

هناك نظريات عديدة تطرقت لكيفية تحول المجتمع, بيد أن نظرية اوغبرن ويليم (1950) تعتبر البذرة الواعدة لقراءة جديدة لنظرية تحول المجتمع حسب الين بيفز.
يشرح بيفز نظرية اوغيرن بقوله, "يرى اوغبرن ان تحول المجتمع أو تطوره يتم من خلال أربعة عوامل: الاختراعات, التراكمية, الانتشار وأخير التكيف أو الموائمة."
ويقول بإيجاز: "إن الناس يخترعون أشياء (مادية وغير مادية) بأنفسهم او بواسطة التقليد او الاكتساب والتعلم او عن طريق الاستيراد. (التراكم) هذه الاشياء تتراكم, ومن ثم تسهم في احتمالية ظهور مخترعات اخرى, وفي حالة ظهور اختراع جديد فهذا يؤدي الى تفاعل اطراف اخرى, ونتيجة لذلك فان المجتمع يحاول تأسيس توازنا مع هذه المستجدات من خلال التكيف والتلائم معها, وهكذا يتحول المجتمع بالتدريج. وحسب بيفر فإن المجتمعات التي تستورد هذه المخترعات هي بذات الدرجة تتحول كما هو حال المجتمعات المنتجة.
اوغبرن يرى ان تطور المجتمع يمضي دائما الى الامام من خلال "الاختراعات", لان هذه الا ختراعات تسهم في الاخلال بتوازن النمط الحياتي والمعيشي السائد فانها تجبر المتعاطي معها للانصياع لما تقرره. ويضرب مثالا لذلك باختراع القطار البخاري وكيف أنه سهل حركة الناس ودفع بالمرأة الى العمل خارج حدود بيئتها التي كان المجتمع آنذاك لا يقبل في غالبيته انتقال المرأة للعمل خارج حدود محيطها الاجتماعي.
فونتينيلي يؤمن بحتمية تحول وتطور المجتمع, ويعتقد أن المعرفة والعلم مكونات دائمة التطور، وان تطورها هو بالضرورة تطور المجتمع المنتج لها, ويتفق معه باكون حيث يؤكد ان اكتشاف البارود يعتبر اكتشافا عظيما، وهو مؤشر على تطور العقل البشري, ويؤكد على ان تطور المجتمعات حتمي لكن ربما لا نكاد نلحظه الا اذا عدنا بالذاكرة الى الوراء.
نظرية باكون التي تعتمد العلم والمنهج العقلي كأساس للتحول المجتمعي أصبحت مشروعا قوميا نشطا ،وقد حفظت في الانساكلوبيديا الشهيرة التي طبعت في فرنسا العام 1751, حيث كانت تضم جمعا من المفكرين اطلق عليهم لقب الفلاسفة امثال: فولتير شارلز لويس وبارون منتسكوين جين روسو وجين رولد وجورج لويس ليكلرك بافون وان روبرت جاكوز. وكان الهدف هو اظهار المعرفة السائدة آنذاك عارية من أي قيمة معرفية او علمية وتعرية العيوب المجتمعية التي تولدت من رحم هذه الثقافة والمناداة بدساتير متطورة تتلاءم مع الطبيعة الانسانية. وبذلك ومع بداية طباعة الانسايكلوبيديا بدأ مشروع التنوير من اجل التطوير يصدح بشكل قوي وواضح.
كوندوزست واحد من ألمع مفكري التنوير الفرنسي كان مقتنعا ان الثورة الاميركية وانتشار المعارضة للرق كانت مؤشرات طبيعية ومحسوسة لتطور السلوك الانساني، ومن هذا المنظور كان يجادل بأن التاريخ البشري كله عبارة عن سلسلة من المراحل نمى خلالها الوعي او العقل البشري، ونتيجة لذلك تطورت الاحتمالات المادية والسلوكية وكذلك الاصلاح السياسي, فالتاريخ البشري في نظره ليس مجرد حوادث لا معنى لها، ولكن حوادث وسلوكيات تسير بانسيابية وتتغير الى الافضل بالتدريج بموجب قانون المعرفة.
اذا التغيير او الاصلاح والتطوير او بمعنى اشمل تحول المجتمع هو في الواقع تحولا ديناميكي تقرره الجموع المستفيدة بقصد التكيف مع متطلبات الواقع, وهذه الديناميكية تعتبر سنة حياتية لا مجال للتصدي لها او اعترضها، لان لا احد يستطيع اقناع الناس بجدوى رفض التغيير وان استطاع اقناعهم تحت أي غطاء ايديلوجي، فانه لن يستطيع تقديم بدائل وحلولا عملية تلبي كل احتياجاتهم، ولن يكون بمقدوره معالجة الاخطاء واوجه القصور المترتبة جراء رفض التغيير.
اننا اذا اخذنا مسألة السماح للمرأة بممارسة اعمال البيع والشراء كمثال واحد فاننا سنجد ان الرافضين لعمل المرأة في المتاجر ككاشيرات او بائعات في الاسواق المكيفة لن يتمكنوا من الانتصار على حراك المجتمع في نهاية المطاف, لكن من المؤسف له انهم فقط سيؤخرون فكرة التطبيق لفترة من الزمن, هذا التأخير سيكلف المجتمع مليارات الريالات, ما سيترتب على ذلك اتساع دائرة الفقر لدى الكثير من الأسر, يترتب على ذلك بروز آلاف المشاكل الجنائية والاخلاقية واستشراء الفساد الذي سيمتد الى تقويض النظام الاجتماعي والمؤسساتي.
يقول جولدرات صاحب "نظرية الموانع او القيود": "لا اعتقد ان الناس ترفض التغيير, انها ترفض او تقاوم التغيير الذي لم تهيء او تعد له, وليس لديها معلومات كافية عنه, ولم تمنح الوقت الكافي لفهمه."، وهذا ما يفسر حقيقة قبول الناس بالتغيير بعد مضي وقت كاف من فهم وادراك القيمة والهدف السامي من التغيير.
اذا الاشكالية التي تواجهنا امام مكنة الرفض الصاخبة هي في التهيئة والاعداد, وفي التوضيح باسس المشكلة التي تواجه المجتمع في حال عدم انجاز الاصلاح والتطوير لمواجهة المتغيرات الطارئة, ونستطيع تهيئة المجتمع للقبول بالتطوير او التغيير اذا ما فعلنا الاعلام بمهنية عالية ووجهناه لتسليط الضوء على ايجابيات التطوير وعرضنا بالتزامن الاثار السلبية جراء رفض التطوير.
اذا اخذنا مثلا عمل المرأة في الاسواق واستخدمنا الاعلام كوسيط ينقل لنا وبشكل مباشر معاناة افراد الاسر الذين يكابدون الفقر والبؤس نتيجة قلة او محدودية الدخل، فإن نظرة المجتمع ستتغير.
واذا ما سلط الإعلام المرئي الضوء على الحالة المزرية التي تعيشها الارامل مع بناتها الشابات او العانسات فان الإعلام هنا سيلعب دورا رياديا في الدفع بالتوعية المؤدية للقبول، وفي المقابل فانه حتما سيقطع الطريق امام مكنة الرفض مهما علا صخبها.
طبعا نحن نلاحظ الكثير من المسلسلات التلفزيوينة الكوميدية التي تحاول القاء الضوء على بعض الاشكاليات، لكن الواقع ان فاعلية هذه المسلسلات الساخرة لن تسهم في خلق وعي جديد، وذلك لسببين, الاول انها تصاغ في قالب ساخر لا يخلو من مبالغات، وهنا ستعتبر استفزازا صارخا للفئة المتدينة او هكذا سيروج لها, ثانيا أنها بشكلها الكوميدي لن تؤثر في وعي المشاهد كونها مادة ساخرة والتي ستفهم على انها كذلك فقط. والافضل ان يكون تسليط الضوء نابعا من مشاهد حية يحكيها افراد المجتمع بأصواتهم وصورهم.
الامر الاخر يجب ان يُدعم الباحثين الاكاديميين ماديا ومعنويا لدراسة وبحث كل ما يتعلق بمشاكل المجتمع التي اعقبت ظهور الشبكات العنكبوتية (الانترنت) وما تحمله من ثورات معلوماتية وعلمية وكذلك اثر الفضائيات على سلوك المجتمع, وفي ما يتعلق بعمل المرأة ومبررات ذلك يجب ان توجه الجهود للبحث والدراسة من خلال استطلاع اراء الاحداث من الفتيات في السجون الاصلاحية او بحث اسباب وقوع النساء في فخ الجرم الاخلاقي من خلال مقابلاتهن في دور الاصلاحيات او السجون او البحث في مسببات الكثير من القضايا الاخلاقية في اقسام الشرطة والهيئة.
ان نشر هذه المعلومات بشفافية وحيادية تامة من شانه ان يرفع مستوى الوعي المجتمعي وبالتالي قبول التغيير والتطوير.
طبعا يجب ان ننوه الى ان تطوير مناهج التعليم العام والعالي يجب ان تكون لها الاولوية اذ ان من غير المنطقي ان اضع برامج اصلاح تهدف الى الدفع بالكوادر النسائية للعمل دون ان ادربها وأؤهلها وفق قدراتها للانخراط في سوق العمل المتعدد المهن والنشاطات.
(في آخر احصائيات عدد المهن في اميركا والعديد من الدول الغربية خاصة بعد ولوج الانترنت واقتحامها سوق العمل, وجد ان هناك 430 مهنة بينما في العالم العربي لا يتجاوز عدد المهن 60).
د. سالم موسى ـ جامعة الملك خالد (السعودية)
لاتوجد تعليقات بعد