كاتبة لبنانية تضع إستراتيجيات الأمل في عصر العنف
كتب ـ أديب سلامة (ميدل ايست اونلاين)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/08/22
التعليقات: 0
القراءات: 437

يندرج كتاب( استراتيجيات الأمل في عصر العنف) في سلسلة المنهج التي تعكف الكاتبة مروة كريدية على صياغته منذ منتصف العقد الأخير، ويصعب في مقام محدود كهذا تقديم صورة متكاملة عن هذا العمل، فهو يعكس تعدد اهتماماتها وشطحها عن ميدان علم الاجتماع السياسي وإدخالها البعد الروحي في كافة أوجه النشاط الإنساني، على تنوعه وتعقيده، وهي تلامس طروحات الحكماء من جهة وتدخلها في مجال السياسية والاقتصاد والبيئة من جهة أخرى، ولعل ما أوردته في مقدمة إصدارها يوحي أنها تسعى إلى تقديم خطوط فكرية عريضة لمن أراد أن يتجاوز واقع العنف إلى أفق مغاير ينعتق به من أسر السلطة وعنف المادة وصخب الإعلام المضلل.

لقد حاولت الكاتبة وصولاً إلى غايتها، أن تستبدل الرؤية المختزلة للإنسان والثقافة والهوية التي تقلّص أوجُه الواقع المتعددة والغنية إلى وجه واحد، برؤية مركَّبة تجعل من الكائن الإنساني كائنا كونيًّا مسالمًا من خلال تقديم صورة معاصرة تستند إلى البعد الروحي المشترك في التراث البشري.
الكتاب يتميز بخاصيتين رئيسيتين هما: الأولى أنه يناقش موضوعًا جديدًا كلّ الجدّة في الساحة الفكرية العربية، فإصدارات المكتبة العربية التي تتناول موضوع اللاعنف نادرة وقليلة جدًا، وهي لا تتجاوز عدد الأصابع ومعظمها مترجم عن لغات أخرى؛ والميزة الثانية في كون اللغة المستخدمة في الكتاب سلسة تبتعد فيه المؤلفة عن المصطلحات الرنانة مستفيدة من خبرتها في مجال الصحافة والإعلام حيث تعمد إلى إيصال أعقد الأفكار بأبسط التعابير إلى القرّاء، وهي مهارة قلّ ما نجدها في الكتب الفكرية الجادة التي غالبًا ما تعتمد أساليب نخبوية معقدة ينفر منها القارئ العادي في معظم الأحيان.
ويدور عمل كريدية حول محورين فكريين رئيسيين: الأول يعرض لمسألة العنف ويتساءل عن معناه، وحدوده، وتجلياته وعلاقاته مع الحقيقة والواقع؛ أما الثاني فيحاول ردَّ أسباب العنف إلى انشطار الفكر البشري عبر المنطق الثنائي العنيف العاجز.
ويتفرع عن هذين المحورين أقسام ستة تشتمل على عناوين متشعبة حيث ناقش القسم الأول مسألة العنف بين عنف الخطاب وإكراهات الواقع وتناولت المؤلفة من خلاله إشكاليات العنف الرمزي وأشكال الهيمنة مستعرضة تاريخ البشر المشحون بالنار والفصام حضاري، معتبرة أنّ ذاكرة العنف عند الشعوب سببتها السيرورة التاريخية وانفصام الذات الحضارية.
في القسم الثاني المعنون الحقيقة وتَجلّيات العنف تقدّم الكاتبة قراءة في مفهوم الحقيقة وهواجس السُّلطة وتطرح مفهوم الحقيقة في منظور اللاعنف من خلال التعددية الدلالية والحوار التواصلي لتستخلص المفاعيل اللاعنفية لتعددية الحقيقة ونسبية المعايير عبر تَفكيك مفهوم السلطة وتأريخ الحقيقة.
في القسم المعنون "ثالوث العنف" تتساءل الكاتبة إلى أين نمضي نحن أبناء الألفية الثالثة؟ وما هو الشغل الشاغل المرعب في عصر عولمة العنف المدفوع بالمحرِّك الثلاثي: السلطة، مافيا الاقتصاد، الإعلام الكاذب عبر متاريس الفضائيات، معتبرة أن هذا الثالوث يتكيء على العلوم والتكنولوجية لتحقيق مآرب كارثية تضر بالبيئة والكائنات وتعرّض التوازنات الأساسية للكوكب الأرضي والنوع البشري لخطر الإبادة الداهم.
وترى أنّ إمبراطوريات العنف تصنع الحروب باسم السلام عبر العلاقات الدوليّة التي تسلك استراتيجية خراب باعتمادها على ما يعرف بالنظام العالمي الذي يتخذ من خرافة الأمن القومي ذريعة لامتلاك أسلحة الدمار النووي، معتبرة أن حق النقض الفيتو هو آلة عنف مستمرّ لإجهاض السلام.
وتطرح المؤلفة مفهوما جديدا للأمن العالمي قوامه عولمة السلام والقيم الإنسانية والحفاظ على البيئة وتحقيق عدالة اقتصادية وغذائية كوكبية تستند إلى الاشتراك في حماية الثروات الطبيعية والاستفادة منها التي ليست ملكا حصريا لدولة بعينها بل هي ملك للإنسانية بأسرها، وتطرح كريدية بجرأة موضوع "أنسنة السياسية وأنسنة التربية وأنسنة الإعلام وأنسنة العقائد" حيث تصف معظم سياسيي الدول الحاليين بالحمقى والدمويين والغزاة، معتبرة أن العمل السياسي ينبغي أن يكون خدماتيًّا فقط يدور حول خدمة الانسان وحقوقه بالدرجة الأولى، وأن على الدولة أن تحقق العدالة لا أن تتطبق قوانيين جائرة!
تحت عنوان "على خطى السلام" تجمع الكاتبة صفوة من نماذج النضال اللاعنفي الناجح خلال القرن المنصرم منهم المهاتما غاندي والمفكر جودت سعيد مستفيدة من عصارة تجاربهم الإنسانية بدون التحيز أو الانتصار لنموذج بعينه، وهي تستشهد بأقوال لحكماء من عصور مختلفة، ومن ديانات متنوعة يؤدون المعنى نفسه بما يخدم الجوهر الإنسان، كما قارنت بشكل بديعٍ بين مفهوم اللاأذى عند الهندوس ومفهوم "اللاإكراه" عند المسلمين.
وحول المرتكزات العملية للاعنف تناقش المؤلفة موضوع العصيان المدني وعلاقته بالعدالة وديموقراطية المشاركة التي تحقق مسارات السلام عبر الإرادة الصادقة لتحقيق العدالة.
وتدرج الكاتبة تحت عنوان "كونية الإنسان" مقاربة مميزة توضح المشتركات بين نصوص الأوبانيشاد المتعلقة بفلسفة الفيداتنا عند الهندوس وطروحات تاو هسان معلم الزن البوذي ومقولات جبران خليل جبران وفلسفة محيي الدين ابن عربي في وحدة الوجود، لتخلص إلى نتيجة مفادها أن وجود الكائن الإنساني يشير إلى كينونة مستترة في أعماق الكون وهو ما يعرف بوحدة الوجود، فالكائنات البشرية بجذورها ضاربة في الكون (الكوسموس) بما تحمله من جزيئات وذرات، وتتساءل كيف لنا نحن أبناء "الحضارات" أن نشارك في عمليات الخلق والتدمير التي تمخضت عنها حياتنا الأرضية حيث كوكب الأرض مجالنا الحيوي؛ ونحن، بهذه المثابة، ننتمي إلى الكائنات الحية التي برهنت عن قدراتها على التضافر وقابليتها لتشكيل مجتمعات.
وتطرح المؤلفة في نهاية كتابها رهانات الأمل التي تكون في تصالح المادة والروح والتآم الانشطار الوجودي عبر أحداث انقلاب فكري انطولوجي يفكك مملكة الإرهاب في الفكر الإنساني، من خلال تخطي الإنسان لأنانيته المفرطة وعودته إلى منبعه الروحي باعتماد فكر تأمليّ يتمخض عنه وعي العالم الخارجي ووعي الذات.
من الملفت أيضًا أنه وخلال مناقشتها للمحاور الفكرية تخرج الكاتبة عن المسار العلمي لتلقي بخواطر ولوامع روحية تستصرخ فيها الإنسان لاستيعاب عميق للتضامن الإنساني ووحدة المصير الكوكبي المشترك، ولفحص صادق عن معنى التاريخ الإنساني، ولإيجاد مجتمع وعالَم وأخلاق معرفية وروحية من شأنها أن تسمح لنا بالتعامل مع انتماءاتنا وتناقضاتنا عبر تجديد الخصال الإنسانية حصرًا والموجودة في حقيقة كل الديانات.
***
المؤلفة في سطور: تعد الكاتبة مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف، حيث تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد مزجت بين عملها البحثي في الاجتماع السياسي ومهنتها في الصحافة والإعلام، ولها العديد من الأعمال الأدبية والفنية التشكيلية والخواطر الشعرية.
لها عدّة إصدارات فكرية وأدبية مثل: "لوامع من بقايا الذاكرة"، "فكر على ورق، "في الفكر والنقد" و"معابر الروح" و"أفكار متمردة في الفكر والثقافة والسياسة".








لاتوجد تعليقات بعد


ارسل لصديق