"الطائفة" في المدى المتنوع : الشأن الأقلوي ومسؤولية الأكثرية
كتبه: السيد هاني فحص
حرر في: 2011/10/15
التعليقات: 0
القراءات: 248

يبدو ان هناك مساراً تكاملياً في طريقه الى التبلور من جديد وبشروط جديدة، بين حقول المعرفة المختلفة. ان ذلك يمكن ان يعني ان تعدّد هذه الحقول يوفر اطلالات متنوعة على المستويات المتعددة في الحقائق والوقائع والحوادث والافكار والموضوعات المؤتلفة على نسق ما، يحفظ تمايزاتها وابنية تماثلها معاً. ويمتد هذا المسار ويتسع ليطل على السمة الاساس والمميزة لثقافتنا العتيدة، ثقافة التعدّد والارتقاء بوعيه، بوعينا له، من كونه مشكلة تتطلّب حلاً عاجلاً! الى كونه واقعاً اشكالياً يستدعي تنويعاً في طرائق التعامل معه والتي تختلف وتتعدد طبقاً لطبيعة اللحظة التاريخية والظروف المصاحبة، ما يجعل الحل الحضاري الممكن والملائم هو تكييف هذه الاشكالية والتكيّف معها وبها، بما يضمن دينامية المعرفة، ولا ينتهي الى تعريفات نمطية جامدة ومغلقة للمفاهيم تلزمنا باصطناع الاطلاقات والتعميمات التي تستشري حتى تعطل العلم والتجربة، وتدفع بحركة الواقع والذهن والاجتماع والتاريخ، الى حال من الأَسْطَرَة التي تماهي تعسفاً بين الثابت والمتغيّر، فتوسع قائمة الثوابت، ليسود السكون او الشلل ويتوقف الابداع والتغيير والاضافة. وفي المشهد، على مساحة المعمورة، الآن، هناك انهماك، يقوى ويتسارع او يضعف ويتباطأ، تبعا لدرجة القلق المعرفي ونوعية الاسئلة ومراتبها، وهو انهماك باعادة استكشاف الحقائق، طبائعها وعلائقها، بغية اعادة احتمالات المستقبل وسياقاته الى انساق اشد تركيباً وتناغماً وحيوية، وهذا من شأنه ان يفضي، او انه افضى فعلاً، الى الاستقرار المنهجي باعتبار التعدد حقيقة ترقى الى مستوى الاصل في تكوين الانسان والطبيعة، وعلى هذا الاساس فان مساحة الحرية المتاحة او المحرَّرة والمحرِّرة في المعرفة تحصيلاً وتبادلاً، من دون مسبقات، والغائية الحاضرة في جدل الامكان والفعل، والواقع والفكر، وبين الوقائع، كما بين الافكار ذاتها، بين الفرضيات وتحقيقها وتحقّقها، كل ذلك يؤثّر في اختصار المسافة، لا الغائها، بين الرؤى العلمية على اختلاف مناشئها ومنابعها ومجاريها ومنازعها، فيقوم الاختلاف نصاباً للتعدد والتبادل بين الغيبية والتجريبية، بين التحليلية والتركيبية، بين التفكيكية والبنائية، بين المعيارية والذرائعية، حتى تصل المسألة الى تشذيب الاطلاق القاطع الفاصل بين الذاتية والموضوعية، ويعود الحلم الى شرعيته، ويستوي الفن معرفة اخرى، تطل على الجهة الاخرى، جهة المعنى المتجدد... فتتجدد وتتعدّد. تبعاً لذلك، يستقر المعنيون بتنظيم شؤون الاجتماع البشري على التسليم بأصالة التعدد واستحالة اختزال المتعدد في واحد، اياً كان هذا الواحد، قومياً او اجتماعياً، طبقياً او دينياً. ويأتي انحسار عدد من الطروحات الشمولية الاختزالية، وانسداد افق الطروحات الناشطة منها الآن، والى امد ما، مرسخاً لهذا الاقتناع وموسعاً دائرة الاخذ بها عالمياً. ان ما يترتّب على هذه النتيجة، يتخطّى مسألة الاعتراف بالآخر، الى ضرورة مراعاة المكوّنات المتعددة في شخصية الفرد والجماعة وحمايتها، من خلال مشروعات تنظيمية في المجالين الاهلي والحكومي، تستبعد الالزام والاكراه وتعتمد الحرية خياراً وشرطاً انسانياً. واذا ما كان الدين داخلاً في صلب مقومات الفرد اساساً والجماعة تالياً، فإن تجاهله لا يتأتّى الا من خلل في الرؤية يتسبّب بتعويق اي مشروع تنظيمي او نهضوي او تنموي او وجودي. اذ يصبح العنف المدمّر احد انتظارات المجتمعات التي تتعرّض لامتحان تعطيل مكوّناتها. واذا ما كان الايمان الديني مطلقاً، او ايماناً بالمطلق، فانه عندما يدخل في التاريخ وفي العيان، لا بد ان يتجلّى ويتموضع، متقاطعاً ومتداخلاً، الى حد الالتباس احياناً او المشاكلة، مع محدّدات اخرى، وداخلاً في جدل اللحظة التاريخية ودلالاتها ومعطياتها المادية والمعرفية. وهنا تصبح الطائفة الدينية او المذهب متحداً جامعاً، لا يلغي ما دونه او فوقه من المتحدات بالضرورة، ولا يلغي نفسه بها، قومية كانت او وطنية او اممية او سلالية او جِهَوية. ولا تغيب تأثيرات هذا المتحد او تعبيراته غياباً كاملاً عن حياة الافراد والجماعات، تحت اي ظرف او شرط حضاري او سياسي، فاذا ما منعت مانعت او راوغت او اغتنمت الفرص لتظهر بأشكال مختلفة، في حدود المتاح فان ضاقت او أُقْفلت الحدود عليها، اخترعت تعبيرات، تقوم على ازدواجية الظاهر والباطن، المعلن والمضمر، كما ظهر في سلوكات المسلمين في اسيا الوسطى والقوقاز في العهد السوفياتي المنقضي مثلاً، بحسب قراءة هيلين كاريردونكوس وفريقها، في كتب عدة ترجمها محمد عرب صاصيلا وهنرييت عبودي وغيرهما، فقد استحدث المسلمون على سبيل المثال، اعياداً لاشخاصهم في مناسبات خاصة يتماسون من خلالها مع شأن الجماعة وارادتها في التوحد على معتقد مكوّن يتعرض للقمع والمنع، فأخذوا يحتفلون بعيد بلوغهم الثالثة والستين (عمر الرسول ص) في شكل تكفّل لهم بتأمين الوصلة الطقسية المقطوعة بالسيرة النبوية جراء منعهم من الاحتفال بذكرى المولد النبوي. هذا الكلام اريده مقدّمة لكلام يتوخّى الشفافية في تعاطيه مع الشأن الوطني اللبناني والعربي والاسلامي في صورته الماثلة المركبة واحتمالاته الشائكة والغامضة. واعرِّف نفسي، او لا اعرّفها حذراً من الاغلاق والانغلاق، وسعياً لكي ابقى مشروعاً مفتوحاً على احتمالات الايجاب والانسجام والتناغم، انسجم واطمئن واعيش قلق الارتقاء لا قلق الانتكاس. او مفتوحاً على احتمالات السلب لاتوقّى تداعياتها في نفسي واهلي وعقلي ووطني، بالتقوى. لا اعرّف والجأ الى استبيان وبيان بعض ملامحي كما اراها واستشعرها واتحسّسها واختار منها الاشد وضوحاً مما لا يُستر ولا يُخفى ولا يموَّه. انا عربي مسلم لبناني شيعي اثنا عشري، وهذا الترتيب عشوائي لا يدل على تراتب، وفي المستوى الانساني، حيث المعنى هو الاصل، والمعنى محصلة لا تفاصيل، لا تراتب للمكونات، بل هي تتراصف في عرض واحد، وان تغيرت جزئياً مراتبها الافقية او الطولية فحسب الحالة واللحظة والمقتضى. انها كقوس قزح، يغلب في عين الناظر اليه لون من الوانه في هذه اللحظة، وفي لحظة اخرى ، او عين ناظر آخر يغلب لون آخر، والالوان جميعها متكافئة كثافة واثراً. وانا ميال الى الاندماج في محيطي من دون تمييز او تحفّظ او تردّد، وعن اقتناع اضيف اليه من دون حرج معيار المصلحة، معتبراً ان اي مسلك مغاير لهذا المسلك مآله الى التلاشي وفقدان الوزن. ولكني، في اقصى حالات اندماجي، يداهمني شعور اقلوي، احاول ان ارفعه عن بصري وبصيرتي، عن ظهري وعن صدري، عن ذاكرتي ويومي وغدي، بتغليب ناظم اوسع على ناظم اضيق، من دون الغاء او كسر لاي من النواظم، ولكن الشعور اياه لا يفارقني... واخيراً تنبّهت الى ان شعوراً قبله لا يفارق اهله من كرد ونصارى وبربر الى إباضية وشوافع ومالكية في مواطن من وطننا العربي الكبير. ولا سبيل الى تخفيفه (لا داعي لالغائه حذراً من الموت والانتقال من المكان الى الفراغ). لا سبيل الى تخفيفه (اي الشعور الشيعي، المهجوس بالخوف الاقلوي) او تهذيبه، الا بتخفيف الشعور الاكثري وتهذيبه، بالمعنى العلمي والعملي، وهو اي الشعور الاكثري، لا يتهذّب بهذا المعنى الا بالكف عن الاستقالة، اي عندما يتحوّل شعوراً بالمسؤولية، وعندئذٍ تأخذ الارقام والحسابات والافكار طريقها الى ترتيب البيت الوطني والعربي والاسلامي، على هندسة انسانية حضارية، تحول مسألة الاقلية والاكثرية، على قاعدة التنوّع والوحدة، من مرتبة الأعداد الى مرتبة المعنى والدور واللون والشراكة الوطنية والايمانية والثقافية، التي يرعى فيها الشريك الاكبر والاغنى والاقوى شأن شركائه الآخرين، آخذاً في حسبانه انهم داخلون في حساب مصالحه وهو داخل في حساب مصالحهم، حتى لو لم يدخلوا في حساب اقتناعاته او لم يدخل في حساب اقتناعهم، بل هم داخلون في امكان بقائه وزواله كما هو داخل في امكان بقائهم وزوالهم. الى النزوع الوحدوي المتأصل في الذات العربية، الذي لا تقلّل منه تجارب الوحدة الفاشلة والاحباطات والتعقيدات والمراوغات القطرية، هناك حل من الوحدة قائمة في الواقع الشعبي أو الاجتماعي العربي، لا يؤثر في وجودها وواقعيتها قبول او رفض، وعي او وجهل، اقرار او انكار، تضامن بين الحكومات او تدابر، تناصر او تناحر، هذه الحال تلم الجسد العربي وتصل بين اعضائه، حتى "اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى"، وفي الجسد الشعبي العربي وعي كامل يتجلى في مواعيده، وان اضطربت تعبيراته، لسبب او آخر، في مناسبة او غيرها، فانه يعود ليستقيم على نسق عادل، تمثله تلك الام العربية التي سئلت عن اي اولادها احب اليها فأجابت باولوياتها التكوينية المتحركة بحسب مقتضيات احوالها: "الصغير حتى يكبر والمريض حتى يشفى والغائب حتى يحضر" وكلنا، اوطاناً وشعوباً، موزعون بين صغير او مريض او غائب. ويبقى انه لا بد ان يكون فينا وبيننا ومنا من هو مطالب اكثر من غيره... اوطاناً وجماعات... والعصر عصر حسابات في الاحجام والاعداد والمواقع والتراث وآفاق المستقبل والثروة البشرية والمادية والعلمية، ما يقدم وطناً او دولة او جماعة او طائفة عربية على آخر او اخرى في سلم المسؤولية والدور والفاعلية... ولا بد من الشفافية لانها المدخل المضمون الى وعي الذات والآخر والتعريف بالذات والتعرف بالآخر، على المعرفة المبتادلة تتسع مساحة اللقاء وتتكافأ الذمم والهمم.. وعليه فإنه من المجدي ان نحدّد من هو المعني والمسؤول اكثر؟ من هي، بين الاكثريات المتعددة بلحاظ تعدّد المقاييس، الاكثرية التي يمكن ان يتوجه اليها الخطاب في هذه المساحة الشاسعة من التعدّد الممتدة من طنجة الى جاكرتا او من المحيط الى الخليج؟ لكي تكون طليعة بما تملك من شروط ومقدرات، في اعادة نظم حالنا العربية بحيث يعود تكويننا الوحدوي ونزوعنا الوحدوي، على عقلانية وواقعية وأناة وروية، الى العمل في ما بيننا، حتى تلتئم جماعاتنا الدينية والوطنية على مقدار من الوحدة التي لا تلغي اطرافها ولا تعطل الجدل والحوار بينهم، ولكنها توفر الاحتياط اللازم من اجل ان لا يتحول الجدل سجالاً والحوار في فضاء الإختلاف الطبيعي عنفاً مدمراً؟ ما المثال الذي ينبغي للاكثرية المعنية مع غيرها واكثر من غيرها، ان تبني عليه لتتحوّل من رقم قابل للكسر والانكسار الى منقذ من الضلال والضياع والجوع والفقر والاستحواذ والاستتباع والاستلحاق؟ وكيف تتحوّل هذه الاكثرية رافعة حضارية لاوطان العرب ومثالاً يحتذى للعالم الاسلامي في تحقيق المعاصرة التي لا تقطع ولا تُقطّع؟ احاول المسارعة الى الجواب طموحاً الى فتح النقاش... فربما كان المسلمون السنة هم المعنيون، في المدى العربي والاسلامي معاً... هذا لا يعفي الجماعات الاخرى من وظيفتها، ولكن وظيفة الاكبر اكبر، ووظيفة الاغنى اغنى، ووظيفة الاقوى اقوى، ويظل هناك وهج وحيوية ضرورية ومعنى جميل في وظائف الشركاء الآخرين. ان المسلمين السنة هم الكتلة البشرية الاكبر في العالمين العربي والاسلامي، وهم النظام القائم او بديله في العالمين عينهما، وهم الثروة في كليهما. من هنا فانه من غير اللائق ان يبقوا مشغولين بحصتهم. واللائق والمطلوب والملائم والضامن لمستقبل الجميع ان يتصدّوا لمسؤوليات ومهمات كبرى تتجاوزهم ولا تتخطّاهم، لأهليتهم التي يطاولها النقصان بالترك والإهمال وتزيد بالمبادرة والتصدي. لعلّ مجتمعاً مدنياً على قياسنا نبنيه او نبتدعه او نخترعه، هو الاطروحة التي تتسع لهمومنا وآمالنا واحلامنا وتوقعاتنا وضرورات وجودنا وحياتنا. شرط ان نؤسّسه على شروطنا الذاتية والموضوعية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، من دون ان نهمل او نجافي الشروط العامة للمجتمع المدني في المنظور المعاصر، ونشترط له وعليه القانون والدولة الجامعة والحرية والديموقراطية التي تحفظ التعدد وتوظّفه في مشروع حضاري شامل ومتكامل، تُمكّن من خلاله كل جماعة من الاحتفاظ بخصائصها مع المساواة في الحقوق السياسية والمدنية، من دون ذوبان او انفصال. ان الاقليات تنطلق في سعيها الى التعددية كحافظ لقوامها الوطني، من اقتناع بأن البديل فادح الثمن حضارياً، او انه غير ممكن او مجدٍ سياسياً، ومن هنا يتمحور نضالها حول الحصول على اعتراف الغالبية بشرعية الاختلاف والتنوّع، وتكريس هذه الشرعية دستورياً ومؤسسياً، من دون الاخلال بأي من الحقوق الطبيعية المكتسبة لاي جماعة. وهذا يتحقّق عندما يكتمل الوعي الأقلوي لهذه المسألة بوعي أكثري مطابق وهل يمكن الحديث، من دون مغامرة أو مخاطرة، في الوطن العربي، وفي مساحات دولنا الوطنية (القطرية) عن (اتحاديات) اجتاعية؟ تعترف بحقيقة التعدد وبالخصوصيات، فتؤمّن لها اطاراً يسلكها في مجرى العام العربي او الوطني. ان الاتحادات الاجتماعية من شأنها ان تفتح وعينا من جديد على احتمالات الوحدة العربية، التي ربما كانت الصيغة المعاصرة والمناسبة لها هي صيغة الفيديراليات الاتحادية المتعددة نسبياً تحت سقف قومي جامع. وهي، الوحدة العربية في هذا المنظور، تعود لتكون ضماناً للحال المدنية المنشودة، باعتبارها نظاماً للتعدد وبوابة على الألفية الثالثة واحتياطاً من سلبيات العولمة المحتملة. وعلى الطريق الوحدوي الذي يعاد رسمه وهندسته على أسس علمية وواقعية، نبدأ بوضع الحد لتسلّط الدولة القطرية سياسياً وثقافياً. وفي النهاية، ليس التنوع بحد ذاته هو الذي يخلق التوتر والصراع، بل نمط العلاقات وما يترتب عليه من تفاوت في الفرص في الثروة والمكانة والسلطة، هو المحرّك الأول للتوترات الصراعية. وأرجو أن أكون قد فتحت نقاشاً لا سجالاً... وإلا فإني استغفر الله.*








لاتوجد تعليقات بعد

السيد هاني فحص


ارسل لصديق