

أودّ أن أبدي هنا ثلاث ملاحظات.
أوّلا، أنا لم أقل في "أولية العقل" إنّه لا مجال للديمقراطية إلا إذا قامت على العقل، بل أردت فقط، التأكيد على أنّ العلمانية شرط ضروريّ، لأسباب واقعية، لإقامة نظام ديمقراطي عادل. قد توجد مسوغات عقلية لإقامة نظام كهذا، ولكنّ هذا غير القول إن الديمقراطية لا تقوم إلا على العقل.
ثانيا، الإسلام باعتباره دينا – أي شعائر وعبادةـ لا هو يتعارض مع الديمقراطية ولا هو يستوجبها. هذا يصدق على الإسلام الديني مثلما يصدق على أيّ دين سماوي سواه. ولكن توجد نظرة إلى الإسلام لا تفصل بين العبادة والسياسة، وهذه هي النظرة التي لا يمكن أن ينتج عنها -عمليا- نظام ديمقراطي عادل وحقيقي.
ثالثا، هذه النظرة إلى الإسلام تتسم باللامعقولية، وليس فقط باللاعقلانية، لأن في استوجابها أن يقوم النظام السياسي على تعاليم دين معين فإنّها، في حال تجسّدها في حركة سياسية، ستنتهي بأصحابها إلى عمل كلّ ما يلزم للحؤول دون أن يكون لأيّ رأي مخالف أيّ دور في المجال العامّ، بحجّة أنه يتعارض مع القيام بواجب ديني. ليس في هذا انحراف عن معايير العقل فحسب، بل وأيضا عن شروط المعقولية.
في كتابي "الأسس الفلسفية للعلمانية" حاولت أن أبيّن بإسهاب، انطلاقا من اعتبارات منطقية ومفهومية وأبستمولوجية، لماذا لا يمكن الربط منطقيا بين الإسلام والسياسة، ولا أظنّك تتوقع مني هنا أن ألخّص ما قلته في مئات الصفحات من هذا الكتاب، وعدت وطوّرته في بعض فصول أولية العقل.
هذا السؤال على درجة عالية من التعقيد، ولا أظنّ أنّ بالإمكان إيفاءه حقّه في حوارنا هنا. ولذلك سأكتفي بإبراز النقاط التالية: أوّلا، الظروف التي أحاطت بنشأة الإسلام وأجبرت النبي محمد
على الهجرة إلى المدينة، هي التي تفسّر تحوّله إلى العمل السياسي والتنظيمي.
ثانيا، الفرائض الدينية للمسلم محدّدة بشكل واضح في أصول الدين الخمسة، وليس بينها فريضة إقامة الدولة على أساس تعاليم الإسلام. وحتى لو سلّمنا بالمبدأ القائل: ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وسلّمنا بأنّ نشر الإسلام كان واجبا، وأنّ إقامة دولة إسلامية كان ضروريا لتحقيق هذا الغرض، فإنّ الظروف الآن هي غير ما كانت عليه يوم أخذ الإسلام ينتشر عن طريق الفتوحات.
فالإسلام تأسّس، والتبشير به لتحقيق انتشار أوسع له متاح للمسلمين ولا حاجة للدولة باعتبارها وسيلة لنشره. أضف إلى ذلك أنّ الواجب الديني لا يتوقّف على ظروف البشر التاريخية، ولا يمكن بالتالي اعتبار إقامة دولة إسلامية واجبا دينيا.
ثالثا، إنّ المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون دنيانا مستقلّة منطقيا عن المعرفة الدينية، على افتراض إمكان وجود معرفة دينية. ولذلك فهي ليست خاصة بأيّ دين.
وإذا أضفنا أنها ليست ذات مكوّنات ثابتة، وأنّها تتغيّر بتغيّر ظروف البشر وتغيّر أجهزتهم المفاهيمية، إذن، على افتراض وجود أمر إلهي بتنظيم شؤون دنيانا على نحو معيّن، فإنّ هذا الأمر ينبغي فهمه على أنّه أمر شرطيّ، لا مطلقا، أي يتّخذ الصورة: إذا كانت الظروف التاريخية هي كذا كذا، إذن ينبغي أن تنظموا شؤون دنياكم وفق كذا وكذا.
تفنّد في كتابك السابق ادّعاءات الإسلاميين بأنّ "النصّ سابق على العقل" على اعتبار أنّ الإنسان قادر على معرفة الله عن طريق العقل ولكنه غير قادر من دون توجيه إلهيّ على تدبّر شؤون دنياه ومعرفة كيفية تنظيم حياته السياسية، وتؤكّد أنّ الاعتبارات العقلية مبطلة لأيّ اعتبار سواها، سواء كانت مستمدّة من نصوص دينية معيّنة أو من أيّ مصدر آخر، مشيرا إلى أنّ الله حين خلق العقل الإنسانيّ وضع على عاتقه مسؤولية الكشف عن الوقائع بذاته، وتقرير قيمه وغاياته ووسائل تحقيقها بحرية، مميّزا له بذلك عن كلّ المخلوقات، أرجو توضيح ذلك.
كل ما يمكنني قوله هنا هو أنّ المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤوننا الدنيوية ذات شقّين: علميّ ومعياريّ. العقل العلميّ حتما مستقلّ عن "العقل" الدينيّ. وإذا أضفنا أنّ للعقل وظيفة معيارية، كما حاولت أن أبيّن في "أولية العقل"، واعتبرنا العقل مخلوقا من قبل الله، إذن لا مهرب من الاستنتاج بأنّ الله زوّد العقل بوظيفة معيارية، مثلما زوّده بوظيفة علميّة- نظريّة. إذا، العقل المعياريّ مثله مثل العقل العلميّ- النظريّ، مستقلّ بإرادة الخالق نفسها
لم أقرأ دراسة عبد الرزاق عيد التي يعلّق فيها على كتابي المذكور في سؤالك، ولا أستطيع- لذلك- الحكم على تعليقه دون وضعه في السياق الذي ورد فيه. ولكن أقول- بشكل عامّ- إنّ نعت كتاب يحاول تسويغ الموقف العلمانيّ من وجهة نظر فلسفية بأنه لا يشكل تأصيلا نظريا للعلمانية، لا يصدر إلا عن جهل فاضح لما يعانيه التأصيل النظري.
فالتأصيل الفلسفي هو أقصى ما يطمح إليه التأصيل النظري. كذلك لا أفهم مطلقا ما الغرض من ذكر تحليل ياسين الحافظ السوسيولوجي للمجتمع اللبناني في سياق التعليق على كتاب فلسفي.
هل الغرض هو القول إن التحليل السوسيولوجي هو المطلوب ولا حاجة- بالتالي- لتناول العلمانية من وجهة نظر فلسفية؟ لا شك أنّ ثمة اعتبارات كثيرة- تاريخية وسوسيولوجية وسياسية- يمكن اللجوء إليها للدفاع عن الموقف العلماني، ولكنّ هذه الاعتبارات لا تؤسّس وحدها هذا الموقف، فكريا ونظريا.
إنها تبقى ناقصة جدّا بدون التصدي للأسئلة الفلسفية الصعبة ذات العلاقة بفصل الدين عن السياسة. زد على ذلك أننا بحاجة ماسة إلى خلق ثقافة علمانية، يمكن في كنفها أن تحتل القيم العلمانية مركزا هاما في حياتنا، إن هذا هو أهم ممهد لعلمنة السياسة.
ولكن خلق ثقافة كهذه لا يتم عن طريق جهود علماء الاجتماع والسياسة وحدهم، بل إنّ جهود الفنانين والشعراء والروائيين و"الدرامائيين" والفلاسفة تأتي في المقدمة.
توضح في الكتاب السابق الأخطاء التي يقع فيها بعض الباحثين والمفكّرين العرب في تعريفهم للعلمانية، وقيام بعضهم بالخلط بين واقع العلمانية كفكرة مستمدّة من الغرب، وبين روحها أي المفهوم الفلسفي لها.
العِلمانية (بكسر العين) لفظة مشتقة من "علم"، ولكن العَلمانية (بفتح العين) بحسب اقتراح الأب غريغوار حداد الذي أخذت به في كتابي، مشتقة من "عالم."
لم أعد مقتنعا باقتراح الأب حداد، خصوصا بعد اطلاعي على ما كتبه عزيز العظمة بهذا الخصوص في "العلمانية من منظور مختلف". ما يهمّني الآن هو أنّ العلمانية بالمعنى الذي يعنيني هي- مفهوميا- النظير العربيّ لـ secularism و ليس لـ scientism، لأن المفهوم الأخير الذي شاعت الإشارة إليه على أقلام كتابنا بلفظ "علموية"، هو مفهوم يتعلق بالنظر إلى المعرفة العلمية، في الصورة التي تجسدها العلوم الطبيعية، على أنها النموذج لكل أنواع المعرفة.
مفهوم العلمانية الذي يعنيني يتضمّن- على الأقلّ- ضرورة حياد الدولة إزاء الأديان، وكذلك حيادها إزاء الدين بما هو دين، ويتضمّن- على الأكثر- ضرورة عدم وجود أي دور للدين في المجال العام.
"العلمانية الصلبة" ترفض الدولة الدينية من حيث المبدأ، أي ترفض الأساس الذي تقوم عليه الدولة الدينية، وهو أنّ الإنسان غير قادر على تدبير شؤون دنياه- السياسية وغير السياسية- بدون الاسترشاد بتعاليم دينه.
"العلمانيّ الصلب" يصرّ على أنّ المعرفة المطلوبة لتدبير شؤون الدنيا- في شقّيها العلمي والمعياري- مستقلّة عن "المعرفة" الدينية، على افتراض أنّ الأخيرة ممكنة، استقلاليتها تقرّر طبيعتها، وليس أيّ شيء يرتبط بظروف البشر.
أما "العلماني الليّن" فإنّه لا يتجاوز في رفضه للدولة الدينية، اللجوء إلى اعتبارات مثل كون الدولة الدينية استنفدت أغراضها، أو لم تعد تصلح في الزمن الحاضر للإحاطة بالمشكلات المعقدة للبشر على مختلف الأصعدة، أو تحمل في طيّاتها بذور الانقسام الاجتماعي في مجتمع تعدّدي، أو تتعارض مع إقامة نظام ديمقراطي.
إنه يرفضها- إذن- ليس من حيث المبدأ بل لأنه اتفق أنّ الشروط التي نعيش في كنفها، تجعل رفضها وإحلال دولة علمانية مكانها أمرا مرغوبا.
في أحد لقاءاتي مع محمد عابد الجابري في أوائل الستّينات في عمان، أعرب لي عن رأي مماثل بخصوص كون العلمانية- بحسب اعتقاده- إشكالية اخترعها المسيحيون في المشرق العربي، هذا بعد أن أطلعته على أنني بصدد تأليف كتاب يتناول الأسس الفلسفية للعلمانية.
لا أهمية بالطبع للدوافع التي دفعت هذا المفكر أو ذاك لتبنّي الموقف العلماني أو أيّ موقف آخر. بخصوص تقويم أهمية أو صحّة هذا الموقف، فالجابري يرتكب ما يعرف في المنطق بـ "الأغلوطة المنشئية"، أي يحاول التشكيك بصحّة موقف العلمانية أو الإقلال من أهميته، على أساس كونه صادرا- كما يزعم هو طبعا- عن دوافع خاصة بمتبنّي هذا الموقف.
زد على ذلك فتراضه الغريب أنّه لا لاهوت في الإسلام وأنّ العلمانية، لأنها تعني فصل اللاهوت عن الناسوت، لا محلّ لها في حياتنا، وكأنّ مثاليْ السعودية وإيران ليسا مثالين صارخين على وجود لاهوت في الإسلام السنّي والإسلام الشيعي- على حدّ سواء- ولاهوت مسيطر على الناسوت.
والأسوأ من كل هذا أنّ المعنى الأهمّ والأعمق للعلمانية غاب تماما عن فكره الغارق في السطحيات، أي كونها رفضا لأن يكون أيّ دين أساسا للتشريع، ورفضا لعدم حياد الدولة إزاء الدين، بما هو دين.
إنها رفض للمبدأ الذي تقوم عليه الدولة الدينية- مبدأ أن الحاكمية لله- ولا أهمية هنا لما إذا كان الذين يضعون هذا المبدأ موضع التنفيذ، هم من طبقة رجال الدين أو من خارجها.
من هنا فإنّ إقامة دولة علمانية مسألة تهمّ أيّ مواطن حريص على ممارسة حقوقه السياسية والمدنية بحرية تامة، وعلى أن تبقى حياته الخاصة في مأمن من تدخّل الدولة.
ليس المسلم الشيعي في إيران- مثلا- أقل حرصا من البهائي أو الزرادشتي أو الإسماعيلي، على ممارسة حقوقه بدون تدخّل من قبل الدولة التي يمتد تأثير تشريعاتها المستمدة من الدين حتى إلى حياته الخاصة، نظرا لأن هذه التشريعات تفرض شتى القيود حتى على الحريات الشخصية.
ليست الأقليات في إيران هي التي تخترع إشكالية العلمانية، بل إن العلمانية هي مطلب أساسي ومشروع لنسبة كبيرة من مسلمي إيران.
قول جورج طرابيشي إن العلمانية هي إشكالية إسلامية- إسلامية لا يجانب الصواب، نظرا لأن الصراع السني- الشيعي المتخذ أبعادا سياسية، عاد إلى الظهور والأدلة عليه واضحة.
فالسنّي في لبنان أصبح متخوّفا من الصعود السياسي للطائفة الشيعية في هذا البلد، والصعود السياسي للشيعة في العراق أصبح مصدر قلق كبير، ليس فقط للطائفة السنية في العراق التي جرى تهميشها، بل وأيضا للأكثرية السنية في البلدان المجاورة للعراق.
بيّنت في الفصل الأخير من كتابي "أولية العقل" أنّ العلمانية شرط ضروريّ للديمقراطية وليس شرطا كافيا. ثمّة عدة شروط لإقامة مؤسسات ديمقراطية عادلة، ولا شرط منها يمكن توافره في الدولة الدينية. خذ- مثلا- شرط كون الإدارة الشعبية هي مصدر للسلطة السياسية، وعدم جواز استئثار أي فرد أو جماعة بها.
فالحاكمية في الدولة الدينية هي لله، وهذا يعني- علميا وواقعيا- استئثار الجماعة الدينية التي تحكم نيابة عن الله بالسلطة السياسية. وما يترتب على هذا أيضا هو أن الدولة الدينية تلغي شرطا آخر من شروط الديمقراطية، وهو أن تكون نفس الفرص متاحة لجميع مواطني الدولة للمشاركة في الحياة السياسية.
وهذا بدورة يلغى شرطا آخر من شروط الديمقراطية، وهو شرط المساواة في الحرية وفي حقوق المواطنة. إضافة إلى هذا فإن الدولة الدينية تنزع إلى أن تكون دولة "كليانية"، بحيث يكاد يُلغى داخلها التمييز بين المجالين العام والخاص. وماذا يتبقّى من الديمقراطية في ظل دولة "كليانية"، في ظل "دولنة" شبه تامة للمجتمع؟
تناقش في كتابك "الفلسفة والمسألة الدينية" مسألة وجود أساس عقلي للاعتقاد بوجود الله، حيث تورد موقفين، الأول (إيمانيّ) يرى أنّ معرفة الله غير متاحة إلا للذين يختار الله أن يكشف عن ذاته لهم، أي الأنبياء والرسل، فيما يؤكّد الموقف الثاني (العقلي) قدرة العقل على إيصالنا إلى معرفة وجود الله.
ما بيّنته في "الفلسفة والمسألة الدينية" هو أنه لا الوحي ولا العقل يمكن أن يتّخذا أساسا لمعرفة وجود الله. بصورة أكثر تعميما لا يوجد- في نظري- أيّ برهان مباشر أو غير مباشر على وجود الله أو عدم وجوده.
كثيرون هم الذين ادّعوا تلقّي الوحي، وما ادّعى كل منهم تلقّيه لا يتّسق بكليته مع ما ادّعى سواه تلقّيه، فمن منهم تلقّى الوحي فعلا؟ هل ثمّة طريقة للحسم في هذه المسألة؟ طبعا لا.
ولكن هل يمكن تعارض الوحي المزعوم لـ س أو ص مع العقل؟ في إجابتي سأحصر مجال كلامي في ما يتصل بالتقليد الإبراهيمي لأنه يعنينا أكثر من سواه.
توجد عدة حالات أعتقد أن التعارض حاصل فيها. من هذه الحالات، الحالة التي تتعلق بنشأة الإنسان، فقصة الخلق المستقلّ المشتركة بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة تتعارض مع الداروينية التي تجد سندا كبيرا في الأدلة العقلية.
وعلم الإحاثة قضى بصورة قاطعة على الادّعاء المستمدّ من الكتاب المقدّس، العهد القديم، بأنّ عمر الكون لا يتجاوز الستّ آلاف سنة إلا بقليل. والتطوّر الهائل للعلوم العصبيّة وما أدّى إليه. بخصوص المماهاة بين حالات الوعي وسيرورات الدماغ يضعف إلى حدّ كبير النظرة الثنائية إلى الإنسان.
وإذا انتقلنا الآن إلى معطيات الوحي المزعوم المتعلّقة بما يعرف في الإسلام بالمعاملات والحدود، فإنّك بالكاد تجد بينها ما لا يتنافر بشكل واضح مع اعتبارات عقلية ما.
أشير هنا إلى ما يتعلّق بالزواج والطلاق والإرث والعقاب. وفوق كلّ هذا، فإنّ خطاب الوحي المزعوم نفسه معرّض لنقد عقليّ، خصوصا في ما يتّصل بتماسكه المنطقيّ. الجزء الأكبر من كتابي "الفلسفة والمسألة الدينية" مخصّص لهذه المسألة.
الفرق بين الرؤية الكشفية المزعومة للمتصوفة والبراهين العقلية التي يعتمدها الفلاسفة، يكمن في أنّ السابقة ينظر إليها على أنّها تجربة مباشرة للحضور الإلهي، بينما ما يصدق على البراهين العقلية هو أنها تعتمد إمّا على عالم الشهادة، كما في براهين الأكويني المشهورة، أو على مفهوم الله وحده كما في البرهان الوجودي.
إذن الفرق هو أنّ السابقة، بحسب زعم المتصوفة، هي معرفة غير استدلالية، بينما الأخيرة لا تزودنا، في حال نجاحها، بأكثر من معرفة استدلالية.
ترى في كتابك السابق أنّ الإلحاد لا يحلّ لغز الوجود، بل يجرّد الإنسان من أيّة مرجعية أخلاقية عليا ويحوّل الوجود الإنساني إلى وجود بلا غاية ولا سقف أعلى للقيم السماوية العليا، وتؤكد أنّه إذا كان للعقل السليم أن يختار بين وجود له مرجعية، تشكّل حافظة للأخلاق والعدل والقيم الإنسانية، وبين إلحاد بلا مرجعية منزّهة، ولا حافظة لقوانين الحياة لتعمل بسببيتها المعروفة، عندئذِ سيكون خيار الإيمان بالله هو الخيار المتّسق مع الفكر العقلاني من جهة، والعلوم التجريبية، من جهة أخرى، أرجو توضيح ذلك.
الموقف الذي تنسبه إليّ هو في الواقع موقف عالم اللاهوت الألماني هانز كينغ الذي قمت بتفنيده في ختام كتابي "الفلسفة والمسألة الدينية"، وإن كنت جاريت صاحبه في اعتقاده أنّ وجود العالم ملغز، إلا أنّي بيّنت أنّ خيار الإيمان بالله لا يحلّ لغز الوجود أكثر من خيار الإلحاد، بل إنه يدفع بلغز الوجود إلى مستوى أعلى، فتكون نتيجته أنه يضيف لغزا إلى لغز.
كذلك فإنّي أرفض الاعتقاد بأنّ الأخلاق والقيم تحتاج إلى أساس ميتافيزيقي، وقد بيّنت أسباب رفضي لهذا الاعتقاد في كتابي "الأخلاق والعقل"، كما بيّنت في "الأسس الفلسفية للعلمانية" و"أولية العقل" فساد كلّ الحجج التي توظّف لاشتقاق الأخلاق من الدين. فالأخلاق، في نظري، مستقلّة منطقيا عن الدين.
لا أريد التكهّن بخصوص مصير الدين كما يفعل جورج قُرم، ولا أدري إن كانت لدى الإنسان فعلا حاجة إلى "تصوّر ما يحصل بعد الموت"، وما إذا كانت هذه الحاجة المزعومة هي أساس "العقائد الروحية الدينية المختلفة."
يرى المفكّر سعيد ناشيد أنّ الخطاب الأصوليّ حاول أن يجعل من العدمية دليلاً على حاجة الإنسان إلى يقينيات دينية معيّنة، مشيرا إلى أنّ هذا الخطاب اقترح بديلاً علاجياً لمرض العدمية الفتّاك، وذلك من خلال العمل على استعادة بعض أو كلّ القيم الدينية لما قبل عصر التنوير الأوروبي، بدعوى أنّ الدين وحده من يمنح المعنى للحياة ويضع لها غاية قصوى تبرّرها، "ومن هنا استطاع هذا الخطاب الأصولي الجديد، أن يسحب لنفسه بطاقة الدخول إلى جميع دوائر النقاش السياسي والفكري في الغرب المُعاصر"
الكلام على وجود خطاب عدميّ في الحضارة المعاصرة يخلط- على الأرجح- بين العدمية والنسبية، أي يساوي بين العدمية ورفض المطلقات.
لا شك أنّ النظرة السائدة، على الأقل في مجالي الفلسفة والعلوم الاجتماعية، هي النظرة النسبية، ولكنّ هذه النظرة لا تعني أكثر من أنّ الإنسان هو مصدر القيم وهو غايتها.
لا يترتّب على هذا مطلقا أنّ القيم تُخلق على نحو عشوائيّ وأنّه لا أساس موضوعيا لها، بل كلّ ما يترتب عليه هو صحّتها منوطة بظروف البشر وشروط حياتهم، وأنّ ما يصلح منها لحياة جماعة ما في عصر ما لا يصلح بالضرورة لحياة هذه الجماعة في عصر مختلف، مثلما أنه لا يصلح بالضرورة لحياة جماعة سواها لا تتطابق شروط حياتها السابقة.
والجدير بالملاحظة أن من يرفض النظرة النسبية لا يتبنى بالضرورة النظرة الدينية. فعمانوئيل كنط- مثلا- رفض النظرة النسبية في الأخلاق، ودعا القانون الأخلاقي بـ "مبدأ الأمر المطلق، ولكنه مع ذلك رأى أنّ الأخلاق مستقلة منطقيا عن الدين وذات أساس عقليّ خالص.
الخيار إذن ليس محصورا بين الخطاب العدمي والخطاب الديني وكأنهما مترافعان. لا بدّ من الاعتراف طبعا أنّ ثمة أفرادا قد لا يجدون ما يعطي لحياتهم معنى وقيمة في ما يقع خارج النظرة الدينية الغيبية إلى الحياة والعالم، ولكنّ هذا يتعلّق بخصوصيات هؤلاء الأفراد. إنّه شأن نفسي في المقام الأوّل.
كثيرون لا يجدون حاجة لتأسيس القيم على أساس ميتافيزيقي، ولا يشعرون أنّ تجريدها من أساس كهذا يُفقد حياتهم معناها. فالبوذيون مثال صارخ على ذلك، إذ إنهم لا يقيمون تعاليمهم الأخلاقية التي تغني حياتهم بالمعنى على أيّ مسلّمات غيبية.
والاسكندنافيون مثال آخر، فالدين لم يعد يعني لهم- أو لأكثريتهم على الأقلّ- الشيء الكثير، وخصوصا الجانب الغيبيّ منه، ولكنهم مع ذلك يشعرون برضى كبير عن الحياة التي يحيونها، ولا يجدون سببا للبحث عن معنى لها خارج وجودهم الأرضي.
-------------------
* عن موقع الأوان الإلكتروني.
لاتوجد تعليقات بعد