التسامح والتعايش المشترك.. متلازمة الحياة
بقلم: محمد أبو المجد
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/05/25
التعليقات: 0
القراءات: 795

للمفكر الإنجليزي الشهير (روي هاترسلي)، والتي أسس فيها لحتمية الاختلاف والتمايز بقوله:(بدون فصل يصبح الاندماج مستحيلا، وبدون اندماج يغدو الفصل غير مبرر) قلة من الناس هم الذين لا يسمحون للاختلاف العقدي أو السياسي أو العرقي أو الثقافي أن يشوه حقيقة واضحة، وهي أننا جميعا نعيش على أرض واحدة، تتشابه تضاريسها، وتتلاقى مواردها، وتتكامل منافعها لخدمة الإنسان. من هنا برزت الحاجة لإرساء قيم تضبط تلك الاختلافات، وتحول دون تحولها إلى تناقضات، وتجهض النتائج المترتبة من تلك التناقضات، والمتمثلة في استخدام القوة والعنف كأسهل وسيلة يلجأ إليها الإنسان لفرض مبادئه ومعتقداته على الآخرين.. وفي مقدمة تلك القيم قيمة التسامح.

للمفكر الإنجليزي الشهير (روي هاترسلي)، والتي أسس فيها لحتمية الاختلاف والتمايز بقوله: "بدون فصل يصبح الاندماج مستحيلا، وبدون اندماج يغدو الفصل غير مبرر". قلة من الناس هم الذين لا يسمحون للاختلاف العقدي أو السياسي أو العرقي أو الثقافي أن يشوه حقيقة واضحة، وهي أننا جميعا نعيش على أرض واحدة، تتشابه تضاريسها، وتتلاقى مواردها، وتتكامل منافعها لخدمة الإنسان. من هنا برزت الحاجة لإرساء قيم تضبط تلك الاختلافات، وتحول دون تحولها إلى تناقضات، وتجهض النتائج المترتبة من تلك التناقضات، والمتمثلة في استخدام القوة والعنف كأسهل وسيلة يلجأ إليها الإنسان لفرض مبادئه ومعتقداته على الآخرين.. وفي مقدمة تلك القيم قيمة التسامح.

التسامح مشروع

والكتاب الذي بين أيدينا محاولة حثيثة من مؤلفه الأستاذ محمد محفوظ؛ لتحويل قيمة التسامح إلى مشروع يؤسس لقضايا العيش المشترك في مجتمعاتنا، والذي يرى أنه الإمكانية الوحيدة التي تمكننا من ضبط اختلافاتنا وتبايناتنا الداخلية بكل عناوينها. يرى الكاتب في مقدمة كتابه الذي قسمه إلى أربعة فصول، أن استمرار تفجر الاختلافات والتباينات بشكل أفقي وعمودي يهدد النسيج الاجتماعي بأسره، ولا ضبط لهذه الاختلافات والتباينات إلا بسيادة ثقافة التسامح وضرورات العيش المشترك.

ومع اعتراف الكاتب أن تلك الرؤية لا تملك عصا سحرية قادرة على استيعاب كل المشاكل والتوترات، إلا أنها -من وجهة نظره– تمثل المدخل الضروري، الذي يجعلنا نواجه تلك المشاكل والتوترات برؤية واضحة وصريحة، مما يوفر لنا فهما دقيقا لهذه المشاكل يؤطر السبل المناسبة للتعامل معها كخطوة أولى في مشروع معالجتها.

ثقافة الكانتونات

ويمضي الكاتب في تصوره لقضية توسع الاختلافات في الاتجاه السلبي، فيؤكد أن حماية النزعات المذهبية والقومية المتطرفة لا ينبئ بأي شكل من أشكال الاستقرار السياسي والاجتماعي في أوطاننا، فتلك النزعات هي التي تدمر النسيج الوطني والاجتماعي، وهي التي تخلق الكانتونات الضيقة التي تحمي نفسها بمعاداة محيطها؛ لذلك يبرز الاحتياج على مشروع التسامح الذي يقودنا إلى احترام الآخر، وجودا ورأيا وحقوقا.

وإذا كان التسامح في المفهوم الغربي يصب في التعامل مع دوافع الكراهية والاختلاف التي تورث العزلة بين أفراد المجتمع، فإنها في المفهوم الإسلامي تتجاوز ذلك بكثير في كونها منظومة أخلاقية وقيمية كاملة بمفردات أعمق من مصطلح التسامح مثل: "المداراة – الرفق –السماحة – الإحسان - اليسر والتيسير"، وهي تؤسس لمفهوم التسامح بشكل أكثر عمقا وأكثر عقلانية في ذات الوقت.

فالإسلام يعترف بالحقوق الشخصية لكل فرد ويحرم انتهاكها، مما يترتب عليه كثيرا من التمايز والاختلاف بين البشر، يكون أساسا للمدارة والسماحة وليس القطيعة، ومن الخطأ أن نتعامل مع القناعات الإنسانية بوصفها حقائق جازمة ومطلقة، فيمارس صاحبها التشدد والتطرف لقناعاته ويعادي من يخالفها، وهذا هو عمق التسامح في الإسلام.

تنظيم لا تنازل

غير أن التسامح لا يعني بأي حال من الأحوال التنازل عن المعتقد أو الخضوع لمبدأ المساومة والتنازل، وإنما يعني القبول بالآخر والتعامل معه على أسس العدالة والمساواة.ثمة بعد آخر يلفت الكاتب نظرنا إليه، وهو أن المنظومة الأخلاقية في الإسلام والقائمة على قيم الإيثار والعفو والإحسان والمداراة، والقول الحسن هي أفضل تطبيق لمشروع التسامح إن تم تجسيدها بمعناها الحقيقي على المستوى الفردي والاجتماعي.

غير أن هناك خطوطا وملاحظات يجب أن توضع تحت مصطلح "التسامح" الذي يرى البعض ومنهم (برهان غليون) أنه قيمة سلبية ومتجاوزة، فالتسامح يعني فقط عدم رفض الآخر ورفض العدوان عليه، دون أن ينطلق إلى آفاق جديدة متعلقة بمحاولة التقريب بين الناس لتحقيق العدالة والمشاركة في الثروات الإنسانية من قبل الجميع، وتقليل الهوة بين الجماعات لتحقيق التقارب الحضاري الذي يسعى إليه الجميع لصيانة المقدسات، وحفظ المكتسبات والمنجزات، والوقوف بوجه العدوان، وكل هذا تقوده العدالة التي هي الهدف النهائي من مفهوم التسامح، وهو أيضا عين الرؤية الإسلامية.

إذن فالحل الذي نستطيع عن طريقه تجاوز شفير الاختلافات والصراعات المبددة للثروات هو التمسك بالتسامح الذي ولد من رحم التعصب الديني والمذهبي، فكلما زادت الخلافات زادت الحاجة إلى قيم تقرب وتربط، ويأتي التسامح المؤسس للتعايش بعدالة ليقوم بهذا الدور.

التسامح والوحدة.. تكامل لا تنافر

وتأتي العلاقة بين التسامح والوحدة؛ لتصنع تكاملا لا تنافرا كما يظن البعض، فالوحدة بالنسبة لنا مطلب إسلامي، حث الله عليه في أكثر من موضع، ولكن يهمنا أن نعرف أن تلك الوحدة لن تقوم أبدا على أنقاض الخصوصيات، وصهر الاختلافات الفردية والفئوية والمذهبية، وإنما عن طريق إدارة تلك الاختلافات بشكل حضاري لا نمطي يؤسس ويؤطر لوحدة شاملة وقوية.

ثمة تحد آخر يأتي عند الحديث عن التسامح، وهو كيفية تطوير الثقافة الاجتماعية للقبول بالآخر، ومحاربة ثقافة التعصب والعنف، وتشجيع الانفتاح الفكري والمعرفي على الآخر، ويجزم الكاتب أن هذا لن يتأتى إلا ببناء أطر ومؤسسات للحوار مع الآخر وفهمه، يكون دورها تنمية مهارات التفاهم والتحاور مع الآخر بشكل مباشر، مما يعمق لخيارات التسامح والعدالة المشتركة بين فئات المجتمع.

ويلفت الكاتب إلى أن التفاهم مع الآخر لا يعني أبدا تطابق وجهات النظر معه، فذاك مستحيل من كل النواحي، ولكن الأمر يرتبط بحسن إدارة الخلاف بوسائل بعيدة عن العنف والتعسف. وإذا سلطنا المنظار على واقع المنطقة العربية والإسلامية، سنجد أن غياب ثقافة التسامح وقبول الآخر بين التيارات والمذاهب والعرقيات المختلفة كان هو الطريق الذي دخل منه المستعمر الغربي، الذي توسع أفقيا ورأسيا في ثقافتنا ليزيد الهوة بين فئات المجتمع ومذاهبه.

مصالحات داخلية

ويؤكد الكاتب أن الحل يكمن في إجراء مصالحة داخلية عميقة على أكثر من مستوى، مصالحة بين السلطة والمجتمع، وبين النخب السياسية والثقافية والاجتماعية، وبين التوجهات الدينية والمذهبية المختلفة؛ لتكون محصلتها مناخا سياسيا واجتماعيا مستقرا، بعيدا عن الصدام والعنف، وذلك على المستوى القومي والوطني.

ويعود الكاتب لطرق قضية التسامح في الإسلام بشكل أوسع في فصل الكتاب الثاني الذي يتحدث عن مفهوم التسامح وقضايا العيش المشترك، حيث يؤكد الكاتب أن التسامح في عصر الصراعات المذهبية والعقائدية يجعل الإنسان فاهما كيفية التعبير عن معتقده ومبدئه دون تعصب وانتهاج منهج القتل والتدمير للآخر الذي يخالفه المعتقد.

ويسلط الكاتب الضوء مرة أخرى على منهج الإسلام في التسامح، والذي بدأ من الدعوة التي ربطها الله بحسن الكلام وتحقيق هدفها بالإقناع والمنطق، وهو السياق الذي توضحه الآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..، وهي دعوة قرآنية لفن إدارة الخلاف والصراع والدعوة إلى الله بالحوار، وتتضافر معها الآية الكريمة: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا.

لذلك نهى الله نبيه والمسلمين عن إقناع الناس بالإسلام تحت تأثير الخوف والإكراه، وذلك في قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...

ويلفت الكاتب إلى أن التسامح مع الآخر لا يعني أبدا الميوعة وعدم التمسك بالقيم الذاتية لكل فرد، فالغلظة والشدة في العلاقات الاجتماعية ليست هي الأصل، وهي أمر مناف لكل القيم، فقمة التمسك بالقيم هو التسامح والتعامل باللين والحسنى مع الآخرين.

الإسلام.. لا للمفاصلة الشعورية

فالإسلام بقيمه ومبادئه وتجربته التاريخية لم يؤسس أبدا للمفاصلة الشعورية والعملية ضد الغير والمغاير، بل أسس إلى التعايش والتسامح ما دام لم يقم هذا الغير بالاعتداء على المسلمين، والآية واضحة حين تقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.

غير أن تجربة المسلمين لم تسلم من بعض حالات انتهاك حقوق الغير، أو الضيق بالرأي المختلف، وكانت ممارسات فردية وليدة ظروفها، وبعيدة عن المنهج الإسلامي الصحيح، ومن هذا المنطلق يشدد الكاتب على أهمية قراءة التاريخ الإسلامي بعقلية بعيدة عن التقديس. ويطالب الكاتب في هذا السياق المجتمع الإسلامي بتجريم كل أشكال الكراهية والحقد بين أبناء الوطن الواحد، فاللحظة التاريخية تتطلب منا جميعا القبض على الوحدة والتمسك بالاستقرار، ورفع الغطاء الشرعي عن ممارسات الكراهية والتعصب في المجتمع.

وتبقى المعضلة

وينتقل الكاتب إلى قضية إمكانية العيش المشترك في ظل الاختلافات الأيديولوجية الحتمية، ويعبر عنها بسؤال انطلق في الإجابة عنه وفق تصور المعنى الحقيقي لروح التسامح وقبول الآخر، وكان السؤال المعضل هو: كيف نستطيع العيش مع بعضنا ونحن مختلفون، ويتجاوز الكاتب كل تصورات واستنتاجات القارئ حينما يؤكد أن الإجابة عن هذا السؤال هي "المعضلة"، وهي التي ستحدد طبيعة المستقبل السياسي والاجتماعي لكثير من البلدان العربية والإسلامية.

فانتشار مظاهر العنف والفوضى في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية لا يرجع أبدا للاختلافات والتنوعات العقدية والمذهبية والعرقية الموجودة في تلك البلدان، وإنما يرجع إلى فشل التعامل مع تلك الخلافات وفق صيغة حضارية تجمع بين حقيقة الاختلاف التي لا يمكن نكرانها، والتي هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بجدلية الصراع، وبين ضرورات العيش المشترك، كي لا تتحول تلك الاختلافات إلى معاول هدم تفني كل أسس تعايش الفئات المختلفة تحت سقف مجتمع واحد.

ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، حينما يؤكد أن محاولة نشر الأفكار بالتعصب والتسلط يؤثر سلبا على الفكرة ذاتها، ويجعل تقبل الناس لها واقتناعهم بها أمرًا بعيد المنال إن لم يكن من المستحيلات بمكان. مضيفًا أن ظاهرة التعصب الأعمى لهي أكبر خطر على استقرار المجتمعات، فالتعصب الأعمى يؤسس لثقافة معاداة المخالف وممارسة الإقصاء بحقه.

امتلاك القوة والحقيقة

ثمة تصور آخر يسوقه لنا الكاتب يمثل زاوية مهمة في الأمر، وهو العلاقة بين القوة المطلقة والحقيقة المطلقة؛ حيث ينادي الكاتب بالفصل الفوري بين احتكار القوة واحتكار الحقيقة، فمن وجهة نظره ليس كل من يمتلك القوة بالضرورة يمتلك الحق، كما أنه ليس بالضرورة أن من يمتلك الحق يمتلك القوة التي تدافع عن هذا الحق، "وإن كنا نختلف معه في تصوره الأخير، فصاحب الفكرة يحتاج بالضرورة إلى قوة تحميها في حال إقدام الآخر بلا وعي أو فهم للعدوان عليه، ومحاولة سلبه حقه المشروع في التعبير عن رأيه بالوسائل السلمية والإقناعية".

وإذا تحدثنا عن كيفية العيش المشترك في عالم ينوء بالاختلافات والتمايزات، فإن الكاتب يرى أنه يجب من الأهمية بمكان الإشارة إلى ضرورة التعامل مع الأفكار والقناعات طبقا للتطورات الواقعية، وإعادة صياغة تلك القناعات العامة والشخصية بما يحقق الانفتاح والتواصل مع الآخر، وذلك من أجل نسيج مجتمعي قوي قائم على التكامل والتلاقي لا العزلة والانغلاق، وطبقا لهذا التصور فإن أول أسس العيش المشترك يقتضي إعادة بناء العلاقة مع الأفكار والقناعات؛ لتكون علاقة تفاعلية واقعية لا جامدة أو متخشبة.

الاختلاف.. قيمة جمالية

قضية أخرى لا يراها الكاتب بعيدة عن قيمة التسامح، بل هي من وجهة نظره أصل فيه، ألا وهي التربية الجمالية، والتي تأتي من التصور القائل بأن التنوع والتميز والاختلاف الموجود في الطبيعة هو نوع من الجمال، ونفس الأمر ينسحب على التنوع والاختلاف والتمايز الموجود في الحياة الإنسانية بين البشر، فالطبيعة ليست لونا واحدا وإلا لصار الكون كئيبا موحشا، وكذلك الحياة الإنسانية.

ومن هنا يرى الكاتب أن النظر للاختلافات بين البشر من هذا المنظور الجمالي يؤسس بشكل لا لبس فيه لقيم التفاهم والتلاقي بين مختلف فئات المجتمع، والتي بدورها تكون إطارا لحالة السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، وهذه الحالة الجمالية تنسحب أيضا على الصفات الداخلية لكل إنسان من حب للجمال وبغض للقبيح، إذن فالتعامل مع الاختلاف وفق النظرة الجمالية هي أحد وأهم المداخل الأساسية لتوطيد أركان السلم الأهلي.

ومن هذا المدخل، ينطلق الكاتب بمهارة ليطرق أبواب علماء الدين الإسلامي ودعاته، عبر التركيز على مفهوم اعتماد الإسلام في دعوته على الحقائق والبراهين والحرية والبصيرة، لا على التزييف والتضليل والإكراه، ففكرة الإسلام أقوى من أن يتم فرضها على الآخر قسرا، فهو دين العقل والعاطفة معا، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

نداء إلى الدعاة

من هنا كان النداء لعلماء الأمة الإسلامية ودعاتها أن يلتزموا منهج الحكمة والإقناع بالحق والبصيرة، وأن يبتعدوا عن التعصب الأعمى ورفض الآخر ومحاولة تسفيهه والتعسف بأفكاره، غير أن هناك نقطة أكثر خطورة تقع على عاتق الدعاة في هذا الأمر، وهي أهمية أن يكون الداعي نموذجا واقعيا يجسد قيم الإسلام وأفكاره وجمال شريعته.

وفي هذا الإطار يرتفع صوت الكاتب للمناداة بمراجعة المناهج والأساليب التي تشكل وعي الدعاة وتفكيرهم وتنقيتها من وسائل التعصب والإكراه، حتى لا نخرج دعاة يلوون عنق الحقيقة انسجاما مع أمزجتهم ويصادرون المعنى الحقيقي للإسلام ويتمسكون بقشوره، فيدخلوا العالم الإسلامي في كثير من المتاهات ويكثروا عليه التحديات.

بعد هذا النداء لدعاة الأمة وعلمائها، انطلق الكاتب في الفصل الثالث من كتابه ليقرع جرس إنذار، وينبه الجميع لخطورة انعدام ثقافة التسامح وعدم تقبل الآخر على المجتمع، مشكلة ثقوب في الوعي الاجتماعي ينفذ من خلالها العدو ليعيث في المجتمع فسادا، وفي مقدساته وأعراضه انتهاكا.

ثقوب في الوعي الاجتماعي

وهذه الثقوب تتمثل في عقلية التعصب الأعمى المقيت التي تفرز أحقادا وكراهية وفرزا بين أبناء الوطن الواحد المختلفون مذهبيا أو طائفيا، فتشغل المجتمع بأسره عن قضاياه الجوهرية بمحاولة علاج وسد تلك الثقوب، ويتم كل ذلك بينما ينخر العدو في الجسد المجتمعي الكبير، نافخا في تلك الثقافة ومضخما إياها.

ويرى الكاتب أن ثقافة التعصب والكراهية قد أربكت أولويات العالم العربي والإسلامي، وخلطت الأوراق، وجعلت الجميع خاضعا لتداعياتها، غير أن معالجة الأمر لا تبدو مستحيلة، فإننا يمكن أن نبني قيما مجتمعية تعلي من شأن التسامح واحترام الآخر وقبوله، وعلى كل فرد في مكانه المجتمعي دور في تكوين وبناء تلك القيم، إضافة إلى ذلك يجب نبذ الأنفة والتعصب للذات، واستبدالها بالإطلاع على الذوات الأخرى، وبذلك يتدرب المجتمع ككل على ممارسة الفضيلة مع الآخر.

ثالوث التعايش

الاختلاف بين الناس، كما أسلفنا، لم يوجد للحروب واختلاق الضغائن، وإنما وجد لإحداث حالة من التفاعل والبناء والتعاون الذي ينتج التعايش، ولكي تتحول حالة التعايش بين مكونات المجتمع وفئاته إلى حقيقة راسخة وثابتة، فنحن بحاجة إلى الالتزام بالثالوث القيمي (التعارف - التعاون - العدالة)، وهو ثالوث مرتبطة أركانه ارتباطا وثيقا؛ لتشكل مبادئ راسخة للتعايش بين الفئات المختلفة، يتمكن بها المجتمع من حماية وحدته ومكاسبه، وتنمية واقعه في كل المجالات.

ثمة إشكالية أخرى تبرز عند الحديث عن إمكانية التعايش المشترك على قاعدة موحدة هي الأرض والوطن، برغم الاختلافات والتمايزات بين أبناء المجتمع، وتتمثل تلك الإشكالية في كيفية وضع حلول عملية ومنطقية لا تلغي حق الاختلاف، وفي ذات الوقت لا تشرع للعزلة والانكفاء على الذات.

لهذا فنحن بحاجة إلى وضع مرتكزات ضرورية نراها قادرة على جمع الأمرين، تتمثل أولها في نبذ المساجلات والمماحكات عند حوار الهويات، وهي أن يبتعد كل طرف عن السجال والمماحكة التي يريد عن طريقها أن يثبت أنه على صواب وغيره خطأ، فتضيع في معمعة السجال الجوامع المشتركة.

ولا نقصد بالطبع أن تتلاشى حوارات العقائد والأيديولوجيات، وإنما نريدها أن تتأسس وتنمو في مناخ من التفاهم وإدراك الواقع المشترك بين المتحاورين، ولا يجب أبدا في ذات الوقت أن تكون تلك الاختلافات الأيديولوجية والعقائدية مبعثا على انتهاك حرمة الإنسان وحقوقه المقدسة في كل الأديان والأفكار.

الاستبداد والتعايش.. العراق نموذجا

ويحاول الكاتب بعد ذلك إسقاط إشكالية التعايش المأزوم بشكل أوضح في التجربة العراقية، فيرى أن العراق نموذج للوطن الذي يحوي عدة فصائل ومذاهب وطوائف تعتز كل واحدة منها بتراثها وحاضرها بشدة، غير أن التعامل مع تلك الطوائف جميعها بالعقلية الشوفينية الاستبدادية، ومحاولة توحيدها بالقوة والتذويب لم تأت إلا بعكس المرجو.

فالوحدة لا تصان بعقلية الإقصاء والقمع، وإلا لتحطمت عند أول اختبار حقيقي لها، وهو ما حدث بالعراق الذي تفجرت فيه الفتن والمعارك بين السنة والشيعة والدروز والتركمان؛ لتحصد الأرواح، وتهدم المنجزات وتقضي على الوطن. ويحاول الكاتب إيجاد الحل، والذي يؤكد أنه محصور في تجديد المشروع الوطني، وصيانة الوحدة الوطنية بين مختلف فئات المجتمع، وذلك عبر إعادة صياغة العلاقة بين مكونات المجتمع على أسس العدالة والمساواة واحترام الخصوصيات، إضافة إلى إعادة صياغة الوعي الوطني لدى الجميع، وتوعيتهم بمخاطر التشرذم والتشظي التي تعد بمثابة قوارض الاستقرار والتقدم، ويتم ذلك وفقا لجدول زمني جزئي يمكننا من طرق كافة المشكلات، ومحاولة حلها بشكل موضوعي وهادئ.

تنظيم لا إنهاء

ختاما، نرى أن الكتاب يمثل محاولة جادة وموضوعية لتنظيم الاختلافات والتمايزات بين البشر دون أن يلغي جدلية الصراع والتدافع، فالتدافع سنة كونية ماضية إلى يوم الدين، غير أنها كما قلنا محاولة تنظيم أشكال هذا التدافع، وابتكار أطر تجعل هذا التدافع وسيلة من وسائل البناء لا وسائل الهدم.

----

* عن موقع إسلام أون لاين.

2009/02/10

 








لاتوجد تعليقات بعد

إدارة التحرير


ارسل لصديق