لماذا تؤدي الثورات إلى إيقاظ الطوائف والنعرات والأقليات
أحمد عصيد
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/05/23
التعليقات: 0 - القراءات: 2195


يلاحظ المتابعون لانتفاضات الشعوب التي عرفتها بلدان تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، كما لاحظوا بعد سقوط نظام صدام حسين بالعراق، تصاعد أصوات المكونات الاثنية والدينية والعرقية في هذه البلدان بشكل بارز، مع ما رافق ذلك من مواجهات ومظاهر عنف غير مسبوقة، مما جعل الكثيرين يتساءلون إن كانت الثورات تحريرا للشعوب أم إثارة للفتن والنعرات، وفتحا لأبواب المجهول.

والحقيقة أن الأمر يتعلق بظاهرة طبيعية مرتقبة، لكنها بحاجة إلى حسن تدبير وبعد نظر، وإلى حس سياسي واستراتيجي يسعى إلى تجميع القوى الحية الفاعلية ذات التأثير، والتنسيق بينها لكي تبذل جهودها في الاتجاه الصحيح الذي يقوي الوحدة الوطنية لهذه البلدان، في إطار المساواة التامة وضمان الحقوق والحريات للجميع.

وتفسير هذه الظاهرة يكمن في العناصر التالية:

1) أن الاستبداد عندما يبلغ درجة عالية من التطرف في قمع الناس وقهرهم وغصب حرياتهم، إنما يضع بذلك الأساس النفسي والذهني للتطرف في المجتمع بكامله، حيث يظل جاثما على استقرار هشّ ومصطنع، يحافظ عليه بالحديد والنار، بينما تتزايد النقمة في المجتمع ضدّ النظام القائم ، وضدّ المكونات الأخرى للحياة السياسية والاجتماعية، التي ينظر إليها كل طرف على أنها حليفة للسلطة وشريك له.

2) أن السبب الرئيسي لنقمة الناس على بعضهم البعض هو نجاح سلطات الاستبداد في أن تصادم بينهم وتبث الفرقة والشنآن فيما بين مختلف المكونات، وذلك حتى تظلّ لوحدها البديل الذي يعلو فوق جميع الأطراف. أي أنها عوض التدبير العقلاني للاختلاف، تعمد إلى استغلاله كآلية لخلق التشرذم عبر تعميق تباعد الفرقاء المختلفين.

3) أنّ غياب لغة الحوار والتقارب، وشيوع مناخ الرذع والقمع والمصادرة، يجعلان العزلة والانطواء أفضل السبل لخلق ذهنية الاختلاف المتوحش، مما ينشأ عنه حتما مزيد من الانحدار نحو ثقافة التعصب والتدمير ونبذ الآخر.

4) أن النزوع إلى العنف يتقوّى على حساب الطرق والأساليب السلمية، فرغم أن أغلبية التيارات والتوجهات معارضة للسلطة، إلا أن المعارضين لها أنفسهم سرعان ما يستبطنون أساليبها ويتشبعون بقيمها التسلطية، مما يجعلهم يبادلون بعضهم بعضا نفس التعامل القمعي. وهذا ما يفسر سوء استعمال الحرية بعد سقوط الاستبداد ، حيث تتمظهر الحرية لدى هذا الطرف أو ذاك في أساليب الانتقام من الآخر (إحراق الكنائس والبيع اليهودية والزوايا والمزارات الصوفية، المطالبة بالمنع والمصادرة لهذه الظاهرة أو تلك إلخ..).

5) أنّ التربية في إطار النسق الإستبدادي تتخذ طابع الترويض الميكانيكي اليومي بهدف صنع رعايا على مقاس السلطة، مما يثير ردود أفعال مقاومة من طرف التيارات الأخرى، التي تواجه استراتيجية السلطة بأخرى بديلة، لكنها لا تختلف عنها في العمق، إذ تؤدي إلى صنع أفراد معلبين في إيديولوجيات شمولية حربية ومشحونة ضدّ الجميع. وهكذا تجد الأقلية المقموعة نفسها مضطهدة حتى بعد سقوط النظام القمعي، لأن الأغلبية تكون قد استدخلت بديهيات الميز وجعلت منها ثوابت وجودها.

بسقوط نظام الإستبداد، تنفجر المكبوتات القديمة، ولأن الناس لم يتربّوا خلال المراحل المظلمة على الحوار والإحترام المتبادل والإصغاء لبعضهم البعض، بقدر ما أنتجوا بدائل استبدادية للسلطة القائمة، فإن الأحقاد تطفو على السطح، ويجدُ كل طرف في تصفية الطرف الآخر أيسر السبُل للمرور إلى بناء "النسق البديل"، الذي ليس سوى نسق استبدادي آخر، لأنه يقوم على محو الغير من الوجود، وهذا ما يُدخل البلد في دوامة العنف العبثية.

ولهذا نفهم لماذا لم يكن من السهل أن يمرّ الليبيون ـ بعد سقوط القذافي ـ نحو الدولة الديمقراطية، وهم الذين لم يعرفوا الدولة قط منذ استقلالهم، وليس أمرا يسيرا أن يجد اليمنيون أنفسهم في دولة المواطنة والمساواة، وهم الذين قضوا نصف قرن في البحث عن الطريق، دون أن يغادروا التنظيمات العشائرية والقبائلية التي ما فتئوا يتحصّنون فيها ضدّ الاستبداد العسكري. وليس بديهيا أبدا أن ينتقل المصريون إلى الدولة الديمقراطية التي ينعم فيها الجميع بحقوقه وحرياته، وهم الذين لم يصلوا إلى إشعال فتيل الثورة إلا بعد أن تمكن الأخطبوط الوهابي من البلاد، فوجدوا أنفسهم بين كماشة العسكر ومتاهات الإيديولوجيات الظلامية.

إن أنواع التطرف الإيديولوجي والديني والعرقي إذن هي صنيعة الاستبداد، ولا يمكن مواجهتها بتكريس الأخطاء السابقة، وإعادة إنتاج بنيات الظلم واللامساواة، بل المطلوب تحويل الثورة السياسية أو الحراك الشعبي إلى تيار مجتمعي يتمّ به تحرير العقول وتنوير الأذهان،لأن التغيير الذي لا يأتي من داخل الأفراد، قد يُحوّل الوطن إلى مجرد سجن جماعي.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق