إسقاط الطائفية الأحزاب الطائفية : محفزات أو موانع
هاني فحص
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/05/20
التعليقات: 0 - القراءات: 4876

في الحديث عن الطائفية المقيمة في لبنان وبلاد العرب والمسلمين ، وعن الدولة التي غابت طويلاً وفرّغت كل معانيها ووظائفها للسلطة والسلاطين الذين لم يجدوا مانعاً حقيقياً يمنعهم من اتخاذ المال العام نَهَباً والمواطنين تبعاً حتى عزت الحرية فعزّ الخبز أو عزّ الخبز فعزت الحرية




القسم الأول

في الحديث عن الطائفية المقيمة في لبنان وبلاد العرب والمسلمين ، وعن الدولة التي غابت طويلاً وفرّغت كل معانيها ووظائفها للسلطة والسلاطين الذين لم يجدوا مانعاً حقيقياً يمنعهم من اتخاذ المال العام نَهَباً والمواطنين تبعاً حتى عزت الحرية فعزّ الخبز أو عزّ الخبز فعزت الحرية ، وأتانا منذ الخمسينيات من قال أنه سوف ينتصر لنا بالحداثة والعروبة والوحدة والتحرير والتقدمية والعدالة ، ويحقق الحرية بالديموقراطية والخبز بالتنمية ، فتراجع منسوب الحرية الى حافة العدم ، وأصبحت الثروة بالجهل والاستبداد فقراً مدقعاً وتبعية مؤذية .. ليأتينا من يأتينا مجاهراً باسم الدين الذي هو في الواقع السياسي الحزبي أقل من مذهب ، بأنه سيعالج أمر الاستبداد العلماني بالديموقراطية تمهيداً لاستخدام الدواء الاستبدادي الديني ، وأنه سوف يعالج فقرنا بالتقشف ، تقشفنا ، والإقلال من حلق اللحى والإكثار من الدشاديش ، قصيرة الأذيال حتى الركب ، وأنه سوف يعالج اختلافنا بالمقابر الجماعية والمجازر اليومية ، مع تأسيس مشروعه وأطروحته على قواعد جديدة في المعرفة العامة ومعرفة الدين ، تحول التكرار الى إبداع والتدبير الى تعبد والمدنس الى مقدس والبشري الى إلهي والهذيان الى وحي وإلهام ، والجهل الى علم ، والماضي الى مستقبل ، والمستقبل الى ماضٍ ؟؟؟.

في الحديث عن الطائفية في هذه الأيام التي سبقت فيها الشعوب العربية الشعب اللبناني الذي كان مؤملاً فيه أن يضرب المثل في التغيير والتجديد ، من دون أن تكون الصورة خالية من احتمالات الإنحراف والتحريف ، الذي لا يقلل من خطره ، سوى أن هذه الشعوب قد تراجعت عن كسلها واستقالتها من أخذ التغيير على عاتقها بما يقتضي من صبر وتضحية وجدل دافئ أو حار وسجال حول الأفضل .. ما يعني أن أي انتكاسة أو انكسار في مسار إعادة بناء الدولة الوطنية العربية الحديثة سوف يبقى قابلاً للمعالجة طالما أن التأسيس الجديد قد تمّ على الحرية ولم يعد بإمكان أحد أن يقوض الأساسات المسلحة بالعلم التداولي والتبادلي المتحرر من القيود إلا قيود المعرفة الداخلية في الحقول المتعددة الآيلة في المحصلة الى وحدة في مخرجاتها الوطنية والحضارية والإنسانية والروحية .

***

في الحديث عن الطائفية وإلغائها ومن أراد ولم يرد إلغاءها ومن أراد إلغاءها فمنع أو قصّر أو تراجع ، من الأحزاب اللبنانية المتحدرة من خارطة جينية واحدة على كثرتها للأحزاب العربية الإسلامية الوطنية والإسلامية الأممية والقومية والأممية اليسارية والليبرالية التي فصلت ليبراليتها عن المشروع الليبرالي وتعاملت معها وكأنها عقيدة الطائفة أو المذهب في السياسة فتحوّلت الى عائق بدل أن تكون رافعة دولة واجتماع دولة . في هذا الحديث .. (عذراً للتقطيع المتكرر) .. يطيب لي الجمع بين الموضوعية التي هي نسبية دائماً من دون أن يعيبها ذلك ، بل يؤكد واقعيتها ، وبين الذاتية بما هي مشاعر لا تختلف إلا شكلاً أو لوناً عن الحقائق ، إذا ما كان حاملها باحثاً عن الحق متحرراً من إملاءات الكهوف وأقبية العصبيات العقدية أو العنصرية .

وأنا هنا ، في هذه الندوة التي تشكر على إعدادها جامعة اللويزة في لبنان NDUكما هي عادتها ، أجلس بين صديق من بعيد هو الأستاذ سجعان القزي نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية ، والأستاذ المقدم شريف فياض ، الصديق عن قرب ، وهو أمين سر الحزب التقدمي الاشتراكي .. وهما مثالان للمفارقة التي تأتي من عصرية حزبيهما كما هي معلنة في عنوان "التقدمي الإشتراكي" أو خفية مرة وظاهرة مرة أخرى في خطاب حزب الكتائب ، الذي التقى الحزب التقدمي الإشتراكي في بداية تأسيس الثاني واكتشاف انه لا خلاف بينهما في رؤيتهما السياسية ولكنهما لم يتحدا وظلا حريصين على الإختلاف والخلاف والتنافس والصراع ، لأن الطبيعة الطائفية كانت غلابة ، فمنعتهما من التواصل الذي كاد أن يحصل بين الكتائب والنجادة في لحظة انتداب فرنسي ، ولكن الطائفة ، كما أردناها ، قالت : أنا هنا .. واستمرت الحال تناغماً أو مجاملة بين التقدمي الإشتراكي والكتائب في المنتديات والسهرات الخاصة وفي حالات من ضرورة معاقبة الحليف بالظهور في الصورة مع الخصم ، الى أن تم التتويج في تبادل الكيد السياسي ، بخضوع كمال جنبلاط عام 1975 الى إغراءات يسارية ادّعت أنها متوافقة مع القيادات الفلسطينية على قرار عزل الكتائب .. ما كانت أثمانه باهظة لأن فريقاً من الكتائب وحلفائهم كان يريده ذريعة ومسوِّغاً للاستمرار في الحرب وتأجيجها ، الأمر الذي كان أفضل المناسبات لاتفاق الأعداء ، وأسوأ المناسبات لتباعد فقراء لبنان واقتتالهم بأمرة مفقريهم ، وكان لا بد من دينوة الحرب بدنيوة الدين لتطول وتتراكم بشاعاتها التي استشرفتها قيادات روحية لطوائف لبنان (موسى الصدر – البطريركان خريش وصفير والمفتي حسن خالد وشيخ العقل الدرزي محمد أبو شقرا) ومدنيون موسومون بالرجعية عند اليسار وباليسارية عند اليمين (صائب سلام ورشيد كرامي ونسيب البربير وريموه اده ومحمد صفي الدين) الذين كان يطل عليهم كمال جنبلاط منسجماً ثم يغلبه غالب فيرغب في استمرار الحرب بحجة أن الجبهة اللبنانية لا تريد السلام وهي ترغب أيضاً في استمرار الحرب لأن (الحركة الوطنية برئاسة كمال جنبلاط أو ياسر عرفات؟ لا تريد السلام..) وأصبحت بالعشرات أعداد اتفاقات وقف النار والسلام الصعب الى الإتفاق الثلاثي ، المولود القيصري في المشفى السوري والذي لم يعمر .. الى الطائف.. وباختصار شديد الى القفزة النوعية في زيارة البطريرك نصر الله صفير الى الجبل والمصالحة على أساس المصارحة التي هندسها وتعهدها وصرف عليها واستثمرها السيد وليد جنبلاط معيداً الى الأذهان أن الوفاق الدرزي الماروني يضع الجبل في موضعه الوازن باعتباره وسط لبنان ، أي أعلاه الذي يرى الناظر منه الجميع ويرى الناظر إليه الجميع ايضاً... وتعدت المسألة هذه المرة وبمساعدة من حزب الله ، ورضا سوري ، تعدّت التسالم الى النزول الى مجلس النواب بلوائح مشتركة كأنها صورة العيش المشترك الذي جاء في اتفاق الطائف الذي كان الاتفاق الذي يشبه التأسيس والذي تعطل لأن الملتزم من الباطن (سورية) كان يرى أن لبنان إذا قامت قيامته وأنبتت عمارته أصبح نداً وإذا سقط ما تبقى من منازله صار عبئاً .. فيراوح إذن تحت رعايتها بين الحرب والسلام . والسقوط والقيام ليتحول الى مكان مثالي للخدمات السياسية الإقليمية هذه المرة (إيران) إضافة الى العربية والدولية ، وعلى مقتضى وكالات قابلة للعزل في الأطراف الضعيفة وغير قابلة في الأطراف القوية .. القوية بعديدها الطائفي الذي زيّنه ومتّنه المال والسلاح والمقاومة والتحرير الذي كاد أن يصبح رافعة المستقبل لولا أنه حوّل الحياة في لبنان الى حياة ريعية مكاتب (بورصتها) في عواصم أخرى..ومضارباتها في لبنان وأبوابها مفتوحة على الشراكة من شاكر العبسي الآتي من دمشق ، الى أبي مصعب الزرقاوي السائح بين كابول وبغداد وعمان .. مستمتعاً بنوافير الدم ونزيف الإسلام وامتهان الأوطان .

***

إني مشغول بتتبع شواهد المفارقة في حزبيْن فاعليْن في تاريخ لبنان الحديث ، بين الباطن الطائفي غير الخفي وبين الظاهر الوطني أو العلماني أو الوطني غير الجلي .. وقد كانت بداية الحزب التقدمي الإشتراكي بشراكة مع العلامة المدني السني الشيخ عبد الله العلايلي وصولاً الى محسن دلول ورياض رعد وعبد الله غطيمي وخليل أحمد خليل ومحمد عباس ياغي ، في فترات مختلفة من تاريخ رئاسة كمال جنبلاط ، مما عاد وأصبح أقل بروزاً وإبرازاً وفعالية بعد استشهاده ، لا لأن وليد جنبلاط أقل علمانية أو حداثة من كمال جنبلاط ، بل لأن قتل كمال جنبلاط وعدد من القيادات التاريخية المتحققة في طوائفها والطامحة على تردد شديد في تحقيق وطنيتها في إقامة الدولة المدنية على حساب الطائفية .. كان يهدف الى إلغاء القيادة الطائفية القوية التي يمكن أن تمسك بقرار طوائفها وتوظفه بمشروع وطني مدني متدرج في تحقيق الوطنية السياسية أي الإلغاء التدريجي للطائفية السياسية تمهيداً لإلغاء مقصود أو غير مقصود ولكنه لا بد أن يقع ، وهو إلغاء الطائفية من دون إلغاء الطوائف ، بل إعادتها الى مكانها كمكونات للإجتماع مع غيرها (مؤسسات المجتمع المدني وفي طليعتها الأحزاب المدنية والنقابات) ذلك لأن هناك أنظمة عربية لا يروق لها ذلك لأنها طائفية في الأساس ولا تسمح ولو بنسبة متدنية من مشاركة الطوائف الأخرى أو المذاهب الأخرى من الطائفة الحاكمة ذاتها ، ولبنان في منظورها فرصة سياحية واستثمارية عقارية ومكان للخدمات السياسية للأنظمة المختلفة خاصة في الإعلام اللبناني القائم على مقدار من الحرية غير المتاحة في غيره من الأنظمة ذات الحاجة الى الإعلام الحر المستورد وفي حدود تتكفل بترسيمها العطائات المالية الداعمة للمؤسسات الإعلامية الصديقة أو المؤسِّسة لبعضها ، وعليه فإن إصلاحاً بهذا الحجم سوف يرتقي بلبنان الى مستوى النموذج الجاذب فيصبح مصدر قلق للأنظمة التقليدية أو الأنظمة التي اختارت مقداراً من التحديث الشكلاني وبقيت في أدائها والقيم الإدارية التي تحكمها أشد ضيقاً وتضييقاً وإلغاء للمختلف ، من الأنظمة التقليدية الأصلية ، (سوريا ، العراق ، تونس.. ليبيا ، اليمن ، الخ ..) ولا داعي لوجع الرأس الذي يأتي من لبنان المتطور ، والعلاج هو إعادته كلما حاول أن يتقدم خطوة ، الى طائفية أقوى ، من خلال تحويل حركة الإسقاط من النظام الى الدولة ، وبدل أن يسقط النظام أو يتطور على مقتضى الدولة ، تتأخر الدولة ، باستشراء الطائفية والتقابل الحاد بينها والآيل الى انفجار دوري حتماً ، ولا تلبث هذه الدولة أن تغيب لصالح النظام الطائفي الذي يزداد رسوخاً كل مرة .

***

..منذ أواسط الستينات الى النكسة ثم المقاومة الفلسطينية المتداخلة والمتقاطعة مع شبكة الإشكاليات اللبنانية بصورة أثبتت أن أضرارها على الطرف اللبناني خاصة ، وعلى الطرف الفلسطيني لم تكن أقل إن لم تكن أكثر من فوائدها .. الى انفجار عام 1975 ..وإصرار القيادات الروحية والزمنية الناضجة والمعتدلة نسبياً على إنهائها بنسب متفاوتة من الجدية والقدرة .. اتضح للنظام الذي تقدم على الجميع في تغطية طائفيته بسبب أقلية الطائفة التي ربما كانت لا تريد ذلك في سورية خوفاً على مستقبلها من هذه الحالة الاستثنائية الصارخة (العلوية في مجال سني بامتياز).. وكانت القومية العربية على شيء من الخطاب العلماني الذي لا يأتي من عقيدة علمانية بل من ضعف العلاقة الفكرية والتاريخية بالإسلام كدين سائد في المنطقة .. هذه الحال السورية التي أوكلت اليها لاسباب إقليمية ودولية مهمة الشراكة تمهيداً للتفرد في إدارة الحرب والسلام أو شبه السلام في لبنان ، كان الزعماء الأقوياء لطوائفهم بطموحهم الزعامي واستقلاليتهم ، يشكلون عائقاً في وجهها ، فكان لا بد من إزاحتهم ، بأساليب منها الإجبار على الهجرة الى فترة الشيخوخة الكاملة (صائب سلام) أو الهجرة الدائمة والوفاة في الغربة بعد عدة محاولات للإغتيال من قبل أطراف متخاصمة فرضاً (ريموه اده) ، وإحالة إزاحة الإمام موسى الصدر الى خبيث ليبيا .. ولحق رشيد كرامي بالجميع أثناء سعيه الى الإتفاق مع كميل شمعون على إنقاذ لبنان وتحقيق سلامه تمهيداً لإعادة ترميم دولته واستقلاله .

***

عوداً الى السياق .. لم يكن واضحاً للمراقبين المعنيين أن استجلاب شخصيات أساسية أو ثانوية الى الحزب التقدمي الاشتراكي ، هو من أجل تغليب بيئته الحاضنة الوطنية على البيئة الطائفية الدرزية .. والحديث هنا عن الحزب لا عن الطائفة التي لم تشكُ مرة من نقص في وطنيتها ، لا هي ولا غيرها من الطوائف التي تركبت عليها

أحزاب طائفية .. ولعل الانسحاب المبكر للشيخ عبد الله العلايلي من قيادة الحزب مع غيره من القيادات غير الدرزية ، دليل على أن الحزب قد تأسس درزياً ما معناه أن الدرزية التي هي المكون أو المستوى الأول أو الغالب أو المختزل لهويته السياسية . ما تأكد لاحقاً من هامشية القيادات غير الدرزية التي استمرت سوى ما بدا من اضطرار الى تظهير عضوية السيد عباس خلف (الأرثوذكسي) وتوزيره لأسباب جبلية أو تقدم السيد محسن دلول في سلم الرتب الحزبية الى نيابة الرئاسة وصولاً الى دريد ياغي ، وهذان الإثنان ، دلول وياغي كانت لهما دائماً وظيفة خدمية سياسية أكثر من كونهما شريكي قرار أساسيين في بنية الحزب .. وظل وضع النائب التقدمي محمد عباس ياغي متميزاً لقوته في عائلته ومدينته ومعارضته لتيار الزعيم التقليدي الشيعي في البقاع صبري حماده الذي يضطر الى التحالف معه ، والذي لا يمكن اختزال تاريخه السياسي بالهيمنة الكاملة والاستئثار ، ما سمح لمحمد عباس ياغي أن يكون إضافة الى الحزب التقدمي الإشتراكي الذي اختاره كمكان نيابي لا سياسي .. بأدلة كثيرة منها أن التجربة لم تتكرر مع نجله عباس ، الذي وبسبب حداثته وعلمه وتجربته الخاصة لم يعد صالحاً لأن يكون مجرد زينة في مزهرية الحزب الوطنية .

***

باختصار ، نكرر ما مضمونه أن الحزب التقدمي الاشتراكي في عهديْ كمال ووليد جنبلاط ، على اختلاف في الظروف وشروط وضرورات الأداء ، لم يكن يجد نفسه مضطراً الى النفاق في المجاهرة المتبدلة الإيقاع قوة وضعفاً بدرزيته مع البحث الهادئ وغير الملحّ عن لغة وطنية واصلة وتتعدى محيط كمال جنبلاط الثقافي النخبوي الى جمهور ما ، وتقع في دائرة المجاملة أو الضرورة الدنيا ، مع بقاء القاعدة الدرزية بمعناها الطائفي الصرف حاكمة مطلقاً أو مخففة الى حد ما في حالات استثنائية تقع موقع الضرورة السياسية غير الدائمة . مع فارق في هذا الأمر قد يكون لصالح كمال جنبلاط الذي كان أكثر قدرة ورغبة واضطراراً أو حرية في اختيار التنويعات الطفيفة التي ظلت أقرب الى كونها صداقات لكمال جنبلاط أكثر منها حضوراً فاعلاً في هيكلية الحزب وقراره ولم يعرف عنها أنها استطاعت أن تمد الحزب كثيراً الى بيئتها الطائفية إلا في الجبل القائم على المعادلة الدرزية المارونية ما يجعل العضوية المسيحية في الحزب ثانوية أو ذريعة سياسية أو نيابية في مقابل المسيحي الآخر بناء على الخلافات الموروثة [1]. الى ذلك كان كمال جنبلاط أقل اضطراراً من وليد وأشد قناعة بحسن وامكان زيادة الجرعة التعددية في الحزب .. وقبل الحرب التي حسم فيها أمر الإصطفاف المذهبي بشكل قاطع ، ومن دون عناية بالخطوط الإعتراضية في الطوائف القوية بذاتها وغير القادرة على التغيير أو الحضور الفاعل الذي أصبح مشروطاً بالقبول بالوصاية السورية ذات التفويض العربي والإسلامي والدولي مزيداً عليه منذ عام 1983 التفويض أو الشراكة الإيرانية على رافعة المقاومة التي كانت فيها سوريا شريكة مضاربة ومرفأً لإعادة التصدير ومكاناً للصناعات التحويلية بأجر سياسي ومالي يتناسب في وتيرة رفعه أو ارتفاعه مع تطور الكمية والنوعية المنتجة في خدمات المقاومة في لبنان واستخدام ذلك كله في ترسيخ السلام في الجولان ، سلام اسرائيل وسوريا معاً .. وقد لا يعترض كثيرون على ذلك ، ولكنهم يتعجبون من هذا الاستخدام الريعي للبنان .. كل هذه المعطيات جعلت جنبلاط أشد تمسكاً بدرزيته من أبيه على الرغم من أن درزيته وبسبب تكوينه الثقافي المختلط أو غير اللُحمي ، كانت سابقاً أقل كثافة من درزية أبيه.

