

وهو -أي فضل الله- عنوان يجمع المؤتلف والمختلف تحت راية الإنسانية، بعيدًا عن العناوين الدينية أو المذهبية والحزبية الضيِّقة.. فـ"الناس –كما تعلّم فضل الله، من مولاه أمير المؤمنين
- صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"!
ولا يسع المنصف إلا أن يقر، بأن دور السيد فضل الله في الساحة كان بحق، دورًا رياديًا مشهودًا، على مستوى الحوار الإسلامي المسيحي، والحوار الإسلامي الإسلامي، بعناوينه المذهبية، كما أنه عاش عملياً في حوار مع الليبراليين، وغيرهم، فلا مقدس في الحوار، كما كان يقول.
ومن فكره ورؤاه تشكل وعيًا، دينيًا وحركيًا ملأ المعمورة، لذا فإن رحيله عنّا، يمثِّل غيابًا جسديًا/ماديًا، لا أكثر، ومثل فضل الله يبقى عصيًا على الموت، بما قدَّم من عطاء، تجاوز ساحة لبنان، وهو البلد الصغير مساحة، والكبير حضورًا وعطاءً ومقاومة.
وفي هذه الوقفة القصيرة لا بأس أن نشير إلى جانب مهم في شخصية السيد فضل الله، وهو اهتمامه بالتفسير الحركي للقرآن الكريم، فقد أسهم السيد بتقديم ثروة قرآنية فريدة في أسلوبها، تميزّت بأصالتها وحداثتها في الآن نفسه؛ إذ قدّم في تفسيره: "من وحي القرآن"، فكرًا قرآنيًا يسع الوجود، ولم يقصر تناوله المفردات القرآنية بطريقة تقليدية، تتمحور في تبيان سبب النزول، أو استظهار النكتة اللغوية أو المعنى الروائي والفلسفي وغير ذلك! بل استنطق القرآن ليعالج من خلاله واقعنا المريض والمكبل في معظم جوانبه.
لذا وجدنا أن الثقافة القرآنية التي قدَّمها السيد فضل الله، دفعت العاملين في الساحة الإسلامية، لأن يتجاوزوا الحالة الانهزامية التي تجعلهم لا يفكرون أبعد من أرنبة أنوفهم، أو تدفعهم للتخندق في أُطر حزبية منغلقة، تكرس فيهم حالة من رفض الآخر وشطبه من حق الوجود، وكأن الساحة على سعتها، هي حرمهم الآمن، ولا يحق لأي كان أن يرفدها بما من شأنه الارتقاء بواقعها نحو الأفضل.
فرحم الله فضل الله: الصالح المصلح بحق! فهو بلا ريب مصداق بارز لمن وصفهم الحق –سبحانه وتعالى- بأنهم: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[آل عمران:114].
لاتوجد تعليقات بعد