الخليج .. الإصلاح أم التغيير .. السؤال الحرج؟
كتبه: أحمد شهاب
حرر في: 2012/01/23
التعليقات: 0 - القراءات: 4003

تسعى هذه المشاركة إلى تتبع مسارات الإصلاح في دول الخليج والتي تتضمن أغلب المطالبات الإصلاحية لأبناء المنطقة، في محاولة للإجابة على التساؤل الدائم: هل منظومة المجلس أمام تحدي الإصلاح ام التغيير؟ وهل دول الخليج أمام ربيع قادم مماثل للربيع العربي؟





تسعى هذه المشاركة إلى تتبع مسارات الإصلاح في دول الخليج والتي تتضمن أغلب المطالبات الإصلاحية لأبناء المنطقة، في محاولة للإجابة على التساؤل الدائم: هل منظومة المجلس أمام تحدي الإصلاح ام التغيير؟ وهل دول الخليج أمام ربيع قادم مماثل للربيع العربي؟

صراع الأجيال

بعد أن كاد جميع الفرقاء في الوطن العربي يتفقون على أن الزمن السياسي العربي أصابه الجمود وتوقف عند زمن الاستبداد، تحرك شباب الوعي والتغيير ليعيد جذوة الامل والثقة إلى الذات، ويثبت بأن هناك زمن عربي آخر هو زمن الحرية والكرامة، ويثبت أن فعل التغيير والاصلاح إنما هو قرار تمتلكه الشعوب، وأن جوهر الشرعيةهو رضا الناس.
إن جل الفشل السياسي في دولنا ناجم عن انفصال السلطة عن المجتمع، وعدم قدرة الدولة على تمثيل المواطنين ومجاراة تطلعاتهم المشروعةلاسيما في عصر التفجر الاعلامي وكثافة وسائل الاتصال والتواصل بين الشعوب وانتقال الخبرات والتجارب بفترة زمنية قياسية، مما حول قيم الحرية والعدالة وحقوق الانسان إلى أيقونة العصر الراهن.علما بأنه لا يمكنلأيشعبأنيدافععندولةهوأولضحاياها.
المتابع للمسار السياسي في دولنا يلاحظ طغيان حالة الشيخوخة على الأنظمة العربية، شيخوخة الأفراد وشيخوخة الأنظمة، ويبدوا واضحا أن شيخوخة الأنظمة أسوء من شيخوخة الأفراد حيث يصعب تجديد الأنظمة الهرمة بالمحاولات الترقيعية عبر إقحام عدد محدود من الشباب في السلطة،لاسيما مع غلبة نسبة الشباب في المجتمعات العربية، وهو جيل متوثب للمشاركة في الحياة العامة، وعصي على الإركاع والتهميش، وقد أفرز ذلك التنازع خطابين:
الأول: خطاب التجميد السياسي: وهو يؤكد على دور الخبرة وضرورتها لاسيما في المرحلة الاستثنائية التي يمر بها الوطن العربي، وهي مرحلة مفتوحة فكل الأزمنة والامكنة العربية عند أنصار هذا الخطاب هي استثنائية وخطيرة، ولا تتحمل البدء بإصلاحات جذرية. ويرفض حراس هذا الخطاب تسليم مقاليد الإدارة لجيل يعتبره متحمسا وربما تعتريه المراهقة في العمل السياسي.

الثاني: خطاب التجديد السياسي: ويقوده جيل من الشباب الذي بدا مؤمناً بكفاءته وقدراته الذاتية. جيل معتد بذاته وثقافته، يعتقد بأحقيته في بناء مستقبله القادم ورسم ملامحه. رافضا ترك المستقبل الوطني لمجموعة من الحرس القديم ممن يصرون على بقاء الوضع كما هو عليه، ويساهمون في تكريس الواقع السائد الذي هو بكل المقاييس تخلف قائم. يؤمن أنصار هذا الخطاب بأن مفهوم المواطنيمنح كل شخص الأهليةلتوليالمناصبالعامة، ويعد ذلك أحد المفاهيم الأساسية في الفقه الدستوري المعاصر.

ويبدو واضحا أن الخطاب الأول أدى إلى قتل الحياة السياسية، وساهم في وقف عجلة التنمية والتجديد، بحيث أصبحت أغلب دولنا تدور في حلقة تكرار نفسها وتجاربها، وأفضل طموحاتها هي العودة إلى الماضي السعيد، أو استعادة التجارب الناجحة، وهو تعبير عن الفشل في إدارة الحاضر فضلا عن التفكير والتخطيط للمستقبل. لذلك فإن السؤال المتكرر .. هل خياراتنا تتركز في الإصلاح أم التغيير؟ تبدو مخادعة في الكثير من الأوقات.. فحسب التجارب الماضية تبين للشعوب العربية أن حديث الإصلاح في عرف الأنظمة هو في حقيقته حديث عن استكشاف وسائل جديدة لاحتكار السلطة.

مسارات الاصلاح في دول الخليج

دول الخليج ليست استثناء من هذا الواقع، وشباب الخليج ليسوا أقل تطلعا وطموحا من نظرائهم العرب، ثمة مطالب أساسية يحملها أبناء الخليج لم يعد بالإمكان تجاهلها أو القفز عليها، وهي بظني تلخص مسارات الإصلاح في دول الخليج.

أولا: مسار الإصلاح السياسي: تبديلالفلسفة السياسيةالقديمةبفلسفةحديثةقوامهاالدولةالمدعمةبقيمالقانونوحقوقالإنسان، أي الانتقال من مفهوم دولة السلطان والملك إلى دولة المواطن.ويتركز الجهد تحديدا باتجاه تظهيرالتداخلالفعليبينالدولةوالسلطة من خلالتحجيم نفوذ السلطة وتعزيز المشاركة الشعبية والحريات العامة والتعددية السياسية، واعتبارجميعالمواطنينشركاءفياتخاذ القرار، ضمن تصور أن السلطة تابعة للمجتمع وقواه الفاعلة.
خلال السنوات الأخيرة وتحديدا بعد إسقاط النظام العراقي بقوة دولية/ أمريكية، عصفت بالمنطقة جملة من المتغيرات قوامهاأن الأنظمة القوية هي الحائزة على شرعية متينة في الداخل وحائزة على القبول الشعبي، اما الأنظمة المعتمدة على غطاء خارجي وتعيش على التصادموالنزاع مع مجتمعها فهي أنظمة مهترئة، وقابلة للانهيار بمجرد أن تتكشف عنها أردية الخارج.
وقد بدا واضحا أن الدول الكبرى لم تعد متحمسة كثيرا للدفاع عن أنظمة فاقدة لشرعيتها ومنتهكة للقوانين والحقوق والحريات، لا أقول أن ذلك انتهى، وأقر بأن الازدواجية لا تزال حاضرة في التعامل الدولي لكنها أخذت بالأفول شيئا فشيئا.
الشعوب الخليجية من جهتها أدركت ذلك، وبدت غير مستعدة للاستجابة لفزاعة الأنظمة بكون الخطر داهم، والمرحلة دقيقة، لأنها أدركت جيدا أن دعوى الخطر الخارجي هي مجرد شعارات لكسب المزيد من الوقت لاختراع وسائل جديدة للهيمنة وتكريس السلطوية.

ثانيا: مسار اقتصادي/ تنموي:باتجاه تمكين المواطنين من إدارة حياتهم بصورة أفضل من خلال توفير مساحات اقتصادية أكبر للأفراد. إن فكرة الرعاية ( دولة الرعاية) والتي سادت إلى حد ما في دول الخليج، قد تكون فكرة حظت بجاذبية إلى وقت قريب نسبيا، لكنها في المقابل جاءتكمقايضة لحجب حق الناس في المشاركة السياسية، وقدمت نفسها كمعادلة بائسة قوامها العطاء المالي مقابل الحرمان السياسي. من جهة أخرى فإن الدولة الرعوية في الخليج لم تستطع أن تغلق جيوب الفقر والحرمان، أي أنها فشلت فشلا ذريعا في تقديم نفسها كحل فعلي للازمات المتراكمة في المجتمع.
لذا فإن المطلوب خليجيا ليس إغداق العطايا لتحقيق مكاسب سياسية، وإنما توزيع عادل للموارد العامة والتنمية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما يكفل عدالة في التوزيع وإغلاق جيوب الفقر لا سيما وأن الفقر والحرمان انتقل في دول الخليج كما بقية الدول العربية من كونه ثغرة إنسانية إلى ثغرة سياسية. المطلوب إذا المبادرة إلى سنالقوانينالضرورية لتمكين الاقتصاد الوطني في الخليجمنالتكيفمعالمعطياتالاقتصاديةالمتغيرةفيالعالم، وخلقالاجواءالمشجعةللاستثمار، من خلال ربطجميع الشرائح الاجتماعية بالدورةالاقتصاديةالوطنية.

ثالثا: مسار ثقافي:باتجاه تعزيز ثقافة المواطنة والتعايش. على مدى سنوات طويلة ونحن نقرأ ويقال لنا بأن الأمة هي مصدر السلطات، وأن السيادة للقانون، وأن العدالة الاجتماعية ضمانة لاستقرار المجتمع، وقد آن الأوان أن نعيش هذه الأفكار بدلا من الاستمرار في تداولها أو طباعتها في الكتب المدرسية.
إن غياب مفهوم المواطنة المتكافئة والعدالة الاجتماعية وغيرها من المفاهيم الحديثة، ربما لم تكن تشكل خطورة اجتماعية وسياسية في السنوات السابقة لأن الثقافة الدينية والاجتماعية كانت تبرر ذلك، ولكن مع تبدل هذه الثقافة لم يعد ممكنا أن يسود الاستقرار وتتحرك عجلة التنمية دون تحول الدولة إلى فضاء للمواطنة، والتعامل بمسطرة واحدة مع جميع الموطنين باختلافشرائحهم وميولهم ومذاهبهم .ولا بد أنتتخذ الدولةمسافةواحدةمنجميعمكوناتالمجتمعوالمواطنين. أيالنظرلجميعالبشرتحتمظلةالدولةعلىأنهممتساوونفيالحقوقوالواجبات.

إجراءات عاجلة

امام دول الخليج فرصة تعد تاريخية وسانحة لإجراء إصلاحات حقيقية وجذرية وجدية، بالتوافق مع شعوبها،وإلا فإنها ستكون امام واقع "ربيع خليجي" قادم لا مفر منه، قد لا يختلف كثيرا عن ما شهدته الدول العربية في السنة المنصرمة، وذلك من خلال:

1- المصالحة الداخلية: ما هو معلوم بأنلدينافيالخليجسلطةمتمكنةودولةغيرمتمكنة وتابعة للسلطة التنفيذية،إن اكتمال الدولة لا يتم إلا من خلال تجسير الجفوةبينمشروعالسلطةومشروعالمجتمعبحيث يصبان في منهل واحد وهو الوطن ومصالحه العليا. وللأسف أن مشروع السلطة في الخليج لا يزال متصادم في بعض المناطق مع مشروع المجتمع، بحيث تشعر بعض الشرائح بغربة سياسية واجتماعية، وهو ما يفقد الدولة حضورها، ويعمق من التناقضات بين دولة تمتلك كل مظاهر الحداثة لكن تتنازعها الانتماءات التقليدية المذهبية والقبلية والمناطقية.
2- الحوار الجاد:لا يزال الوطن في الخليج هو أغنية يرددها المواطن في الأعياد الوطنية لتُحمله جملة من الالتزامات لكنها التزامات عاطفية، بينما الوطن في الواقع هو جملة من الحقوق والواجبات المتبادلة، ومن الضرورة بمكان الخروج من المفهوم العاطفي للوطن إلى المفهوم القانوني، ولن يتم ذلك إلا عبر مبادرة الحكومات الخليجية إلى دعوة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة والشرائح الشبابية إلى مائدة واسعةللحوار الوطني يخرج من ضيق القاعات الرسمية إلى سعة الفضاء الاجتماعي عبر الحوار الجاد والموضوعي حول أهم الملفات السياسية العالقة في الخليج، وعلى رأسها مسألة المشاركة في السلطة، وقضية الفساد، والعدالة الاجتماعية.
3- استباق الزمن:إن التباطؤ والتعامل وفق نظرية الربع ساعة الأخيرة يمثل تهديدا كبيرا أمام انظمة دول الخليج، وإن كانت هذه الانظمة أو بعضها لا يزال يحظى بقبول اجتماعي فإن الحفاظ عليه لن يكون دون تقديم تنازلات ربما تكون موجعة ولكنها ضرورية لتجنب صدام قد يقع في أي لحظة، إن التغيير المطلوب لا يمكن أن يظل على مستوى تغيير أعضاء البرلمان أو مجالس الشورى، وإنما لا بد أن يطال بنية السلطة التنفيذية ليكون اختيارها بيد المجتمع، وهو أمر سوف يتحقق خلال فترة زمنية قد لا تكون طويلة،وهو الجسر القانوني لتُعبِّر السلطة عن إرادة الشعب، لا قوة فوق الشعب أو قوة قهر.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


أحمد شهاب
2012/01/23 | دراسات المركز | القراءات:4003 التعليقات:0
2010/05/22 | مقالات | القراءات:3003 التعليقات:0


ارسل لصديق