***

لا بد في هذا السياق من تلمس الفرق بين الناصرية القومية ومدّها خارج مصر وتاثيرها على حراك الجماعات السياسية والزعامات في لبنان من بدء الثورة أو الإنقلاب الى تأميم القناة والعدوان الثلاثي والوحدة والإنفصال والبعث بعده في سوريا والنكسة والمقاومة الفلسطينية والنشاط اليساري في لبنان وقوة الإتحاد السوفياتي وبعد إيران وانفصالها في عهد الشاه عن المحيط الشيعي المعادي لتوجهاتها إلا في حدود معينة ما لبثت أن زالت والتحقت الشيعة السياسية بالثورة بعد الإستقرار النسبي للدولة الإيرانية ، دولة ولاية الفقيه التي جاهرت بشيعيتها مستفيدة من اللحظة الطائفية ورافدة لها ومستقوية بالطائفة بعد تقويتها والمشاركة في تأسيس ودفع الطوائف الأخرى الى مزيد من الطائفية إلا إذا اضطررت في لحظات رعب عمومي الى الإلتحاق أو المجاملة أو الممانعة أو التحالف غير المفهوم .. ولو الى حين .. مع الطائفة الأقوى سلاحاً وعدداً وعمقاً مباشراً أيضاً فضلاً عن إيران ومالاً شديد التنظيم ومنتجاً لها ولإيران على عكس المال النفطي العربي الفوضوي والمزاجي والعقيم . وعليه فقد اختلفت الظروف المشجعة لكمال جنبلاط على التقلب البراغماتي بين الدرزية والوطنية العابرة للحدود أحياناً عن الظروف التي ألزمت وليد جنبلاط بالسعي المتنقل من سبيل الى سبيل ومن لغة الى لغة لحفظ الوجود الدرزي الذي أصبح هذه المرة في خطر حقيقي وإن مبالغاً فيه ، ليغتنمه وليد جنبلاط للخلاص من إلزامات التحالف مع أعدائه الحميمين الذين أصبحوا مع فائض القوة في حزب الله مشغولين بحماية كياناتهم - غير قادرين على حماية حلفائهم على تردد في الجهات الداعمة دولياً وعربياً أو كما قيل تذرعاً ولعل السبب أعظم من هذا !! .. الى مزاج جنبلاطي في وليد آت من تكوين أقلوي قلق جعله يتعامل مع السياسة كمتغير يومي أو لحظوي وجعل حركته تشبه حركة البورصة وجعل السؤال عن موقفه الأخير متغيراً بسرعة تشبه سرعة الربح أو الخسارة في الثروات المالية الضخمة جداً والتي تحسب تاريخ حركتها بأعشار الثانية أحياناً .

في حزب الكتائب اللبنانية أعجبتنا مجاهرتها بلبنانيتها أيام كان آخرون يرون لبنان وطناً مؤقتاً ودولته ورشة لإدارة أزمته ريثما يلتحق بدولة الوحدة ، هذا الإلتحاق الذي سخر منه ضمناً فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر بعد (الثورة؟) اللبنانية عام 1958والوحدة السورية المصرية والمآسي اللبنانية التي فاقمها عبد الحميد السراجي السوري تحت المظلة الناصرية .. وكان لبنان في الأدبيات السياسية القومية حصراً ورديفتها الطائفية الإسلامية وشركائها من العروبيين المسيحيين كياناً مصطنعاً اتفق علماء السياسة والتاريخ على أن مصطلح الاصطناع قد يفسر نشأته ولكنه لا يفسر تطوره وما انتهى اليه من ناجزية تحتاج الى مزيد من الإنجاز برفع مقام الدولة الى مقام الكيان ورفع الدستور الى مقام الميثاق (اتفاق الطائف) .. علماً بأن جميع الكيانات المصطنعة لأسباب وجيهة أو غير وجيهة قد ترسخت ونبت دولتها شبه التامة أو الناقصة من الولايات المتحدة الى الباكستان الى الكوريتين الى بلجيكا والعراق والأردن وفلسطين وسورية الحالية على خارطة سورية الكبرى أو بلاد الشام سابقاً ، وهولندا وغيرها من الدول التي نجحت في ادارة تعددها الإثني أو الديني أو السياسي أو فشلت ولكنها لم تبقَ مؤقتة أو باحثة عن تعريف .

***

إن الكتائب وغيرها من الأحزاب الموازية لها أو المتفرعة عنها ، الى مسيحيتها الصافية أو المصفاة بمصفاة الأحزاب المسيحية ، لم تنتبه الى أن الوعي بالهوية وحيدة البعد مغامرة معرفية وسياسية واجتماعية ، وهو وعي معرض للمرض ووعي معطل أو قاتل في زمن اتضاح جدوى وضرورة الوعي بالهوية المركبة التي تحقق الشروط الأفضل للنمو والنهوض والتقدم والرسوخ في عصر أثبت بشكل نهائي أن التاريخ لم يعرف ولا مرة واحدة حالة من الاكتفاء الذاتي داخل الحدود الوطنية بل كان رفع مستوى الحياة يعتمد على التمدد خارج الحدود بالاستعمار مرة وبالوحدة مرة وبالتضامن مع الأعماق او الجوار مرة أخرى ، ما جعل الوطنية القائمة على القطيعة السياسية أو الثقافية والإستقالة التامة من المستوى العربي في مكونات الهوية ، من دون ضرورة أوهام قوموية ، يحرم لبنان وغيره من نعم كثيرة ليست النعمة الإقتصادية إلا إحداها ولو كانت هي التي تختزلها لكان أسلوب الانتفاع الحضري على مؤهل حداثي غربي لدى اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً في مقابل البداوة العربية المتحضرة .. لكان هذا الاسلوب كافياً لازدهار لبنان واستقراره ، ولكنه لم يكن كذلك .. خاصة بعد نهوض الوعي ولو ملتبساً ، بالهوية العربية من المحيط الى الخليج ما بين الإحتلال البريطاني لمصر الى نهاية الحرب الكونية الثانية .. ومن هنا لاحظ بعض النقاد أن إغلاق الوطنية اللبنانية على ذاتها هنا وألزمها بالإنفتاح على آفاق بعيدة جداً في الغرب مشغولة دائماً بأنظمة مصالحها المرتبطة الى حد بعيد بآبار النفط ، أشد من ارتباطها بأرز لبنان وثلجه وجمال أهله وشطارتهم وحداثتهم .. ما كان مدخلاَ الى مغامرات كانت الشراكة فيها متكافئة مع الشراكة الإسلامية اللبنانية التي واجهت ما يشبه الاستقالة المسيحية(كتائب أساساً وغيرها لاحقاً) من المستوى العربي للهوية اللبنانية ومستحقاته التي تتجاوز التجارة وخدمة المدينة العربية النفطية الآخذة بالتكون على فقر في التقنيات واللياقات الإدارية واليومية والفنية قبل عقود من الزمن .. واجهت الشقة الإسلامية جارتها الشقة المسيحية في عمارة لبنان بعد الاستقلال أو أثناءه بشبه الاستقلالية أو القاطعة والمسيحية تلك مع وجود تطعيمات اسلامية فيها ، عن أو مع المحيط العربي ، بشبه استقالة من ضرورات وإلزامات الكيانية اللبنانية لتحول لبنان من مشروع كيان ناجز بشروط عربية وإقليمية ، الى عقار مستأجر للبناء والسكن والزراعة والسياحة والخدمات السياسية والاستثمار العربي السياسي والإقتصادي مع ما اقتضى ذلك من تغذية النزوع الى اسلامية مأخوذة بالعدد الإسلامي اللبناني مضافاً الى الأعداد العربية القريبة والإسلامية البعيدة، ما استثمره المسيحيون اللبنانيون في التأسيس الحزبي على الطائفية مع الانتداب والاستقلال الذي كانوا أكبر حجماً في عقد الوكالة الفرنسية في إدارته من المسلمين .. وهنا بالذات ، أصبح المسلمون طائفة أو طوائف تبحث عن أحزابها مستشعرة القوة المتأتية من الخارج أو الجوار العربي ذي الوجه الإسلامي الغالب لتشعر الأقلية المسيحية اللبنانية الملزمة بالشعور بأقليتها رغم التكافؤ العددي تقريباً في لبنان في بداية التأسيس ، مع المسلمين ، غير مطمئنة الى قدرتها على ضم الأقليات المسيحية في البلاد العربية الى نصابها ، للتعديل في وضعها ولو جزئياً ، فاتجهت نحو الغرب ، الذي وجد المسلمون في لبنان وبعض البلدان العربية في الاتحاد السوفياتي منافساً قد يكون موازناً فاتجهوا اليه ، وقد تناسى الطرفان ان الذي يحكم علاقة الرأسمالية والإشراكية إنما هو نظام مصالح مشتركة مهما بدا أنها متباينة مع تأكيد الخبراء الماركسيين الواقعيين بأن الماركسية والشيوعية إنما كانت صيغة غربية لحل مشكلات الغرب بعد التحولات العميقة في دورة الإنتاج وشروط السوق الذي تحكمه سلة من التباينات والتوافقات التي تقتضي التواطؤ أو تقتضي الحرب على الأرض الوطنية للخصم قليلاً وقبل الحرب الثانية أو على أرض توابعه من الكيانات كثيراً أو دائماً بعد الحرب الكونية الثانية وجنون هتلر .. مع تسليم العارفين وأهل الرؤية والذاكرة بأن كل الحروب الاستراتيجية تهدف الى الصلح الذي لا يتأخر إلا بمقدار ما تكون الإيديولوجيا أو العقائدية مسيطرة أو متحكمة في عقل الأطراف المتنافسة والمتصارعة .. ويكون من شأن هذه الحال عادة أن تفاقم الخسائر على جميع الأطراف وبنسب مختلفة على الخاسر والرابح أو المتعادل في نهاية الحرب التي تصبح نهايتها ضرورية كما كانت الحرب نفسها ضرورية ، في لحظة سابقة للخراب والموت في ستالينغراد وألمانيا وجميع شركائهما مثلاً . وجميع الصحابة والتابعين في الحرب أو الحروب التالية حتى الآن .. من دون استثناء معادلة (واشنطن طهران بالطبع).

كل ذلك زاد من تداول الطائفة وتبادل الطائفية في الادارة والسياسة والثقافة اللبنانية والمؤسسات ، من العسكر الى التربية ، الى الحياة النقابية .. وأدخل هذا الشأن في الدستور في بند 6 و 6 مكرر الذي يفرض أن يكون هناك جندي مسيحي ليصار الى تطويع جندي مسلم في الجيش ، وتأتي المشكلة من زهد المسيحيين في الجندية . مع التسليم في الدستور بأرجحية مسيحية في المؤسسات الكبرى (5مقابل6) نسبة النواب بين الطرفين لصالح المسيحيين ، ما انتهى الى المناصفة في ميثاق الطائف وكأنه إعادة تأسيس خير وواعد هذه للطائفية على الرغم من الموقعية الساطعة لبند العيش المشترك في هذا الميثاق ، والذي زاد انتهاكه أضعافاً مضاعفة بعد الطائف من دون أن يفكر أحد بترتيب العقوبة المنصوص عليها في الطائف على هذا الإنتهاك ..هذا ومع تمسكي غير القابل لإعادة النظر في المدى المنظور وحتى البعيد في مارونية الرئيس والمناصفة الى حين قد يقصر أو يطول ، كما أني وأمثالي لا نقبل النقاش في مارونية وظائف عليا في بنية الدولة تمسكاً منا بالمسيحية كضرورة وطنية مع ضعفهم أو تهميشهم أو التغلب عليهم كما تغلبوا مرة خاطئين وإن كانوا مع خطأهم قد أسهموا إسهاماً مميزاً في رسم خارطة الدولة التي بقيت قيد الإنجاز الى أن أصبحت قيد التداول .. ثم قيد الغياب الآن !!هذا ولا ننسَ ولن ننسى أن المادة 95 من الدستور اللبناني قد اعترفت بأن الطائفية السياسية آفة لبنان وأنه لا بد من علاجها بجدية وتدرج .. ولم يحصل .. ولم يخل بيان وزاري منذ الاستقلال حتى الآن من تجديد العزم اللفظي على الإلغاء الذي صار لفظياً وكأنه (جنريك) مميز لاستكتش لبناني مملّ . ولماذا تقطع الطائفة المقيمة إقامتها الطويلة ولا تطمح بكل الهوية والجنسية اللبنانية ، طالما أن بعض الدول أو السلطات لا تقطع إقامتها في لبنان وتصرفها فيه كم لو كانت المالك الحصري لقراره لا نيابة عنه ولا وكالة بل أصالة ودائماً !.

***

في ظل هذه الشبكة المعقدة من التقاطعات والتداخلات والالتباسات والملابسات والحساسيات والطائفيات التي تحولت الى مذهبيات فاقعة .. نسأل لماذا لم تنشأ أحزاب وطنية لبنانية تتحقق وطنيتها بتعدد طوائف أعضائها الملتقين على مشروع وطني لبناني غير عابر للحدود ولكنه جاهز دائماً للسفر بحثاً عن التضامن والنمو والشراكة مع الأصدقاء والأشقاء وهم حاملون أشخاصهم لا مذاهبهم ولا طوائفهم الى الحزب المدني الجامع ؟ وهل تسنى ذلك لها ؟ وإذا قال الكتائبي أو التقدمي الإشتراكي إن ذلك لم يتسنَ إلا في حدود فتقديري أن الحدود المحدودة جداً كما عرفنا وذقنا .. كانت بفعل وإرادة المؤسسين وخلفائهم وأشباههم ، ولم يكن ذلك في استحالة تأتي من واقع يمنع حصوله ، بدليل أن أحزاباً قومية وأممية شيوعية اخترقت الطوائف ونجحت في هذا المجال وإن كان فشلها الذريع قد أصبح مشهوداً فإنه لم يأتها من هذه الناحية بل من ناحية الفكرة والتجربة والنموذج الفاشل رغم الكثير من النجاحات الجزئية العابرة أو الواسعة والعميقة في النمو والعمران والثروة والتي تمت في بلدان المنشأ الشيوعي وفي الدولة الراعية (الاتحاد السوفياتي) ولكنها ، أي النجاحات ، تمت على أساس تغييب الشرط الإنساني الأول (الحرية) الذي بدا وكأن غيابه كان شرطاً للعدالة والتنمية ثم انكشف العكس تماماً وسقطت التجربة .. فهل اختارت أحزابنا شبه اليسارية وشبه اليمينية ، الطائفية لتأمين الخبز والحرية للبنان واللبنانيين جميعاً أو لأبناء طوائفها وحدها أو أحزابها وحدها ؟ والواقع اننا عانينا نقصاً ذريعاً في الحرية داخل هذه الأحزاب وإن كانت التركيبة الطائفية في لبنان قد أمنت لها مقداراً ما من الحرية .. لها ولغيرها ، فإنها كانت وما زالت تبدو وكأنها تطبيق لبند 6 و 6 مكرر من الدستور ، ما جعل منسوب هذه الحرية داخل الطوائف وتحت وطأة أحزابها وداخل هذه الأحزاب يتردى الى حد مذهل ومزعج ومخيف ، ومع هذه الحرية أو الحريات التي لم يتم حفظها بالديموقراكية.. أخذ الخبز يتناقص ما سهل على الأحزاب الطائفية المتفرعة عن مراكز طائفية خارجية غنية ، تأمين الخبز بجعل لبنان وطوائفه جميعاً منظومات ريعية وسهل على الجميع جعل الدولة مضطرة الى طلب الاعتراف بها من بعض الأحزاب بدل اعتراف الدولة بالأحزاب ، ذلك لأن الاحزاب أو الطوائف هي الموجودة حقيقة والدولة وجود (مجازي) لن يلبث أن يصبح خيالياً أو محالاً كلما تقدمت الطائفة وحدها أو مع الطوائف الأخرى الى أن يحسم الأمر لطائفة ما على سائر الطوائف التي تسارع أقسام منها الى الإلتحاق المبكر.. إلا أن يحدث أمر كبير ما .. يشبه ما يجري في البلدان العربية التي عانت من نقص الحرية والتنمية وحاولت سلطاتها أن تفرقها لا أن تجمعها لتعيش السلطة على شتات شعوبها وضعفها .. هذا مع الخوف من أن يكون التسرع مرة أخرى سبباً لضياع الثمرة بعدما أزهرت شجرة الحرية في ربيع العرب الذي إذا ما انتهى الى غاياته المنطقية فسوف يحول هذه المنطقة من مستورد الى مصدر للأفكار والعلاجات المجدية للإنكسارات في تجارب الأمم .. ويتم تصحيح البدايات المضطربة التي تأسست عليها أحزابنا جميعاً والأحزاب الطائفية منها خصوصاً .. والكتائب وفروعها وخلفاؤها من دون أن يؤدي الفرع الى تجديد أو تحديث أو توطين الأصل إلا جزئياً وريثما يحدث حدث طائفي يستفز الحزب فيعود الى عاداته الطائفية المستحكمة من دون مشجع لزوالها في سلوكيات الأحزاب الطائفية الأخرى .. والتقدمي الإشتراكي بشكل أخص والذي لا ينشق ولا يتفرع ولا يلد ولا يولد وليس له أو لزعيمه كفواً أحد .. وأستغفر الله ألف مرة قبل أن أظلم ولكنه المشهد !! .

***

أقول ما قلته هذا ، وإذا اضطررت فإني أؤكد أني راجعت كما كثيرون غيري مشاركتنا باشكال مختلفة من الرضا بصمت أو علناً أو سكوت على مضض على الحرب وتجلياتها البشعة وإصرار اليسار واليمين العلماني اللبناني والفلسطيني والعربي على توظيف البعد الديني والحقد والغضب المذهبي في تأجيجها ومدها الى كل جغرافية لبنان وأعماق اجتماعه التي كانت من قبل تتنافس أو تتصارع بقليل من الدم وقليل من الذرائع الدينية والتحريض المذهبي الأقدر على إشعال الفتنة كلما قاربت نيرانها أن تخمد .. مارسنا النقد علناً بين أهلنا وفي أوساط شركائنا وشجعنا كثيراً ممن كانوا يختلفون معنا ويصطفون في الجهة المقابلة أن يمارسوا نقدهم الذاتي من دون أن يتحفظ كلانا على الآخر في نقده للآخر على أساس ان المصارحة هي الوسيلة الأنجع للمصالحة مع الذات والآخر ، اي آخر ، وأعلنّا التوبة معاً ، وأخذنا نبحث معاً عن أشكال جديدة للتضامن الاجتماعي والوطني بعد أن دمرت الحرب كل الأشكال سوى أشكال التضامن الإقتصادي وحتى السياسي الحرام في الحالتين بين أشرار الطوائف وزعمائهم .

وقد اتفقنا في المؤتمر الدائم للحوار ، مثلاً ، وبعد انتخابات 1992 النيابية كبداية في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي انتظرناها لخلاصنا من الموت والفراغ ، اتفقنا على انه لا بد من كتلة تاريخية تعددية تشكل رافعة رؤية للمستقبل اللبناني على أطروحة حداثية تمر بالخصوصيات الوطنية والعربية في طريقها الى العموميات المسلَّمة ..وقررنا أن هذه الكتلة لا يصح أن تفكر في أن تنتصر على أحد ولا أن تقوض أحداً ، وأنتجنا على هذا الطريق أفكاراً ومقولات وشعارات اعتبرنا أن تلقف الآخرين لها والزيادة عليها وتعميمها ونشرها ، من أهم إنجازاتنا في وثائقنا وخطاباتنا الندوية وكتاباتنا في الصحف والدوريات العامة وفي نشراتنا المتخصصة والتي تلقاها الإعلام بقبول حسن وشجعنا من خلال إعادة نشر أفكارنا .. وقد أدى بنا ذلك الى الإنسجام مع التيار النقدي اللبناني اليساري للشراكة اليسارية والإسلامية والفلسطينية في الحرب من موقع الخبرة والمعرفة والمشاركة في كل محطات الحرب ، ولفتنا محسن ابراهيم في شجاعته في هذا المجال الذي لم يتخلف عنه وليد جنبلاط ولا جورج حاوي ولا قيادات في الكتائب والقوات اعتمدت المكاشفة وهدفت الى الاكتشاف .. وقد أسهم هذا الجو بعد سنوات عدة في صدور بيان الاعتذار الفلسطيني من حركة فتح ومنظمة التحرير بصراحة وعمق ومن دون عقد أو إقامة نهائية في الماضي ، ولا ننكر اننا كان لنا دور خلقي في هذا المنعطف ، حتى أننا أعلنا قناعتنا التي رحب بها الفلسطينيون من أنه لا داعي للتضحية بلبنان من أجل فلسطين ، لأننا نضحي بالإثنين معاً في هذه الحال ، كما لا داعي للقطيعة مع فلسطين وقضيتها من أجل لبنان ، لأنها قطيعة مع لبنان من باب آخر ، وأن العرب جميعاً وفلسطين لا يمانعون بل يستفيدون من الوفاق والنهوض اللبناني كما يملي المنطق السليم ، وفي أقل التقادير تخف أعباؤهم الآتية من جهة لبنان الحروب الأهلية ، وأن لبنان يسعد ويزدهر ويطمئن عندما تتحرر فلسطين بقرار فلسطيني اصلي وقرار عربي مساعد في لبنان وغيره ، ومن كل حسب طاقته ، ويرتاح ويفرح لبنان إذا حقق الفلسطينيون دولتهم الوطنية المستقلة على طريق وبشروط السلام العادل والشامل أو الأقل جوراً عليهم وعلينا .

وحملنا من القيادة الفلسطينية مبكراً الى عدد من القيادات الزمنية والروحية قناعة بأن السلاح الفلسطيني في المخيمات هو ضد فلسطين والفلسطينيين وأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ضد لبنان وفلسطين واللبنانيين ، وأن القيادة الفلسطينية التاريخية تريد أن يكون هذا السلاح بإمرة الدولة اللبنانية التي إن شاءت كان بإمكانها أن تبقي عليها في الحدود المساعدة لها في تعزيز الأمن في المخيمات وفي لبنان .

هذه الأبواب التي انفتحت على بعضها بعضاً وعلى الواقع والواجب تجاه لبنان ودولته وإعماره تعززت بالمشروع الجامع الذي حمله الرئيس رفيق الحريري (من دون أن نتبرع له بالعصمة) ، والذي أسهم في تفاهمات عميقة وحل عقد مركبة بين الفئات السياسية وبين الأفراد والقيادات الحزبية من خلال المجلس النيابي والوزارات التي جمعت ولم تستثنِ طرفاً إلا في حالات قليلة لضرورة أحياناً ومن دون ضرورة أحياناً أخرى .

هذا الإنفتاح والتواصل على قاعدة الإختلاف المنشغل بالإتفاق ، لم يكن بدعاً بين الأحزاب التي تخلت عنه أثناء الحرب وعادت اليه جادة مرة ومترددة مرة بعد الحرب.

وعلى سبيل الذكرى ، وفي بداية شبابي السياسي المطلبي كمزارع تبغ ، التقيت الشيخ بيار الجميل بطلب مني لأوضح له حقيقة انتفاضة المزارعين وحماقة الدولة في التعامل مها ، دفعاً للتشويه الذي لحق بها .. وحدد لي موعداً بسرعة ، فالتقيته في مكتب الحزب في الصيفي ، شتاء عام 1973 ، وطال الحديث بيننا ، ووصل الى الدين والتدين وعلم الكلام ، فقال الشيخ بيار معبراً عن عدم حماسه للتظاهر بأننا نحن في الشرق عموماً متدينون نؤمن بالقضاء والقدر وأن الله هو الفاعل لكل شيء ، من المطر الى الصحو ومن خصب الموسم الزراعي الى المحل ومن ارتفاع اسعار التبغ الى انخفاضها ، فلماذا نخالف إرادة الله ؟ وعقب مستشهداً بمأثور من الأدبيات الإسلامية يقول :" اُعقلها وتوكل" ، وقرأه هو بصيغة " أقعد وتوكل". فصححت له ، فسالني عن الفرق في قراءة النص ، فقلت له أقعد وتوكل ، أي لا تسعى الى رزقك لأن الله يرزقك ، وهو يرزقك حقاً ولكن بشرط السعي ، ولذا فالصحيح " أُعقل وتوكل" ، أي أعقل الناقة ، أي شدها برسنها من ركبتها ، وإذا شئت أن تنام في ظل شجرة أو صخرة فنم هنيئاً ، لأن الناقة (المعقولة) المربوطة لن تذهب بعيداً فتضيع أو تأكل زرع الآخرين أو تهرسه .. ومن هنا عقبت بأن العقل سمي عقلاً لأنه يعقل ، اي يتيح الحركة المدروسة غير الضارة ويمنع الجنوح والتطرف ، ومن هنا أيضاً كان على الدولة لكي تطمئن أن لا نتظاهر ويدخل بيننا متطرفون أو مدسوسون يخربون ونغفل عنهم لأننا مظلومون وطيبون ولم يعد بإمكاننا أن نصبر على المزيد من الظلم الذي قررت أن تلحقه بنا شركة "الريجي" برضاً من الدولة .. لكي تطمئن الدولة كان عليها أن لا تضع سهرنا وعرقنا في حقول التبغ بين أيدٍ لا ترحم .. أصغى الشيخ بيار والتفت الى ساعته وقال لقد استقبلتك قبل الموعد بخمس دقائق لياقة لأنك وصلت ، وسأودعك مضطراً بعد ربع ساعة من نهاية الموعد لأني أصغيت أليك احتراماً .. وسوف نتعاون في حدود الممكن في سبيل إنصاف مزارعي التبغ ، وأوصاني أن أتصل بنجله الشيخ أمين فاتصلت وتشكلت لجنة نيابية اجتمعت في منزله في شارع سامي الصلح كان منها محمود عمار وبيار دكاش وعبد اللطيف الزين وآخرون لا أذكرهم الآن ، واستمع الجميع الى تقريري وناقشوا وأخبروني انهم منحازون للمزارعين ، ولكن هناك سلطة لا تستطيع أن تلبي بسرعة المطالب حتى لو كانت محقة ، وهم سوف يتابعون مع المعنيين وعلينا الصبر الى السنة القادمة .. وصبرنا وتحققت بعض المطالب . ثم دخلنا في الحرب وكساد الموسم عام 1976ثم توقفت الزراعة .

والتقيت مع مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه ليحمي حضوره السياسي وفعاليته بالمشاركة والتحالف المتنقل ومن دون عقد أو عوائق أو عقائد ، منطلقاً من صغر حجم طائفته وصعوبة التواصل مع امتدادها المحدود في فلسطين والأردن وسورية ، متنازلاً من قامته الفكرية العالية الى الواقع الطائفي مذعناً للواقع في البداية ثم راضياً ومتفهماً لهذا الواقع الطائفي لميل ذاتي وموضوعي لديه الى ذلك ولأسباب تتصل بأن نوايا تطييف لبنان كانت تعم الجميع ما أدى الى تسرب مفردات طائفية قليلة أو كثيرة الى الوسط السياسي القومي أو اليساري . حتى بدت القومية العربية وفي حزب البعث خاصة وكأنها اسلامية سلفية أخرى مزينة بميشيل عفلق والياس فرح وطارق حنا عزيز وبشارة مرهج وجهاد كرم ونقولا الفرزلي وغيرهم ، وحتى تساءل البعض وإن من دون تدقيق لماذا لم يتزعم الحزب الشيوعي مسلم واحد الى أن عين جورج حاوي رفيقه فاروق دحروج أميناً عاماً للحزب بعد تراجعه الكبير وكأن هذا التراجع قد أصبح مناسبة للزعامة من أصل اسلامي التي انتهت الى أمانة خالد حدادة والأمين المساعد سعد الله مزرعاني ، الذي يقال انه قد استقال أو على أهبة الاستقالة والانتقال السياسي لا التنظيمي الى خيمة حزب الله بعدما كان يمر في مواسم الانتخابات ، هو وغيره من الشيوعيين ، في قصر الرئيس نبيه بري في مصيلح ، آتين من دمشق ، ليجدوا أن الفيتو السوري عليهم قد سبقهم .

التقيت كمال جنبلاط في انتفاضة مزارعي التبغ التي تحمس لها كثيراً وعندما تحققت بعض مطالبه السياسية باستقالة الحكومة التي منع استمرار الحكومة التي تلتها متوافقاً مع رشيد كرامي على منع الرئيس أمين الحافظ الطرابلسي من إضافة زعامة أخرى الى الشجرة الطرابلسية .. عندما استعاد كمال جنبلاط نفوذه على العملية السياسية ، تخفف من الارتدادات الشعبية للانتفاضة الزراعية في بيروت واكتفى بثمن اعتبرناه نحن البسطاء حراماً ، بينما كان في الشرع السياسي حلالاً جداً واحتياطاً من العواقب الوخيمة على أبواب الحرب التي ابتدأت باغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة وأحداث أيار وقعدت –الحرب- قلقة تنتظر موعدها في عين الرمانة .

لم أشعر أنني التقيت مع كمال جنبلاط ضد أحد ، لأني لم أكن بإمكاني أن أتواطأ ، فأنا ناشط شاب وفرد ولا رهْط لي ولا عصبية ، وإن كان بإمكاني أن استرعي انتباهه بصراحتي في نقد أداء الأحزاب المضطرب والصراعي الذي فوجئت به في لقاءاتي حول مسألة المزارعين وضرورة تأسيس نقابة منتخبة منهم بحريتهم –ما لم يرق للأحزاب وخاصة جورج حاوي- ما دعاني الى شن حملة على تناقضات الأحزاب .. وقلت لهم أن حوزة النجف التي كنت أتوقع أن يكونوا أكثر تنظيماً منها تبين لي أنها متقدمة عليهم عقوداً من الزمان وضحك كمال جنبلاط من قلبه موافقاً وقال لي : خليك تشوف كم أعاني ؟ ، وتشوف أن التنظيم المذهبي الدرزي أرقى من أحزابنا العلمانية اليمينية واليسارية .. لم أقتنع ولا مرة أن هذا الواقع الذي ينقده كمال جنبلاط في الحركة الوطنية بلغة فكهة ومازحة .. يقلقه أو يزعجه بل يؤكد دوره ويحفز له موقعه الذي تأتي قوته من درزيته أولاً والتي صنع لها مروحة عربية ودولية جعلته في مصاف كبار عصره من الزعماء وأكبر كثيراً من طائفته حيث يشبه الإمام موسى الصدر في هذا المستوى من الفاعلية التي تتجاوز الحجم المحلي . وكلاهما ذهبت به هذه الفاعلية المحرجة للأنظمة .. وهذا ما انتبه اليه وليد جنبلاط بعد استشهاد أبيه وهو على قليل من الدرزية في مقام العصبية أو المعرفة بذاكرتها ومنظومتها ، وعلى قدر أقل من اليسارية التي كانت تمارس فتوتها في الجامعة الأميركية ولكنه كان بعيداً عن حاضناتها (الكوفيز) السياسية والعقدية .

وبسرعة تعلم وليد جنبلاط رئاسة الحركة الوطنية من موقع وراثي درزي وزعامة الدروز من موقع يساري وأحياناً علماني وأحياناً إسلامي وأحياناً سعودي وأحياناً إيراني كما تقتضي الباطنية الإسماعيلية (الأصل الدرزي) من حماية الوجود بإظهار أن المعني أو المعتني بسلامته وفعاليته وسط حالة من التعدد المتقابل ، على قلة في العدد ، انه متناظر الى حد التطابق مع المباين ومباينه الآخر في نفس الوقت أو في أوقات مختلفة .. ومن هنا يظهر وليد جنبلاط في لحظات الحسابات الطائفية الدقيقة إسلامياً إذا كان ضعيفاً ودرزياً إذا كان قوياً ، ويغطي إسلاميته بالتقدمية والعروبة والنضالية وفلسطين والأممية الثانية أو الرابعة ويغطي درزيته بالجبل واليوغا والكيان من عهد المتصرفية وما قبلها وبتاريخ الموحدين الذين كانوا كل شيء حتى لا يصبحوا لا شيئاً من أشياء غيرهم ، وأن يتجاوزوا عددهم بضرورتهم في كل مرحلة ويحافظوا بذلك على نصيبهم في قرص الدولة الذي يعجنه ويرقه ويشويه الرئيس (ابن ماء السماء) الزعيم وليد بك ، الذي قد يأخذ نصف القرص أو أكثر ويتمترس في اضطرار الطائفة الى زعامته الأوحدية واللحاق به أينما ذهب ، الى أن ذهب أخيراً وباندفاع الى حيث كان الدروز بإمكانهم أن يتابعوه مع تبريرهم لخوفه عليهم مقابل خوفهم عليه ، لو كان عودهم على الشفافية والشورى بدل الديموقراطية التي يؤمن بها نظرياً لأنها جميلة في إيقاعها وإمكان استخدامها ضد الإستبداد الآخر أو استبداد الآخر لأنه مختلف فقط . غير أن العقلاء ممن اعترضوا أو أضمروا الإعتراض عادوا الى الصف ناقدين أو ناقمين ولكنهم مذعنون لأن الطائفة قد أصبحت في زمن تورم وتضخم وتغول الأحزاب الطائفية ، ملخصاً فضفاضاً لوليد جنبلاط الذي أصبحت زعامته معادلاً مركزاً لها على وجع مرة وشكوى مرة وفرح تارة وزعل تارة . ورضا طوراً ، وعلى معادلة وتماهٍ نهائي بين الجماعة والشخص أسوة بالآخرين الذين لم يكن حال المنظومة الاشتراكية والإسلامية والقومية العربية ، في الشخصنة والوراثة ، أفضل من حال الطائفة الدرزية ، التي صار لها زعيمها الأوحدي وإن لم يكن واحداً ، فإن الوراثة وحدها لم تكن كافية لجعل منافسه معاً دلالةً ولو نسبياً له ، ولو بضخ الهرمونات في شرايينه من مصادر عدة ، بينما كانت تقدمية كمال جنبلاط الدرزية وفكريته المميزة ونمط علائقه العربية والهندية والروسية والأوروبية .. ونمط تعاطيه المركب من موقع التباين والتوافق مع القضية الفلسطينية وفوزه بمقدار كبير من وهجها وتنصله الشديد والصريح من سلبيات المقاومة وفصائلها وقياداتها صديقته اللدودة والتي كانت من ضرورياته وإن أضرت به أحياناً وكان من ضرورياتها وإن أضرّ بها أحياناً .

وبعد انتفاضة مزارعي التبغ التقيت مع كمال جنبلاط عندما رشحت وأنا مسافر في أمر مطلبي ومن قبل بعض اليساريين وأصدقائهم من الوطنيين الى مقعد نيابي في انتخابات فرعية في النبطية خريف عام 1974 شغر بوفاة المرحوم فهمي شاهين . وقد تحمّس اليساريون القادة لذلك عندما أجروا تحقيقاتهم واحتملوا بقوة أن أكون مرشحاً ناجحاً في كل الظروف ومع كل قوة المتنافسين (رفيق شاهين مؤيداً من السيد موسى الصدر وغالب علي أحمد مرشحاً من كامل الأسعد) . وتحفظ الشيوعيون في البداية واستطاع محسن ابراهيم وحسيب عبد الجواد أن يقنعا كمال جنبلاط الذي تحمس كثيراً وأقنع الشيوعيين واعترضت الشخصية المصرية الكبيرة في بيروت (محجوب عمر الشيوعي السابق) على ذلك وقال لي إن جورج حاوي يتحدى كامل الأسعد برجل دين شيعي ؟ ولماذا لا يتحداه بقائد شيوعي ، وكان محجوب عمر قد خرج من شيوعيته الى حركة فتح بعد تجربة طويلة مع تناقضات الأحزاب العربية وبعدما لاحظ تبادل المنافع بين الطائفية والتقدمية واليسارية والقومية والليبرالية في لبنان.. وقد كان للحزب الشيوعي مرشح تقليدي في النبطية ، لطالما تحمسنا له في طفولتنا وصادقناه من دون حماس في شبابنا ولكنه لم يكن منافساً (عادل صباح) لا هو ولا المرشح البعثي العراقي الذي كنا نحبه كثيراً ولا نرضى له أن يتحول الى قارئ تعزية في جولاته الانتخابية (موسى شعيب) على طريقة الصديق ادمون رزق عندما كان مرشحاً ونائباً كتائبياً من الرعيل الأول في جزين طمعاً بالأصوات الشيعية التي لم تكن تخذله لا لأنها كتائبية وإن كانت تسالم حزب الكتائب ما دام مسالماً ، ولكنها كانت تنفذ موجبات التقسيم الاداري الذي فصل على مقاسات الطوائف فألغى البعض بالبعض وأحيا البعض بالبعض ، وأتاح للأحزاب الطائفية أن تتدرج في تضخيم أحجامها النيابية متدرجة في نماذجها من الأقل غلواً طائفياً الى الأشد حتى بلغت ذروتها في رئاسة فؤاد شهاب ما كان تسجيلاً لمفارقة مدهشة وذات دلالة أتت من المفارقة بين حداثة فؤاد شهاب واتخاذه الكفاءة معياراً في بناء الدولة ، وبين تقصيره في الحراك السياسي الذي أفسح للأحزاب الطائفية أن تتمكن وتتوسع في مجلس النواب فاستفاد الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الكتائب الذي غض نظره عن حميمية العلاقة بين فؤاد شهاب وخصمها جمال عبد الناصر في مقابل تركه لها تنمو بسرعة وسعة.. وكأن كل شيء في لبنان وإن بدأ من القطيعة مع الطائفية سوف ينتهي اليها ، كما لو كانت قدراً مقدوراً ، وهكذا فإن الزعيم الاستقلالي رياض الصلح ولأنه كان جزءاً من الجنوب التعددي ، عندما ترشح للنيابة في بيروت لم ينل إلا مئات من الأصوات ، ما أجبره على الانتقال الى القسم السني من العاصمة ليؤمن استمراريته بتركيز سنيته آتياً من صيدا التي كان اجتماعها السني أرقى عندما انقسم الرأي فيها في وقت مبكر بين الشيخ أحمد عارف الزين الوحدوي العروبي الشيعي والشيعي الآخر عادل عسيران الكياني الليبرالي الذي انخرط في صف المواجهة للتيار الناصري مع كميل شمعون ..وهناك كلام كثير وصادق عن لاطائفية الدكتور سليم الحص قبل رئاسة الوزارة وفي أول سنواته فيها ، وأنا شاهد على ذلك عن تجربة جميلة ، وهناك كلام طائفي عن وعيه لاحقاً لطائفيته وإن لم يكن وعياً مرضياً ، ولكنه وعي طائفي يتجاوز شيعيته في سجل قيده لضرورة عائلية ، وكونه مرشحاً سنياً لا يستطيع أن يتنصل وحده من طائفته ..وماذا نطلق في هذا الحال وهذا المآل الذي يزداد رسوخاً يوماً عن يوم من دون أن يغري إلا بعضنا فقط بالتطابق معه ونحن نرى كثيرين من أصدقائنا يغادرون أماكن إقامتهم الحداثية والعلمانية ويأوون الى طوائفهم بمبررات تشبه المنطق كثيراً وتشبه الواقعية ولكنها غير واقعية ولا منطقية ، غير أن عدم إذعاننا الذي يضعنا خارج الطائفة من دون أن يجعلها خارجنا كجماعة وطنية ليس إلا ، يؤدي بنا الى الخروج النهائي من العملية السياسية وتفرغنا لبيع خدماتنا السياسية والفكرية بثمن أو من دون ثمن لتجار الطائفية وأحزابها التقدمية والرجعية ومؤسساتها الروحية الباقية على شيء من الروح أو التي انتزع زعيم الطائفة روحها بأسنانه المسنونة وأمواله المشبوهة وغرائزه المشبوبة .

عوداً على بدء .. فقد عاد كمال جنبلاط عن حماسه لترشحي الى النيابة ، عندما أدرك وأدركنا قبله أن ذلك سوف يكون استفزازاً طائفياً درزياً للسيد موسى الصدر من دون أن يكون بإمكانه أن يكون تأسيساً لمسار جذري حقيقي في مستقبل السياسة في لبنان ، بل ربما كان داعياً الى مزيد من التشبث بالطائفة كفاعل لم نعثر له على بديل في كل الأحزاب حتى الآن ونسأل الله أن لا يكون الى الأبد .. ووجدت في ذلك فرصة لتجنب المنزلق الذي كاد أن يضعني فيه اصدقاء مخلصون متحمسون بصدق لي وللتجربة الجديدة ، أعني حسيب عبد الجواد وأمثاله وبعض الأصدقاء من رجال الدين . ورحب كمال جنبلاط بانسحابي وبياني الذي ذكرته فيه مع الإمام موسى الصدر بخير وشددت اللوم والإستنكار على سلوك حزب البعث العراقي المندفع نحو المقعد الشيعي بقيادة سنية وأرثوذكسية تبدأ من عبد المجيد الرافعي والصديق رغيد الصلح وتنتهي بمعن بشور والنائب السابق بشارة مرهج مع ابتهاج الأرثوذكسي الثالث نقولا الفرزلي ولوم غلاة الشيعة السياسية لي على قبولي الأولى بالتواطؤ مع الدرزي في وجه كبيريْ الطائفة المتباينيْن السيد الصدر وكامل الأسعد !!! ومتأخراً اكتشفت أني كنت أمشي وكأن تكويني لا يضعني إلا في وجه السائد لأنه ليس سيداً بل هو مسوَّد أو مسيَّد .. وعندما حاولت أكثر من مرة أن أكون واقعياً شعرت وكأني صائراً الى أن أمتي على رأسي وقلبي في يدي لا في صدري ، أرشق به كما لو كان "رمانة" – قنبلة ، من يختلف عني ولو في لون عيني أو ثيابي.

لقد استفدت من تراجعي عن الترشيح أكثر من فوزي الذي كان محتملاً وربما كان مدمراً نظراً للبداية العاجلة للحرب وفقدان النواب لدورهم وعدم كوني قادراً على الإنسجام والأداء الدقيق في ظروف بالغة الدقة ومن دون خبرة ما كان سوف يجعلني تلقائياً تحت وصاية يسارية وضارة ، ولكن لم أستفد كثيراً من هذه التجربة عندما رشحت نفسي منفرداً لانتخابات عام 1992 ظاناً بأن الظروف قد تبدلت لصالح أمثالي من المتدينين النازعين الى الحرية والخدمة العامة ذاتياً ومن دون مقدرات وإمكانيات كان بعض الزعماء المؤسسين ، ومن أجل توفيرها ، يبيعون عقاراتهم الموروثة ومنازلهم ، ليحصلوا عليها ويبددوها من دون جدوى لأن الطائفية التي أخذتهم هي التي دهورتهم.

***

كنت وعدداً من أمثالي الذين انفتحوا على الأحزاب مع مانع تكويني من الحزبية وتقدموا كثيراً نحو المقاومة الفلسطينية وفتح خصوصاً ، من دون قدرة ذهنية أو قبول عقلي بتحويل الحركة الرحبة الى زاروب إيديولوجي حرصاً على فلسطين .. كنت وهذا الرعيل من المناضلين المتمردين لا نتردد في إظهار ترددنا أو تمنعنا عن القبول باستمرار الحرب في لبنان ، وإن أعوزتنا الشجاعة أحياناً ، لأننا كنا نرى ذلك لا يتم إلا على حساب فلسطين التي كانت الهدف الحصري والإجباري لنشاطنا .. وقد تم ذلك فعلاً وبشراكة فلسطينية لبنانية استقلالية أو قومية حزبية أو يسارية وبحجج وذرائع إضافية تكفل حزب الكتائب وشركاؤه في الجبهة اللبنانية تقديمها الى غلاة الفلسطينيين في الشأن اللبناني وغلاة اللبنانيين في الشأن الفلسطيني الذي تحول من غاية يساعد اللبناني على الوصول اليها الى ذريعة يصل اللبناني من خلالها الى غيرها ويصل الفلسطيني من خلالها الى لبنان على طريقة الأنظمة العربية الاحتوائية في حين انه كان على الثورة الفلسطينية لو كانت ثورة بمعايير أكثر انسجاماً مع الاستراتيجية منها مع التكتيك ، مع المحافظة على الفضاء الرحب الذي كان من خصائص حركة فتح أنها تركته مفتوحاً على التعدد الذي كا يحتاج الى جرعة أكبر من الوحدة لا ضد الإنشقاقات بل من أجل التوازن والإتزان في السلوك والممارسة ، أن تكون مختلفة جذرياً .. ولعل الصواب أن نقول بأنها لم تكن ثورة حقيقية ولن تكون طالما بقيت في لبنان بين شارع الحمرا الذي لم اره الى أواسط الثمانينات بعدما كان يعج بالمقاتلين الفلسطينيين الذين استدرجهم اليسار الطفولي والقوموية الرعناء الى عمان بعيداً عن الكرامة والأغوار ليسهل على النظام العربي استدراجهم الى بيروت حيث خلعوا الثوب العسكري وارتدوا الجينز بعد استدراج الحركة الوطنية والجبهة اللبنانية لهم الى المصارف ومنها الى كل شيء إلا الثورة.بما تعني الثورية البرنامجية من النضال المركب والواقعية واختيار التغيير التراكمي على التغيير الفجائي المستحيل ..

هذا في حين كان القادة الروحيون الدينيون الذين يحبون طوائفهم ولا يصادرونها ولا يستخدمونها في تحقيق أغراض لا تفيدها إن لم تضرها وتجعلها مصدراً للإضرار بغيرها ، وتحبهم طوائفهم وتنصرهم أحياناً وتخذلهم أحياناً أخرى .. (البطريرك خريش والإمام موسى الصدر والمفتي حسن خالد وشيخ العقل محمد أبو شقرا) ومعهم رجال سياسة عريقون مختلفون تاريخياً ومتفقون وقتها على إيقاف الحرب مهما كلف ذلك من ثمن كان باهظاً عليهم وعلى لبنان الذي دمر في حين قتل بعضهم ومات بعضهم كمداً أو هجر بعضهم وأخفي بعضهم ليخفي معه لبنان عن عيون اللبنانيين عقوداً أخرى ويدفن ريمون اده في باريس ويعود صائب سلام شيخاً واهناً ويلحق بهم رشيد كرامي بعدما كان كمال جنبلاط قد سبقهم ولم يعد بإمكان نسيب البربير ومحمد صفي الدين ورفاقهم إلا أن يعدوا أنفسهم بإمكان التخفيف من غلواء الطوائف حريصين على طوائفهم أكثر من أحزابها ومن منظور وطني لاطائفي .

إن لدى الأحزاب الطائفية تامة الطائفية أو الناقصة ، مقداراً متفاوتاً في الحجم والنوع ، حتى داخل الحزب الواحد من السعة والرغبة في تخفيف طائفيتها ، لأسباب تبدو وطنية ، وفي مواسم الانتخابات وتشكيل الحكومات والإدارات وتوزيع الموازنات لا تلبث أن تتقهقر ليظهر الحزب على حقيقته بمرارة مستساغة من قيادته وقاعدته وحاضنته الطائفية .. لدينا ولدى هذه الاحزاب شواهد مريحة كثيرة ، في الحزب التقدمي الاشتراكي مثلاً من التأسيس وحتى الأن ، وإن كانت نوعية هذه الشواهد قد تراجعت ، ولأسباب تتصل أولاً بالجبل وضروراته الدرزية مع الطوائف الأخرى ، وثانياً للمروحة الفكرية الواسعة التي كانت تلطف أجواء قصر المختارة .. وما زالت ، وإن كانت تتعرض للأعطال بين فترة وأخرى ، ثم تعود بفعل زيادة الشحنة الكهربائية ، لتشتغل بسرعة غير عادية ومثيرة للخوف بسرعتها ، ما يؤدي الى خراب جديد فيها لتعود الحاضنة الدرزية فتحيط بالقصر تدفئه في الثلج وترطبه في الخماسين والسَّموم .. عنيت التنويع الطائفي في تنظيم الحزب خصوصاً .

أما في حزب الكتائب فقد كانت الشواهد ضعيفة جداً في البدايات ، وضعيفة بعدها ، الى بداية الحرب التي أظهرت هامشية المسلمين وغيرهم من أبناء الطوائف المسيحية غير المارونية مع استثناءات لافتة أحياناً في الكتائب ، وأدت الى نبذهم (المسلمين)بالتناغم بين إصرارهم على الظهور وكأنهم من أهل المارونية السياسية وبين الجو الاسلامي المختلط باليسار والقومي والفلسطيني ، والذي لا يقبل شيئاً ولا حواراً وإن كان يفاجأ بين فترة وأخرى باجتماع لزعمائه مع القيادات الكتائبية وغيرها في جو من الود والتفاهم الأقرب الى التكاذب .. وكان السيد ياسر عرفات مدهشاً في هذا المجال بحيث كان البعض يندفع معه مؤمناً بأن حواراته مع الكتائب عبر أبو حسن سلامة والكسندر الجميل أو مع جماعة الكسليك عبر هاني الحسن ، قد تؤدي الى وقف الحرب لتظهر في النهاية على أنها مناورات من الطرفين وعلى حلفائهما أولاً .. مناورات من كمال جنبلاط على أبي عمار ومناورات من أبي عمار عليه ، ومناورات من الكتائب على الأحرار وغيرهم ، ومن الأحرار على الكتائب وغيرهم . وما كاد الإمام موسى الصدر يخطو خطوة نحو المصالحة وإيقاف اطلاق النار الفعلي والتلاقي الميداني بين الشياح وعين الرمانة ، حتى ثارت ثائرة الجميع وانهالت الاتهامات ، بعدما كان مطلقوها أو بعضهم قد شجعوه على خطوته الى أن جاءت التعليمات من الخارج .. ثم عادت الكتائب ومعها القوات الى الإذعان لموجبات التحديات المارونية وضرورة تشديد سرية التداول في الشأن السياسي ، فضيقت على غير الموارنة وغير المسيحيين في حدود ، حتى لا يدخلوا الى البيت الوطني الذي صار بيت الطائفة من دون شراكة على قلق لأساساته في أرض الوطن وفضائه .

في هذه الشواهد وغيرها ، ما عدا جدية الإمام موسى الصدر في تشكيل لجنة السبعين من كل الطوائف لتكون برلماناً وطنياً لحركة المحرومين ، لولا وقوع الحرب سريعاً ، في هذه الشواهد يظهر البعد الوطني في حركة الأحزاب الطائفية من دون أن يمنحها صك البراءة بالصفة الوطنية التامة أو المطلقة ، بل تبقى صفتها الطائفية هي الغالبة الى حد أن تصبح تعريفها الوحيد من دون زيادة حرف واحد ، إلا في حاشية الخطاب ، أو شروحه ، للزينة ، مطرزة بالبديع الوطني .

في ما يخصني شخصياً من هذه المسألة ، أي القلق الطائفي لدى الوطنيين من أمثالي ، وقلق طوائفهم منهم ، من أمثال الأب مكرم قزح وحليم ريشا ومارون عطالله وميشال حايك وسليم غزال وبولس الخوري وغيرهم من الروحيين وطارق متري وجورج ونجاة ناصيف وابراهيم شويري وبطرس لبكي وأحمد علامة ومعين حمزة ونايف سعادة وحسن الشريف ، وغيرهم من المدنيين .. كانت علاقتي بالأحزاب تتغير بنسبة ما مع اليسار مع إصراري على النقد .. والنقد اللاذع أو الجارح أحياناً ، لأتلقى الصاع صاعين كل مرة ، من دون أن ينقطع الحوار ومن دون أن أسمح لنفسي ، بتعدية سلبيتي من اليسارية الما تحت الواقعية واليسارية الطفولية ، الى الحزبيين الذين كانوا من أصدقائي ، إلا إذا شاؤوا قطيعة معي ، كما حصل عندما ظهر ترددي مع غيري ، في القبول باستمرار الحرب والسعي الى اختراق الصفوف الطائفية بأنشطة وتفاهمات وبيانات سلمية لحساب فلسطين وليس على حسابها كما فعل المتشبثون باستمرار الحرب ، وليس كما فعل المخلصون لفلسطين من دون مبالغة أو مراهنات حزبية ملغمة بالمقاومة ، أعني ريمون اده وصائب سلام ومعهم سياسيون وروحيون كان كمال جنبلاط ينخرط فيهم ويحمل معهم رجاءهم ولكنه محتفظ بمقعده في مدرسة الحرب ، التي كان يعلم أنها طويلة ، وأن من لم يشارك فيها لن يكون له شيء من الجائزة .. والذي يطمع بالجوائز معذوراً أو من دون عذر ، قد لا يبالي بطهارة الجائزة أو كونها حلالاً خالصاً أو حراماً صرفاً .. والطائفة باستيعابها المألوف للمكاسب تحلل الحرام وتحرم الحلال أكثر بكثير من ولاية الفقيه التي قد تكون مظلومة بعض الشيء في هذا المجال.. هل هذه ألغاز ؟ وعلى كلٍ ما زال وليد جنبلاط بالنسبة لي أكثر من لغز وأحجية أو هو لغو وأحجية مشتقة من كتاب لبنان الأحاجي والألغاز ، وعندما يحل لغز وليد جنبلاط وأبيه قبله ، وسائر الألغاز أقل صعوبة ، فإن وليد جنبلاط لا يعود بحاجة الى التلغيز والإبهام والإنتقال فجراً أو ظهراً أو عصراً أو عشاءً من مكان الى مكان ..مع العلم أن كل معنى من المعاني الكبرى بحاجة الى شيء من الغموض حتى يمكِّن أهل التأويل من عملهم وتكون المعرفة على شيء من الصعوبة اللذيذة ، لا الصعوبة التي تبعث على الكآبة في الغموض اللبناني .

وإن كان وليد بك لم يشعر مبكراً بالحاجة الى درزية ناجزة ، بسبب شبابه ونشأته في جو من الحرية العائلية وبعيداً نسبياً عن خصوصيات البيئة الدرزية ، واستزادته منها بسبب مزاجه وجنوحه الى الحياة في لحظات انشغال أبيه عنه بالفكر والشعر والتصوف وحوار الحضارات واليوغا والفلك وإخوان الصفا والقمح الاخضر وتيار دي شاردان وكميل شمعون ومجيد أرسلان وغيرهم ، وعشقه للمكايدة السياسية والرجوع عن القطيعة التامة الى التحالف التام ، بدءاً من انتخابات عام 1947 التي كان وزيراً مع كميل شمعون في الحكومة التي أشرفت عليها واتهمت بتزويرها ، الى عام 1952 وإسهامه في ترئيس كميل شمعون بدلاً من صديقه حميد فرنجية الذي استبق النتائج التي بان أنها لغير لصالحه بعدما كانت لصالحه ، بالإنسحاب من المعركة وعلق بأنه يبدو أو في معلوماته أن الكفة الانجليزية قد رجحت على الكفة الفرنسية .. وعاد بعدها كمال جنبلاط ليعترف بأنه لم يكن على صواب في حركته تلك ، خاصة بدءاً من عام 1954 وبداية ظهور علامات الوحدة ونجومية جمال عبد الناصر وحلف بغداد وموقف شمعون منه ، الى انتفاضة عام 1958 على أساس الصراع بين الكيانية التي لم يفرط بها كمال جنبلاط والوحدة التي أحبها ولم يحب المغامرة على طريقها والمنظومة الاشتراكية التي نقدها من موقع الصداقة التي لا تكفي ، كما ظهر عام 1976 عندما وافق كوسيغين رئيس الوزراء السوفياتي من دمشق على اجتياح سوريا للبنان عبر الجبل وسفر كمال جنبلاط الى ليبيا والجزائر ومصر ليوظف وعودها له في الصمود أمام التفرد السوري بلبنان ويجدها قد دبرت ذلك مع سوريا في ليل .. وينتظر سنة كاملة حتى يرحل ..

بقي كمال جنبلاط ينطلق بدقة وسلاسة أحياناً من تحالف الى قطيعة ومن قطيعة الى تحالف من دون أن يتمكن خصومه الذين صاروا خصوماً لتوهم من القبول بذلك أو بالسلاسة الموازية لسلاسته .. وقد افتقر وليد جنبلاط ، الى هذه السلاسة ، بسبب تركيبه الشخصي ومزاجه الشبيه بمزاج الحاكم بأمر الله ، الذي أفهمه كما أفهم وليد بك وأرى الجامع المسوَّغ بينهما وأهم علاماته القلق الوحدوي والمعرفي والتراجع المباغت والإقدام المباغت دائماً .. الى ظروف مستجدة قد لا تكون أصعب من الظروف التي مر بها لبنان والعرب وكمال جنبلاط سابقاً ولكنها هذه المرة أصعب . والتعقيدات الطائفية التي تنذر بالفتن ، أكثر وأدعى لخوف الدروز على وضعهم بسبب سيادة مفاهيم العدد ، وتراجع دور النوع ، الذي حاولوا أن يمثلوه حفظاً لسلامتهم وشراكتهم ، في مقابل وعي كتائبي لا يظهر عمقه باستمرار ولا يخلو من تقلب ، بالعربية كانتماء وثقافة وجيرة وعمق ونظام مصالح ، من دون أوهام ، وفي ظروف اشد صعوبة ، ما يستدعي الحكمة والتقليل من العجلة الضارة كما ظهر من خلال التواصل المندفع مع صدام والقذافي وحسني مبارك .والميل الدائم الى التصالح المطلوب مع سورية خفية أو علناً ، ولكن ليس لحسابها ولا لحساب لبنان ولا الكتائب وإنما على حساب الأصدقاء وأحياناً على حساب الموارنة الذين حولهم الكلام الكثير عن الإحباط المسيحي في زمن الإحباط الوطني العام الى شظايا تظهر وكأنها تعددية . وتبحث عمن يؤجرها شقة في عمارته بسعر خاص !.

يبقى وليد جنبلاط استثناء منقطعاً بسبب درزيته وشخصيته وارثه العائلي الذي يدخل في صلبه شكيب أرسلان أيضاً ، إن لم يكن أولاً ، يبقى استثناء منقطعاً بالمعنى النحوي ، عن كل المستثنى منه في لبنان ، ويبقى قادراً على أنه يحببك بدرزيته التي يتعامل معها الدروز بحب مرة وبإذعان مرير مرات عدة ، ما يعني أنه يقصر المسافة بيني وأمثالي ، وبين طائفة غير طائفتهم من دون انتظار منه لقطيعتهم ، إلا في حالات تحدّث فيها وليد جنبلاط عن التيار الشيعي الثالث وعن اختفاء الديموقراطيين الشيعة من المشهد في وجه حزب الله وحركة أمل على الرغم من اننا لم نذق منه إلا قليلاً جداً من الديمقراطية في الوسط الدرزي وحتى الحزبي ولم ننتظر طويلاً حتى ذهب الى السائد الشيعي الذي دعانا الى معارضته ، وبسرعة أحرجت المعتدلين الشيعة الذين يعترضون على حزب الله وإيران ولا يقطعون ، ولا يلجأوون الى طوائف أخرى قد تحبهم ويحبونها من غير أن تبتزهم أو ينافقوا معها . ونحتفظ بالحب المر والصعب سياسياً والسهل جداً ذاتياً وأدبياً وظرفاً وطرافة ومفاجأة ، لوليد بك ، بما يعني من حزب تقدمي اشتراكي بزعامة دائمة من رجل شبه إقطاعي ، شبه برجوازي ، شبه ليبرالي ، شبه اشتراكي ، شبه حداثي ، شبه كلاسيكي ، شبه إسلامي ، شبه علماني ، ودرزي دائماً ، بحكم الضرورة الدرزية التي هي وطنية لولا مبالغة الآخرين بطائفتهم وغيرة الدروز منهم في ذلك ..وليس من حق الطوائف المفتونة بأكثريتها ومطمئنة الى مصيرها ومسارها !!! أن تلزم الطرف الأقلوي الطائفي الباحث عن المعنى مع عدم كفاية العدد ، أن يخرج من طائفته ليندك في طائفة أخرى تتنصل منه متى شاءت مصالحها وعقائديتها .

هذا ومع تلذذي بعدم القطيعة مع وليد بك وقيادات في حزبه أحببتها كثيراً وأحبتني أكثر وصبرت وتصبر على اعتراضاتي وتنديداتي أحياناً ، مع توقعها الدائم للرضا مني ، فإني ما استطعت أن أضرب معه موعداً على مكان أو موقف سياسي ولا غيري استطاع ، وأبرر ذلك بأن السياسة يومية ومتغير سريع وإلا حطمت المتصدي لها بسكون وجمود أو قلة قدرة على الحركة ، والسياسة هي المكون الأول لوليد جنبلاط ، وتأتي بعدها الثقافة ولكن ليس بفاصل كبير كما لدى الزعماء الآخرين . في حين أن السياسة كحرفة ثبت أنها ليست من شأن المثقفين المهنيين الذين يفلحون في الفكر السياسي لا في الإدارة السياسية التي تشتغل أحياناً وكأنها بلا نظام أو قانون . وهذا هو نظامها وقانونها بشرط الأخلاقيات العامة ، وإلا أصبحت فاجعة ، من هنا يبدو وليد جمبلاط أحياناً وهو يتحدث عن قناعة ما ، ويسكت لحظة فيعرف الخبراء به أنه يفكر بنقضها أو الرجوع عنها ، ويفعل ذلك في موعد آخر في المشهد أو في الخلفية التي لا تلبث أن تتقدم الى المشهدية .. وتتأكد من فهمك لوليد جنبلاط كلما خاب ظنك بقدرتك على فهمه ومن شطارته أنه يحول الجهل به الى العلم والعلم به الى جهل . من هذا الإختلاف الدائم والسريع الوتيرة في شخصية وليد جنبلاط ، والذي يبدو تناقضاً أحياناً و(مَعْلَمة) أحياناً ، يأتي شيء من جاذبية شخصية وليد جنبلاط على حموضة كاوية في مظهره ولسانه وباطنه الحاشد بالمضمرات المدهشة والتي تكاد تجعلك تفرح أو تبكي أو تلغي أحداً ، لما تحدثه فيك من صدمة إيجابية أو سلبية .

ولعله من مفارقات كهذه يأتي جمال لبنان والخوف عليه ، ولا بد لنا في كل حال أن نبقى محافظين على جدلية الفرح والحزن . والخوف والحب والغموض والوضوح والثبات والتقلب لمعاندة الحرب عندما تقع أو تتوقف ريثما تعود .. والتشبث بالسلام والحوار والعيش المشترك ، والجبل والداخل والساحل والجنوب والشمال والوسط الوطني والوسط الفكري والوسط الديني والسياسي والعلماني . لجعله أساساً في عمارة لبنان ، وعلامة فارقة على تكوينه وأمثولته المرتجاة دائماً .. ورسالته التي لم تمحها الحروب والشقاقات الدائمة والطائفية وأحزاب الطوائف أو طوائف الأحزاب ولن تمحوها .. بإذن الله ..

على الرغم مما قدّمت أقول لزعماء الطوائف : هل نعتدي عليكم أو على أحزابكم التي ليست مقدسة ، أو على الطوائف الكريمة ، التي لا نريد تهميشها أو إلغاءها ، ولو أردنا لما استطعنا ، مهما راهقت هذه الأحزاب وراهقنا ، هي بضغط من عصبيتها الحزبوطائفية ومخاوفها أو غبنها أو خوفها المبالغ فيه ، ونحن بضغط من معرفتنا المتحررة من المسبقات والقبْليات ، وأحلامنا الملحة العابرة للجوامد الطائفية التي كان يمكن أن تبقى ثوابت على مرونة ، ولكن الأحزاب الطائفية وزعماءها حولتها بتصرفاتها الى ما يشبه النهائيات الإيديولوجية أو الدينية والعقدية المقفلة في وجه البحث والنظر ، والى ضواغط وعوائق وعقد مستعصية وأعطال دائمة ، ما يجعل التخلف على أساس العصبية سائغاً ومسوِّغاً وجميلاً وعادلاً ويجعل التقدم والتطور والنمو على أساس مدني(إيماني أو علماني) قائم على العدل والمساواة والحرية والشراكة ، قبحاً وجوراً وكفراً !!

وعلى الرغم من محاولتي إبداء الرضا الصعب على مسالك حزبية مختلفة فإني أعوض النقص بالرضا وأتجنب النفاق بالحرص على المودة مع الجميع ، وحتى لو كانت مودتي يعتريها النقص لأسباب حقيقية أو غير واقعية فإن أمثالي لا يضرون ويبقون مصرين على أن يكونوا نافعين لمن يريد الإنتفاع الشرعي بما يقولون أو يفعلون ، ولو أرادوا الإضرار بأحد في لحظة خطأ أو غضب فإنهم لا يملكون أسباباً وإمكانات لإحداث الضرر ، وإن ذلك الخلق من وظيفتهم المحببة والمؤثرة ولو بعد حين ، فأنهم يخافون أن يكون اتزانهم مشجعاً للآخرين على الإمعان في الخطأ وتجاوز النقد البناء لأن الناقدين لا يملكون سلاحاً غير الكلمة ولو امتلكوا سلاحاً غيرها ، ولو جدلاً ما استخدموه أبداً ، لأن ذلك يناقض موقعهم واختيارهم .. ومن هنا فإني أمرن نفسي على المودة المشفوعة بالنقد مع حزب الكتائب ، وقد أنجزت الكثير في هذا المجال من دون معرفة ما إذا كا حزب الكتائب قد قرر المودة مع أمثالي أو لا ، ولكي تكون المودة صادقة لا بد من دعمها بالنقد الذي أمارسه سراً كثيراً وعلناً قليلاً على وليد جنبلاط وحزبه وبصعوبة نظراً لأن الحب معتق ولا تعتريه إلا الحيرة في طريقة اللحاق بوليد بك في ترحاله الدائم بين مكان وآخر وما يسببه ذلك لأصدقائه من حرج لأنهم رأوه ضرورة كما هو ولا مانع لديهم أن ينتظروا عودته اليهم بعد حين ، من دون أن تكون هذه العودة مانعاً من عودة أخرى الى منازل من غادرهم قبل يوم أو شهر أو سنة على الأكثر .

من هنا أرى أن حالتي تخولني أن أقول للأحزاب راجياً : كفوا فقد كفاكم تحويلاً لهذه الطوائف الى مشروع كوارث على حساب حياتها وحيويتها وحرياتها ومنظوماتها الفكرية والعقدية المؤسِّسة والموسَّسة على كظم الغيظ وإفشاء السلام ، لقد سممتموها ، حتى لم نعد نأمن سلامة ولادة الوطن المرتجى من رحمها المملحة والمتهتكة ، ولا نريد أن يأتي الوطن من وراء ظهرها ليكسر ظهرها وظهرنا ، أو من أنبوب ملقح من ماء نظام آخر شقيق أو صديق أو عدو .. نريده مولوداً طبيعياً .. إبناً للجميع ليكون أباً للجميع ، وهذا معنى روحي ووطني وإنساني وليس بيولوجياً ولا إيديولوجياً قومياً أو أممياً أو إسلامياً أو مسيحياً .. هو معنى لبناني لا يقف في وجه كل هذه المفاهيم ولكنه لا يختزل بواحد منها .. عودوا الى لبنان من مهاجركم الحزبية من دون داعٍ للقطيعة التامة معها حيث تبقى القطيعة النسبية المنهجية ضرورية ومنطقية . عودوا الى المشغل الكيميائي الحضاري الذي كان الآخرون يراهنون عليه لكي يتقدم ويتوسع كمتخصص شاطر في إنتاج المضادات الحيوية وعقاقير الوقاية والعلاج من الأوبئة الطائفية السارية ، والأدوية المنشطة للدورة الدموية في دولة مدنية ، إن أصابها العجز القسري في شبابها أو العجز الطبيعي في شيخوختها ، جعلتموه مصدراً وعلة لمنشطات الفايروسات الطائفية أو المنوَّمة أو المقموعة المستعدة للعمل في أي لحظة والجاهزة للزوال من عقول الحكام وأجسام الطوائف التي أسهمتم في إنتاج عقول لها على نمط عقولكم النمطية والتي زادتها الحزبية الطائفية تنميطاً وبؤساً وفقراً ورغبة في ادعاء القداسة وأبلسة الآخرين ، مع تفريقها لإبليس عن إبليس بداعي مصلحة الطائفة الظالمة المظلومة والتي نشهد أن ظلمها الأول يأتي من داخلها أولاً ومعه يصبح الظلم الذي يأتيها من الخارج قابلاً للتحمل أكثر .. فاعتقوها واعتقونا معها واتفقوا وتعالوا لنمدن أحزابنا ودولتنا ونلزم الطوائف الكريمة ، وترضى ، بأن نتفرغ لحراسة المدينة معاً أو بالتناوب على ما يقتضي الظرف .. وحينئذ سوف نجد في الدين والمذهب كتباً في دروس تعليم الحراسة الوطنية بعقل مدني وعاطفة ريفية متحضرة ، بدل العقل الريفي الذي تمدد في المدينة فزعزع مدنيتها بعدما أخذ منها الى ريفه ما لا يلائم الفلاحة والأرض ومصاطب السهر والحب والحكايا .. لأنه نزل الإنقسام من مقامه السياسي الى مقامه الإجتماي ويوميات الناس ، فانقسم المجتمع طوائف متساجلة أو متشاجرة في كل شيء ، وامتدت العلة الى الطائفة التي ظننتم أنكم توحدونها وحدها من دون غيرها أو في وجه غيرها من الطوائف المتواجهة بفعل فاعلين كثر أهمهم أحزاب الطوائف ، التي أصبحت شظايا مجتمعة في كيسكم ولكنها متنافرة الى أبعد الحدود في الكيس الواحد كما هو بين الأكياس إن لم يكن أشد وأدهى .. فاعتقونا يرحمنا ويرحمكم الله .








القسم الثاني *


أكرر وأؤكد خوفي وخوف أمثالي من الراغبين بالمواطنة نصاباً جامعاً لهم في لبنان على موجبات تكوينية وقانونية تحمي الخبرات والخيارات الوطنية من الشرور الطائفية ، من أن يكون المضاربون على الوطن والدولة بالطائفة والمضاربون على أبناء الطائفة بالحزب الطائفي الذي يشاكل الطائفة زمناً ريثما يفتك بها من خلال استخدامها المنظم في تفخيخ الوطن والكيان من شرفته في الدولة التي تؤدي خلخلتها المتكررة وامتهانها المتعاظم الى إسقاط الشرفة بمن يستشرفون على رؤوس من ينتظرون الوطن في بيت الدولة أو ينتظرون الدولة في منازل الوطن .. أخاف من أن يكون هؤلاء المضاربون بأموال ودماء وأحلام غيرهم ، يساعدوننا أحياناً أو كثيراً إذا اقتضى الأمر وقضى كيدهم وخبثهم ، على إخراج الطائفية من شباك الوطن لأنهم قد تفرغوا مجتمعين وإن تناقضوا لفتح أبواب الدولة والوطن لتعود الطائفية فتجتاح منازلنا الوطنية من حدائقها الأمامية والخلفية الى مطابخها ومخادعها وتفاصيل أثاثها الفكري العاطفي وملابسها الداخلية الخ. أخاف ، ودائماً كنا نخاف ولكن الخوف هذه المرة أصبح جَزَعاً من أن نعود الى سيرتنا ومآلاتنا في محطات الاحتجاج الكبرى التي شاركنا فيها على أمل ما فاستيقظنا عليهم وقد تغلغلوا فيها ووجهوا حبوبها الى مطحنة الطائفية .


*يلاحظ في هذا النص ان الأمثلة المضروبة للأحزاب الطائفية تقتصر تقريباً على الكتائب اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي ، وسبب ذلك ان النص هو مشاركة في ندوة نظمتها جامعة اللويزة في لبنان NDU حول الموضوع الطائفي بمشاركة الأب الدكتور بولس وهبه والأستاذ سجعان القزي نائب رئيس حزب الكتائب والمقدم شريف فياض أمين سر الحزب التقدمي الاشتراكي في 8/6/2011 .



ودائماً كنا نريد إسقاط النظام الطائفي من أجل بناء الدولة الأكثر صلاحاً من شبه الدولة الذاهب دائماً والآن بسرعة أكثر نحو اللادولة من خلال المطابقة ، لا بين الطائفة والدولة لأنه كريه ومستحيل ، بل من خلال المطابقة بين الطائفة والسلطة ما يعني تحويل الوطن الى كيس كبير يجمع شظايا الجماعات لصالح مستفيد آخر ، وبالفوضى المنظمة أو الفيدرالية أو الكونفدرالية ، نكون قد وضعنا لبنان على طريق نهاية الروح والمعنى والدور والرسالة بتحويلها الى طابع بريدي يحمل صورة العمارة اللبنانية في مرحلة البداية كواقعة تذكر ولا تعاد أو تُستعاد .

كنا نريد إسقاط النظام ونمشي على طريق إسقاطه ، وفي النتيجة لم نكن ننتهي إلا الى إسقاط ركن آخر أو طابقاً آخر من بنية الدولة لحساب النظام الضعيف المستولي عليها بنا .

أخاف واشك في أن يكون في مقدور أحزابنا الطائفية ، وبعيداً عن المجاملة الخادعة للذات والآخر ، اصرح بأني على يقين من عدم قدرة هذه الاحزاب أو الأفخاذ الطائفية ، مهما تحايلت علينا وعلى لغتنا ، على تغيير النظام ، هذا إذا كانت تريد ، وهي لا تدري ، لأنه نظامها وهي نظامه .

وعلى ما يقال في حواراتنا اليومية (من آخرها) عندما تحتدم الرغبة في المصارحة من دون مقدمات طويلة أقول ذلك وأنا آت الى هنا وهناك وهنالك ، من صلاة ، ذاهب الى صلاة أخرى ، معتمراً عمامتي لا كمامتي أو (بربارتي).. بل عمامتي التي تعرفني من دون التباس إلا على الماروني الحائر بين مشايخ وسيّاد حزب الله وبين المستقلين من رجال الدين الشيعة الذين أوقفوا عن وظيفتهم الدينية المدنية لاسباب سياسية ، ولم يتوقفوا . إذن عمامتي هذه من دون التباس ، وإن كنت أعشق الإلتباس الجميل بالآخر المختلف ، لأنه لا يلغي حقيقتي بل يضيف إليها حقائق أخرى تأتي من جهة التعدد والحوار ، تزيدني جمالاً أو تعصمني من معاقرة عصير الطائفية أو سمها القاتل .

****

إني على يقين ، على الرغم من اني كثير الشك ، بأني في انحيازي الى الدولة المدنية ، غير الطائفية وغير الدينية والمفصلة على مقاس طائفة واحدة أو عدة طوائف ، إنما أهدف أولاً الى صيانة الدين الذي لم يتفق حتى نقاده على عدم ضرورته ، من السلطة ومن الطائفة ، وصيانة الدولة من السلطة الدينية ، لأن كلاً منهما إذا تسلّل أو تسلّط أو سُلِّط على الآخر يأكله أو يمحقه ويتآكل به .. هذا إذا جمعا قسراً ، في حين أنهما يتبادلان المنافع ويزدهران معاً بالإجتماع الطوعي والطبيعي ومن دون وصفات جاهزة مستوردة من مكان علماني هنا أو مكان ديني سياسي هناك .. وهما يجتمعان على شرط الحرية في الوظيفة الحضارية المشتركة وفي مقام الحصيلة لا في الوظيفة الإدارية للشأن العام التي هي من أهم خاصيات الدولة ، ولأجله تقوم ومن دونه لا تقوم أو تزول إن قامت . ولا في الوظيفة العبادية خاصة الدين المتعدد قطعاً والذي لا يمكن ولا يجوز لأي مثال من أمثلته أن يمنع وصول الآخرين الى ربهم لأن "الطرق الى الخالق تتعدد بتعدد أنفاس الخلق" كما في مأثورنا الجميل .. هذا والتعبد الديني في الإدارة والسياسة هو إلغاء للدولة لأنه إلغاء للمساءلة ، التي هي قوام العلاقة التكاملية والتصحيحية بين الدولة الأجيرة والمجتمع المستأجر والسلطة الدينية لا تقوم أولا تنتهي إلا الى إلغاء الدين والدولة بالسلطة التي هي إحدى وظائف الدولة الملزِمة بالقانون، في مقابل السلطة الدينية (الروحية والتعبدية)التي هي أقرب الى الإختيار الطوعي منها الى الإلزام "أفأنت تكره الناس أن يكونوا مؤمنين" ، كما في القرآن الحكيم.

***

من آخرها كما قلت وكدت أنسى بسبب كثرة الشجون اللبنانية والعربية ، السياسية والدينية ، من آخرها أقول متقرباً الى الله تعالى : لو خيرت ، وأنا أخيّر يومياً ، بين الطائفة والدولة وبين الحزب الطائفي وحزب الدولة لاخترت الطائفة على أساس إيماني لا مذهبي .. ومن أجل الدولة ، وأكون بذلك قد اخترت ما يحفظ أبناء الطائفة ويصون أديانهم أو مذاهبهم .. وقد فعلت ذلك ولن أتراجع ، وفيما أنا لا تجذبني أساليب التنصل من الطائفة أحلم أن أبقى في طائفتي وتبقى فيّ طائفتي كطبقة أو شقة في عمارة الوطن التي لها شرفات مفتوحة على مدى أوسع من الكهف وموصولة بشرفات أخرى ، ولها شبابيك تستدعي شمس الوطن لتطهر وتدفئ وتغير الهواء الوطني بتنشيط الحياة وتنظيف الرئة الطائفية من بقايا المسكنات الضارة والكورتيزون الذي ينشط المرض في ما هو يعالج الألم .. ولها أبواب تغلق على الخصوصيات وتفتح على المشتركات بعد أن تكون الطائفة قد ارتدت ملابسها الوطنية ونظرت في المرآة وخرجت الى الفضاء الوطني معطرة اللغة بعبق الحوار .. ولا أختار الدولة الطائفة ، أي الدولة التي هي من صناعة أو اصطناع الطائفة ، أو الدولة التي هي من أجل الطائفة . لأنه إذا كانت الطائفة من أجل الدولة فإنها تلزم الدولة وتمكنها من حفظ الطائفة كوظيفة وطنية للدولة ، بينما الطائفة تقوض الدولة إذا أنشأتها أو اختزلتها على هواجسها المنفصلة عن السوية العامة ، لأن ذلك يؤدي الى تعطيل التبادل والتداول اللذين هما قوام الدولة أو معناها الحقيقي الذي يزداد عمقاً ووضوحاً وجمالاً بالمعاني المجازية أو الكمالية فوق الضرورية .

***

ولأن الدولة الطائفة ، وحتى الدولة الأمة إذا كان المعيار الوحيد فيها هو العنصر البيولوجي المشكوك في صفائه في الحالة العربية وكثير من الحالات التي تعدت فيها الشعوب أحياءها الجغرافية وانساحت في الدنيا لتؤسس لمشاهد كوسموبوليتية تحولت الى رافعات حضارية من قديم الزمان من اليونان وفارس الى الربع الخالي (الآن) الى قرطاجة والسياحة الفينيقية ، الى الحضارة الرومانية التي وإن أوجعت فقد شيّدت، الى المسيحية اني حفظت نفسها وروحها بعبور الحدود ، الى الاسلام الذي خالط أو مازج الآخرين في مقتنياتهم .. وتحولت الحضارة الإنسانية ، الى متراكم مشترك تسطع عناصره أو تذهب في العمق الى قعر الذاكرة لتستقر في الجينات .. وعوداً على بدء فإن الدولة الأمة إذا قامت على العنصر والعنصرية القبيحة والقاتلة المقتولة، لا تعني نظرياً وأدبياً وتاريخياً وعملياً أكثر من شطب الحرية والإختيار من قائمة الضروريات أو الضرورات المكونة للأفراد والمجتمعات وهما ، الحرية والإختيار ، ليسا من كماليات الدين ، الذي إن لم يحرص عليهما ويصنهما بالشريعة والعبادة عرض نفسه للإنسحار وعرّض التدين والإلتزام بالدين الى الإندحار.. ومن هنا في نظري وبأدلة شرعية وسياسية نظرية وملموسة ومستنبطة من التجارب المختلفة ، فإن الدولة ضرورة الطائفة ، إن كانت الطائفة ضرورة ، وهي ضرورة لأناس دون آخرين ملزمين باحترام اختيارات الآخرين ، والدولة ضرورة الطائفة ، والطائفة ضرورتها ، لا بلحاظ كونها طائفة سياسية بل بلحاظ أفرادها المواطنين ايضاً أو أولاً. ولا بصفتها جماعة ناجزة مكتفية أو غير مهتمة بمتابعة إنجاز حالها لتصبح ضرة للدولة أو ضرراً عليها .

***

إن الطائفية بوصفها مجموعة من الأفراد المواطنين بالمعنى القانوني لا البيولوجي للمواطنة ، الملتقين طوعاً وبالضرورة مع أفراد المجموعات الأخرى تحت سقف القانون والمؤتلفين حقوقياً على اختلاف بينهم ، هي شأن الدولة وليست شأن الطائفة بذاتها ..لأن الدولة هي خيمة اجتماع الطوائف كمجموعات وطنية أما خيمة اجتماع الطائفة كجماعة دينية حرة في دينها فهو المسجد الجامع أو الكنيسة الجامعة ، واللذين لا بد من إعادة وظيفتها الجامعة اليهما بعد أن غابت الأيقونة عن المذبح وقفز السياسي الى المحراب لإمامة الصلاة وخطبة الجمعة وصلاة الجنازة وعقد الزواج والدولة وحدها ، بمساعدة اجتماعها المتنوع الحافظ لمقام الوحدة في تنوعه ، هي القادرة على الجمع وتحقيق التشارط أو الشرطية المتبادلة وجودياً ومعرفياً بين المكونات المتعددة في ظل الدولة الحاضنة المُحتضَنة ، وفي عهدة نظام من المصالح المشتركة التي لا يمكن أن ترعاها إلا الدولة وإلا أصبحت متناقضة ، ما يهدد بهدرها .. هذا وإن قصرت الدولة أو جارت فإن هذا الدور محفوظ لها لأن غيابها أو تغييبها هو جور نوعي مضاعف وقد ورد في مأثوراتنا : "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم".

وعندما تمّ تحويل الحاكمية الى الله على مقتضى الغرض الخارجي أي غرض طائفة الخوارج ردّ علي بقوله " كلمة حق يراد بها باطل" يعني قولهم :"لا حكم إلا الله" وصرح علي :" لا بد للناس من أمير برٍّ أو فاجر.. يؤمن به السبيل ويُجبى به الفيء و.. حتى يستريح برٌّ أو يُستراح من فاجر" . وكان قبلها قد أعلن التزامه بمترتبات تشكل السلطة من دونه على قناعته بأنه أجدر بالرئاسة فقال : " لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة" وبقي في صلب الاجتماع والدولة. فقال للمسلمين جميعاً وقتها وللعرب وللشيعة الإمامية الآن وغداً : إن قراءته للقرآن بتدبر عميق قالت له : إن الاسلام والدين عموماً لم يصف لنا دولتنا بأوصاف ثابتة بل وصف لنا مجتمعاً بأوصاف ثابتة ومتغيرة ، وبقيت الدولة في المنظور الإسلامي متغيراً أهم ثوابته العدالة والعدل بما هو انسجام وتكامل وحرص على الإختلاف كالحرص على التوافق.. إذن فلا تعبد بأي شكل من أشكال الدولة لأنها ضرورة اجتماع عام ، لا خاص ، طائفي أو مذهبي ، ولا حزبي ، فضلاً عن العائلي .. وهي تقدر دائماً بظروفها المتغيرة في الزمان والمكان والإنسان . بشرط أن تبقى مكاناً لاجتماع الهويات الفرعية على هوية اصلية ولكنها مرنة ومركبة ومفتوحة على الآخر المختلف ليدخلها مرتاحاً إذا شاء أو يستدعيه أهلها إليهم إذا احتاجوا ، لأن فرادة أي كيان لا تتحقق إلا بالمزج والدمج أو الاندماج الذي يضيف خصائص نوعية الى كل طرف من أطرافه .

وإذا تم استفزاز الهويات الفرعية وإيقاظها وحصرها وجهاً لوجه مع ضرورات وجودها وسلامتها الجسدية والثقافية ، تكون الدولة أو السلطة قد فككت وحدتها السياسية بتفكيك وحداتها المؤسِّسة .. التي لا حصانة لها إلا بالأداء الجامع والعادل والقوي والذي يستمد عدالته من قوته وقوته من عدالته .. والدولة إما أن تفعل ذلك وإما أن يتحول اجتماعها الفرعي الرافد للاجتماع العام بعناصر الحيوية ، الى حيز لإنتاج الوعي المرضي بالهوية الفرعية، وإما أن تشغل أجهزة الفروع الوقائية في الإنتاج الذاتي والتلقائي للمضادات الحيوية للإنشقاق مع ظهور علاماته كمرض وقبلها وبعدها ، حتى لا يقضي على الذاكرة المشتركة والحلم المشترك والمناعة المكتسبة بالتواصل والإيمان والتوحيد والثقافة البينية المشتركة إنتاجياً وانتفاعاً بالمنتج الذي لا يمكن أن يتوفر إلا بالشراكة مع حفظ الخصوصيات ومحبتها وتنشيط وتوسيع وتحرير المساحات المشتركة حديقة الروح والجسد وفضاء المواطنة أو بستانها الذي لا يكون بستاناً كاملاً إذا لم يتيسر له اختلاف في نوع الأشجار أو داخل أصنافها .. طبعاً مع الشغل الدائم غير المتعسف أو المتعجل ، على تضييق مساحة الإختلاف من دون ضيق به أو خجل منه أو كره له ، ومن دون توهم بإمكان إلغائه الذي قد يضر أكثر مما يفيد ، هذا إن لم يكن ضرورياً ولا يحتاج لتغليب محاسنه وفوائده على مساوئه ومضاره إلا الى الإدارة الحكيمة ، هذا الى استحالة الإلغاء التام وحتى شبه التام لأنه تكويني الى حد القانون ، ولأن الإلغاء إعدام أو تجفيف لمصادر الحيوية الأرقى والأُولى والأَولى في الإجتماع البشري وعوالم الكائنات المختلفة وكل ما يكون جميلاً إذا بقي بسيطاً ولكنه يكون أجمل لأنه أنفع إذا أصبح مركباً بشرط الاندماج لا الذوبان ولا التذويب .. أو تغيير الدم الذي لا يتغير، عندما حولت القومية العربية المنغلقة والمسحوب منها عصبها الإنساني ، حولت !!! هل حوَّلت فعلاً .. الأمازيغ والأكراد الى عرب بالعزل والإهمال أو القتل الجماعي بالكيماوي وغيره !! ونص القرآن واضح في هذا المجال " .. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، ولا يزالون مختلفين ، ولذلك خلقهم " .. إذن فالإختلاف ناموس كوني لا يمكن إلغاؤه بل يمكن تطويره من داخله وبوتائر وطرق مختلفة بين مكان ومكان وزمان وزمان .. ولكن بالدولة دائماً وبالثقافة المجتمعية التي تخلق وتجدد الوعي بأولوية الدولة على الطائفة حماية للطائفة بالدولة وإغناء للدولة بالطائفة عندما يصبح وعيها بذاتها محكوماً بوعيها الوطني العام ووعيها للشراكة داخلها فيها ومع غيرها ، بتضييق لمساحة الاختلاف من دون افتعال ، ودائماً ، إذن ، نحتاط من إلحاح أهل الفتن والشقاق ومقاولي الحروب على تنزيله على الخلاف تمهيداً للصراع ومراكمة بشاعات الحروب وفوائدها الحرام لأهل الحرام ، بحيث لا يمكن إيقافها في أي محطة ، ولو مؤقتاً ، إلا بالتنازلات غير المشرِّفة وإن كانت ضرورية ، وقد كانت مشرِّفة لو تم تبادلها في حالة السلام قبل الحرب .. وكانت أقل كلفة من خسائر الحرب ، أو تم هذا التبادل في بداياتها التي غالباً ما لا تكون مفهومة حتى للمنخرطين فيها الذين يصبحون من ضحاياها .. إن التضييق الدائم لمساحة الإختلاف يؤدي الى تفادي الحروب أو تأجيلها أو تقصير مدتها أو تقليل بشاعاتها أو سد الذرائع على التدخلات الخارجية فيها واستخدامها واستخدام نهاياتها لأغراض خارجية متعددة ومتواطأ عليها لدى الخصوم الذين يتنازلون عندما يتبادلون الحصص على بيادرنا إذا اضطروا الى التسوية التي تبقى أكثر تشريفاً لأطرافها وأكثر حفظاً لمنظومات القيم والأفكار والمصالح المشروعة ، والاستمرار في إنتاج المعرفة الذي يقع على راس حاجاتنا ومعاناتنا من تعثره وحاجته الى الحوار والوفاق ليواكب المستجدات ويسهم فيها .

***

بالإنتباه الى أن الحروب لا تقوم إلا على فرضية الحق والباطل والحق بالحياة أو استحقاق الموت ، فإنها ولكي تبرر نفسها لا بد من أن ترفع المدنس الى مقام المقدس. الطائفي أو العنصري ، بما يعني ذلك من إطلاق العنان للتعميمات العصبية والخرافية المختلفة التي تعطل المعرفة وتحكِّم النسبي الديني الذي جعلته ضرورات الحرب أو الفتنة مقدساً ، تحكمه بالمتغير السياسي النسبي لإبطاله بإنتاجه بأدوات الإطلاق والتعميم الإيديولوجي الديني أو الطائفي ، أي الذي تنتجه الطائفة وتنسبه الى الدين وتضعه في وجه الوطن والدولة والمواطنة التي صرح بعض كبار المشايخ المسؤولين في أعلى مراتب السلطة الدستورية " شوراي نكهبان قانون أساسي جمهوري اسلامي" أحمد جنتي بأن المواطنة لا مكان في الفكر والشرع والمشروع الديني الإسلامي بل هي حيلة على الأنظمة السياسية والإجتماعية من أجل استدراجها الى فضاء أممي اسلامي أي غيراني في المحصلة ، حدوده حدود المطامح والمطامع الإيرانية التي شكلت دولتها أو دولها الوطنية الإيرانية باستمرار على رأس هرم كان شاهاً مرات عدة وأصبح ولياً للفقيه مرتين ولا ندري حتى متى بعدُ ، وبعد اكتشاف العقلاء لهذه المفارقة في الجمهورية الإسلامية التي تقدس الوطنية الإيرانية وتؤبلس وطنية الآخرين وتستقوي بهم بالمصادرة إن كانوا من الشيعة وباستلحاقهم وتحريضهم على أهلهم وأوطانهم إن كانوا سنّة أو مسيحيين أو غير ذلك !!

***

إن ما عرفناه من حروب (داخلية خارجية) وما عرفناه من انكشاف في محيطنا العربي والإسلامي وفي تجربة المنظومة الإشتراكية على المستوى الدولي ، وما نراه الآن من حركات وطنية عربية باتجاه الدولة المدنية ، يلزمنا بترميم أو تجديد نظامنا السياسي بشرط أن لا نعود الى سالف عهدنا في هذا المجال ، أي التصدي لتغيير النظام السياسي ، بعيداً عن التغيير اللازم والكافي في نظام معرفتنا بالحقائق في الكون وفي ذواتنا وفي الآخر المختلف واكتشاف وكشف وتعزيز الشروط الوجودية والحضارية المتبادلة تكوينياً وتاريخياً بيننا وبين الآخرين ، كل الآخرين ، حتى لو كان وعينا بالشراكة والتراكم الحضاري متدنياً أو خفياً فإنه لا يلبث أن ينهض ليجدد قدرتنا على الإسهام في أي حل حضاري لتعقيدات الحاضر وأسئلة المستقبل .

هذا الكلام أو شبيهه ، قد يصلح لكل البلدان العربية القادمة الآن على فضاء من الحرية الواسعة والمرصودة بالفوضى أو معاودة العدوان عليها من داخل أو خارج ، الى احتمال باستيقاظ متوتر للهويات الفرعية المتربصة والمستفزة . والتي قد تكون قابلة للتوظيف ضد أي مشروع نهوض حقيقي إذا لم تتعزز المواطنة نصاباً يجمعها في الوطن والدولة بدل اختزالها أو تهميشها . (أقباط مصر وجماعات العراق غير الإسلامية أو العربية كلها..الخ).

ولكن ، هذا الكلام ، يصلح للبنان أكثر ، لأنه من المفترض أن يكون قد شبع على قرف من تجربة التشتيت والتشتت ومن الجهل والتجهيل ومن التغاضي أو التسبب في فتح الثغرات في سياجه الوطني الواقي ، لكي يتسرب منها الآخر متسللاً أو في وضح النهار طلباً بالنفوذ وزهداً بالدور الذي يسلتزم الشراكة وترسيخ الحدود الدقيقة والواضحة بين أي شيء وكل شيء .. احتياطاً من أن يطغى في لبنان وعليه أي مشروع غير لبناني محض ، وتشكل لبنانيته القاطعة شرطاً للتواصل الإختياري والتعاون والتكامل مع من يريد والتضامن معه إذا اقتضى الأمر والنظر المدقق ، سواء كان هذا المشروع قومياً عربياً أو إسلامياً أو شيعياً أو سنياً أو مسيحياً مارونياً أو أرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو درزياً ولكنه من خارج الحدود ، ما يستدعي يقظة أمنية وجمركية وأخلاقية ، حتى لا يتمكن من إلغاء الداخل ببعض الداخل ممن يلتقون معه في شيء ويفترق هو عنهم في أشياء ، ومنعاً لتغوُّل الخارج علينا ليعود من بعد فيتواطأ مع أمثاله ، كما يحصل دائماً ، على أساس ما يجمع بينهم وإن اختلفوا ، من أنظمة مصالح متغيرة على حساب مصالحنا الثابتة .

ولبنان يصلح لهذا الكلام ، لأنه مكلف حضارياً بحمل رسالة راضٍ بالتكليف الى حد اعتباره حقاً من حقوقه مع إقرار الآخرين ، سوى الحسّاد ، بذلك الحق .. وهو كذلك ويبقى كذلك ، وإن توقف أحياناً ، ورغماً عنه دائماً ، عن كتابتها وإيصالحها الى من ينتظرها من أوطان التعدد القادمة على أو الخائفة من أو المهددة بالتفكيك ودورة أو دورات من الاشتباكات العبثية .

ولبنان ما زال رغم إهراق حبره ودمه ، مطالباً وقادراً على اجتراح أطروحة ميثاقية أو تطوير ميثاقه بالتطبيق ، على إيقاع جراحه وأوجاعه ، وأحلامه بالعافية التي تسهم في معافاة الآخرين ، بدل أن تسهم في إعضال أمراضهم المزمنة ، وعادتهم المستقرة على تحويل صداع الرأس اللبناني مثلاً ، أو غيره ، الى صراع أو عصاب دوري .. وتدفع باللبنانيين الى التكفير والتعويض عن فشلهم بتحويل لبنان عن مثاله المرتجى والممكن الى كبش فداء مجاني ولا تحتاجه فلسطين إلا نابضاً بالحياة .. وتحتاجه الأنظمة المراوغة التي تريد أن تفاوض ولو من دون نتيجة ، في تحقيق السلام العادل أو غير العادل ، ولكنها تريد ذريعة على حساب غيرها ، كالمقاومة اللبنانية المشكورة على ما أنجزت من دون منّة منا عليها بالشكر .. على أننا لم نقصر في شراكتها .. سواء كانت هذه الأنظمة تعارض المقاومة أو تدعمها بالمال أو السلاح أو التسهيلات المدفوعة الأجر سلفاً والتي أغرت دولاً لها أرض محتلة أن ترى أن مقاومة غيرها بالاتفاق معها أكثر مردوداً عليها من مقاومتها وحتى من بناء دولتها . الى ذلك فإن هناك من يتبنى المقاومة في كل شيء وكأنها مشروعه الوطني أو الأممي ، ولكنه يعود الى تفكيكها بما يملك من قرارها على مقتضى متغيراته في المصالح والرغبات والشهوات والتطورات الداخلية في بلده وموجبات ترميم زعامته الطائفية على حساب المحررين ومن جيوبهم .

***

إن لبنان ومن خلال تجربته المرة والخاسرة مع الطائفية وأحزاب الطوائف أو الطوائف الحزبية ، قادر ومضطر لتأسيس حزب الدولة الذي يقوم على كتلة تاريخية ويبادر الى تسويات تاريخية مفتوحة على التسوية ، وليس بحاجة أو لم يعد بحاجة، وما أظن انه قد كان بحاجة الى أحزاب وطنية ولبنانية وتقدمية في النهار، وطائفية في الليل ، هذا من دون قبول من قبلنا بأي قمع لأي تشكيل أو رأي أو نشاط حزبي .. ولكن أحزابنا الطائفية لو كفت مثلاً عن مجاملتنا بلغة غير طائفية ومراشقتنا أو رشقنا بالحصى أو الرصاص الطائفي ، لكانت وكنا معها الى خير أو لا الى شر على الأقل ، وحينئذ فإن أحزاباً طائفية لا تتنصل من طائفيتها مداهنة أو حلاً مؤقتاً للنزاع من أجل تحالف على دغل لا يلبث أن يتحول الى عداوة بين الاحزاب الطائفية التي تمده الى طوائفها ليسود البؤس والنحس كل شيء . لو كفت الأحزاب كما قلت ، فإن ذلك يصبح أدعى الى تفهمها والتفاهم معها من دون استبعاد غير موضوعي للخلاف أو جعله غير موضوعي بسبب التناقض المثير ، وإن كان هذا الخلاف أوجع لنا ولهم ولكنه أقل ضرراً من إضمار الخلاف وإظهار الاتفاق .

وإنا هنا لنسترعي انتباه هذه الاحزاب الى فرار متكرر لشخصيات ريادية من سياقها وشعور هذه الشخصيات بالإنسجام والحرية وعودتها الى طوائفها كمتحدات غير تشويهية وغير مؤهلة لمصادرة الحرية والسياحة النضالية الفكرية والعملية في الفضاء الوطني المفتوح .. ومن لم يرجع منهم الى طائفته عاد الى كتابه وحبره كالعلايلي مثلاً .

وهنا كذلك لا نجد داعياً للتردد في الإلحاح على هذه الأحزاب أن تتبصر بتناقض مدمر وقعت فيه وفاقمت منه بالحرب وهو أنها تتخيل أنها تسلم من الشمولية أو الأصولية إذا اختزلت حيويتها بطائفتها واختزلت طائفتها بأنظمتها الحزبية في حين انها تقع في شمولية كاريكاتورية محزنة أو مضحكة وقد كان بإمكانها لولا كمون ومانعية الغرائزية الطائفية ، أن تدعي أنها تجد نفسها ملزمة بالتطابق مع المعطيات اللبنانية من منظورها الخاص ، فتقوم بعملية تلفيق مدروس لاضطرارها المؤقت الى الصفة الطائفية واختيارها الحاكم والدائم للوطنية اللبنانية بكل مترتباتها ومن دون أن يكون ذلك داعياً أو سبباً للتقصير في حق أبناء الطائفة ، المواطنين أولاً وأخيراً ، لولا التشوه الذي يتعزز بالتشويه . إني هنا أعتقد من دون جزم بأن أكثر القيادات الحزبية الطائفية غير المستفيدة أو المستفيدة قليلاً من انخراطها في أحزابها كخيار شبه إجباري يجنبها النبذ والإلغاء والفصال والفصل ، أصبحت مقتنعة بالمنظور والملموس ، بأنها ليست على الطريق الموصل الى الوطن والحق والحقيقة والدولة ، ما يغريها بالبحث عن دليل لولا عادات الجسد الحزبي وإغراءات المناصب والمكاسب ولولا الإصغاء الى النداءات التي تأتي من جهة الأحزاب الطائفية الاخرى لتجبرها على التعامل مع الواقع اجتماعياً وسياسياً على نفس القاعدة الدستورية المشؤومة والتي أصبحت مسخرة في عصر العولمة وسيادة معايير الكفاءة الفردية كما هو مفترض وجار في بلاد أخرى منّ الله عليها بالقانون بدلاً من الرادع الذاتي المدعى والمهترئ في حالتنا وحالة هذا المشرق العربي والإسلامي .. وهكذا لا يبقى لنا أن نتوقع أن تطور هذه الأحزاب الطائفية ، تطوراً نوعياً من داخلها ولا من خارجها ، ولم يعد مستساغاً أو ناجعاً أن نفترض أن دماء جديدة شابة وعالمة وطامحة ، إذا أدخلناها الى هذه الأحزاب فإنها سوف تتغير .. كل ما في الأمر انها قد تغير جلدتها في أحسن الأحوال وتغرق الشباب بمحلولاتها الكيميائية الطائفية لتذيبهم فيها بدل أن تنحل بهم وتحل فيهم كما حصل أكثر من مرة وخاصة بعد انتشار وباء الكيد والشتائم الطائفي اليومي والاستعداد الدائم للفتنة .

***

وفي كل حال وبصرف النظر عن مفعول تمنياتنا وكلامنا النقدي المنصف أو غير المنصف لازدواجية الأحزاب الطائفية في عقيدتها الطائفية المعطِّلة وخطابها الوطني المعطّل ، فإن بإمكانها ، ولو جدلاً ، أن تضع نفسها على طريق أكثر صواباً أو أقل خطأ ، من خلال توطين طائفيتها أو إعادتها الى نظامها الوطني أفكاراً وقيماً وخطاباً ومنظومة علائق بالذات وبالآخر الشريك في الوطن من أجل دولة أقل فصالاً مع معطيات المعاصرة وضرورة الإدارة الحديثة للشأن العام .. فليس خطأ أن تكون هناك شيعية أو سنية أو مارونية أو درزية أو كاثوليكية أو أرثوذكسية لبنانية أولاً أو متساوية في لبنانيتها مع طائفيتها مع أرجحية للبنانية على الطائفية في حالات التعارض .. وإذا كان الأصوليون أو الشموليون الإيرانيون يأخذون على تيار معين في إيران أنه يتكلم عن دين إيراني لا هو إسلامي تماماً ولا هو شيعي تعريفاً ، فانهم غير منسجمين إلا مع شعاراتهم القابلة للاختراق كل لحظة ، كما حصل ، لأنهم أشد غلواً في هذه المسألة من الذين يجاهرون بها (مشائي مثلاً) في مقابل ( أحمد خاتمي أو أحمد جنتي مثلاً) وهذا الكلام ليس ضد الاسلام ، تماماً كما أن تصريح أكثر من مسؤول تركي حالي بأن الاسلام التركي اسلام قومي ( من Patrie لا من Nation) من دون داعٍ الى النفي أو الرفض ، هو عبارة عن واقعية متكررة في تاريخ كل الأمم والشعوب من دون أن تكون العلة فيها بل في إنكارها علناً وكذباً والإصرار عليها وتضخيمها فعلاً وواقعاً . وأنا أذكر في هذا المقام أني كنت بعد شهرين من نجاح الثورة الإيرانية على مائدة غداء مع الصحافي والدبلوماسي الفرنسي المعروف أريك رولو الذي سألني قائلاً : أنا أعترف بأن ما أراه في إيران هو إسلام، ولكن أليس هو إسلاماً إيرانياً .. أو قومياً .. فرددت عليه نافياً بحماس أممي شديد ..فسكت وقال: نتحادث في المستقبل ، وبعد أشهر سالني عن صديقي جلال الدين فارسي الذي منع من الترشح لرئاسة الجمهورية رغم اتفاق الحزب الجمهوري عليه ، لأن أنصار بني صدر في فريق الخميني اكتشفوا أنه فارسي كانت جنسية والدته أفغانية حتى وفاتها !!

وعليه فإن أرثوذكسية قبطية أو أثيوبية أو بيزنطية أو عربية غسانية أو لبنانية أو سورية.. أو روسية .. ومسيحية أو كثلكة إيطالية أو برازيلية أو لبنانية أو اسبانية ..ودرزية لبنانية أو سورية أو فلسطينية وشيعية عراقية أو بحرينية أو هندية .. وسنية سعودية أو مصرية أو مغربية أو لبنانية أو سورية أو ماليزية أو أندونيسية أو تركية، أو غير ذلك .. ليست خطأ إذا استطاعت أن تشتغل على الملموس والخاص اللبناني مثلاً ومن منطلق لبناني من دون قطيعة مع المكون الآخر الذي يصبح جامعاً بدل أن يكون مانعاً إذا تم الوعي به في ظروف غير موبوءة بالعصبيات التي هي غير الانتماءات التي تتعدد في الفرد الواحد والجماعة الواحدة من دون أن تفقد وحدتها. بمثل هذا الجمع المنهجي لا التلفيقي تصبح الطائفية محكومة بالوطنية لا حاكمة عليها كما تقتضي المصلحة الحقيقية والدور الحقيقي لأبناء الطوائف وهذا يضمن أن لا تتحول الطائفة كما تحولت فعلاً بالطائفية الى مستحضر كيميائي فتاك يزيل الألوان الوطنية الجميلة من عيون الوطن والمواطن ، ولا يبقى إلا على الانياب والأظافر والمخالب .

***

لا مانع لدي كمواطن أمَّن استقراره النفسي بخياره الوطني واصبح أشد حباً لأبناء طائفته الذين أصبحوا كأبناء الطوائف الأخرى لا يحبون إلا من لا يحبهم من زعمائهم أو يحبهم ولكنه لا يبالي كثيراً بما يدفعونه من ثمن حبه لهم وحبهم له .. لا مانع لدي ، لو كنت أملك القرار لا مجرد الاعتراض أو القبول بالأمر الواقع ، أن أسمح للأحزاب الطائفية أو أساعدها على أن تسرح وتمرح في فضاء الوطن ليل نهار ، بشرط أن يكون ذلك تحت سقف الدولة بما هي قوانين من حقوق وواجبات وعقود وموجبات ومسؤوليات.. أما أن تلعب على خاطرها في منزل الدولة وتعبث بأساساته ومحتوياته .. فلا .. لأني وكما أني مصرّ على حريتها فإني مصر أكثر على حريتي التي لا تتم إلا بإطاعتي وإطاعة الطوائف وأحزابها للقانون الذي يحررنا من الرق ومن الشهوات والنزوات والغرائز التدميرية بأنانياتها وفلتانها حيث استطاعت ..ولقد مللت من إغراء الغير لي وميلي الذاتي إحياناً بسبب الغيرة من المخالفين للقانون .. مللت من لوم الكثيرين لي على إصراري على ضعفي بعدم مخالفة القانون العام من خلال الإلتزام بقوانين الطائفة التي تصبح مغ غيرها بياناً عملانياً عن إسقاط الدولة بإسقاط العادات والأعراف والنزوات الطائفية على القانون العام وإسقاطه بذلك على رأس الناس والدولة واستلحاق أو استهلاك القضاء الذي هو الإحتياطي الذهبي في بناء الدولة والوطن كما أخبرنا تشرشل في نهاية الحرب الثانية ودمار بريطانيا المنتصرة حيث اطمأن الى المستقبل عندما أخبروه أن القضاء ما زال سليماً وحراً .. هذا يأتي منه مبدأ فصل السلطات واستقلالها –ما لا ترضى به الطوائف وأحزابها- والذي إن لم يطبق من دون نقص أصبحت السلطات كلها سلطة فوضوية واحدة كالحلقة المفرغة لا يدرى طرفاها .. ويصدق عليها ما يتردد في مواقع الاستنباط الفقهي من أنه اذا تعدد المالك اضطرب الملك .. وأصبح القانون إغراءً بالعدوان عليه.

نحن بشر كسائر البشر لنا كراماتنا الشخصية ومشاعرنا وآلامنا وآمالنا وأذواقنا وأشواقنا التي لا تختزلها الجماعة العنصرية ولا الدينية ولا الطائفية ولا المذهبية ، وهذه الجماعة أو تلك لن تحمينا (زوراً) إلا إذا قررت أن تسقط الدولة لتخيفنا وتعيدنا الى كهوفنا المعتمة ، ولن يحمينا صدقاً إلا الدولة التي نحميها لنحتمي بها لأنها الحامي الأول بعد الله وهي أداة الذات والإرادة الإلهية في حمايتنا لا ظلّ الله ولا ظل الأنبياء على الأرض أو علينا ، فأن قصرت في حمايتنا أسقطناها كمواطنين من أجل حمايتنا لا من أجل طائفتنا .

وفي كل الاحوال فإن حماية الجماعة ، الطائفية خصوصاً ، لأفرادها خادعة ومراوغة وحاشدة بالأخطار ، لأن العصبية التي تفصلك عن البعيد نسبياً لا يمكن أن تصلك بالقريب نسبياً ، لأنه بعيد نسبياً إذا شئت أو إذا شاءت الطائفة أن تحاسبه على البعد لا على القرب ولو لأدنى خلاف أو اختلاف .

لقد بدأت الحرب في لبنان بين اللبنانيين والفلسطينيين في قول وبين اليسار واليمين ، وبين المسلمين والمسيحيين في قول آخر ، الى أن تقاتل اليمين مع اليمين وتقاتل الحزب اليميني من داخله ، وكذلك اليسار وفروعه وكذلك المسلمون بفروعهم السنية والدرزية والشيعية وكذا الأصول والفروع الفلسطينية التي لم تنسَ أن تتقاتل في داخلها أيضاً .. ودائماً كان الدروز متصارعين على الطائفة بلغتين ، وقد تقاتلوا أكثر من مرة بدءاً بالقيسي واليماني ، وكانوا الى زمن قصير مضى ، على حافة الاقتتال ، لولا أن الخوف من أعدقائهم كان شديداً جداً فجمعهم .. وتقاتل الأحرار مع القوات وتقاتلت القوات مع بعضها ومع التيار وكاد الفرعان في حزب الكتائب أن يتقاتلا ولكن الله ستر .. وسيبقى الحال في لبنان هكذا أو أسوأ إن لم تبادر الأحزاب الطائفية الى توطين ذاتها ووجودها .. على صعوبة هذا الرجاء ، وصعوبة أن تكف بعض الاحزاب المغالية في علمانيتها أن تلجأ الى الأحزاب الطائفية وكأنها وكيلة تفليستها! لقد شارك الأرثوذكس الذين لا حزب لهم بالمعنى الناجز ، في القتال جزئياً ، كأفراد أو جماعات جمعها المزاج اليميني أو اليساري ، ما يدل على أن الأرثوذكس لم يرفعوا بعد مشروعهم الخاص على ظهر حزبهم الارثوذكسي ، هذا مع انقسام ملحوظ في صفوفهم من دون أي واقعة عنف أو نية ظاهرة بارتكابه .

