حوار الحضارات من منظور علماء الاجتماع في إيران (2-2)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/06/24
التعليقات: 0 - القراءات: 3470

ما موضوع الحوار؟ هل البحث يجري حول تفوق واحد على الآخر؟ هل هو بحث الامتزاج، وتشكيل حضارة واحدة؟ أم أننا نريد أن نتحاور حول الاستفادة من العلوم والفنون، والمنتجات الحضارية؟ هل البحث حول إنقاذ البشرية؟ أم نريد تأسيس قرية عالمية؟ أم أننا نسعى للسلام والأمن الدولي؟

الأستاذ غسان حمدان *
السؤال الثاني: ما المقصود من الحوار؟ يوجد هنا بعض الإشكاليات أيضاً من بينها:
ما موضوع الحوار؟ هل البحث يجري حول تفوق واحد على الآخر؟ هل هو بحث الامتزاج، وتشكيل حضارة واحدة؟ أم أننا نريد أن نتحاور حول الاستفادة من العلوم والفنون، والمنتجات الحضارية؟ هل البحث حول إنقاذ البشرية؟ أم نريد تأسيس قرية عالمية؟ أم أننا نسعى للسلام والأمن الدولي؟ أم نريد تحديد نموذج جديد للنظام العالمي (World Order) ؟ هل نحن من صناع الحضارة أم ممن يتقبلونها ؟ هل نريد إعطاء شيء وأخذ شيء آخر؟ أم نريد صياغة قيم مشتركة؟ هل لدينا قدرة، وضمانة تنفيذية؟ هل نفترض أن الحضارات الأخرى محبة للبشرية، وتريد الإصلاح، لتكون جاهزة لهذا النوع من الحوارات ؟
وللحوارعدة شروط، مثل: الحاجة المشتركة – واللغة المشتركة – والقدرة الكافية – واحتمال الحصول على نتيجة – و تحديد موضوع الحوار – وقدرة الطرفين على تنفيذ ما اتفق عليه.
والآن السؤال هو في مشروع حوار الحضارات "نحن" نمثل أي حضارة؟ الحضارة الإيرانية، أم الحضارة الإسلامية، أو الاثنين معاً ؟ وما المكاسب التي حققتها حضارتنا التي نريد أن نتفاوض حولها ؟ هل الشروط المذكورة محققة أعلاه؟
والسؤال الثالث: ما الذي نبحث عنه في الحوار؟ يعني ما النتيجة التي نحن بصددها من خلال هذا الحوار؟ وفي النهاية يعرض ميرعرب رأيه النهائي في هذا الشأن على هذا النحو: « إن حوار الحضارات استناداً لما جرى بحثه، ونقاشه مفهوم غامض، وغير واضح، وفي حين لم يتم الإجابة عن الأسئلة المطروحة في هذا المقال، لا يمكن إجراء بحث ودراسة علمية حول هذه النظرية. إن العبارات الجميلة تحتاج لمحتوى أجمل ليحفظ ترشحاتها طراوة الموضوع في مقطع زمني أكبر من تاريخ البشرية ؛ لذا أقترح كباحث أن توضح الأسئلة أعلاه كورقة عمل للفئات الفاعلة ليتضح في المستقبل القريب على الأقل عن ماذا نتكلم؟ وماذا نريد؟ »(21).
هنا يلزم أن نذكر أن هناك في إيران من يعد حوار الحضارات مشروع لا طائل منه وغير عملي، وفي حال أصبح عملياً لا يرون منه نتيجة مهمة للعالم الإسلامي. و يوجد أيضاً من الإسلاميين من يقبل بالحوار في حال كان هدفه تعريف الآخرين بقيم الدين الإسلامي، ومناهجه، ومزاياه .
ب ) التيار المؤيد بشروط : د. سيد هاشم آقاجري، أستاذ التاريخ، ضمن قبوله بلزوم الحوار، يعد أن ظروفها غير موجودة، ويقسم الحضارات بشكل عام إلى: حضارة ميتة، و حضارة حيّة، وحضارة نصف حيّة. الحضارات الميتة، مثل: حضارة مصر القديمة، أو اليونان، أو إيران القديمة. الحضارات الحيّة موجودة فعلياً، ويتواجد جميع عناصرها تقريباً، والحضارات نصف الحيّة تقع بين هاتين الحضارتين. يعتقد آقاجري أن الحضارة الإسلامية نصف حيّة، ولأجل المشاركة في حوار الحضارات ينبغي إحياؤها، وتفعيلها.
كانت الحضارة الإسلامية في يوم من الأيام حضارة حيّة، وفاعلة، لكن بعد التحولات، والصراعات مع الحضارات الأخرى، فقدت قدرتها فعلياً على مواجهة الغرب. ويرى أننا نحن المسلمين نقبع في حالة من الضياع بين إرث حضاري ماضوي، والحداثة الغربية. وما لم نحدد موقفنا تجاه هاتين النظريتين لن نكون جاهزين للحوار.

يضيف أيضاً أن الشروط اللازمة للحوار غير متوفرة. والإمكانات الإعلامية هي بيد الغرب بشكل تام، وليس لدينا حظ منها. والقدرة السياسية، والعسكرية، والإمكانات المتساوية لا توجد أيضاً، والسلطة بيد الغرب من جميع النواحي، وهم ليسوا جاهزين للدخول في عملية حوار مع أوضاع متساوية. ضمنياً يجب أن نرى "نحن" ما الجزء الحضاري الذي نريد أن نبينه للغرب؟ «ينبغي على الهوية أن تجدد بناء ذاتها، وأن تتكيف مع الوضع الموجود. والحضارة الإسلامية فقدت هذه الخصلة التكيفية لعلل شتى. وحالياً إذا أردنا أن نستفيد من تلك الحضارة، والميراث لبناء حياة العالم الفعلي، فإننا بحاجة لعرض أسئلة جديدة، كما قال السيد خاتمي، لنستطيع الإجابة عن الأسئلة الجديدة نظراً للإرث الحضاري، والتاريخي الذي نملكه؛ لأن الهوية تصبح محدثة للحضارة إذا لم تصب بحالة من الانقطاع »(22).
كما يؤمن آقاجري بأنه لو أردنا إعادة بناء هويتنا، وإحياء الحضارة الإسلامية الماضية، ينبغي علينا أن نَنْقد "الأصالة" و"الحداثة". وفي الوقت ذاته يرى نظراً للأخطار التي تهدد كل العالم، بلزوم البحث المشترك لإيجاد الحلول. وأن تحقق حوار الحضارات حركة أساسية مناسبة، ولازمة. « الحضارة الفعلية مع ما لها من مكاسب إيجابية للبشرية، ونحن جميعاً شاهد نا ذلك، فقد أصيبت بمشكلات أيضاً، وظهرت أزمات لو تعمقت، وتوسعت لن تميز بين مسلم، وكافر. إن ثقب طبقة الأُزون أو تلوث البيئة يؤثر على الطفل الإيراني المسلم، والشيخ، ويهدد فلان الأوربي، والأفريقي أيضاً، وبناءً عليه، فإن حوار الحضارات يعني أننا نستطيع أن يكون لنا حضورٌ في إنقاذ البشرية، وإيجاد طرق للخروج من هذه المآزق البشرية، وأن نشارك في ذلك» (23). وفي طرفي الحوار، يقول: «ولو تقرر حصول هذا الحوار ينبغي مشاركة النخب الثقافية، يعني الفنانين، والكتّاب، وأصحاب الصحف، والأساتذة الأكاديميين، والباحثين، والمفكرين والمثقفين، ممن يملك الشروط والخصائص اللازمة كممثلين للحضارات حصرياً»(24).
وأما البروفيسور حميد مولانا، الأستاذ الإيراني في الجامعات الأميركية وأحد المفكرين والباحثين المميزين على المستوى العالمي، يرى ما يلي: « هناك ثلاثة تحولات حصلت في العقود الثلاثة الأخيرة، وأدت لاستخدام مفهوم "الحضارة" بين علماء العلوم السياسية بشكل واسع: - الثورة الإسلامية في إيران، وقيام المسلمين،- و انهيار الإتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي، - وزوال، وانتهاء الإيديولوجية، ومدرسة الحداثة. وبرغم هذا الاستخدام لمفردة الحضارة وبرغم ما جرى من مساعٍ لعرض موضوع حوار الحضارات في السنوات الأخيرة، لكن بسبب تسلط الغرب على النُظُم الأمنية في العالم بقي هذا البحث هامشياً بشكل كامل، ولم يتمتع بقبول كبير. إن حوار الحضارات هي كالمصطلحات الأخرى أصبحت ذريعة للقوة، ونظرت إليها المجتمعات بمنظار إيديولوجي. كما أن عدم حضور شروط الحوار، وعدم المساواة فيها كان من العوامل الأخرى التي منعت من تحقق هذه الفكرة»(25).
وقد قوّم د. مولانا مساعي المنظمات الدولية كاليونسكو بأنها لم تصب النجاح بسبب سلطة القوى الكبرى. ويصل إلى هذه النتيجة في هذا المجال مع ذكره لمثالين: « لقد أخلت الأفكار الثنائية الأقطاب للحرب الباردة حتى في المنظمات العلمية والثقافية مكانها للقومية والوطنية. إن النماذج والأطر القديمة جرى إحياؤها بأسماء جديدة. هذان المثالان يظهران أنه ما زال نموذج الحرب الباردة لم يخرج من أذهان الكثيرين، وهو يظهر نفسه بأشكال، وأنواع مختلفة من بينها صراع الحضارات، وما شابهه. والآخر أنه لا يوجد في أوربا، وأمريكا نظرية واحدة حول التحولات العالمية في الأعوام الأخيرة»(26).
وقد أجاب مولانا في معرض إجابته عن سؤال مفاده، هل يمكن التنظير(Theorization) لمشروع حوار الحضارات؟ أو ما الإطار النظري الذي يمكن أن يوجهنا في حوار الحضارات؟ « برأيي نظرية "العلاقات بعنوان الإيكولوجيا الثقافية" (بحدود حياتية) التي سعيت لمرات عدة لتعريفها، وعرضها ضمن كتابات، تستطيع أن تساعدنا إلى حدٍ ما في هذا الشأن»(27).
ويستدل لعدم تحقق نظرية حوار الحضارات على هذا النحو: « إن حوار الحضارات ليس إلا ظاهرة ارتباطية، وهذه الظاهرة وطبيعتها لا ُتدرك إلاّ في زمن أن نوضح، ونحلل:
1- الرؤية الكونية، والنظرة الحضارية 2- نوع العلاقات، وأسلوبها 3- الأوضاع الموجودة بهذا النوع من الحركة... أحد شروط الحوارفي شيء أن تكون البيئة والحاجة للطرفين طبيعية وواحدة. إن فضاء العالم اليوم مهيأ للتسلط، وإعمال القوة، وليس للحوار. إن التقاء الحضارات على مستوى الأفراد، والشعوب هو أفضل نافذة للأمل. لو كان هناك ظاهرة مثل حوار الحضارات، فإن الحكومات، والمنظمات التابعة يجب أن تكون آخرمن يرشح لهذه الحركة»(28)
ويشير في قسم آخر من مقاله "نظرية حوار الحضارات" حول الوضع الفعلي للحضارة في الغرب استناداً إلى مقولات مفكرين كأسوالد اسينكلي، وفرناندو برودال الذين يعتقدون كابن خلدون بدائرية حركة التاريخ، والحضارة ؛ بأن الحضارة الغربية ليست حضارة استثنائية، بل كما يقول اشبنغلر في كتاب " أفول الغرب" إن هذه الحضارة سوف تطوي مراحل الولادة، والنمو، والانحطاط، لأن اشبنغلر في هذا الكتاب الذي نشر قبل الحرب العالمية الأولى، يشير إلى أن الغرب قد دخل في عصر انحطاطه. وعلى العكس أنه اتخذ حالة دفاعية، ومقاومة في مواجهة الحضارات الشرقية.
أما بالنسبة للحضارة الإسلامية، واختلافها الأساسي مع الحضارة الغربية، يقول مولانا: « إن الحضارة الإسلامية بجميع خصائلها ليس لديها أي تعصب في إدراك الحضارات الأخرى. الحضارة الإسلامية التي امتدت في الشرق الأوسط، وآسيا، وأوربا هي دليل على هذا الأمر، كما أن التشكلات الثقافية، والاقتصادية العظيمة لدنيا الإسلام في الصين، والهند، والبحر الأبيض المتوسط، وأفريقيا حتى القرن الثالث عشر تظهر هذا النوع من الحركية والتمازج. إن حركية الحضارة الإسلامية تنبع من أصل التوحيد، ونظرية التوجه الوحدوي لمفهوم المجتمع العالمي، وعلى هذا النحو نتجت عنه العلاقات ما بين ثقافات الأمم. هناك في حضارة الغرب جرى عكس ذلك، وتأسست تلك الحضارة على أساس الصراعات والقوميات والإثنيات. في حضارة الغرب جرى التأكيد على التوجه الفردي، والنزوع نحو الماديات في حين أن في الحضارة الإسلامية جرى التأكيد على اجتماعية المجتمع، والنزوع الأساسي للمعنويات. لو طالعنا الاختلافات، والنزاعات، والحروب التي جرت في القرون الخمسة المنصرمة، نرى أغلب هذه الصراعات، والمواجهات كانت بين الدول الغربية » (29).

وبالالتفات إلى الأبحاث المذكورة يقدم مولانا نظرته حول مشروع حوار الحضارات: « وأخيراً يمكن أن يتم التفاهم الحقيقي عندما لا يكون الطرفان في حال هجوم، ودفاع. وأن يكون هناك آمال أعلى لحدوث هذا النوع من الحوار، وتبادل الآراء... في العالم الذي تنحصر القوة بيد فئة محددة، كيف يمكن أن نتوقع حدوث حوارالحضارات؟ إن الأهداف الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والثقافية الفعلية في العالم غير متطابقة، وتلخص صراع النُظُم اليوم»(30).
ج) التيار المؤيد: ربما يمكن إعتبار محمد خاتمي من أبرز المؤيدين لحوارالحضارات في إيران، وأشرنا إلى مواقفه سابقاً.
تعتقد الدكتورة زهرا رَهْنَوَرْد أستاذة الجامعة، ومن الباحثين في الثقافة، والفن، والأدب، أن حوار الحضارات كان جارياً على طول التاريخ، وترى أنه يمكن تقسيم الحوار إلى ثلاثة أنواع:
1) حوارمشرّف: حيث تتمتع كلتا الحضارتين بالقوة، والغنى. ويمكن الإشارة لهذا النوع من العلاقات، إلى علاقة الحضارة الإيرانية مع روما، والإسلام، حيث تمَخَّض عنها الحضارة الإسلامية.
2) حوار ذليل: وهو التعامل الذي تسلكه حضارة ضعيفة مع حضارة مهاجمة. ونموذجها اليوم علاقة الحضارة الإسلامية مع الحضارة الغربية (الحداثة)، والتي بدأت منذ حدود قرنين، وما زالت مستمرة.
