قراءة في كتاب (الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ)
إعداد/ حسين زين الدين
كتبه: حسين زين الدين
حرر في: 2011/06/02
التعليقات: 0
القراءات: 1024

في القرآن الكريم كثير من الصور والنماذج الحوارية البليغة والمؤثرة، والتي جاءت مكثفة وواسعة في العديد من السور وآياته، الطويلة والقصير، المكية والمدنية، بحيث يمكن القول إن القرآن الكريم هو أول كتاب حوار في الإسلام، وفي تأصيل فكرة الحوار وتقعيدها في الإسلام والفكر الإسلامي

فكرة الحوار في القرآن.. قراءة

" في القرآن الكريم كثير من الصور والنماذج الحوارية البليغة والمؤثرة، والتي جاءت مكثفة وواسعة في العديد من السور وآياته، الطويلة والقصير، المكية والمدنية، بحيث يمكن القول إن  القرآن الكريم هو أول كتاب حوار في الإسلام، وفي تأصيل فكرة الحوار وتقعيدها في الإسلام والفكر الإسلامي".

بهذه المقدمة، يأتي كتاب "الحوار في القرآن .. نماذج ومبادئ"، لمؤلفه الباحث والمفكر الإسلامي زكي الميلاد الصادر عن مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، ضمن سلسلة رسائل في الحوار.

والكتاب عبارة عن دراسة تأملية في مسألة الحوار في القرآن الكريم، تحددت في ثلاثة فصول، تطرق الفصل الأول إلى الكتابات الإسلامية المعاصرة التي تناولت فكرة الحوار في القرآن، والكشف عن المداخل التي استندت عليها في هذا التناول، وتطرق الفصل الثاني إلى بعض الصور والنماذج الحوارية التي شرحها لنا القرآن الكريم. ثم تطرف في الفصل الثالث إلى بعض القواعد والمبادئ المستنبطة من القرآن الكريم والناظمة لمنهج الحوار بين الناس على تعدد وتنوع دياناتهم ومذاهبهم.

وخلص الكاتب من هذه الدراسة إلى أن فكرة الحوار فكرة راسخة متأصلة في القرآن الكريم وفي حركة الأنبياء والرسل، كما أوضح أن كل تلك الحوارات ظل الإنسان مادتها وموضوعها.

الكتابات الإسلامية وفكرة الحوار في القرآن الكريم.

عند النظر إلى الكتابات والدراسات  الإسلامية التي تناولت فكرة الحوار في القرآن الكريم، أوضح الميلاد أن الاهتمام بفكرة الحوار التي تناولتها الكتابات والدراسات الإسلامية بقي ضئيلا ومحدودا حتى بعد تجدد فكرة الحوار وانبعاثها وبشكل واسع بين الثقافات والحضارات، وبين المجتمعات والديانات، وبين اللغات والقوميات، وبين الطوائف والمذاهب.

هذا الاهتمام وبحسب ما يراه الميلاد كان من المفترض أن يحرك بصورة أكبر العناية والاهتمام بفكرة الحوار في القرآن الكريم بوصفه الكتاب الذي تتأكد حاجة الرجوع إليه في مختلف القضايا والشؤون، وكل أبعاد الحياة هذا من جهة، ومن جهة أخرى ماتمثله فكرة الحوار من مساحة كبيرة وعناية فائقة في هذا الكتاب الكريم.

ثم كشف الميلاد عن المداخل التي استندت عليها في هذا التناول؛ بقصد مواكبة التراكم الفكري والثقافي المنجز في هذا الشأن وتكوين المعرفة له:

المدخل الدعوي: بوصفه كتابا للهداية والدعوة في سبيل الله.

المدخل التربوي: باعتباره أسلوبا حيويا وناجعا في أساليب التربية وتدعيم القيم التربوية.

المدخل المقارن:بتضمنه حوارات دينية وعقدية موسعة ومهمة بين الديانات السماوية الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام.

المدخل الفكري النقدي: بمحاولته نقد بعض المقولات الملتبسة وتصحيحها، ومواجهة بعض الإشكالات الخاطئة التي أثارها وتوارثها خصوم الإسلام.

الحوار في القرآن .. صور ونماذج.

تطرق الكاتب الميلاد في الفصل الثاني إلى بعض الصور والنماذج الحوارية التي شرحها لنا القرآن الكريم، وتحدث في هذه الصور والنماذج في أربعة حوارات، الحوار الأول: حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة، الحوار الثاني حوار الله مع إبليس ،والحوار الثالث حوار الله مع آدم بوصفه أول حوار بين الله والإنسان، الحوار  الرابع حوار الأنبياء مع أقوامهم، وتحدد في ثلاثة نماذج، حوار نبي الله نوح مع قومه بوصفه أول حوار بين نبي وقومه، وحوار نبي إبراهيم مع قومه بوصفه أبا الأنبياء ، وفي ذريته وضعت النبوة، وحوار نبي الله موسى مع قومه بوصفه أوسع حوار أشار إليه القرآن.

وقد لاحظ الكاتب الميلاد من خلال استشهاده ببعض صور ونماذج تلك الحوارات التي أشار إليها القرآن الكريم، أن كل تلك الحوارات ظل الإنسان مادتها وموضوعها.

 ومن تلك الحوارات خلص الكاتب إلى النتائج التالية:

أولا: إنّ فكرة الحوار هي فكرة أصلية وراسخة في القرآن الكريم، وفي حركة الأنبياء والرسل، مما يقتضي على العاملين في سبيل الله أن يكونوا أكثر تمسكا بمبدأ الحوار، وأقربهم لنهج الأنبياء، فهي ليست مجرد فكرة عابرة وطارئة على الإنسان والمجتمع الإنساني.

ثانيا: إنّ الحوار هو الأصل في التعامل والسلوك، حتى إذا اقتضى الأمر مع أولئك الذين ينتهجون سبل الشيطان، في دلالة واضحة بأن العصيان لا يمنع من الحوار حتى لو كان الطرف الآخر هو إبليس الشيطان الرجيم،  وهذا يعنى أنّ الحوار ممكن إذا اقتضت الضرورة مع أي إنسان في هذا العالم مهما كانت صفته ووضعيته، من قاعدة قياس الأولوية.

ثالثا: إن الحوار وسيلة للتربية والتهذيب والتعليم، وهو يمثل أصلا ثابتا في الاستناد عليه في العلاقة مع الآخرين.

رابعا: إن العلم هو المقوم الحقيقي للحوار، والمحرك له، والباعث عليه؛ لأن العلم يعطي الحوار حاجة وقيمة، ويعطي الحوار محتوى ومضمونا، وينتهي به ثمرة ومكسبا.

خامسا:

الحوار في القرآن .. قواعد ومبادئ.

أشار الكاتب في هذا الفصل إلى جملة من القواعد والمبادئ، الناظمة لمنهج الحوار بين المختلفين من الناس، سواء بين أتباع الدين الواحد، أم بين أتباع الديانات الأخرى، أم الاختلاف بين البشر عموما.

أولا: معيارية الحق:

الحوار في منطق القرآن ينبغي أن يرتكز على معيارية الحق، لا يفارق هذه المعيارية، و لا يتخلى عنها، أو ينقلب عليها بأي شكل من الأشكال، وفي أي ظرف من الظروف، وتحت أي ضغط من الضغوط. بمعنى أن الحوار ليس مطلوبا لذاته، ولا يمثل غاية بذاته، وليس للتظاهر والتفنن بطرق الحوار ومهاراته، وليس للتفوق والتغلب على الخصم أو الطرف الآخر، وإنما الحوار في منطق القرآن الوصول إلى الحق وإتباعه.

ثانيا: تجنب الأحكام المسبقة:

الحوار لا يمكن أن يحصل بين طرفين كل طرف يدعي أنه على هدى، والطرف الأخر في ضلال مبين، فمن الصعب أن يتحقق الحوار في ظل هذا المنطق القائم على أساس الأحكام المسبقة في ذهنية الأطراف المختلفة. ولكي يتحقق الحوار ينبغي أن يكون في إطار موضوعي بعيدا عن الأحكام المسبقة، ويتضمن حافزا قويا يشجع على الحوار بين المختلفين.

ثالثا:التحرر من وصاية السابقين:

الحوار لا يتحقق، ولا يكون فعالا ومثمرا إلا بإعمال العقل، وإطلاق طاقة الفكر؛ لأن الحوار هو مخاطبة للعقل، وتحاور مع الفكر، فإذا كان العقل نابعا، والفكر مقلدا لا يكون معنى للحوار، فصاحب العقل التابع لا يكون مستعدا للحوار، ولا يتحفز له، ولا يقبل به وبنتائجه. 

رابعا: الحوار ومنطق البرهان:

إن الحوار الجاد والفعال هو الحوار الذي يستند على البرهان ومنطق البرهان، والذي يتخذ من الحجج العقلية سبيلا في معرفة الحق، وإثبات الصدق، واكتشاف الصواب؛ لأن الحكمة في ذلك الحوار في منطق القرآن ينبغي أن يستند على الأدلة والبراهين والحجج والحقائق، وهذا هو الحوار المثمر والمنتج. أما الحوار القائم على الظنون والشكوك والتخيلات والتوهمات، فهذا الحوار لن يكون إلا فاشلا وعقيما وبلا جدوى.

خامسا: الحوار بالتي هي أحسن:

إذا كان القرآن الكريم قد دعا إلى الجدل بالتي هي أحسن، فمن باب أولى أن يكون الحوار بالتي هي أحسن؛ لأن الحوار هو الأصل، والجدل هو الاستثناء. بمعنى أن الحوار هو السلوك الطبيعي المفترض بين الناس، في حين الجدل هو سلوك لحالات خاصة.








لاتوجد تعليقات بعد

حسين زين الدين


ارسل لصديق