

1
لا يزال المثقف العربي يعود بين فترة واخرى الى طرح اسئلة النهضة العربية. الأسئلة التي يعود بداية طرحها الى مايقارب القرنين من الزمن، تلك الأسئلة التي أنتجتها لحظة الصدمة الحضارية مع الآخر الغربي. هذه الصدمة التي اصابت العقل العربي بالذهول وأفقدته توازنه ، وجعلته يقارن نفسه وأوضاعه بالآخر، فأخذ يكتشف خوائه وعجزه ، وتقدم الآخر وتفوقه. فما كان منه إلا أن يسائل نفسه عن أسباب تقدمهم وتأخرنا. فتوالت الأسئلة وأخذت تكبر ، كما أخذت هذه الأسئلة تعاد وتكرر على مر الأيام والسنين كلما شعر هذا العقل بكبر الفجوة التي تفصله عن الأخر، والتي أخذت في التوسع والازدياد مع مرور الزمن.
إن المثقف العربي اليوم عندما يعود الى طرح هذه الاسئلة وشجونها ، هو في الحقيقة يعبر عن تمسكه بحلم التحديث والتقدم والنهوض. وبرغم الهزائم والنكسات والانهيارات وسقوط الايديلوجيات والمشاريع الكبرى والاحلام الطوباوية ، مازال هذا المثقف واثقا من حلمه وواثقا بدوره وبالأفكار النهضوية التي آمن بها.
ها نحن نشاهد كم تُغمر وتمتلئ صفحات الصحف والمجلات بالمقالات والدراسات والملاحق ، هذا دون الكتب والندوات والمؤتمرات ، التي تعيد طرح اسئلة النهضة وتعيد النظر في مفهوم النهضة وتستعيد ذكر اسماء التنويريين العرب وغيرهم في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وهو ما يدل على أن عصر النهضة المأمول مازال يحظى بالاهتمام والحضوة ، وأن أفكار التنويريين السابقين لم تُستنفد بعد ولم تصبح عتيقة مع مرور كل هذا الزمن. وهاهي أسئلة العلاقة بالتراث وبالغرب يعاد احيائها وطرحها من جديد في كتاب (الحداثة كحاجة دينية) الكتاب الذي يعبر عن تطلعات صاحبه المضمرة ، وأمنياته غير المعلنة ، في تجديد البنى الثقافية لمجتمعاتنا ، وفي انتاج ثقافة عصرية بديلة تنعتق من عصر التقاليد وتنضم الى مسيرة الحداثة والتحديث من خلال الانفتاح الايجابي على حضارة الاخر الغربي والتعلم منه.
2
إن أول سؤال يتبادر إلى ذهن قارئ الكتاب ، هو سؤال ما الحداثة ؟ وما علاقة الحداثة بالدين؟ وكلمة حداثة الواردة هنا في عنوان الكتاب يتأخر الحديث عنها وتوضيح مفهومها إلى صفحات بعيدة داخل الكتاب ، حيث كان يجب على مؤلفه أن يجلي لنا معناها ودلالاتها ، وأيضاً حول مفاهيم ومصطلحات أخرى واردة في الكتاب ، لتكون متكئاً ومدخلاً لفهم مقاصد المؤلف ، والأبعاد التي يرمي إليها. (إن تحرير المصطلحات يتخذ أهمية لدى كثيرين ، واستعارة مفهوم مصطلح من سياقه التاريخي لا يعني بحال الارتهان لتاريخية ولادة المصطلح..إن جميع المفاهيم التي يضعها البشر ليست سوى اصطلاحات نظرية تصاغ لخدمة العمل النظري وبلورة الأفكار وتنظيمها ، وتتغير مضامين هذه المفاهيم بحسب السياق التاريخي والنظري والاجتماعي الذي تستخدم فيه. وتتغير أيضاً معانيها ومضامينها أيضاً مع الزمن بتغير التجربة البشرية ، كما أن المفاهيم نفسها تتطور وتموت عندما لا تعود تؤدي وظيفة ايجابية في تنظيم النشاط الإنساني أو يتجاوزها الزمن والتجربة الإنسانية).