وعليه فالمسلك الأرثوذكسي يمكن أنيكون عبرة وطنية مع الملاحظة بأنهم لم يخسروا بهذا المسلك كثيراً .. وما يصدق على الأرثوذكس قد يصدق على الكاثوليك ، ربما لأنهم (روم ملكيون) متحدرون من شراكة ثيولوجية وليتورجية وروحية مع الأرثوذكس قبل حرب الأيقونات خصوصاً ، ولعله من هنا هذا التشابه بين المسلك الجمهوري الأرثوذكسي والمسلك الجمهوري الملكي الكاثوليكي .

كل هذا الكلام هو غير الحب والاحترام والتواصل مع الجميع كما هم من دون ادعاء بالتنازل أو التسامح الاستعلائي ، ولولا الصدرو المفتوحة والآذان المصغية في كل حيز حزبي ، طائفي أو شبه طائفي ، لما كان لنا أن نتباهى بأن حوارنا لم ينقطع ولن ينقطع ، وإذا ماكنت شخصياً أشكو من شيء فإني أشكو من السائد السياسي في طائفتي كما يشكو أمثالي من السائد السياسي في طوائفهم ، وقد تخلص مني هذا السائد بأن نفاني وقبلت النفي بحماس شديد ، الى جزيرة الحوار اللبناني والعربي ، فأتاح لي هواء أنقى وأعذب وأبقى .. وإن كان حنيني لا ينقطع الى رعيلي أو منبتي السوسيولوجي أو الإنثروبولوجي ، مع إصراري على أن بإمكاني ورغبتي أن أحبه أكثر إذا ما بقيت معانداً لسلوكيات القطيع الذي قلت اكثر من مرة بأني أفضل قطع رأسي فضلاً عن رزقي على الإلتحاق الأعمى به ، ما جعلني أبدو وكأنني فيه ولست منه ، وأتمنى أن أصبح منه ويصبح مني بالمواطنة ، مؤمناً بأني أسهم في خلاصه أكثر مما يسهم الآن في خلاصي ، أي انه الآن بحاجة ماسة اليّ ، والى أمثالي من السابحين ضد التيار موطنين أنفسهم على الخسارة من أجل الوصول الى نبع الحقيقة ، هناك في أعلى الجبل حيث ينبع نهر لبنان ، وهذا مبني على قناعتي بأن الخلاص ، في الدنيا والآخرة فردي ، وفي القرآن أكثر من دليل على ذلك ، وفي الإنجيل كذلك ، وخلاف ذلك خلاف للعدل الإلهي الذي به يتم توحيد الله .. وعليه فإني لا أرى ولا أنشد خلاصي في جماعتي .. بل في دولتي التي تنتمي الي بصفتي فرداً وشخصية قانونية مادية ومعنويا أنتمي اليها كشخصية قانونية مادية ومعنوية حاضنة وحامية.. هذا وأنا من أهل التوحيد ، لا أكفر أحداً ، ولكني أرى أن التوحيد يكون صادقاً وحقيقياً بمقدار ما يتجلى أو يتجسد في الوحدة التي لا تلغي أحداً من أطرافها ، لا بناء على معيار العدد أو القوة أو الإستقواء بالامتداد السرابي العابر للكيان والوطن ، بل بناء على معايير الدور والمعنى الوطني ، حيث تصبح الأقلية أكثرية بالدور والمعنى الذي تختاره وتحبه ، وتصبح الأكثرية أقلية معنوية وحتى مادية إن شاءت استئثاراً أو تغلباً أو إلغاءً لا يلبث أن ينقلب مردوده عليها كما حصل في لبنان مع الموارنة ثم مع السنة وكما بدأ بالحصول مع الشيعة إن لم يعتبروا ، وأرجو أن لا يفوت الأوان لاستخدام العقل والحكمة في الحل .

وعليه فأن الطائفية هي التي تنحدر بالمعنى الى العدد ، هذا مع احترامي للأعداد لأنها طاقات وطنية ، إلا أنها ليست كل شيء .

"تعيّرنا أنا قليل عديدنا / فقلت لها إن الكرام قليل"

وقد يكون العدد وبالاً إن لم يكن النوع هو الحاكم والنوع هو لمن يختار النوعية وليس حكراً على أحد . وقد ثبت في الحرب أننا جميعاً متساوون في التخلف والتحدي أن نتساوى في التقدم الذي شرطه السلام الأهلي والدولة المدنية .

وفي مأثورنا النبوي قول الرسول excaim " أرايتم إذا تداعت عليكم الأمم كتداعي الأَكَلَة على القصعة ؟ قالوا : أمن قلة يا رسول الله ؟ إنها كثرة ولكن كغثاء السيل". وغثاء السيل هو ما يحمله من أو شاب واشياء مبتذلة لخفتها وتشتتها ووقوعها على قارعة طريق السيل أو مجرى النهر المتدفق أو البحر الهائج الذي يتخلص منها ويطرحها على الشاطئ باهتة كريهة وبعيدة عن حركة الأعماق .. وفي القرآن الكريم:" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر .. كلا سوف تعلمون" ، ولذا فإني أتمنى على أحزابنا أن لا تغتر بالكثرة ، لأن الحزب الشيوعي الروسي كان عديده مليوني عضو بالعضوية الطوعية أو القهرية .. فكم تبقى منهم بعد انفجار الأزمة وماذا تبقى من أحزابنا القومية واليسارية ؟ واين ذهبت قاعدتهم وأين ذهبت قيادتهم ؟ وأتمنى على أحزابنا الطائفية أن لا تضطرها كثرة الأعداد أو قلتها فتذهب الى المقابر ، تعد قبور الذين مضوا من الطائفة الى رب الطائفة .. لتتأكد (اي الأحزاب) بذلك مما نقص من أعدادها أو أعداد طوائفها أو زاد ، بالحرب أو بلوغ الأجل أو بلوغ الرشد ، وتعيد ترتيب حساباتها بشكل خاطئ مرة ثانية أو عاشرة ، ولتنتبه هذه الأحزاب الى إسهامها في تآكل الدولة واهتزاز مفهوم الوطن بعدما جعلت الطوائف أوطاناً بديلة تقتضي ان تكون لها دولها البديلة .. ولقد أكلت الأحزاب الطائفية في ما أكلت ، طوائفها ، وهي تظن وتحاول أن تقنعها بأنها تطعمها من جوع وترويها من ظمأ ماء عذباً زلالاً هو مصل دمائها التي تذهب هدراً .. حتى أصبحت الهجرة امتيازاً وبمنزلة إخلاء السبيل من ماض قريب وحاضر مريب ومستقبل كئيب .. كسجن رومية مثلاً !!.

قد تكون ولا أدري كيف تكون الأحزاب الطائفية أو احزاب الطوائف أو الطوائف الحزبية عوامل مساعدة على الغاء الطائفية ، ولكن الحاصل حتى الآن في لبنان ، أنها كانت حوافز ومنشطات لاستمرار الطائفية ، وظهورها وكأنها قدر وقضاء من الله ، كلما لاح في الأفق احتمال بالتغيير ، فتعيد الأحزاب الطائفية العظيمة والعنيدة ، إنتاج الطائفية وتجديدها وإنتاج ذاتها أصولاً وفروعاً منشقة ، بها ، على كثير من الانكشافات المتأتية من ضعف برنامجيتها أو غيابها التام ، بالمعنى الوطني ، أمام قوة عقائدية متحجرة لم تصنع ولن تصنع نهوضاً ولا تقدماً ولا حضارة لأنها تأكل الحضارات أو تجوفها .. ولم تؤثر هذه الانكشافات في عقل وأداء الاحزاب الطائفية غير أنها التقطت المفتاح وشاركت بعض اللاطائفيين في تخويف الطائفة من الطائفية .. إن هذه الحالة تقول لنا : إنكم لا بد أن تنتظروا من دون أن تقعدوا أو تستقيلوا ، ما يتوالى من تبدلات وتبديلات معقدة أحياناً ، حول لبنان وفي أعماقه العربية التي سوف تتحول أو قد تتحول من داعمة لطائفة على طائفة الى داعمة للدولة المدنية لأنها أصبحت دولاً بالمعنى المدني وإن كان هذا المعنى ناقصاً فهو يستكمل بالحرية والعدالة .. وعندي شاهد على هذه الخاتمة الإشكالية وهو أن (الحركة الوطنية اللبنانية!) وبقيادة كمال جنبلاط ! قد تقدمت ببرنامجها المرحلي للإصلاح في لبنان مع المحطات الأولى للحرب شبه اللبنانية وشبه الخارجية ، وفي بنوده إلغاء الطائفية السياسية ، فردّ رئيس ومؤسس حزب الكتائب بيار الجميل قائلاً : ولماذا فقط الغاء الطائفية السياسية؟ ولنتفق على العلمنة الكاملة ، فهبت الحركة الوطنية هبة رجل واحد وشطبت البند المذكور من برنامجها ..هل هي معادلة لبنان ، يسار يطالب بإلغاء الطائفية السياسية متجاوزاً العلمنة وهو علماني حسب دعواه ، ويمين يرد بالعلمنة وهو طائفي علناً ؟ ويضبطان معاً في وكر الطائفية !!!

***

ختاماً ، لماذا يريد زعماء الطوائف وقادة الأحزاب الطائفية أن يحملوا طوائفهم من بلد الى بلد ويستجدوا دعماً لهذا على ذلك ولذاك على هذا وللإثنين معاً على الشعب والطوائف والدولة ؟ وماذا سوف يفعلون الآن وقد سقط الكثير من الحكام وكثير على أهبة السقوط وكثير منتظرون ..فماذا هم فاعلون ؟ أولا يتعظون ؟ ويكفون عن الكلام الحرام والأكل الحرام والأمن الحرام ، بخطاب وطني جامع ومصالح مشروعة بكونها مشتركة ، وأمن حقيقي يغدو فيه كل مواطن وكل جماعة وطنية مصدر طمأنينة وأمان للمواطن الآخر أو الجماعة الأخرى ..ويجني معاً فوائد طيبة حلالاً أو قليلة الحرام .. وتسقط أوهام الغلبة الدائمة المستحيلة وباهظة الكلفة .. والتي لا تعدو أن تكون أكذوبة لا تنطلي إلا على الجهلاء بالتاريخ وقوانين الاجتماع وسنن الحياة ..

ولي ملاحظة أخيرة وهو ان اول الأحزاب الدينية في لبنان تأسيساً لعلها الجماعة الاسلامية (الإخوان المسلمون) وهي تكاد في خطابها وأدائها أن تكون قليلة الطائفية لولا اضطرارها الى الإلتزام الفقهي السني الذي ليس بإمكاننا أو من شأننا المصادرة عليه ، ولولا ان عديدها في كل المراتب هو عديد سني على أتم صفاء .. ولكن هذا لم يمنعها أن تستوعب المتغيرات في الفكر ، وفي الواقع العربي والإسلامي وتطور رؤيتها لتحولها ، كما في وثائقها المتأخرة ، من العقائدية المحض الى البرنامجية على خلفية عقدية غير خفية ولكنها أقل تقيداً وتقييداً .

هذا في حين كان بإمكان السنة خارج الجماعة أن يبقوا بمنأى عن الأحزاب الطائفية بعدما آل مآل حركة "المرابطون" بالإكراه الى ضعف لم يعدم الآن من يمده بأسباب القوة !!! هذا فضلاً عن حركة التوحيد التي تشبه مصر من حيث وصفها - أي مصر – بأنها سنية المذهب شيعية الولاء لأسباب فاطمية وغيرها .. في حين أننا لا نفهم تماماً أسباب الإلتباس المتعمد لحركة التوحيد الإسلامية .. أو قل : إننا نفهمه !!

هذا وقد كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري الآتي من عالم الأعمال الذي ليكون ناجحاً لابد له أن يكون عابراً للحدود من دون تنصل من طائفته أو كيانه الوطني ، والآتي من ذاكرة قومية ومن أيام صفائها وجمعها للمختلفين طائفياً ودينياً على فلسطين والوحدة ، كان قد ناقش طويلاً وانتهى الى قناعة بأن إنشاء حزب سني طائفي بقبعة أو ثياب وطنية أو مدنية أمر معقد جداً وقد تأخر جداً .. وهنا فكر بأن يكون حزب المستقبل كما هو المستقبل الآتي ولو بعد حين .. وطنياً .. وعندما دقق ، ورأى الإصطفاف الطائفي آخذاً بالتكامل على الرغم من الطائف والشروع في بناء الدولة على أساسه ..اصبح على يقين بأن حزبه لن يكون إلا حزباً طائفياً .. واستهشد من دون أن يؤسسه ..



ختاماً ووضعاً مني لحد ما لهذا الفرح الذي يبدو في كلامي بسبب اختياري المدني الديموقراطي اللاطائفي على حب شديد لأهل طائفتي وحب مثله لأبناء الطوائف الأخرى .. وحدٍ لحزني الذي ظهر في كلامي من كون المسألة معقدة وقد جعلناها بالتقادم الزمني والتقاعس السياسي تبدو وكأنها حاوية للتناقضات مقفلة الأبواب بحيث لا داعي لمحاولة حلّها ، لأنه وكأنه لا حلّ ، بأدلة كثيرة منها أن شباباً صادقين متحمسين لوطنهم ومستقبلهم نظموا حركة للمطالبة بإسقاط الطائفية فسقطت عليهم ظلال غلاة الطائفية وغطت على مشهدهم وفخخت حركتهم وصفوفهم .. وإن كنت أدعو الى اليأس فهو يأس من أصحاب اللغتين المدنية والطائفية ، وأصحاب الوجهين والمتعجلين والمتباطئين في الحل المدني في لبنان ، مع شكوى من عدم دقة ترتيب الأولويات لدى الصادقين من المطالبين من الشباب وغيرهم .. ولكن هذا اليأس ليس يأساً من صحة الفكرة ومستقبليتها ، غاية الأمر أننا يجب أن نتجنب تعجيل المؤجل وتأجيل المعجل وتغليب الجزئيات على الكليات .. وأذكر أني بعد الطائف دعيت الى مناقشة بند إلغاء الطائفية مع مهتمين من حساسيات مختلفة وفي ندوات مفتوحة ، ومرة كنت في صور مع النائب عن حزب الله محمد فنيش الذي أبدى حماساً غير عادي لإلغاء الطائفية ما جعلني أستحضر تحفظاتي فأثرت دهشته ، وكان ملخص ما فهمته مما سمعته أن إلغاء الطائفية يقوم على جعل الأكثرية هي المعيار ، والشيعة بقوة حزب الله أكثرية من الأكثريات ولكنها هي الغالبة بناء على نفوذها في جميع الطوائف وهذا يعني أن إلغاء الطائفية هو ترجيح كامل لموقع الطائفة الشيعية في الحكم على غيرها ومن خلال هذا الغير أيضاً لأنها تصبح بعددها ونفوذها الإختراقي للآخرين هي الطائفة القابضة . هذا الكلام لم يقله السيد محمد فنيش الذي يختار كلامه بدقة ولكنها كانت الفحوى التي دار عليها نقاش الحاضرين معي .. أما بعد الاستتباعات التي تسمى تحالفات مع شقوق صغيرة كبيرة من الطوائف الآخرى ، فإن المسألة تصبح أشد وضوحاً ، ولا يقلل من احتمال حدوث منعطف بهذا الاتجاه ، إلا ما حصل أخيراً من تفتح زهور الربيع العربي بعد الإيراني وتقدم تركيا ، ما قد يجعل حزب الله يفكر في الإستيلاء على الطوائف لحمايته في المستقبل لا لاستخدام ذلك في إلغاء الآخرين . وقد يفكر حزب الله تفكيراً أكثر لبنانية ووفاقاً يحافظ به على دوره .. في حين يجد الرئيس نبيه بري ، الذي يستفيد من المقاومة وإنهائها ، ومن الديموقراطية والطائفية ومن صعود حزب الله وهبوطه ، متسلحاً في الحالة الوطنية بتراث السيد موسى الصدر ، وفي الحالة الطائفية بغطاء مشيخي ومصلحي تابع ومذعن مع ما يلزم من العروبة المتردة في الخطاب حتى لا يشعر الرئيس بصقيع التناقض الذي يرده الى شطارة وشهرة وقدرة على تدبير أمره لحساب حزب الله وعلى حسابه معاً .

ولعل ما يفسر هواجسي هذه ما سأرويه من أني كنت في لقاء مشيخي احتفاءً بالشيخ محمد حسن أختري سفير إيران في سوريا سابقاً والشريك وقتها في قيادة حزب الله قادماً من موقعه المتقدم في فريق عمل المرشد السيد علي خامنئي .. وقد لاحظ أحد المشايخ الذين يفضلون ضربة الشمس على ظلي ، فصرخ قائلاً : شو عم تحكي؟ سمّعنا . ونظرت اليه نظرة فيها مزيد من الخوف لأني كنت وحيداً في الجمع ولا بد من الحكمة والصبر ، فبادر صاحبي وقال له : أن السيد يقول بأنه لا داعي لهذا الضغط على الطوائف الأخرى في تسمية مرشحيها وكمية الأصوات الشيعية في مناطقهم في الانتخابات التي كانت سوف تجري عام ألفين .. وعلا صراخ الشيخ : نحن الذين سوف نعين الآخرين والمسيحيين خاصة ، مش عاجبك إنت وصفير بلطو البحر . ولو قال : بلطوا عقولكم لخرجت من دون تناول طعام الغداء ولكني شخص متسامح !!.





[1] ويسترعي انتباهنا الآن هذا الودّ القديم بين الصديق د. سعود المولى والذي أصبح متمكناً أكثر في ظروف كان الإختلاف مع وليد بك أدعى الى البعد منه الى القرب . ولكننا نقدر أو نعرف أن كيمياءً مشتركة قد اكتشفها وليد جنبلاط في سعود المولى فيها درجة أقوى من الثبات ولكنه لا يصر عندما يضطر للتعامل مع متغيرات وليد جنبلاط التي تبدو وكأنها من فطرته ومن أحبه وليد جنبلاط وأحب وليد جنبلاط كسعود المولى لا بأس عليه من أن يرجح الصحبة على الإختلاف وإن كان كبيراً جداً.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق