات وهي تقف حجر عثرة أمام الديمقراطية مهما تشدق البعض بها ودعا إليها، ونعتقد انه طالما لم تتوفر الظروف التاريخية والاجتماعية الخاصة بهذه المجتمعات، فإن أي ديمقراطية مطلقة مزعومة مصيرها الفشل إذا ما تم تطبيقها. فالديمقراطية في الغرب تطورت بحسب شروطها الاجتماعية والتاريخية الخاصة بها حيث مرت بمراحل عدة، أما في عالمنا العربي/الشرقي فعندما حاولت المجتمعات أن تطبق هذه الديمقراطية نتج عنها صراعات وحروب داخلية وأوضاع اقتصادية متدهورة، كل هذا حدث لاستعجال التطبيق دون وجود الأرضية المناسبة لها، والبناء الفوقي المؤسس لهذه الأرضية).

الديمقراطية فعل وممارسة

الديمقراطية ليست فكرة مجردة تعلم في المدارس، أو هي كلمة تقال في الخطابات والمحافل والمؤتمرات، بل هي أيضا إلى جانب ذلك ممارسة عملية، وتعود عليها في الواقع المعاش، وليس الاكتفاء برفع شعاراتها كلاميا. لذلك من المهم تعويد مجتمعاتنا على الحياة الديمقراطية بشكل عملي من خلال الممارسة الفعلية على أرض الواقع، بإتاحة الفرص والإمكانيات التي يبدي فيها أبناء المجتمع آرائهم بكل حرية، وبدون أن تمارس عليهم الضغوط والعنف والإكراه أو الوصاية، فهذه المجتمعات يصعب عليها الانتقال إلى الحالة الديمقراطية الرصينة بين عشية وضحاها، من دون أن تتراكم لديها التجارب والخبرات مع الزمن، إلى أن تصل إلى مستوى تلك الشعوب والمجتمعات التي سبقتها في هذا المضمار.
(فالمسألة إذا تعني الحديث عن المتطلبات القاعدية للارتقاء الديمقراطي، تعني ثقافة الديمقراطية على مستوى الأبجدية والأساسيات، تعني التفكير والممارسة الديمقراطيين في حياتنا اليومية المعيشة، تعني جوهر الثقافة المنتجة للديمقراطية والثقافة المعنية في هذا الإطار ليست ثقافة النخبة ذات الطابع الفكري، بل هي الثقافة بمعناها الشامل والمتجذر في الممارسات الإنسانية والسلوك البشري داخل التكوينات المجتمعية المختلفة. فالديمقراطيات الحديثة إنما هي تتويج لمسيرة لا نستطيع أن نزعم أننا قطعناها، بل ربما لا نستطيع الزعم أننا قطعنا شوطا معقولا على دربها).
وثقافة الديمقراطية (بحاجة إلى تراكم ومران وتدريب وتأهيل وتربية وممارسات وقوانين ومؤسسات ومساءلات بعيدا عن العشائرية والطائفية أو المذهبية، فالديمقراطية لا بد لها من إقرار ثقافة الاختلاف وقبول التنوع، ومن حرية التعبير وحق المشاركة، وبخاصة عندما تتحرك الأغلبية الصامتة وتأخذ أمورها بيدها).
من المهم العمل على تأصيل المسألة الديمقراطية بمضمونها القيمي والعقائدي، وتأسيسها في الحياة الثقافية والتوجهات الاجتماعية، بعد ضبطها بثوابت المجتمع وتأسيسها على القيم الإيجابية والمصالح المشروعة، فهي ليست كالتكنولوجيا يمكن استيرادها، وإنما هي مضمون قيمي وفكري يتحول بالممارسة ومع الزمن إلى تقليد راسخ في البيئة الاجتماعية المراد انتقالها إلى الحياة الديمقراطية.
وكما ينقل عبد الله العليان عن محمد عابد الجابري قوله: إن البعض يرى (أن الديمقراطية تحتاج إلى وقت لنضوج الوعي بأهمية الممارسة الديمقراطية كي لا تتحول إلى فوضى أو تقفز إلى حرق مراحل قد تأتي بانعكاسات سلبية على المجتمع وتطوره واستقراره، وهذا القول يرى أنه مردود عليه ويمكن رده لأن “نضج الشعب” للديمقراطية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية، تماماً مثلما أن الطفل لا يتعلم المشي إلا من خلال ممارسة المشي نفسه. إن الاستئثار بالسلطة مهما حسنت النوايا، ونادراً ما تكون كذلك، لا يمكن أن يؤدي إلى “نضج الشعب”، بل بالعكس: إن الاستئثار بالسلطة يؤدي دائماً إلى خنق إمكانيات التفتح والنضج في الفرد والجماعة. أضف إلى ذلك أن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي ترزح تحت وطأتها الأقطار العربية لا يمكن التستر عليها ولا قمع الإحساس بها ومعاناتها بالاستبداد. إن المشاركة الشعبية في إطار ديمقراطي سليم هي وحدها القادرة على تجنيد الطاقات والإمكانيات كافة للعمل من أجل التغلب على المشاكل والصعوبات في جو من المسؤولية وتحمل ما يلزم من أعباء). ثم يختم العليان قائلا: أن هذا الاعتقاد صائب إلى حد كبير، فالممارسة التراكمية للديمقراطية السليمة هي الضمان من أية تعثرات جانبية، وهي التي ستكسب المجتمع الخبرات والتراكم المعرفي للأسس الصحيحة للحراك الديمقراطي السلمي في الوطن العربي).
التجربة الديمقراطية بالتأكيد تحتاج إلى وقت كي تنمو وتتطور وتستمر وتتوسع وتنتشر، بحيث يتدرب عليها جميع المواطنين، من خلال الممارسة العملية على شروطها، ومن خلال العلاقة بين أطراف هذه التجربة بعضهم ببعض، فهي إلى جانب أنها (تتمثل في قيم ومفاهيم وأفكار وسلوكيات، بقدر ما تتمثل في دساتير وقوانين ومؤسسات، وبقدر ما يحتاج النظام الديمقراطي إلى القوانين والمؤسسات الديمقراطية، فانه يحتاج أيضا وبنفس القدر إلى ثقافة الديمقراطية والسلوك الديمقراطي على مستوى الفرد والمستوى الجماعي أي سلوك الأفراد وسلوك الجماعات والأحزاب...حيث تكون تلك الممارسات جزء من عملية التحول السياسي والديمقراطي ومظهر لحق المواطنين في التعبير عن مواقفهم، وان من شأن ذلك توسيع دائرة المشاركة، وتنشيط الحياة السياسية، ودعم التطور الديمقراطي).