فلماذا القول الحداثة كحاجة دينية ؟ ولا نقول الحداثة حاجة دينية ! هل هناك دلالات ومعاني مختلفة بين القولين ؟
هل يفيد المعنى في القول الأول أن المؤلف لم يكن جازماً في قوله ، و أن قناعته بحاجة الحداثة لم تصل إلى الحد الأعلى ، أو إلى مستوى الضرورة التي لا رجعة عنها ولا تفريط ؟
ولماذا لا تكون الحداثة ضرورة دينية ؟
هل الحداثة عندما تصل إلى مستوى الضرورة لا يمكن ولا يسهل الاستغناء عنها ؟
وهل الحداثة عندما تكون في مستوى الحاجة تصبح أقل قيمة ومرتبة ، و يمكن ويسهل الاستغناء عنها ؟
هل يمكن أن يكون لكل قول مما سبق معاني ودلالات خاصة تؤدي إلى اتجاهات مختلفة في الفهم والوعي ؟
إنها أسئلة استدعتها أهمية وضرورة فهم واستيعاب معاني مفردات عنوان الكتاب ، وما اكتنزته من إيحاءات ودلالات ، لن يكون من شأن الإجابة عنها سوى تعزيز القناعة بحاجة وضرورة الحداثة ، أو أن من شأنها إعطاء الانطباع بالشك والتردد وعدم اليقين بقيمة الحداثة ، أو عدم الرغبة الأكيدة والصادقة في تمثلها.
إن مابدا ملفتا أيضاً مع بدء قراءة الفصل الأول من الكتاب هو أن النص يضعنا منذ صفحته الأولى في عمق الحبكة بدون تمهيد أو مقدمات أو تصعيد متدرج إلى عمق الفكرة ، وكأن حوار الصاحبين هو امتداد لحوار سابق وهما هنا يكملانه. وقد يفترض المؤلف أن قارئه يملك من الخلفية الثقافية ما تؤهله لفهم واستيعاب أفكاره ومقاصده. وهو ما قد يجعله يعتقد أن ذلك يخفف عنه ضرورة التمهيد والتعريف بالمصطلحات والمفاهيم والمعاني والمقاصد.
لكن ماذا عن أولئك الذين يقرؤون هكذا أفكار أو يقرؤون للمؤلف وأفكاره لأول مرة ؟
3
إن الشكل الحواري الذي ظهرت به فكرة الكتاب أمر مقبول وصحيح وجميل ومفيد ، إلا أنه لم يكن بين عقلين مختلفين ، كما يشير الكتاب في مقدمته. فالصاحبان لم يكونا مختلفين في التفكير والاتجاه والرؤية ، أو ينتميان إلى منظومتين فكريتين مختلفتين ، وقد أتى الحوار على شكل منلوج لحوار طرف يحاكي ويخاطب ذاته ، ويفكر بصوت عال ، ويمنيها ويحلم بالأحسن والأفضل. إنه حوار يفتقد الآخر الذي بشرنا الكتاب في سياق تناوله لموضوعاته بضرورته وأهميته لاكتشاف الذات ومعرفتها ، ومعرفة مدى تأخرها وتقدم الآخر. الآخر الذي حين نلتقيه أو نقارن أنفسنا به يولد فينا الأسئلة المحرجة عن أسباب تأخر وتخلف الذات وتقدم الآخر. إن الآخر المفتقد في هذا الحوار يمكن أن يكون الآخر ضمن المنظومة الثقافية والحضارية الغربية الذي يعيش التطور والتقدم والحداثة ، أو أن يكون هذا الآخر ضمن المنظومة الثقافية والحضارية الإسلامية الذي يعيش التخلف والتأخر والتأزم.
من المهم التذكير هنا ونحن نتحدث عن الآخر في هذا الكتاب أن (أول مكونات النص المتعددة هي الاعتراف بالتعدد. يستوي في ذلك البشر والأفكار والمعارف والأشكال. فلا وجود لشخصية (عقلية) إلا في مقابل أخرى تختلف عنها ، بدءاً من الاختلاف اللين الذي يضيء الشخصيتين ويصنع بينهما حواراً ، وصولاً إلى مغايرة تؤسس لصراع شديد بينهما. وهذا الصراع الذي يعبر عن نزوع إلى التغيير ، الذي قوامه رفض لقيم ومعايير معينة ودعوة إلى عالم بديل. وما تنوع الأفكار ، الذي يضمر الفعل والحركة ، إلا آية على معنى الصراع والتدافع ، الذي يُستهل بأقدار بشرية وينتهي إلى أقدار أخرى..ولا غرابة والحال هذه أن يقترن التنوع بفكرة الصراع المثمر الخصيب ، الذي هو شرط تقدم الإنسان على المستويين التقني والأخلاقي ، لأن التقدم لا يأتي إلا عبر التصادم بين جملة من الأفكار والمصالح. ليكون تنافس البشر في تحقيق مصالحهم ، الوسيلة لانجاز التطور في الميادين كافة. ولولا هذه الروح في المنافسة لبقيت الملكات الانسانية الطبيعية الرائعة نائمة إلى الأبد).
لقد كنا نحن القراء ننتظر من الصاحبين المتحاورين مناظرة حرة بين عقليتين مختلفتين تنطق بأفكارها صريحة وبلا رقابة. حوار أفكار يدور بين شخصيات تتمتع بحقوق متساوية في القول والمساجلة. فكان يمكن للمؤلف أن يجعل من نفسه طرفاً محايداً ويترك لشخصياته تتحاور وتتساجل وتختلف وتتصارع بكل حرية حتى يكشف ويكتشف كل منهما عيوب الآخر ونواقصه ، أو ايجابياته وحسناته ، بصفتهما عقلين مختلفين ، وبدون أن يتحمل المؤلف تبعات وتداعيات هذا الحوار. إنني هنا لا أقلل من قيمة وأهمية الأفكار والموضوعات التي أثارها الكتاب ، بل هي على العكس من ذلك ، أفكار وموضوعات تستحق أن يفرد لها دراسات وأبحاث منفصلة ، وهو ما ننتظره من المؤلف ، كما نأمل أن يكون الكتاب مقدمة لمشروع ثقافي نقدي متكامل. على أنني هنا في هذه الزاوية ، إنما كنت أسلط عدسة الضوء على الشكل والاطار ، أو القالب الذي صب فيه المؤلف أفكاره ورؤاه ، والتي لو كانت حواراً بين عقلين مختلفين في التفكير بشكل حاد وواضح ، لكانت الموضوعات المتناولة في الكتاب أكثر تجلياً وابهاراً.
ومما لا شك فيه أن الحوار الفعال والنشط والجريء والحر في أي نص ، هو تعبير وانعكاس لمستوى ودرجة حرية القول والاختلاف والتعدد في الفضاء الاجتماعي الذي يعيشه صاحب النص. وكلما ازداد مستوى هذه الحرية أو نقصت درجتها انعكست سلباً وايجاباً على مستوى صراحة النص وتعدديته. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه ونحن نختم هذه الزاوية من الموضوع ، هو هل ينتج الحوار داخل هذا النص الذي بين أيدينا ، حواراً فاعلاً خارج النص ، أي في الفضاء الخارجي والعام؟ وما الدرجة التي يمكن أن تصل إليها حرية الاختلاف والتعدد ؟.
4
ليس في الكتاب الذي بين أيدينا ماهو جديد تماماً ، وقد أشار مؤلفه في مقدمته إلى ان مقاربته في هذا الكتاب لا تزعم أنها تقدم جديداً لم يطرق من قبل أو أنها تعالج موضوعاته من شتى الجوانب. إن القراء الذين هم على تواصل مع الكتابات الحديثة ويطلعون على الكتابات الثقافية والفكرية والنقدية الجديدة ، يملكون خلفية وخبرة حول هكذا موضوعات ، كما هم بالتأكيد على معرفة ودراية بالسجالات التي اثارتها هذه الموضوعات ، وبالاشكاليات التي كانت مدار جدل خلال القرنين الماضيين ومنذ بداية عصر النهضة. ومع ذلك يمكن القول أن الكتاب فيه محاولة لطرح أسئلة قديمة في شكل جديد حول ما يخص بالتحديد تجديد الثقافية الدينية والدعوة إلى اعادة انتاج الثقافة الدينية ضمن شروط العصر الذي نعيشه ، والانعتاق من عصر التقاليد ، والانضمام الى مسيرة الحداثة ، وتكرار تجربة الانفتاح الايجابي على الحضارة الغربية بوعي وبهدف مختلف كما يتطلع مؤلف الكتاب.
انه لمن الأهمية بمكان أن نؤكد على أهمية وضرورة معاودة التطرق إلى هذه القضايا ومناقشتها وطرقها دائماً وتكراراً ، وبمختلف الأساليب والطُرُق ، وعدم اليأس من النتائج والمردودات ، وعدم استعجال النتائج السريعة والآنية، لأن هكذا قضاياً ذات طابع استراتيجي لا يمكن توقع مردوداتها في المدى المنظور والقريب ، وانما هي فعل تراكمي وتاريخي يمكن أن تظهر نتائجه على المدى البعيد ، أو يمكن ألا تظهر ، المهم هو العمل والفعل ومراكمة التجارب والانجازات ، فحالة التخلف التي يشكو منها المؤلف هي نتاج تراكمات تاريخية ، ولا يمكن إزالتها إلا بفعل نهضوي تاريخي أيضاً. فما حققه الغرب في ثلاث قرون ، لا يمكن أن يتحقق في سنوات قليلة ومعدودة. إن التحدي اليوم هو كيف تقنع أكثر عدد ممكن من الناس بأفكار التنوير ، وتثيرها بتساؤلاتك ، ليكون هؤلاء الناس جزء من حركة مشروع النهضة ، تمتلك كما يشير الكتاب ، لغة جديدة وروحية جديدة وعقل جمعي جديد ، وتثق بذاتها وعقلها ، وتنفتح على محيطها ، وتنظر الى المستقبل بتفاؤل وأمل.
5
إن أحد العوامل التي تعطي لأفكار الكتاب أهميتها رغم عدم جِدّة أفكاره ، هي الخلفية التي يأتي منها مؤلفه ، والتنشئة الدينية التي شكلت شخصيته واتصفت بها ، وكونه خاض غمار تجربة العمل السياسي والنضالي والفكري من منطلقات دينية. وهذا يجعل للاشارات النقدية الواردة في الكتاب ذات مصداقية عالية ، لكونه ناقداً من داخل اطار الدائرة الدينية العارف بها والمطلع على بنيتها ، وهو يختلف بطبيعة الحال عن ذاك الذي يمارس النقد من خارج الدائرة ، ولم يعش تفاصيلها وحيثياتها. ومع ذلك يمكن ملاحظة أن الاشكاليات الواردة في الكتاب تلامس القضايا المطروحة فيه بشكل عناوين عامة واشارات فضفاضة أو أفكار مجردة ، ولا تصل في الغالب إلى حيثيات ومفردات التخلف الذي يدعونا الكاتب إلى تجاوزه ، في الواقع أو في العقول. فالكتاب لا يورد في معظم الأحيان أمثلة ونماذج أو حقائق عن هذا التخلف ، لتكون دليلاً حقيقياً على صحة مقولاته. قد لا تكون جرأة الكتاب من النوع الثقيل ، خصوصاً عندما يتحاشى المؤلف ذكر نماذج وأمثلة وظواهر واقعية ومعاشة تؤكد ما يذهب إليه ، إلا أن أفكاره بدون أدنى شك ستترك أثرها وتداعياتها على العقول ، وتزحزح وتخلخل قناعات مكتسبة أو موروثة ، وتدفع بها للشك والتساؤل والبحث وإعادة النظر في العديد من مقومات ثقافتنا ، وهو ما يمكن أن يحسب للكتاب بكل جدارة.
6
إن التقدم والتطور والمعاصرة والحداثة والتنوير وما إلى هنالك من مفردات ومصطلحات و أي تعابير وكلمات يمكن إدراجها في هذا السياق ، لا يمكن أن تتبلور على أرض الواقع وتتحقق ، إلا بمن يتمثلها وتتحقق فيه شروطها. فالتنوير يحتاج إلى متنورين ، وفعل التنوير يحتاج إلى متنورين فاعلين ، يأخذون على عاتقهم بكل جد ونشاط عملية التنوير والتغيير ، فيعيشون الواقع ويستوعبونه ، ويعيشون حالة القلق الدائم ويطرحون الأسئلة ويبحثون عن الإجابات الصادقة والأكثر قرباً من الحقيقة. إن فعل التنوير عمل دؤوب وحراك اجتماعي وثقافي دائم ومستمر لا ينقطع. إنه مثل سباق المسافات الطويلة ، أو سباق التتابع الذي يسلم فيه كل جيل الجيل الذي يليه حصاد خبراته وتجاربه ، ليواصل الجيل اللاحق مشوار النهضة والتقدم والتنوير. إلا أننا في الحقيقة عندما ننظر إلى الواقع بحثا عن هؤلاء المتنورين الذين يحملون روحية النهضة ، كما سماها الكتاب ، وبحثاً عن هذا المتنور (المثقف) ، بالمعنى الشامل للثقافة ، أي ذلك المدرك للشرط الاجتماعي والمهموم بالشأن العام والحريص على التغيير والتجديد ، فإنك بعد هذا البحث لا تجد هذا المتنور ، ويصيبك ماتراه بالاحباط. فالطموحات والآمال الكبار لا يواكبها ويجاريها بنفس الكبر والقدر فعل ونشاط ، بل تجد التراجع والانحسار ، والركود في العمل التنويري الجاد ، حيث يُرجع البعض هذا العجز والكسل إلى أسباب كثيرة بينها الايقاع الاستهلاكي المستشري ، وانشغال الناس بأعمالهم الخاصة ، وتزايد الأعباء العائلية ، وانحسار رقعة الاهتمامات الثقافية والفكرية الجادة في المجتمع. كما يساق بين الأسباب عجز جمعيات وتجمعات النشاطات التنويرية عن تطوير أساليب الاستقطاب ، وفشلها في كسب الأجيال الشابة إلى أنشطتها وبرامجها.
اذا كان هذا هو حال المتنور (المثقف) الغارق في همومه ، فإن فعل التنوير لن يكون أحسن حالاً. (وإذا لم تترسخ ثقافة التنوير فإن الثقافة الأخرى المناوئة (أي ثقافة الظلام) ، ستزحف إلى الوعي ومن ثم إلى الواقع. وثقافة التنوير لا يمكن أن تتسرب في تفاصيل البنى الاجتماعية ، إلا عبر مؤسسات المجتمع التعليمية والتربوية والإعلامية. وحضورها في هذا الميدان يحتاج لإرادة واعية ورغبة صادقة بأهمية التنوير من جهة ، وبكارثية ثقافة التقليد من جهة أخرى ، لأن التنوير سيواجه بلا شك خصومه اجتماعية من قبل تيارات المحافظة والتقليد. وحتى تنبعث مثل هذه الإرادة الواعية ، المؤمنة بضرورة التقدم لا بد أن يحمل الفاعل التنويري مهمته فوق كل أرض ، وتحت كل سماء. أي لا بد أن يمارس فعله التنويري ، عبر الوسائط المتاحة ، وضمن شروط الواقع. كما أنه عليه أن يكون متضمناً روح التضحية ، ولو بأبسط صورها).
من ناحية أخرى إذا كان فعل التنوير هو نتيجة تراكم فعل الأجيال المتعاقبة ، وأن مَثله مثل سباق التتابع ، الذي يسلم فيه كل جيل الجيل الذي يليه شعلة التنوير ، فإن من أكثر الأشياء إيلاما في واقعنا كونك تجد أن انجازات الأجيال ، إن كان هناك انجازات فعلاً ، لا تتراكم ، وأن شعلة التنوير ، إن كان هناك شعلة أصلاً ، لا تنتقل إلى الجيل التالي واللاحق ، وتشعر أن الجيل الذي أنت منه وتنتمي إليه لم يكن امتداداً لجيل سبقه ، يمكن كانت له صولاته وجولاته ، لتجد نفسك في النهاية أمام حقيقة خلاصتها أن فعل ونتاج الأجيال لا تتراكم وأن كل جيل ينقطع عن الجيل الذي قبله ولا يعرف عنه أي شيء ، وكأنه يبدأ تجربته من جديد.
7
لا أعرف مدى دقة التعبير الوارد في مقدمة الكتاب حول الحاجة إلى ”إعادة إنتاج الثقافة الدينية“ كسبيل إلى ”تجديد الثقافة الدينية“ في الوقت الذي يأخذ المؤلف في الصفحة السابقة لهذه العبارة على ثقافتنا أنها تعيش حالة التخلف ”في الثقافة الاجتماعية وما يقوم عليها من قيم سلوكية وعلاقات“ وأنها كما يصفها الكتاب ”لا زالت محكومة بتقاليد أكل الدهر عليها وشرب ومازال دينها مختلطاً بالخرافة والاسطورة ، وديدنها البكاء على الأطلال والفخر بالذين بادوا بعدما سادوا“. فإذا كانت الثقافة الدينية متخلفة إلى هذا الحد ، فهل من المعقول أن نعيد انتاجها من جديد وبالتالي نعيد انتاج حالة التخلف مرة اخرى. هل نحن بحاجة الى اعادة انتاج الثقافة الدينية ، أم نحن بحاجة إلى نقد ومراجعة الثقافة الدينية ، وقراءة التراث وفهمه واستيعابه ومن ثم اعادة انتاج ماهو قابل للحياة والتجديد والتطور وفق شروط العصر الذي نعيشه وضروراته وحقائقه المستجدة. على أن هذا العمل والنشاط الهادف إلى نقد الذات ومراجعة الثقافة والتراث الديني لا ينفصل أو يتجزأ ، بل يمكن القول أنه يتكامل ، مع الحاجة إلى قراءة تراث الغرب الحضاري ، وحاضره القائم ، وفهمه واستيعابه ومن ثم اعادة انتاجه بما يتفق مع التجربة التاريخية الخاصة بالمجال الحضاري الذي نعيش في ظله.
عندما نتوقف هنا لنقيّم أوضاعنا ونحن نتحدث عن التراث والغرب أو التحديث والتقليد ، نجد أن مجتمعاتنا تعيش حراكاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً سريعاً ومستمراً ، يواكب ويتفاعل مع مستجدات العصر ، وهو مانجد تجلياته في العديد من مظاهر الحياة. إلا أن مايقلق حقيقة الأمر هو هذا الاضطراب والفوضى المخترقة للعمق الاجتماعي بحدة وتظهر نتائجه (أشد ماتظهر في الازدواجية العميقة للقيم وأنساق الثقافة ومظاهر الوعي الاجتماعي ، إذ تخترق مظاهر العولمة ثقافياً وعمرانياً البنى والمظاهر التقليدية ، وتنشأ مدن حديثة تضاهي المدن الأمريكية أو الأوروبية ، لكن خلف هذه المظاهر الجذابة والأنيقة تختفي مظاهر الكسل والركود في أشكال الوعي ، رغم أن التكنلوجيا الحديثة إذ تدخل مجتمعاً ما فإنها لا تفعل ذلك بصورة محايدة ، إنما هي تحمل معها مؤثرات مهمة تمس الوعي ، لكن <الوعي> الذي ينشأ عندنا بحكم ذلك هو وعي مشوه –إن جاز القول- لأنه يريد التشبه بمظاهر الحياة الحديثة ويزعم في الوقت نفسه تمسكه بمنظومة القيم الموروثة. صحيح أن التطور الصحي للمجتمعات لا يمكن أن يقوم على قطيعة مع الماضي ، إنما عبر تمثل العناصر الايجابية في هذا الماضي وادماجها بروح خلاقة في ثقافة ووعي الحاضر ، بيد أن الوعي المشوه الذي يتشكل الآن يعيد انتاج بعض العناصر السلبية في ثقافة الماضي ويكسبها رداءاً عصرياً ، فينتج لنا شخصية قلقة ، مضطربة ، ميالة للسهولة والمظهرية الفارغة والاستعلاء الذي يخفي وراءه هشاشة وضعفاً وتردداً).
وهكذا نرى أينما ولينا وجوهنا ، مؤسسات عصرية من حيث تمظهرها المؤسساتي ، لكن مكوناتها وبنيتها الداخلية مازالت مرتكزة على بنيتها الأولية. ونرى من حولنا مجتمعات مدنية متطورة في هيكلياتها الخارجية ، لكنها في روحها التي تحركها مازالت طائفية عشائرية قبلية بدائية ، وتعيش على مفردات بنيوية متخلفة.
8
كنا بحاجة كقراء أن نعرف الطريقة أو الأسلوب أو الاطار الذي يقترحه الكتاب في التعامل والعلاقة مع التراث فلا يكفي أن يعيب المؤلف على الباحثين المسلمين عدم تمكنهم من تجاوز عقدة الأصالة عندما يقول أنهم ”بالاصرار على فكرة الأصالة لم يؤدي أبداً إلى توضيح طبيعتها أو مكانتها من مشروع النهضة رغم الجهد الذي بذله كثيرون في هذا السبيل...فتحول فعلياً إلى اعادة انتاج فكرة الاصالة في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر في التراث بدل أن يخدم مفهوم المعاصرة“. فإذا كان الباحثون المسلمون قد أضاعوا البوصلة في التعامل مع التراث من خلال الإصرار على فكرة الأصالة بمعناها التقليدي ، فما هي خريطة الطريق التي يقترحها المؤلف لتعامل أفضل وجدي لإنتاج فكري مغاير ومعاصر وحديث وغير تقليدي.
إن إشكالية التراث والمعاصَرة في ثقافتنا المعاصِرة ، هي من أكبر القضايا المثيرة للجدل في إطارنا الثقافي. وتقدير ”مقدار التراث الذي يشكل حاجة حقيقية لمسلم العصر“ ، أو تحديد ”التراث الجيد الذي نسخره وليس الذي يسخرنا“ موضع خلاف واختلاف هائل وكبير عند الباحثين والمفكرين وكلٌ له مشروعه في التقدير والتقييم. فما هو جيد وكافي عند هذا المفكر والباحث ، قد يكون سيئاً وناقصاً عند آخرين. والسؤال الذي كان على الكتاب ان يجيب عنه هو ما هي الضوابط والمعايير والأسس والقواعد أو النظرية التي يمكن ان تشكل دليلاً ومرشداً يرى مؤلف الكتاب أنها من أفضل الطرق والأساليب لقراءة التراث من وجهة نظره.
9
إذا كنا سألنا في بداية هذه المقاربة ما الحداثة ؟ فإن من المهم أن نسأل ونحن نقترب من النهاية وما التحديث ؟
وهل يمكن لنا أن نقيم مقارنة منصفة وموضوعية بينهما ؟
هل إذا كان معنى التحديث يتناول ماهو مادي ؟
فهل يمكن أن يكون معنى الحداثة يَعني ماهو معنوي ؟
وعندما يكون التحديث ينحى صوب ماهو شكلي وخارجي ، فهل يمكن القول أن الحداثة تُعنى بالمضمون الداخلي ؟
وعندما يكون التحديث هو الاهتمام بتطوير البنى الخارجية من عمران وازدهار مادي وشكلي ، فهل نجزم أن دور الحداثة ينصب على تغيير البنى العقلية والذهنية وتطوير الجوانب الفكرية والثقافية ؟
إنه لمن المؤكد أن انبعاث أي مجتمع وتطوره لا يمكن أن يكون بدون التجديد الدائم ، والانبعاث المتواصل ، وإلا تجمد هذا المتجمع وتكلّس وسار إلى الخلف بثبات ، ولا معنى أو مغزى هنا بالتقدم المعماري وامتلاك سبل التكنلوجيا والحياة الحديثة مادام المضمون المتخلف هو الذي يعشعش في دواخل تلك الوسائل والأدوات. إن انساننا اليوم في ظل هذا التقدم المادي والتطور التكنلوجي الهائل و المتسارع هو ضحية الانسحاق اليومي جرياً وراء لقمة العيش وتأمين متطلبات الحياة القاسية ، أو هو ضحية الانسحاق وراء ثقافة المتعة والتسلية التي تستحوذ على الفضاء الأوسع من حياتنا ، ولا تترك حيزاً للثقافة الجادة والهادفة التي تولد الوعي والمعرفة وتهيئ للتغير ، في الوقت الذي علينا أن نعترف أنه لا وجود لهذه الثقافة الجادة في واقعنا ، ولا مكانة لما يمكن أن ندعوه بسلطة الثقافة. فهي بلا فاعلية في النطاق الاجتماعي ولا اعتبارية لها عند الناس. فلا يمكن الحديث عن وجود جبهة ثقافية نقدية نظرية إبداعية ذات سلطة فاعلة ومؤثرة في الناس في مواجهة ثقافة السلطات الأخرى.
10
إن هذه المقاربة لا تدعي إحاطتها بجوانب موضوع الكتاب ، والذي يحتاج بالتأكيد إلى مزيد من المقاربات الأخرى التي تضيء الجوانب التي أغفلت عنها ، أو لم أسلط الضوء عليها بما يكفي. المهم أن ينجح الكتاب في إثارة الأسئلة وتحفيز العقول على التساؤل والبحث والاجتهاد. فهل ينجح الكتاب في ذلك ؟ وهل ينجح الكتاب في أن يكون إضافة نوعية على مشهدنا الثقافي ويثير حوارا جاداً هادفاً ، ويخلق حالة حوارية تسهم في تجسير الفجوة بين التقدم المادي والشكلي وبين التخلف والضعف الروحي والمعنوي. الحوار الذي يسعى إلى رفع المستوى الثقافي والحضاري للناس ، ويبشر بالقيم الإسلامية الإنسانية التي تركز على الخط الأخلاقي الذي يرفع بالإنسان إلى المضمون الروحي الذي يتعارف فيه الإنسان بالإنسان المختلف على أساس التعارف والتواصل والانفتاح. الحوار الناقد الذي لا يغفل عن المشاكل والعوائق التي تقف حجر عثرة أمام مسيرة الحداثة والتقدم والتجديد ، والباحث عن الأسباب التي تحول دون مجتمعاتنا والانطلاق نحو الرقي واحتلال المكانة اللائقة والمرموقة في عالم اليوم.
وكم هو مفيد جداً ونحن نختم هذه المقاربة أن ندعو إلى التسامح والاعتدال والانفتاح ، وهذه الدعوة ليست مجرد دعوة أخلاقية في ظرفنا الراهن ، إنها واجب وضرورة على عاتق الجميع مهما تعددت تلاوينهم الفكرية ، لمواجهة الهاوية التي يندفع إليها العديد من البلدان العربية ، حيث تتفكك الوحدة الوطنية وتتشرذم الشعوب إلى أقوام وملل وجماعات مسلحة تنزلق بجنون إلى سراديب وأنفاق العنف المظلمة والمسدودة. وها نحن نشاهد ، وأنتم تشاهدون ، هذا العنف والعنف المضاد ، الذي نقرف منه ونبغضه ، هذا العنف الأسود الذي أزهق الأرواح ودمر النفوس وشق القلوب. إن هذه المواجهة تتطلب مواصلة طريق العمل الإصلاحي الإسلامي والتنويري ، ومواصلة طريق المصلحين والمتنورين السابقين ، ونبذ التطرف والتعصب ، وتعلم القدرة على التعايش مع الأفكار الأخرى ومجادلتها بالتي هي أحسن ومقارعتها بالحجة وقوة المنطق لا بمنطق القوة.
.----
* ورقة قُدمت في حلقة نقاشيّة حول كتاب الحداثة كحاجة دينية.
2/12/2006
لاتوجد تعليقات بعد