الديمقراطية والوعي السياسي
(الرأي الاردنية)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/08/17
التعليقات: 0
القراءات: 626

لا تتبدى أزمة التعاطي مع الثقافة الغربية التي ظهرت بشكل ملح في القرن التاسع عشر في أي مصطلح كما هو الحال مع الديمقراطية، فبين محاولات الرفض والتشويه ومحاولات أخرى للتصرف والتحوير ومحاولات أكثر خطورة بالنقل المباشر والحرفي، دخلت الديمقراطية في متاهة مطبقة من الجدل بين التيارات المختلفة، وكالحقيقة أصبحت الخلافات تدور على الديمقراطية وفي الديمقراطية ولكن دون أن تتم بديمقراطية..

وإن تكن الديمقراطية ليست غاية ولا يمكن أن تكون كذلك، فهي أيضا ليست وسيلة بالمعنى الحرفي، إنها نمط لإدارة الحياة الإجتماعية للبشر وفق مجموعة من المقدمات التي تضمن سلامة البنية الاجتماعية والتي لا تقوم غالبا على الديمقراطية، فالأركان المؤسسة لأي مجتمع إنساني وأشكال الحياة المتعلقة به، ليست محلا للرأي وإنما هي ردات فعل جمعية تتكون من خلال الظروف التي تفرضها البيئة المحيطة بالمجتمع وطبيعة العلاقات المختلفة بين المنتسبين للجماعة.
الديمقراطية أيضا مصطلح سياسي، يتعلق أساسا بالسلطة، حيث تكون بيد الأكثرية وتتيح الفرصة لتداور السلطة، فهي من ناحية تمتلك القوة التي توفرها الإمكانيات البشرية المتوافقة على وجهة نظر معينة، ومن ناحية أخرى توفر المرونة اللازمة التي تتيح لذات المجموعات أن تقوم بتغيير آرائها وبالتالي تغيير توجهات المجتمع ككل، إلا أن الديمقراطية بهذه الصورة لم تكن الحل المناسب لمجموعة من المشكلات التي واجهت تكون الفكر السياسي في العصور المبكرة، فالمدينة اليونانية عانت من الديمقراطية وآثارها الاجتماعية، وتحولت آراء الفلاسفة للبحث عن نظام يتجاوز الديمقراطية وعيوبها، ويحقق السعادة لأهالي المدينة، ولكن السعادة لم تكن بالحل الوصائي القائم على سيطرة نخبة مهما تكن مؤهلاتها العقلية على الآخرين، فحرية اقتراف الأخطاء هي التي تؤدي للتعلم والتطور، هي حيوية المجتمع التي تكسبه القدرة على بناء مناعته من خلال الدروس التي يتعلمها من رحلته في التاريخ، وبذلك استطاعت الديمقراطية رغم غيابها عن الساحة الإنسانية لقرون طويلة أن تعيد للشعب سلطته بعد أن مرت الإنسانية بأكثر من تجربة تنوعت فيها أشكال السلطة، وتعددت المبررات التي تقوم عليها السلطة المطلقة للحكام.
يتصدى لموضوع الديمقراطية في الكتاب المعنون بالديمقراطية والوعي السياسي الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام الذي اشتهر بدراساته الفلسفية المعمقة وإشرافه على العديد من الكتب الفكرية، وكذلك ترجمته لمجموعة مهمة من أعمال هيجل عرفت بالمكتبة الهيجيلية، ويلقي في الكتاب الضوء على الديمقراطية وتطورها في المراحل التاريخية المختلفة والتحولات التي طرأت على مفاهيمها الأساسية، التي يراها المؤلف من منظوره الخاص المتأثر بالجدل الهيجلي بمثابة محاولات الإصلاح الداخلية التي مرت بها الديمقراطية في التاريخ، وينتقد في هذا السياق التعامل السطحي من قبل السلطة في العالم العربي مع الديمقراطية، فهو يرى أنه ليس ثمة مجال للإصلاح وتغيير المفاهيم السلبية دون تطبيق الديمقراطية تطبيقا واقعيا حقيقيا وفعليا لا اسميا ولا شكليا بالإكتفاء بكتابة موادها في الدستور ثم تطبيق قواعد الطغيان وأفعاله، هذه الفكرة واضحة وهي محاولة تماشي النظم العربية مع النهج الديمقراطي مع الحركات التحررية التي بحثت عن شرعيتها في الحصول على الدعم الشعبي لتبديل الأوضاع، وطالما تحدثت باسم الشعب، ولذلك لجأت إلى التزوير في إرادة الشعب واحتكار الحديث عن مصلحته والتغني بتأييده المطلق، وحتى في اللحظات التي كانت السلطة تفترق عن مصالح الشعب بصورة لا يمكن التغاضي عنها فذلك كان لضرورات سوقتها الأدوات المختلفة في تكوين الوعي الذي في الحقيقة لم يكن إلا في غيبوبة طويلة.
يتتبع المؤلف مسيرة تطور الفكر الديمقراطي من خلال أفكار مجموعة من الفلاسفة المؤثرين في تشكل المجتمعات الحديثة والتعامل مع قضاياها، فيعرض لجون لوك وروسو وكانط وج. س. ميل، من خلال تعرضه لآرائهم في الحرية والمساواة التي هي أساس العملية الديمقراطية في أي مجتمع، ثم يعرض لفكرة المساواة ذاتها بجوانبها السياسية، قبل أن يتعرض لمجموعة من المشاكل المتعلقة بمفهوم الديمقراطية ومن أهمها وفق ما يقدمه الكتاب هو طغيان الأغلبية والتعدي على حقوق الأقلية في العملية الديمقراطية نفسها.
الفصل الثاني من الكتاب يتعرض للوعي السياسي ويفند الدعاوى القائمة على عدم مواءمة الديمقراطية للشعوب العربية على أساس عدم تشكل الوعي لدى الشعوب وأحيانا تصل باتهامها بالجهل والأمية، ويرى أن الخروج من حالة الجهل أساسا ينبني على الديمقراطية، ويبدو أنه تعويل على آلية التصحيح الجدلية في إطار البنية من خلال التعلم والخطأ والارتقاء إلى مرحلة أخرى في سياق بناء الديمقراطية المتناسبة مع الظروف القائمة في العالم العربي، وقبل ذلك يرى أن الضرورة تكمن أيضا في إدراك الحقوق والوعي بها في إطار فهم حقوق الإنسان وإعادة صياغة مفهوم المواطنة بصورة إيجابية تدفع للمشاركة والمبادرة في المسألة الوطنية، وذلك يتطلب احترام تلك الحقوق وتعميمها ويؤدي إلى تعميق الوعي السياسي الذي هو من أسس التقديم في الممارسة الديمقراطية.
يعد الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية، فهو يأتي من مفكر من العيار الثقيل فضل دائما أن يتوارى وراء دراساته وأبحاثه المتخصصة زاهدا في الأضواء التي يوفرها الخوض في القضايا الإشكالية، ولكنه يقدم عرضا مبسطا ومتنوعا لموضوع شائك يستحق التوقف عنده وقراءته بشكل متعمق.








لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق