رمزيّة النّموذج كسلطةٍ مرجعيّةٍ في الفكر العربيّ المُعاصر
مراد زوين
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/01/26
التعليقات: 0 - القراءات: 3808

يمكن أن نقف عند ثلاث مرجعيّات أساسيّة ساهمت منطلقاتها النظريّة والفكريّـة أو أحداثها السياسيّة والاجتماعيّة، إمّا في صورة ثوراتٍ أو أشخاصٍ أثّروا بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ في صياغة إشكاليّات الفكر العربيّ المُعاصر، أو فرز تيّاراتٍ فكريّةٍ وسياسيّةٍ، كانت ولا تزال تؤثّر في المشهد السياسيّ والفكريّ العربيّ


نعتمد في هذه المقالة على صورة أو رمزيّة النّموذج كسلطةٍ مرجعيّةٍ تحكّمت في منطق التفكير العربيّ، إنْ بشكلٍ واعٍ أو غير واعٍ، منذ بداية ما يُسمّى بفكر "النّهضة العربيّة"، أي مرحلة بداية تشكّل وتبلور العناصر الأولى لإشكاليّات الفكر العربي المُعاصر، بدايـــة وأواسط القرن 19، إلى المرحلة التي نعيشها، والتي تطرح ضرورة إعادة صياغة أسئلةٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالتّحوّلات العميقة والمتسارعة، التي يعرفها العالم اليوم.

لكن أين تتجلّى لنا صورة النّموذج، وهل هناك سلطة مرجعيّة واحدةٌ أم سُلَط/ مرجعيّات يستند إليها الفكر العربيّ المُعاصر؟

يُمكن أن نقف عند ثلاث مرجعيّات أساسيّة ساهمت منطلقاتها النظريّة والفكريّـة أو أحداثها السياسيّة والاجتماعيّة، إمّا في صورة ثوراتٍ أو أشخاصٍ أثّروا بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ في صياغة إشكاليّات الفكر العربيّ المُعاصر، أو فرز تيّاراتٍ فكريّةٍ وسياسيّةٍ، كانت ولا تزال تؤثّر في المشهد السياسيّ والفكريّ العربيّ:

1.التراث.

2.الفكر الغربيّ (الليبرالي).

3.الأحداث والتحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي عرفتها المنطقة العربيّة.

بالنسبة للمرجعيّة الأولى (التراث): نقصد به كلّ ما أنتجته البشريّة من ثقافاتٍ بشكلٍ عامٍّ، وكلّ ما أنتجته الثقافة العربيّة الإسلاميّة بشكلٍ خاصٍّ، كما يقول الجابري: "التراث هو كلّ ما هو حاضرٌ فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أو ماضي غيرنا. سواء القريب منه أو البعيد".

مرجعيّة الفكر الغربيّ: ونقصد بها الفكر الليبراليّ، الذي أنتجته فلسفة الأنوار في القرن 18، مع روسو و فولتير ومونتسكيو ولوك وغيرهم.

أمّا في ما يخصّ المرجعيّة الثالثة، فتتعلّق بالأحداث السياسيّة والتحوّلات السوسيوـ إقتصاديّة، التي كانت لها تأثيراتٌ كبيرةٌ في توجيه الفكر العربيّ، وفي إنتاج وصياغة إشكاليّات ومفاهيم مرتبطة بعصرها. وسنقسّم هذه المرجعيّة إلى أربعة مراحل:

المرحلة الأولى: من بداية القرن 19 إلى بداية الحرب العالميّة الأولى. وسنُعطي أهمّيّةً كبرى لهذه المرحلة، لطول المدّة الزمنيّة وما عرفته من أحداث سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة ستوضح لنا أين تتجلّى رمزيّة النّموذج كسلطةٍ مرجعيّةٍ.

المرحلة الثانية: بين الحربين، مرحلة ظهور الحركات الوطنيّة (الاستقلاليّة).

المرحلة الثالثة: مرحلة الاستقلالات السياسية وبناء الدولة الوطنية.

المرحلة الرابعة: مرحلة فشل مشروع الدولة الوطنية.

مراحل تطور الفكر العربي المعاصر ومرجعياته النظرية والفكرية.

المرحلة الأولى:

تميّزت هذه المرحلة بعدّة أحداث، نوجزها في ثلاثةٍ أساسيّةٍ، والتي ساهمت في ظهور الفكر الإصلاحيّ العربيّ، في القرن 19:

بداية تفكك دولة الخلافة ( الدولة العثمانية).

مرحلة المدّ الاستعماريّ الغربيّ ودخول نابليون إلى مصر.

ثورة محمد على وبداية الفكر الإصلاحي العربي: ومن إنجازات هذه الثورة يُمكن أن نقف بإيجازعلى ثلاث مستويات، كانت تأثيراتها عميقة على الواقع المصريّ والثقافة العربية بصفةٍ عامّةٍ:

على المستوى السياسي: عمل على ترسيخ جهاز الدولة المركزيّ، وتحطيم جهاز الدولة الذي يعتمد على اللامركزيّة، أي تدمير بنيات المجتمع التقليدي، في نفس الوقت الذي اهتمّ بتحديث الجيش، بجعله جيشاً نظاميّاً عصريّاً بديلاً عن الجيش المملوكيّ الإقطاعيّ.

على المستوى الاقتصادي: سعى محمد علي إلى القضاء على نظام الريع، وتأسيس نظامٍ اقتصاديٍّ جديدٍ، لا يعتمد على الفلاحة فقط، بل كذلك على الصناعة بتأثيرٍ من الدول الصناعة. كما أقرّ نظاماً ضريبيّاً جديداً سيُغير من بنيات المجتمع المصريّ وظهور طبقاتٍ جديدةٍ.

أمّا على المستوى الثقافيّ: سعى محمد علي إلى تفكيك منطق التفكير التقليديّ الذي يعتمد على رجال الدين، من خلال إنشاء المدارس العصريّة لنشر العلوم الحديثة والفنون والآداب، كما أكثر من البعثات إلى أوروبا، وخاصّةً فرنسا، من أجل البحث عن المعارف الجديدة لتحديث الدولة والمجتمع.

وباختصار يُمكن أن نقف عند الاهتمامات الكبرى للفكر الإصلاحيّ عند العرب في القرن 19 في:

الاهتمام بإصلاح الدولة (تأثير فكر الأنوار).

تحديث الجيش كأداةٍ للدفاع عن الوطن. (تفوّق الجهاز العسكريّ الاستعماريّ)

إصلاح نظام التعليم (تفكيك نظام التعليم التقليديّ).

إحداث ميزانيةٍ قارّةٍ ونظامٍ ضريبيٍّ جديدٍ لعقلنة الاقتصاد (تأثير النّظام الرأسماليّ).

في هذه المرحلة التي اتسمت بتحوّلاتٍ كبيرةٍ، طرح السؤال/الإشكاليــة: لماذا تقدّم الغرب وتأخّرنا نحن؟ وبطرحه تكون بداية الاعتراف بالتأخّر العربيّ، وبالتالي بداية بوار مقولة "نحن خير أمّةٍ أخرجت للنّاس"، في نفس الوقت اعترافٌ بتفوّق الآخر (الغرب – الكافر- دار الحرب ... إلخ).

وبهذا الاعتراف أصبح الفكر العربيّ يواجه ذاته بطرح أسئلةٍ جديدةٍ، من قبيل ما هي السبل للخروج من هذا التخلّف؟ وبإنتاج مفاهيم جديدة مثل: النّهضة – التقدم – فصل الدين عن الدولة – الحريّة.

ونسرد هنا بعض النماذج التي تأثّرت بالفكر اللبيراليّ الغربيّ، ولكنّها لم تستطع تجاوز صورة النّموذج متمثّلة في سلطة التّراث، وسنقف عند نموذجين اثنين – الطهطاوي والأفغانيّ.

رفض الطهطاويّ – رغم كونه من أوائل المبعوثين إلى فرنسا للدراسة وتأثّره بالفكر الغربيّ – رفض استعمال مفاهيم ليبراليّة، كالحريّة والمساواة والحقّ الطبيعيّ واستبدلها بمفهومٍ آخر، وهو مفهوم " التمدّن"، لأجل استعماله في صلاح العمران وصلاح الملّة الإسلاميّة.

كما حذّر من الانزلاق في مفاهيم قد تغيّر في نظره بعض القوانين الإسلاميّة كالطاعة والوفاء للخليفة. كان يرفض تقسيم السُلَط، بل استعمل لغةً أخرى غارقةً في التراثيّة، لغة "السياسة الشّرعيّة". أي عدم التخلّي عن فكرة امتداد سلطة السّماء في الأرض، فالملك خليفة الله في أرضه، يقول الطهطاوي: "فالحاكم هو ممثل الله، وهو مسؤولٌ أمامه فقط، وليس له من دون الله ديّانٌ سوى ضميره، أمّا رعاياه فعليهم واجب الطاعة المطلقة له". فبتعامله مع مفاهيم الفكر الليبراليّ واستبدالها بمفاهيم أخرى تراثيّة كان يقوم بما يُسمّيه كمال عبداللطيف "بظاهرة المماثلة المفاهيميّة"، أو بالتقابل المفاهيميّ، وهي ظاهرةٌ شملت كلّ المُفكّرين الإصلاحيين في القرن 19. حيث كان الطهطاوي يُقابل مفهوم المساواة بأخوّة العبوديّة – والوطن بالأمّة – وبين مصطلحاتٍ فقهيّة ومفاهيم سياسيّة، كمفاهيم أصول الفقه والعدل والإحسان بمفاهيم الحقّ الطبيعيّ والحكم المدنيّ والحريّة والمساواة.

أمّا النّموذج الثاني الأفغانيّ: فرغم دعوته الشرق إلى تعلّم ثقافة وعلوم وفنون الغرب، فقد أعطى لبعض المفاهيم مدلولاتٍ مغايرةً عن المدلولات الليبرالية للفكرة بل متناقضة أحياناً، كما سنجدها في ما يخصّ مفهوم "التّسامح"، حيث سيُغيّر مدلوله سواء من حيث "الوظيفة أو القيمة"، بتعبير "علي أو مليل"؛ ذلك لأنّ فكرة التّسامح عنده تخدم الاستعمار الغربيّ في نظره، من خلال تفكيك قيم العالم العربيّ والإسلاميّ، وبالمقابل دافع عن نقيضها أي "التعصّب"، لأنّه في نظره يُحافظ على "لحمة الأمّة" والعقيدة الإسلاميّة.

وما يُمكن استنتاجه أنّ روّاد الفكر النهضويّ حاولوا القيام بعمليّة التوفيق وتجاوز ذلك التّصادم، بين الفكر العربي الإسلاميّ، الذي له منطلقاته ومصادره ومرجعيّاته، وبين الفكر الغربي (فكر الأنوار) المعتمد أساساً على العقلانيّة والحداثة والديمقراطيّة؛ جاء ليؤسّس لعلاقةٍ جديدةٍ بين مختلف السُلَط داخل المجتمع الواحد، وليُساهم في تماسك أفراده، بترسيخ مبدأ قبول الآخر، رغم الاختلاف معه في الدين أو الجنس أو اللغة، جاعلين من الإنسان الكائن الأسمى كعلاماتٍ أولى للثقافة البرجوازيّة.

وبجانب سلطة النموذج كمرجعيّةٍ متمثّلة في الثرات وفلسفة الأنوار، يمكن أن نستخرج صورةً أخرى كسلطةٍ مرجعيّةٍ في هذه المرحلة، وكنموذجٍ تجلّت لنا في ثورة محمّد علي، والإصلاحات التي جاء بها، أو في صورة الجيش الذي ظهر عليه نابوليون، أي صورة القوّة والحداثة.

مرحلة ما بين الحربين (مرحلة الوعي الاستقلاليّ)

هذه المرحلة يطبعها الوعي بأهمّية التحرّر من الاستعمار، وانتشار النزعة الاستقلالية، ممّا أدّى إلى ظهور حركاتٍ وطنيّةٍ تدعو إلى الاستقلال واستنبات النزعة الوطنية، التي ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في بروز مفهوم الدولة القطريّة بدل مفهوم الأمة، وبداية اندثار دولة الخلافة، التي كانت تمثلها الدولة العثمانية، التي ستعرف نهايتها مع ثورة "كمال أتاتورك" وما خلفته مبادئها من تأثيرات على بنيات المجتمع العربي والإسلاميّ الثقافية والاجتماعيّة والسياسيّة والرمزيّة. فقد ظهرت على الساحة السياسيّة التركيّة شخصيّة كمال أتاتورك، الشخصيّة التي تكوّنت معرفيّاً وعسكريّاً بفرنسا، وبالضبط بالأكاديميّة العسكريّة في "تولوز"، في نهاية القرن 19، وتشبّعت بالثقافة الغربيّة الحديثة، وبالضبط بالإيديولوجيا الوضعيّة والتيار اليعقوبيّ، الذي سيطر على الفكر السياسيّ الفرنسيّ آنذاك؛ وبهذا التكوين العسكريّ الحديث والمعرفيّ والإيديولوجيّ عاد مصطفى كمال إلى تركيا، حيث استولى على السلطة، وبدأ في تطبيق إيديولوجيا الحداثة بنوعٍ من "التطرّف" أحيانا، كما يصفها محمّد أركون، في كتابه "العلمنة والدين". وذلك من أجل وضع أسسٍ للدولة الحديثة في تركيا، كإلغاء السلطنة سنة 1922م، وإعلان الجمهوريّة لسنة 1923م، وإلغاء منصب الخلافة ومنصب شيخ الإسلام، ووزارة الشريعة والمدارس الدينية وإلغاء المحاكم الشرعيّة، ثمّ حلّ الفِرق الصوفيّة، وقفل الأضرحة، ووضع الألبسة الدينيّة سنة 1924م، وألغى الطربوش والزيّ التقليديّ، وفرض القبّعة الأوروبيّة والبنطلون سنة 1925م، كما أصدر قانوناً جديداً للأحوال المدنيّة مؤسّساً على القانون السويسريّ سنة 1926م، ثمّ منع إرخاء اللحى والشوارب، وحذف التقويم الإسلاميّ والحروف العربيّة في الكتابة، كما منع التّعليم الدينيّ في المدارس سنة 1928م.

ما يهمنا من هذا الجرد التاريخيّ هو الوقوف على هذه الإصلاحات التحديثيّة التي قام بها أتاتورك، والتي شملت مجالاتٍ متعددةً سياسيّةً واجتماعيّةً وقانونيّةً، ستكون لها انعكاساتٌ بالسلب أو بالإيجاب، ليس فقط على مستوى الواقع التركيّ ولكن على مجموع العالم العربيّ والإسلاميّ.

وقد أحدثت هذه الإصلاحات صدمةً للواقع العربيّ والإسلاميّ، حيث تمكّنت من خلخلة بنيات المجتمع التقليديّة، وتحديث بعض مظاهر المجتمع.

في هذه المرحلة يُمكننا أن نقف على عدّة مفاهيم ومصطلحات جديدة، عكست الأحداث والتحوّلات التي عاشتها المنطقة، وبرزت كمفاهيم أساسيّة في الخطاب العربيّ، كمفهوم "الثورة – الاستقلال – التحرّر- القطريّة – الوطنيّة -الدولة بدل الأمّة ...".

وكذلك على رمزيّة النموذج التي تتمثل في ثورة كمال أتاتورك والإصلاحات التي جاءت بها وتأثيراتها في الواقع العربيّ والإسلاميّ.

مرحلة الاستقلالات السياسية وبناء الدولة الوطنية

بدأت هذه المرحلة مباشرة مع بداية استقلال بعض الأقطار العربية وتأسيس الدولة الوطنية القطريّة، في نفس الوقت الذي نجحت فيه ثورة مصر 1952م، وما خلفته شعاراتها الوحدويّة بزعامة جمال عبد الناصر من تأثير على الوعي العربيّ بأهمّية الوحدة والروح القوميّة في مواجهة الاستعمار وتحرير الأراضي المغتصبة.

كلّ هذه الأحداث سيكون لها وقعٌ كبيرٌ على الفكر العربيّ والثقافة العربيّة بصفةٍ عامّةٍ، حيث سيُصبح الفكر القوميّ الوحدويّ هو الموجّه الرئيسيّ في ارتباطه بقضايا الأمّة العربيّة، وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة أو في الصّراعات الدوليّة بين المعسكرين الشّرقيّ والغربيّ (الحرب الباردة).

بدورها ستنتج هذه المرحلة عدّة مفاهيم كمفهوم الوطنيّة – القوميّة الوحدة العربيّة...إلخ، وسيكون لها ارتباطٌ وثيقٌ بالقضيّة الفلسطينيّة وعقدة الصهيونيّة، وستتعاظم أكثر بعد نكسة 1967؛ النكسة التي أشّرت على "فشل" المشروع القوميّ، وبداية أزمة الفكر العربيّ، ثمّ المثقّف العربيّ، التي سيبرزها عبد الله العروي في كتاباته وأطروحاته النظريّة، منذ 1968 مع "الإيديولوجيا العربيّة المُعاصرة". وستنضاف مجموعةٌ أخرى من المفاهيم المرتبطة بالأزمة تُحيل على "فشل" المشروع القوميّ: كمفهوم النّكسة - اللاجئ – الانقلاب – الحاكم العسكريّ – الخيار العسكريّ.

ورمزية النموذج في هذه المرحلة يُمكن أن تمثّلها ثورة يوليو 1952 بقيادة الفكر القوميّ مع جمال عبد الناصر، كما يُمكن أن تمثلها بشكلٍ من الأشكال نكسة 1967 وانعكاساتها على الثقافة والوعي العربيين.

مرحلة فشل الدولة الوطنيّة

يتمثّل هذا الفشل في انهيار جلّ اقتصاديّات الدول العربيّة من خلال فشل المشاريع الاقتصاديّة والسياسيّة والمجتمعيّة، الوضع الذي أدّى إلى ظهور البطالة والفقر بجانب الأميّة، ممّا وسّع من حجم الطبقات الهامشيّة وقلّص من دور الفئات الصغرى والمتوسطة، بالإضافة إلى الاستبداد السياسيّ وإنسداد الأفق الديمقراطيّ، الذي أدّى إلى انتفاضاتٍ وحركاتٍ اجتماعيّةٍ في مدنٍ عربيّةٍ كبرى، سمّاها البعض "بثورة الخبز".

تزامن كلّ هذا مع نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران، وظهور حركاتٍ سياسيّةٍ ذات الإيديولوجيا الإسلاميّة "كبديلٍ" محتملٍ عن الحركات القوميّة واليساريّة، وقد تعاظم نشاطها وانتشارها بعد انتصار الحركة الإسلاميّة في أفغانستان، وأصبحت نموذجاً لما يُسمّى بالجهاديّة.

وبجانب العامل المحلّيّ والإقليميّ ظهور القطب الواحد في السياسة الدوليّة بعد انهيار جدار برلين وبداية ما يُسمّى بمرحلة الإمبرياليّة الجديدة، التي انطلقت بالهجوم على أفغانستان والعراق ....

في ظلّ هذه الأوضاع أعاد الفكر العربي النّظر في مجموعة من المفاهيم، ونسج مفاهيم جديدة، وأعاد صياغة أسئلةٍ أخرى، مرتبطةٍ بصراع شمال/جنوب، أو ما يُسمّى بصراع الحضارات، مع ظهور العولمة من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى ظهور خطاباتٍ تكفيريّةٍ تنبذ الاختلاف والتغيّر وحقّ الآخر في الوجود، ممّا ساهم في بروز مجموعةٍ من المفاهيم أو إعادة النّظر في مضامين بعض المفاهيم القديمة،كمفهوم الاختلاف والتسامح والديمقراطية - المواطن - حقوق الإنسان – دولة الحق والقانون – العقلانية – فصل السُلَط – الدعوة إلى العلمانية وظهور مفاهيم جديدة أو العودة إلى مفاهيم تراثيّة قديمة، كمفهوم الأمة أو الخلافة أو الجهاد أو مفاهيم أخرى كالشيطان – الطاغية .

وإذا تفحّصنا في مضامين هذه المفاهيم والمفاهيم الأخرى، نجد أنّها مفاهيم ليبرالية، طُرحت مع فكر الأنوار في أوروبا، وقد استعملت إمّا بمضامينها الأنواريّة أو بمضامين تمّ تطويعها أو أسلمتها مع بعض المفكّرين الإصلاحيين، وخاصّةً في القرن 19. ممّا جعلها مرجعيّة أساسيّة للفكر العربيّ المُعاصر بجانب التراث العربيّ الإسلاميّ؛ بالإضافة إلى الأحداث الكبرى السياسيّة والاجتماعيّة، التي تكون لها تأثيراتها العميقة في كلّ مرحلةٍ من مراحل التاريخ العربيّ المُعاصر.

أمّا النموذج في هذه المرحلة وسلطته، فيمكن أن تمثلها صورة "المجاهد"، أو "المهديّ المنتظر" عند البعض، أو صورة "المستبدّ العادل" عند البعض الآخر، أو صورة الثورة الثقافيّة والديمقراطيّة، كما طرحها "العروي"، أو الكتلة التاريخيّة كما طرحها الجابري.

مراد زوين







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق