

إذا كان مفهوم العقلانية من المفاهيم المحورية في الفكر الفلسفي، فإنه أيضا أكثرها خضوعا للجدل والسجال والاختلاف بدءا من تحديد اصطلاحي للمدلول وانتهاء بتحديد معياري للموقف منها. والاختلاف في تحديد الدلالة بلغ إلى درجة تحويل المفهوم إلى دال لفظي ملتبس، ويكفي لإدراك ذلك استحضار التعاريف المعطاة في المعاجم والقواميس. وقد لاحظت أنه حتى الموسوعات الفلسفية المتخصصة أسهمت أحيانا كثيرة -بحكم تمذهبها- في تعميق الالتباس! فإذا كان «معجم الفلسفات الكبرى» الذي ألفه نخبة من الباحثين تحت إشراف لوسيان جيرفانون يعرف العقلانية بكونها «هي الفلسفة ذاتها» فإن «المعجم الفلسفي» الماركسي المؤلف تحت إشراف فرولوف سيحددها بوصفها مجرد مذهب في نظرية المعرفة يتسم بالضيق والمحدودية، ولا ينسى أن يختتم بنغمة مؤدلجة قائلا: «إن ضيق العقلانية قد تم تجاوزه بواسطة الماركسية»!
وفي «القاموس الجديد للدراسات الفلسفية» لسيلفان أورو وإيفون فايل يتم تحديد لفظ العقلانية بمعنيين: كل مذهب يشرط المعرفة بالعقل، والمعنى الثاني هو كل مذهب يرى أن المعارف المقبولة هي فقط تلك التي تأتي من العقل. وإذا كان هذا المعجم سواء في دلالته الأولى أو الثانية يحرص على تقديم العقلانية بوصفها «مذهبا» فإن جيل جاستون جرانجي يشير، في مقالته الـ«عقلانية» بموسوعة أونيفرساليس، إلى أن «لفظ العقلانية»، بمعناه العام، لا يشير إلى مذهب مثلما هو الحال بالنسبة لألفاظ «المثالية» و«الواقعية» و«التجريبية». «ولذا فالمسلك الذي يراه ممكنا في تحديدها هو «جعل العقلانية مخالفة للاعقلانية». وبناء على هذا الخيار المنهجي الذي سلكه جرانجي يمكن أن نقول إنه من ناحية التوصيف المنطقي فإن التعريف الذي يراه ممكنا إنجازه للعقلانية ليس حدا بل «تعريف بالسلب»، ومعلوم في المراتب المنهجية للتعاريف أن التحديد بالسلب يحتل مرتبة هابطة في السلم المنهجي للتعريف من الناحية المنطقية. ولست أقول بإمكان التحديد الماهوي، بل إذ أشير إلى تفاضل المراتب المنطقية للتعاريف، فذلك لأنني أريد التنبيه إلى أن لجوء جرانجي إلى نمط التعريف بالسلب دلالة على تعذر واستعصاء التحديد المباشر للمفهوم.
ومما يجدر ذكره لتوكيد تعددية أنماط العقلانية أن جرانجي يذهب في تعريفه إلى جواز وصف مذاهب واتجاهات فلسفية جد متباينة بأنها كلها عقلانية، حيث يضم تحت هذا المسمى الأفلاطونيين والأرسطويين والأبيقوريين والرواقيين، وحتى البيرونيين!! وهذا دليل عنده على اتساع المفهوم وعدم مذهبيته.
أما في «المعجم الفلسفي» العربي فنجد جميل صليبا يميز بين نمطين من العقلانية سماهما مطلقة ونسبية، ولتحديد البعد الأبستمولوجي للعقلانية يقول: «القول إن المعرفة تنشأ عن المبادئ العقلية القبلية والضرورية لا عن التجارب الحسية، لأن هذه التجارب لا تفيد علما كليا». و«القول إن وجود العقل شرط في إمكان التجربة، فلا تكون التجربة ممكنة إلا إذا كانت هناك مبادئ عقلية تنظم معطيات الحس». «فإذا عددت هذه المثل وتلك المعاني والصور شرطا ضروريا وكافيا لحصول المعرفة كانت العقلانية مطلقة، وإذا عدتها شرطا ضروريا فقط كانت العقلانية نسبية».
ومن الملاحظ في هذا التعريف أن العقلانية تقابل التجريبية في حقل «نظرية المعرفة» وهذا التقابل هو ما تحرص الأبحاث الكلاسيكية على توكيده، فالتوجه الفلسفي الحسي يعتقد بكون الحواس المصدر الأساسي للمعرفة، بينما الفلسفات العقلانية بدءا من أفلاطون وإلى ديكارت ولايبنتز ومالبرانش.. هي رغم تبايناتها الكثيرة تلتقي في نقد التوجه الفلسفي الحسي والتقليل من القيمة الأبستمولوجية لوظيفة الحواس في تأسيس المعرفة.
إن هذا التعقيد الذي يسم المفهوم، وهذا التباين الشديد الذي يشهده واقع السجال حول مسألة العقلانية، والخلاف الشديد في تحديد مدلولها يستلزم الاحتراس من إطلاق الأحكام الاختزالية الجاهزة، والحرص على بناء دلالة قادرة على استيعاب تعدد ألوان المفهوم واحتمال تعدد تياراته «المذهبية».
فلنحاول في سطورنا التالية معاودة النظر في سؤال العقلانية بقصد تحديد دلالتها على نحو يُمَكننا من الناحية الإجرائية من إنجاز مطلبين اثنين هما:
أولا: الإمساك بمعنى المفهوم من جهة.
وثانيا: استيعاب تعدده الفلسفي والمذهبي من جهة أخرى.
وفي هذا السياق أقول يمكن أن نعرف العقلانية بكونها توجها معرفيا يعتقد بأولوية العقل؛ ثم تتفرع من بعد ذلك إلى توجهات فلسفية متباينة ومختلفة، يمكن أن نختزلها في توجهين رئيسيين هما:
اتجاه يعترف بوجود مصادر أخرى للمعرفة وإن أعطى للعقل مرتبة أولى.
ومن هنا تصبح الأولوية بمعنى أبستمولوجي ينحصر في ترتيب مصادر المعرفة.
واتجاه ينكر أن يكون ثمة مرجع أو مصدر معرفي غير العقل، فتصير الأولوية عنده أوحدية.
بمعنى أننا نختزل الاتجاهات العقلانية في اتجاهين رئيسيين هما اتجاه الأولوية، واتجاه الأوحدية.
هذا من حيث دلالة العقلانية من حيث علاقتها بالعقل كأداة ومرجع معرفي. أما من حيث رؤيتها الوجودية فيمكن أن أقول: إن العقلانية موقف فلسفي يقوم على ما يمكن أن نسميه بثنائية «العقل العارف، والعقل المحايث». فالعقل المحايث هو العقل الكامن في الوجود، بمعنى أن الفرضية الأساس في الفلسفة العقلانية هي أن الوجود منتظم على نحو معقول. ومعقولية الوجود هي الشرط الأساس للمكون الأول من الثنائية أي العقل العارف؛ فلا يكون العقل عارفا إلا لأن الموجود قابل للمعرفة، ولا يكون كذلك إلا لأنه معقول. فمعقولية الوجود فرضية أساس إذن في الفكر العقلاني كما في الفكر العلمي. نقول بهذا رغم نقدنا لبعض المواقف الفلسفية التي انزلقت إلى الزعم بتحديد نهائي لطبيعة معقولية الكون. فمثل هذا الزعم سقوط واضح في الوثوقية. وقد بينت الأبحاث الفيزيائية المعاصرة، خاصة في الحقل الكوانطي، عن زيف ما حدده العقل العلمي الكلاسيكي من قوانين ومحددات لمعقولية الوجود، وأكد أنه مجرد توهم ناتج عن تعميم مخل.
لاتوجد تعليقات بعد