هل ينجح التحول الديمقراطي دون ثقافة ديمقراطية؟

التحول الديمقراطي يتطلب تنمية السلوك الديمقراطي، من خلال تطوير منظومة القيم والأفكار السائدة في المجتمع، بنشر وتعزيز الثقافة الديمقراطية والقيم المرتبطة بها كالتسامح والحوار واحترام الآراء الأخرى، فالتحول الديمقراطي لن يكون ذا معنى، إذا ظل محصورا في بلورة وتكوين المؤسسات الفوقية والخارجية، دون الولوج إلى المضمون الداخلي، والاكتفاء بالأطر الخارجية فقط، وإلا ظلت هذه الأطر في هذه الحالة، مجرد مظهرا خارجيا وسطحيا للدعاية والإعلام، أكثر مما هي مرتبطة حقيقة بتغيير في عمق الثقافة السائدة في المجتمع.
والكلام في الديمقراطية كما يقول "سعيد الحمد" لا يعني اقتصار الحديث في (الديمقراطية السياسية فقط والتي حصرنا وحاصرنا مفهوم الديمقراطية داخل حدودها ودائرتها ونسينا، أو بالأدق تناسينا عن سابق قصد، أن الديمقراطية كمفهوم حضاري وكمنهج حياتي اكبر واشمل من أن نحصرها في السياسي فقط.. فالديمقراطية طائر كبير لا يطير إلا بجناحين “سياسي واجتماعي” فهل أولينا التربية والثقافة الديمقراطية الاجتماعية عناية تذكر في كتاباتنا وفي ندواتنا وفي حواراتنا ونقاشاتنا، وكم ورشة عمل أقمناها لتأصيل وعي عام جديد بمفهوم وبمنهج وبإسلوب الديمقراطية الاجتماعية).
والممارسة الديمقراطية لا يمكن لها أن تنمو وتتطور وتزدهر في ظل مناخ اجتماعي تسوده قيم التسلط والاستئثار والآحادية، ومن دون أن يكون هناك استعداد للحوار والنقاش، والاستفادة من الآخر وأرائه، وعدم التنكر له ولأفكاره، أو العمل على تسفيهها وسلب حقه في طرح وقول ما يراه مناسبا من أفكار وأراء، يمكن أن تكون مجديه وفعالة وذات جدوى وفائدة على عموم المجتمع.

في التربية الديمقراطية

المجتمعات التي ترفع يافطات وشعارات الديمقراطية، وتدعي أنها تسعى إلى ممارستها عمليا، عليها أن تؤمن بها وتتشرب ثقافتها وقيمها أولا، بوصف الديمقراطية منهج وثقافة مجتمع، وأسلوب ونهج حياة يتيح تعدد الرؤى والخيارات، فهي ليست مجرد شعارات ووعي مجرد فقط، وإنما هي سلوك وممارسة ذاتية، وأن يأخذ جميع أبناء المجتمع ومكوناته، أيا كانوا، حريتهم في تحديد خياراتهم وقناعاتهم، دون فرض قناعات الآخرين عليهم، وإلا لن يكون لرفع يافطات الديمقراطية وشعاراتها البراقة أي قيمة أو معنى يذكر.
والديمقراطية عندما تكون منهجا حياتيا عاما يمارس في الحياة اليومية وضمن العلاقات الاجتماعية، فإن ذلك يعني أنها تبدأ أول ما تبدأ من الأسرة في البيت الصغير، وتنتقل بعد ذلك إلى الدوائر الأكبر فالأكبر، متدرجة إلى أن تتوسع وتشمل كل الدوائر من حولها والمحيطة بها، لتبنى من خلال ذلك ديمقراطية تفتح أذرعها ومساحاتها للرأي والرأي الآخر، بدون مصادرة ونبذ وتهميش ومقاطعة وضغوط ووصاية وإلغاء وتعالي لأحد على أحد، لمجرد الطرح المختلف والرأي المغاير، وهي ممارسة لا تعبر أو لا تصدر إلا عن حالة مستبدة وممارسة دكتاتورية، تمارس الهيمنة والإلغاء والمصادرة والوصاية على الآخرين.
إن الوصول إلى حياة ديمقراطية راقية وممارسة ناضجة وسوية، يكمن في التأسيس لقاعدة ثقافية منغرسة في الأرض، وصلبة الجذور، (فهي تكمن في التربة، التي يمكن أن تبزغ منها شجرة الديمقراطية المرتجاة، التربة التي ستحتضن البذور، وتضمن إنباتها ونموها، وهي متمثلة في سوية العلاقات في البيت، والمدرسة، ومؤسسة العمل، في العلاقة بين الأب وابنه، والزوج وزوجته، والمدرس وتلاميذه، ورؤساء العمل ومرؤوسيهم. هذه هي المدارس الأولى، التي تقدم التربية الديمقراطية لمن سيصعدون بالديمقراطية نحو شرف الحرية ومسئولية الاختيار. ومن ثم تكون هذه المدارس الأولى هي الأجدر بتنقيتها من الخطاب التسلطي وأنساق الاستبداد).
إلا أن مشكلة الديمقراطية هي في التناقض والازدواجية التي يعيشها البعض ممن يدَّعون إليها ويرفعون شعاراتها البراقة، وذلك عندما يعيشون الازدواجية في دواخلهم، فهم أمام الآخرين وفي الخطابات والندوات والمحاضرات يدّعون الديمقراطية، ولا يوجد أحسن منهم في الحديث عنها، وعن الحرية في القرار والخيار والاختيار والمساواة والحقوق، لكنهم عندما يعودون إلى دوائرهم الصغرى والضيقة والخاصة ينقلبون على أعقابهم، حيث يمارسون التفرد والتسلط وكل أنواع القمع والمنع والدكتاتورية، ويصدّرون النواهي والأوامر الفوقية ويمنعون المحاججة ويرفضون المناقشة، أو حتى مجرد السؤال.

لذلك (لا يمكن أن تتحقق ولا يمكن لأي مجتمع كان أن ينجز الديمقراطية بدون ديمقراطيين حقيقيين مؤمنين بالديمقراطية ويمارسونها أسلوباً يومياً في حياتهم في غدوهم ورواحهم كما يقولون.. لا يمكن أن أكون ديمقراطياً ومدافعاً صلباً وحقيقياً عن الديمقراطية ما لم أمارس الديمقراطية أولاً داخل بيتي الصغير وبين أفراد أسرتي، فهذا هو واجبي الأول كديمقراطي لا يصادر حقوق أسرته في التمتع بمناخ وبمساحات ديمقراطية داخل البيت.. وكم واحد منا سأل نفسه وهو يرفع صوته عالياً ويشحذ قلمه مطالباً بالحقوق الديمقراطية السياسية واستكمالها، عن حجم المساحة الديمقراطي وعن مدى التزامه وتطبيقه وإعطائه الحقوق الديمقراطية لأسرته الصغيرة.. فهناك تتضح الحقائق وتختبر ديمقراطيتنا الحقيقية من ديمقراطيتنا المظهرية.. كيف أطالب بالحق الديمقراطي السياسي، وكيف احتج على عدم استكماله في الوقت الذي اقمع بكل وسائل القمع وأساليبه، الحق في ديمقراطية اجتماعية داخل بيتي الصغير؟؟).

ومن المهم في غمرة هذا النقاش الدائر حول المسألة الديمقراطية، بوصفها شرطا من شروط بناء الدولة الحديثة، أن لا يوجه النقد فقط صوب الحكومات، لكونها تعيق أو تحد من عملية التحول الديمقراطي، بل من المهم توجيه النقد أيضا للقوى والمكونات الاجتماعية الأخرى، وكما يقول حسن مدن :(لا يجري الالتفات بنفس الدرجة من الحزم والوعي لغياب الديمقراطية داخل الأحزاب والقوى التي تطالب بهذه الديمقراطية، والتي غالبا ما تضيف صفة الديمقراطية على مسمياتها. ويضيف مدن( والحق أن هذه الأحزاب والقوى نتاج بيئة غير ديمقراطية، لأنها نشأت وتطورت في ظروف المنع والملاحقة والقمع، فكان أن اعتادت أن تدبر أمورها بطريقة غير ديمقراطية. وحين يجري الانتقال من ظروف العمل السري إلى العمل العلني فإنها تواجه معضلة حقيقية، لأنها شأنها شأن الحكومات، لم تعتد العمل في مناخ ديمقراطي، وألفت العمل بأساليب غير ديمقراطية في حياتها الداخلية، وبات من المتعين عليها أن تبذل جهودا كبيرة في سبيل نبذ هذه الأساليب والتخلص منها، ومن مظاهر هذه الأساليب، الفردية في اتخاذ القرار، وعبادة الفرد القائد، وتحويله إلى ما يشبه الصنم).

ثقافة الديمقراطية

إن الانتقال إلى الحالة الديمقراطية ونبذ الأساليب الفردية، يتطلب الاهتمام بالثقافة الديمقراطية وتعليمها وتربيتها والتدرب عليها، وغرس المبادئ التي تهيئ القبول بها، كون الديمقراطية (منهج أو نهج يشكل خيار العصر وعصارة كل التجارب البشرية عبر تاريخ من الصراع طويل، تخللته حروب وثورات وعنف ودماء وتضحيات واقتتالات مختلفة، دينية ومذهبية وطبقية وعقائدية وأيدلوجية، لم تنجُ منها تلك التجارب ولم تستقر بعد أن دفعت الثمن الكبير، إلا عندما اعتمدت الديمقراطية منهجا ونهجا سلميا لإدارة صراعاتها، التي لن تنتهي ما دام الإنسان موجودا، ولكنها تريد وتحتاج ضابطا سلميا هو الديمقراطية. ولعل الإشارة هنا إلى الصراعات المقصودة في سياق هذا الطرح، ليست الصراعات السياسية فقط، ولكنها مجمل الصراعات، بما فيها الصراع داخل الأسرة، وداخل البيت الواحد على خلفية اختلاف الأفكار وتباينها، بما يفتح لصراعات مجتمعية مختلفة تتعدد فيها الأفكار والثقافات والرؤى، والتي تحتاج إلى الديمقراطية بوصفها ثقافة مجتمع وأسلوبا اجتماعيا، يصبح معها العرف الديمقراطي، والتقليد الديمقراطي مظلة واسعة تتقبل الرؤى، وتتقبل الأفكار الأخرى، وتؤمن بحرية الفرد والإنسان في اختيار رؤيته وتحديد أفكاره، وبحقه الطبيعي في إعلانها وفي ممارستها بحسب قناعاته بها).
إن تأصيل الفكرة الديمقراطية في الواقع الاجتماعي والسياسي يبدأ بإرساء نظم علاقات ديمقراطية وممارستها عمليا، كما يتطلب التغيير في العقليات والتكوين النفسي، لا في الشكل الخارجي فقط، وإنما أيضا تغييرا في المضمون، ومن الأجدى لمن يرفع لواء الديمقراطية ومندرجاتها، أن يبدأ بممارسة هذه القيم من نفسه وعلى نفسه وداخل بيته وأطره الخاصة والداخلية قبل أن يدعو غيره إلى ذلك، لان فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه. فلا يكفي وجود البرلمانات ولا يكفي الإقرار بقاعدة الانتخابات والتمثيل السياسي، بدون وجود الثقافة السياسية الديمقراطية والوعي بالحقوق الديمقراطية.
وعلى الرغم من أهمية تطبيق الديمقراطية في الوطن العربي كما يقول عبد الله علي العليان (من اجل الإصلاح السياسي، وإيجاد المناخ السلمي للتعبير، وإبعاد الاحتقان السياسي المتمثل في العنف والإرهاب والتوتر وعدم الاستقرار، الذي تعاني منه المجتمعات العربية بسبب هذه الأزمة وتوابعها العديدة. لكننا "كما يؤكد العليان" نعتقد أن مشروعية تعميم الديمقراطية مع أهميته، قد لا يجد له تلك الأرضية الحاضنة بسبب رواسب كثيرة وتمددات عديدة، جعلت الديمقراطية تتراجع كثيرا عما شهدته الدولة العربية التقليدية قبل الاستقلال من انفتاح سياسي وتعددية حزبية).
إلا أن تأسيس بيئة حاضنة للديمقراطية في مجتمعاتنا يحتاج في الواقع إلى (تراكم وتطور تدريجي طويل الأمد، وهي بحاجة إلى نزع جذور التسلط في الثقافة السائدة، سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم موروثا دينيا سلبيا أم عادات أم تقاليد، للتخلص من ثقافة الإكراه السائدة في الحكم والمجتمع والمدرسة والحزب والمؤسسة الدينية والأسرة).
لذلك فإنه من المهم (على مؤسسات الدولة وتنظيمات المجتمع المدني والأهلي بعامة وأصحاب الفكر ورجال التربية والإعلام ونسائهم، إضافة إلى أهل المكانة الرسمية والدينية والاجتماعية في مجتمعنا العربي أن يلتفتوا إلى أهمية تنمية الثقافة الديمقراطية والعمل على نشرها باعتبار ذلك مدخلاً استراتيجياً لاستقرار الممارسة الديمقراطية في عالمنا العربي وتأسيسها ثقافيا وفكريا حتى تبدأ عملية التحول الديمقراطي المستمرة بصورة راسخة. كما ينبغي على المواطن العربي أن يدرك أهمية الوعي بالديمقراطية والقبول بالآراء المتعددة في المجتمع، وعدم الركون إلى التيئيس، بأنه لا يمكن أن يتغير شيء في مجتمعنا العربي، ولا فائدة من الإصلاح ولا يمكن أن يتحقق التغيير الخ. هذه المفاهيم اليائسة معيقة للإصلاح ومثبطة للتقدم إلى الأمام، وربما تشجع على الجمود والتقوقع وعدم النظر إلى المستقبل بنظرة متفائلة لأن الأمة بنخبها ومفكريها لديهم القناعات بضرورة المراجعة الذاتية والنابعة من الرغبة في الإصلاح الداخلي بعيداً عن المشاريع الشرق أوسطية التي تفصل في الخارج، ويحاول الغرب أن يلبسنا هذه الأفكار، على الرغم من أنها لا تناسبنا لا منهجيا ولا فكريا، ناهيك عن صدمتها للكثير من قناعاتنا ومواريثنا الحضارية والفكرية).
بالتأكيد سيكون هناك من يعارض عملية التحول الديمقراطي نتيجة تأصل الثقافة التسلطية في البنية الثقافية، وسيرفضها رفضا قاطعا ويعترض عليها ويناهضها وينخرط في العمل على إجهاضها، إلا أن عملية التغيير الثقافي والتحول الفكري في البنية الثقافية، والسعي إلى نشر ثقافة الديمقراطية وفلسفتها وشروطها ومتطلباتها وأوصافها ومواصفاتها وكل شيء عنها، يساهم في تهيئة الأرضية المناسبة ويبسط الطريق ويعبده من أجل القبول بها والانخراط في فئة الداعين إليها؛ لأن التجارب الذاتية للإنسان من خلال الممارسة العملية تتيح له إمكانية اكتشاف ما هو أنسب وأفضل لحياته وكرامته، فالتجارب العملية بالتأكيد تعلم الإنسان وتمكنه من الاستفادة منها، لأن في التجارب كما هو معلوم علم مستحدث.
لقد حضيت الديمقراطية بالاهتمام والمتابعة ليس فقط من خلال التجارب والتطبيقات العملية لها، بل أيضا من خلال تتابع الاهتمامات الفكرية والمعرفية بها، فالعلم مصحوبا بالتجربة ظلّا مصدرين أساسيين من مصادر المعرفة في المسألة الديمقراطية (فلا مقام في الفكر السياسي المعاصر نال القسط الأوفى من التداول المعرفي، كمقام الديمقراطية. حتى إذا بلغت، في مكان ما، وزمان ما، ما يُشتبه في أنه نهاية الكلام عليها، تفتّحت أبوابٌ جديدةٌ على كلام مستأنف. كأنما قدرنا وسؤال الديمقراطية أن نمضي معاً إلى اللاّمتناهي، أو إلى الاستحالة. حيث سيجد كل متسائل عن أحوالها، كما لو كان إزاء فكرة زئبقية، سرعان ما تتفلَّت من ميادين إشتغالات الفكر، منذ اللحظة التي يتوهم فيها ذاك الفكر أنه ممسك بها، أو قابض على سرّها المستحيل. لا تكتفي الديمقراطية بوجه واحد، فهي في كل حين تظهر بوجه آخر، ثم تتعدد وجوهها، تبعاً لتعدد أحوالها، وتنوع إفهام المشتغلين في حقولها، فهي كأي ظاهرة، حمّالة وجوه. يروح الناس يُخضِعونها للتأويل، بحسب أهوائهم وتبدل أحوالهم، كأنما هي لصيقة الهوى والرغبة والمصلحة. وهي كذلك ما دامت غواية الجماعات والأحزاب، والأفراد، والدول. وجلُّ ما في القضية أن يؤلف الداعون إليها، ومن خلالها، عصبهم وسلطانهم وحجَّتهم البالغة).

ومع ذلك فإن فكرة الديمقراطية ليست فكرة جامدة ومتصلبة لا تقبل التجديد والتطور، بل إن طبيعة الديمقراطية هي التجديد الذاتي، فالمجتمعات التي اختارتها منهجا وأسلوبا، وعلما وعملا، لم تكف عن تطويعها والتطور معها، وتجديد نفسها بنفسها بكل تواضع، وبعيدا عن أسلوب التلقين والتعالي والظهور بمظهر من يدعي اكتمال معرفته بها وعلمه بدقائقها وتفاصيلها أو أن نهاية طريق الديمقراطية انتهى بها وعندها.

الديمقراطية بين النظرية والتطبيق بين الشكل والمضمون

إن الإشكالية في التحول إلى المسار الديمقراطي، تكمن في البون الشاسع بين النظرية والتطبيق، فدائما ما نجد أن الدساتير تكفل حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية التنظيم والتعددية السياسية وإقامة انتخابات حرة ونزيهة، إضافة إلى تحديد اختصاصات السلطات الثلاث، أما في الواقع المعاش، فان الأمر مختلف ويسير مبتعدا في اتجاه آخر، قائم على أيدلوجية الحزب الواحد المحتكر للسلطة، والذي يمنع قيام التعددية الحزبية الفاعلة في الحياة السياسية، ويضيق الخناق على حرية التعبير والصحافة.
إن أي مراقب كما يقول عصام سليم الشنطي يمكنه أن يستنتج أن الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي دائما ما يجري (عن الديمقراطية الشكلية أكثر مما هو عن ديمقراطية حقيقية، وهذا ما يعكسه الواقع العملي، حيث أن هناك العديد من الدول تتبنى الديمقراطية كشكل عام على الصعيد السياسي- المؤسساتي، لكنها في الممارسة تستعمل أساليب القمع والاستبداد).
(ومع ذلك فإن عملية التحول الديمقراطي في العالم العربي لا تزال غير واضحة المعالم لا على المستوى الفكري ولا على المستوى التشريعي ولا على المستوى المؤسسي في ظل تناقض واضح بين الفكر والتطبيق. وفضلا عن المعوقات العديدة لإقامة حياة ديمقراطية سليمة لا تتناقض مع المقومات الأساسية للمجتمعات العربية الإسلامية، ومن بينها الطائفية، والمناطقية، والنزعات التسلطية، والدكتاتورية التي لا ترى مصالحها في الديمقراطية. تبدو العقبة الأبرز في غياب ثقافة الديمقراطية التي تعلي من قيم حق المشاركة، والقبول بالآخر، والفصل والتوازن بين السلطات، والحوار لصنع القرار، والاحتكام لرأي الشعب مصدر كل السلطات، كما تبدو العقبة الأصعب في غياب ثقافة حقوق الإنسان التي من المفروض التي تكون هي الثقافة السائدة في مجتمعنا العربي، باعتباره مهبط الرسالات السماوية العظمى مصدر هذه الحقوق قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمئات السنين).
بالإضافة إلى ذلك، فان التباين بين مستوى تطور الدولة ومستوى تطور المجتمع في الكثير من الدول العربية هي من أهم أسباب تعثر الديمقراطية في هذه الدول كما يقول "محمد السعيد إدريس" وهو يتحدث عن التجربة الديمقراطية في منطقة الخليج (لقد تطورت الدولة ومؤسساتها العصرية، وتطور السوق الخليجي بدرجة تفوق تطور البنى الأساسية للمجتمع الخليجي وبدرجة تفوق تطور العلاقات الاجتماعية والقيم الاجتماعية في المجتمع الخليجي، فبعض المدن الخليجية تضاهي الآن في مستوى تطوها وحداثتها الكثير من المدن الأوروبية في الكثير من مظاهر الحياة العصرية الحديثة، المطارات والشوارع والأسواق والأبنية وغيرها، لكن المجتمع الخليجي في جوهره وقيمه وعلاقاته لا يزال مجتمعا تقليديا، تحكمه القبيلة والعشيرة ويخضع للقيم والعلاقات الموروثة).
ومع أن بوسع العالم العربي أن يفتخر بامتلاك مصادر قوة استثنائية كما يقول "باترك سيل" الكاتب البريطاني المتخصص في قضايا الشرق الأوسط. (فهو مهد ديانة عالمية نزل قرآنها الكريم باللغة العربية، فيما تمتد أراضي العالم العربي من المحيط إلى الخليج ويحظى بموارد وافرة من النفط والغاز ويضمّ مدناً قديمة تحمل معالم الحضارات القديمة ويحظى بشعوب شابة ومفعمة بالحياة وطامحة إلى التغيير. لكن العالم العربي يفتقر إلى ميزة أساسية وهي الديمقراطية) .
وحول أسباب هذا الخلل ينقل الكاتب عن التقرير الثاني "لمبادرة الإصلاح العربي" أن مواطن الخلل في عملية الانتقال إلى الديمقراطية تكمن في العديد من المؤشرات التي يقاس بها ويستند إليها كمؤشر عرض رقمي في مجال الانتقال الديمقراطي. ويذكر بعض المؤشرات المستخدمة لتكوين هذا المؤشر من بينها (إجراء انتخابات دورية وعادلة وامتلاك حرية تشكيل أحزاب سياسية والحق في الاجتماع ووجود ضمانات ضد التعذيب وضمان حرية الإعلام واستقلال القضاء والمساواة بين الجنسين ومحاسبة الحكومة، إلى جانب النظر في الفساد في المؤسسات العامة واللجوء إلى الواسطة في عملية التوظيف العام وخرق الدستور وإساءة معاملة المعتقلين وقمع التظاهرات والاحتجاجات وتدخل قوات الأمن وانتقاد السلطات ووجود صحف ومجلات معارضة والرقابة على المطبوعات والمواقع الإلكترونية والاعتقال من دون تهمة ومحاكم أمن الدولة وقدرة منظمات حقوق الإنسان على العمل والسلامة الشخصية والتعليم ومشاركة المرأة في اليد العاملة والمساواة في الرواتب ومستوى الإنفاق العام على الحاجات الاجتماعية مقارنة بالأمن).

هل الديمقراطية انتخابات فقط ؟

هذا التساؤل طرحه الكاتب "مصطفى الفقي"، عندما أشار إلى أننا سنكون واهمون إذا اتخذنا من الانتخابات معيارا وحيدا للديمقراطية الحقيقية. والانتخابات كما يؤكد الكاتب تعكس الجانب الكمي أو الشكلي من العملية، أما الجانب الأهم فهو نوعية من جرى انتخابهم من الناحيتين الفكرية والسياسية، من خلال المناخ العام الذي يسيطر على الأجواء السياسية والظروف والملابسات التي تحيط بتركيبة المجتمع، ونوعية الحياة السياسية القائمة على عدد من العوامل الحاكمة في تحديد مستوى ونوعية الديمقراطية السائدة. ثم يشير الكاتب إلى عدد من العناصر التي يؤكد على أهمية توفرها كي تنهض وترتقي الحياة السياسية في مجتمعاتنا.
وأول هذه العناصر هو سيادة القانون: حيث يقول الكاتب أن أحدث تعريف للدولة الديمقراطية هو أنها دولة القانون، ليؤكد على أن القانون وسيادته واحترامه أهم عنصر في صنع المناخ الذي يجب أن تعيش فيه النظم الديمقراطية وتزدهر معه الحريات الأساسية المطلوبة للمواطن الصالح.
أما العنصر الثاني فهو التعليم: كونه البوابة الحقيقية لدخول العصر الذي نعيش فيه، ومواكبة تطوراته وولوج آلياته. وان الاهتمام بالتعليم العصري هو الذي يصنع ثقافة الديمقراطية، ويجعل من الإنسان قادرا على فهم البيئة السياسية وإدراك الظروف المحيطة، ويجعله قادرا على التفرقة بين ما ينفع وما يضر، كما أن التعليم المتطور يحوي نوعا من التدريب على الحوار والقدرة على التعامل مع المستجدات المختلفة.
وأما ثالث العناصر فهو تنامي مؤسسات المجتمع المدني وهيئاته وجمعياته: لأن ذلك كفيل بتخليق الدولة العصرية. وتعتبر المؤسسات غير الحكومية والمؤسسات الأهلية الطريق الصحيح نحو التنمية البشرية وتأهيل المجتمع في كافة جوانبه، كما أن لها دورا ثقافيا تنويريا يمكن أن تلعبه في الحياة السياسية.
ورابع العناصر هو مسألة حقوق الإنسان: فلا يمكن لنظام سياسي ينتهك حقوق الإنسان أن يكون قادرا على بناء دولة ديمقراطية، ودولة الحريات والقانون.
أما خامس العناصر وآخرها فهو الحاجة إلى توسيع مفهوم الديمقراطية في مجتمعاتنا: وهو ما يعني توسيع الجهود من اجل العمل على بدأ الإصلاح والديمقراطية من داخل المجتمعات، في ظل ظروف بالغة القسوة تتعرض لها الأمة.
هذه العناصر أو الملاحظات التي ذكرها الفقي أراد أن يؤكد من خلالها أن الديمقراطية ليست مجرد ديكور سياسي، بل لا بد من الغوص في أعماق الظاهر لاكتشاف أسباب إخفاقات التحول الديمقراطي في مجتمعاتنا، عندما تشبثت بالشكليات وأهملت جوهر العملية الديمقراطية، أي الفلسفة التي توفر البيئة الحاضنة للحريات والداعمة لها، وان العبرة قبل كل شيء تكون بالتعليم والثقافة، بالتدريب السياسي والحوار الفكري، بالشفافية المطلقة والمصداقية الكاملة. على أن الديمقراطية في النهاية هي مناخ وممارسة، وليست شعارا ومؤسسة فقط.

في أهمية النقاش والجدل حول الديمقراطية

ومهما يكن من أمر المشكلات والمعوقات وشدتها، والحواجز التي تقف أمام تطور ونمو الحالة الديمقراطية، فانه من الضروري أن يعيش المجتمع الذي يسعى إلى التطور والتحول إلى النهج الديمقراطي، نقاشا مستفيضا وجدلا واسعا، يساهم وينخرط فيه الجميع من أجل أن يعبِّروا من خلال الحوار، بصدق وصراحة وشفافية وحرية، عما يختزن ويجول في مكنوناتهم من أفكار ورؤى وهواجس، والتحدث عن الطرق المناسبة في انتهاج طريق التحول الديمقراطي، والعقبات والتحديات والكوابح التي تواجه هذه الرغبة والأمنية.
وعلى الرغم من صعوبة تحقق هذا الاحتمال بسبب ضعف أو انعدام التقاليد الديمقراطية والعقلية النقدية، إلا أن انخراط الجميع في هكذا حوارات ونقاشات مفتوحة حول شأن التحول إلى الديمقراطية، ومهما كانت العقبات والتحديات التي تواجهها، وعوامل الكبح التي تبطئ من زخمها، إلا أنها في الأخير ستكون ممارسة عملية في تطبيق الديمقراطية مهما كانت الأخطاء والسلبيات، ومدرسة واقعية يُتعلم منها، ونافذة تنويرية، وعملا تدريبيا وجماعيا من أجل تقمص وامتصاص الأفكار، وتوسيع هوامش الحرية والتعددية، والسماح بحرية التعبير والحق في المشاركة، والتدريب على ممارسة الديمقراطية عمليا وواقعيا.
إن النقاشات والحوارات وما يطرح فيها من أفكار ورؤى وتحديات ومعضلات حول الديمقراطية ومفهومها لهو جدير بالمتابعة، (ذلك أن الحوار في ذاته، هو الذي سيفتح آفاق الطريق الصحيح لاختيار النموذج الأنسب والأصلح، والاختبار الأصوب بين الآراء المتعارضة، لأننا امة خسرت كثيرا عندما غيبت الآراء عن النقاش، وجعلت الرأي الأوحد هو الذي يختار ويعمم، من دون أن يكون هناك طرح ونقاش وتعدد في النقاش).
إن الحديث عن الديمقراطية وفيها يبقى ناقصا ومشوها إذا لم يتحول إلى حالة حوارية بين الأفراد والقوى والجماعات التي تؤمن بقيمتها وأهميتها وتسعى إلى تطبيقها، وإلا كيف يكون الناس ديمقراطيين ولا يستطيعون التحكم بخلافاتهم وإدارتها وفق قواعد وأعراف وضوابط من شانها إشاعة ثقافة الحوار والتفاهم والديمقراطية؟.
ومن المهم لكل الشركاء في أي مجتمع واحد أن يعيشوا قيمة التعدد والقبول بالآخر والتعايش معه بدون إقصاء أو تهميش، بحجة انتمائه إلى ثقافة مغايرة أو أنه يحمل رأيا مخالفا أو مختلفا لا يتوافق مع رأي تياره وجماعته، لأنه عند ذلك لن تكون هناك قيمة للحديث عن الارتقاء بلغة الحوار، والتطلع إلى مجتمع ديمقراطي.

دور النخبة والمجتمع المدني في نشر الديمقراطية

إن الارتقاء بالحالة الديمقراطية وازدهار تجربتها في مجتمعاتنا، ونموها بشكل قوي وطبيعي، تحتاج إلى نخبة تؤمن بها وتتمثلها قولا وعملا، وتعمل مخلصة لإرساء قواعدها، وتثبيت ركائزها، والدفاع عن شروطها ومتطلباتها وخصائصها، وتحمي مكتسباتها، لأن (إنجاز حالة "ديمقراطية" في مدارسنا وبيوتنا، هو بداية لأي صعود ديمقراطي. وهذا الانجاز لن يأتي إلا بجهد ثقافي تلعب فيه النخبة المثقفة، بكل اتجاهاتها، دورا تنويريا نابعا من شروط وطموح مجتمعاتنا العربية، لا تغريبا مُقنّعا. وقد بدأت أصوات عاقلة من مفكرينا ترى أن دور النخبة المثقفة الملح، هو نشر ثقافة الديمقراطية. بل إن ثقافة الديمقراطية نفسها تحتاج إلى تمهيد ثقافي على مستوى السلوكيات النابذة لكل أنواع التسلط والاستبداد مجتمعيين، ابتداء من رياض الأطفال وحتى مؤسسة الزواج ومكاتب الأعمال والدراسة في الجامعة).
وتلعب مؤسسات المجتمع المدني، بالإضافة إلى كل النخب المتنوعة في أي مجتمع، دورا مهما وأساسيا في نشر الوعي بالديمقراطية، وما تتضمنه من حمولات فكرية، وتسعى إلى تبيئة مفاهيمها بما يسهل قبولها واحتضانها ضمن البيئة الاجتماعية، حيث (يتحدث الكثيرون عن أهمية المجتمع المدني الفاعل في الوطن العربي، باعتباره أحد الروافد المهمة لتعزيز الديمقراطية الحقيقية وتفعيل الوعي بأهمية الحراك الديمقراطي الواعي في المجتمع، ومن هؤلاء بعض الباحثين الغربيين الذي يرى أن الإصلاح، الذي يراه الغرب ضرورياً للعالم العربي، هو وجود مجتمع مدني فاعل. وبغض النظر عن الدعوات الخارجية للإصلاح، وهل يتقارب مع قناعاتنا الذاتية أو ما نراه صحيحاً أو خاطئاً، وبعيداً عن القفزات غير المدروسة وحرق المراحل الفكرية والثقافية، فإن المجتمع المدني الفاعل البعيد عن الأغراض والأهداف غير الوطنية، يعد من المؤسسات المهمة في عالم اليوم، لأنها تساهم في الاضطلاع بمهام جيدة من خلال العمل الطوعي والقيام بوظائف اجتماعية ذات أبعاد، لا سيما في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي، كمان أن ذلك يدفع بالعمل المؤسسي إلى آفاق متقدمة، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الديمقراطية وبلورة مضامين تعددية، حتى أن البعض يرى أنه لا يمكن أن نؤسس ديمقراطية فاعلة من دون مجتمع مدني فاعل يدفع بهذه الآلية إلى أفضل خطواتها من خلال الإمساك بالتوجهات والرؤى الديمقراطية والدفع إلى تطبيقها ولو تدريجياً في المجتمع العربي).
إن العمل على تأسيس حالة ديمقراطية فاعلة، تحضى بقبول جماهيري واحتضان شعبي، ليس بالعمل العفوي الذي يتبلور بين ليلة وضحاها، وإنما هو عمل شاق وطويل الأمد ويكتنفه المصاعب والتحديات المختلفة، إلا أن النجاح في تحقيق وإرساء حالة الديمقراطية وترسيخ أسسها وجذورها، يتوقف على وجود حامل بشري يمتلك القدرات والإمكانيات التي تؤهله على خوض غمار بناء التجربة الديمقراطية، (وفي هذا البناء تقع مسؤولية رئيسية على المثقفين الذين يمثلون الوسيط الحضاري الناقل للأفكار والدروس التاريخية، ومسؤولية لا تقل عنها أهمية على السياسيين بوصفهم الجسر الذي يربط بين عالم الفكر وعالم الممارسة. لكن في ما وراء ذلك، يستدعي بناء الديمقراطية، كحركة ثم كنظام مجتمعي، تربية مدنية لا غنى عنها في أي تجربة من أجل تأهيل المجتمع وإعداده لاستيعاب معنى الحرية والمسؤولية والمساواة والقانون. هذه هي الخطوة الأولى والضرورية والشرط المسبق، ليس لنمو الحركة الديمقراطية فحسب، وإنما أيضاً لتكوين قوى ديمقراطية قادرة فعلاً على حمل النظام الديمقراطي القادم وتسييره والدفاع عنه ومنع استغلاله من قبل شبكات المصالح المالية. وربما كان دور المثقفين أهم كثيراً في هذا المجال من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها. المهم أن نعرف أن الديمقراطية هي النظام الذي يستند إلى سيادة الشعب ومشاركته القوية، وهذا ما يفترض أولاً وجود شعب. والشعب ليس مجرد أفراد يعيشون معاً، لكنه ثقافة حية تفاعلية، ومبادئ للعيش المشترك، وأخلاقيات عامة قائمة على الاحترام والمساواة والتضامن والتكافل. الشعب نظام أخلاقي وثقافي وقانوني، أي وعي وطني أو مواطني يولد إرادة واحدة. فإذا انعدمت التصورات الذهنية والرمزية المشتركة، والأخلاقيات التضامنية والمواطنية، وتحول الشعب إلى أفراد لا رابط بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألفة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، زالت الإرادة الموحدة وانقسم الشعب إرادات، وزالت إمكانية بناء نظام سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة).
إن الأمل معقود اليوم على النخب المثقفة ومؤسسات المجتمع المدني والتجمعات الفكرية والمنتديات الثقافية في وضع التصورات والأفكار والبرامج من اجل بناء وإرساء وترسيخ إصلاحات ومؤسسات ديمقراطية متفاعلة مع حاجات الواقع ومتطلباته في النهوض والتنمية بكل أبعادها، وتطوير يسير بتدرج محسوب قوامه الشفافية والانفتاح على الآخر المختلف، والقبول بالاختلاف في إطار ديمقراطية متفاعلة وفاعلة، تحقق لمجتمعاتنا القدرة على مراجعة مسيرتها بعقلانية واعية من دون الركون والجمود إلى الراهن السلبي، أو الخضوع للإملاءات الخارجية ومصالحها الخاصة، التي لا تكترث لأهمية استعداد المجتمع وتهيئته ودرجة تقبله، وبالتالي تطوره التدريجي، (فالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالتالي العلاقة بين المؤسسات الديمقراطية وبين الفكر والوعي والثقافة الديمقراطية، يقود إلى نتيجة عامة هي أن الديمقراطية وكل ما يتعلق بها من حقوق ومطالب سياسية هي قضية مجتمعية، هي نتاج مجتمعي لا يمكن تصنيعه أو استيراده من الخارج مثل كل ما تستورده معظم المجتمعات العربية).
وهكذا فإن مستقبل تبني الديمقراطية في العالم العربي مرهون بأمرين، كما يقول "مشعل بن فهم السلمي"، (الأول يتعلق بتصحيح مفهوم الديمقراطية كونها ليست عقيدة منافسة لعقيدة الإسلام كما يروج البعض لذلك، بل منهج لاتخاذ القرارات العامة، تقوم على مبادئ ومؤسسات تمكن المجتمع من إدارة أوجه الاختلاف في الآراء وتباين المصالح بشكل حضاري وسلمي من خلال ضمان حق المشاركة السياسية لكل أفراد المجتمع الراشدين دون استثناء. الثاني متعلق (أولاً) بإجماع القوى الحية والفاعلة والمؤثرة في المجتمع من وطنية وقومية وإسلامية على قبول وتبني الخيار الديمقراطي باعتباره الحل الحضاري الذي يقضي على مصادر العنف المسلح ويجدد طاقات المجتمع المفقودة وقبل ذلك يمكن الجميع على حد سواء من المشاركة في السلطة (الإرادة النخبوية)؛ (وثانياً) العمل على إشاعة الثقافة الديمقراطية بين أفراد المجتمع من خلال نشر قيم ومبادئ العدل والمساواة والتسامح والشفافية والعمل الجماعي واحترام النظام والقانون (الإرادة الشعبية).وعندها يمكن أن تلتقي الإرادة النخبوية مع الإرادة الشعبية على تبني الديمقراطية وتعملا معاً من أجل تثبيت وترسيخ هذه المبادئ والقيم في صورة قوانين وأنظمة وتشريعات ملزمة للجميع في ظل دولة يجب أن تكون قائمة على المؤسساتية والفصل بين اختصاصات السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وقضاء مستقل).
لن يكون هناك ديمقراطية حقيقية تلتقي عندها كل الإرادات من دون وجود ديمقراطيين يتمثلون القيم الديمقراطية، ومتأصلة في نفوسهم، ويجسدونها في سلوكهم وممارساتهم الفعلية على ارض الواقع، لان مسألة الديمقراطية تتطلب وجود تعدد في الأفكار، وتعدد في المناهج والرؤى والبرامج، وتعدد في الأطياف والألوان، وهو ما يفتح الفضاء العام أمام ديمقراطية حقيقية تحتضن كل المؤمنين بالمشروع الديمقراطي مهما تعددت اتجاهاتهم ومشاربهم وانتماءاتهم.

16/04/2010  - 02/05/1431

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - عبد الله علي العليان - قضية الديمقراطية في جانبها الفكري التوافقي. جريدة الخليج الإماراتية.

2- عبد الله علي العليان - المجتمع المدني وتعزيز الديمقراطية. جريدة الخليج الإماراتية.

3- عصام سليم الشنطي - الديمقراطية وسيلة وليست هدفاً. جريدة البيان الإماراتية.

4- مشعل بن فهم السلمي، أستاذ الفكر المقارن بآداب جامعة الملك عبد العزيز، يناقش في مقابلة خاصة بالملحق الثقافي بجريدة الرياض كتابه "الغرب والإسلام.. الديمقراطية الليبرالية الغربية ونظم الشورى" الصادر باللغة الانجليزية.

5- عبد الحسين شعبان – الديمقراطية: أزمة وعي أم أزمة ثقافة؟. جريدة المستقبل اللبنانية.

6- عصام سليم الشنطي- مصدر سابق.

7- محمد جابر الأنصاري- انحسار الديمقراطيات "الوافدة"... هل انتهت "الحفلة"؟ جريدة الخليج.

8- خليل الزنجي – مجتمعاتنا.. والقابلية للدمقرطة. جريدة الأيام

9- سليمان إبراهيم العسكري – في ثقافة الديمقراطية. جريدة الأهرام.

10- عبد الحسين شعبان – مصدر سابق.

11- عبد الله علي العليان – الواقع العربي وقضية الديمقراطية. جريدة الخليج الاماراتية.

12- علي الدين هلال – هل ينجح التحول الديمقراطي دون ثقافة ديمقراطية؟. جريدة الأهرام.

13- سعيد الحمد – الديمقراطية تبدأ من هنا. جريدة الأيام البحرينية.

14- سلمان إبراهيم العسكري – مصدر سابق.

15- سعيد الحمد – الديمقراطية تبدأ من هنا. جريدة الأيام البحرينية.

16- حسن مدن – "ديمقراطيون" غير ديمقراطيين. جريدة الخليج الإماراتية.

17- سعيد الحمد – الديمقراطية هي الحل وليس البرلمان. جريدة الأيام البحرينية.

18- عبد الله علي العليان - قضية الديمقراطية في جانبها الفكري التوافقي. جريدة الخليج الإماراتية.

19- عبد الحسين شعبان – مصدر سابق.

20- عبد الله علي العليان – الواقع العربي وقضية الديمقراطية. جريدة الخليج الإماراتية.

21- محمود حيدر – الديمقراطية في حدود التأمل. جريدة البيان الإماراتية.

22- عصام سليم الشنطي - الديمقراطية وسيلة وليست هدفاً. جريدة البيان الإماراتية.

23- ممدوح طه – الثقافة الغائبة للتحول الديمقراطي. جريدة البيان الإماراتية.

24- محمد السعيد إدريس – المرأة في الانتخابات الخليجية. جريدة الخليج الإماراتية.

25- باتريك سيل - عن انتقال العالم العربي إلى الديموقراطية. جريدة الحياة.

26- مصطفى الفقي – هل الديمقراطية انتخابات فقط. جريدة الحياة

27- عبد الله علي العليان - قضية الديمقراطية في جانبها الفكري التوافقي. جريدة الخليج الإماراتية.

28- سليمان إبراهيم العسكري – في ثقافة الديمقراطية. جريدة الأهرام.

29- عبد الله علي العليان - المجتمع المدني وتعزيز الديمقراطية. جريدة الخليج الإماراتية.

30- برهان غليون - التربية المدنية...مستقبل العرب الديمقراطي. جريدة الاتحاد الإماراتية.

31- محمد السعيد إدريس – المرأة في الانتخابات الخليجية. جريدة الخليج الإماراتية.

32- مشعل بن فهم السلمي – مصدر سابق







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


السيد إبراهيم الزاكي
2012/11/28 | مقالات | القراءات:973 التعليقات:0
2012/09/03 | مقالات | القراءات:618 التعليقات:0
2012/08/25 | مقالات | القراءات:908 التعليقات:0
2012/08/19 | مقالات | القراءات:3964 التعليقات:0
2012/08/11 | مقالات | القراءات:728 التعليقات:0


ارسل لصديق