3) حوار بينية: حوار حضاري لحالة الممكن تواجهها حضارتان قوية، وفعالة بعضها مع البعض، وأن تهاجم ظاهرياً واحدة منهما. ونموذجها هو مرحلة الحضارة الإغريقية (كما يقول الغربيون) حيث ظهر من حوار هذه الحضارات ثقافة جديدة إثر هجمات الإسكندر المقدوني على إيران، ومصر، والهند. وتعد رَهْنَوَرد أن مشروع "حوار الحضارات" لا يمكن تحقيقه بين الحكومات، والدول؛ بل يبدو ممكناً، وضرورياً بشدة بين المفكرين، والعلماء، والفنانين، ضمن الأوضاع والظروف الفعلية برغم التسلط السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والإعلامي للغرب، والموانع المتعددة في طريق حوار الحضارات، والثقافات. « أنا أؤمن أن هذا الحوار برغم الأرضيات الموجودة التي تظهر مُرة، وحالكة بعض الشيء، لكنها امتداد للتيار الهادئ الذي كان موجوداً دائماً، وبالطبع يمكن إعطاؤه الوجهة المناسبة، وتحسينه بدراية المفكرين (بعيداً عن الحكومات) وبتأسيس المؤسسات الثقافية، والفاعلة، إذن التأسيس لأنواع المؤسسات، والتشكلات الوطنية، والمشتركة آنفة الذكر، ويتناول المفكرون والفنانون والعلاقات بين الجامعات، والتبادل بينها يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في هذا الحوار. إن المؤسسات، والتشكلات القائمة على العقل، والفن، والثقافة، والمفكرو العالم بعيداً عن المنظمات السياسية، وبعيداً عن أيدي الحكام، ودون أي اتجاهات سياسية تستطيع أن ترفد الحوار بشكل مفيد»(31).
د. أحمد نقيب زاده، عالم سياسي، من الذين ينظرون إلى الحوار نظرة مليئة بالتفاؤل والأمل: «هناك سؤالان منذ بدء الخليقة إلى الآن ما زالا يشغلان ذهن الإنسان: ما سبب الحروب؟ وما مصير الحياة؟ كما يسعى حوار الحضارات ليحدد مصير البشر بشكل سلمي بإحلاله الحوار محل الصدام، والمواجهة. وعلى الحضارة الغربية أن تدرك هذا الأمر التاريخي بشكل جيد، إنه في نهاية أي حرب هناك طرف مغلوب دائماً. لكن الحوار، والتعامل ترافق مع استمرار حضاري، ومع اتباعه للسنن التاريخية والثقافية لدوركهايم، وماكس فيبر هيأ لإمكانية عقل جماعي»(32). واستنتج بعد دراسته لأسباب الحروب، والتعاملات البشرية على مرّ التاريخ بأنه يوجد شيئان غير قابلين للإنكار؛ الأول: الخصائص، والحدود المشتركة لحياة البشر، والآخر: هو التعامل، والاختلاط الذي لا مفر منه في الحضارات، والثقافات. « في الحقيقة إن وجود أي حضارة ما هي إلاّ حصيلة الحوار في معناها الواسع. يجري هذا الحوار في البداية بين الأفراد ومن ثم بين المجتمعات، والحقول الثقافية. كما يثير الحوار علامات مشتركة حيث تهيئ لإمكان عقل جمعي من جهة، ومن جهة أخرى يضمن استمراره. إن الحرب هي نوع غير مرغوب فيه من الحوار، ولعله حسب مقولة "كانط" يخلي مكانه للحوار السلمي بعد نمو العقول، ونضجها. دائماً يجري نسيان الحوار، والمبادلات القائمة على هامش الحروب. وعلى هذا الأساس، لا يمكننا أن نعد الحروب ظاهرة أصيلة، وحرب الحضارات أمر لا بد منه. كما أنه في عالم السياسة حلّت النزاعات المُلَطَّفة الحزبية مكان العنف القومي، والقبلي في المجتمعات البدائية. فإن الحوار سيحل مكان الحرب على المستوى العالمي» (33).
يعتقد نقيب زاده أن الحضارات الكبيرة السابقة هي حصيلة حوار الحضارات الصغيرة. ويذكر هنا الحضارة الإسلامية مع تقديمه لنماذج، وشواهد تاريخية: «إن عهد الازدهار، وعظمة المسلمين تتعلق بزمان اتحدت فيه الملل والنحل على ضوء الاعتقادات الدينية. وأرسوا قواعد الحوار على أساس الجوهر الواحد للبشر، ونتيجة لذلك تحولت النظرات الضيقة إلى آفاق كبيرة، وتطورت العلوم، والتجارب في بوتقة التبادل، وظهر علماء كالفارابي، وابن سينا، والرازي، والبيروني من أكناف البلاد الإسلامية»(34).
كما يستند نقيب زاده على أفكار "كانط" و"هيغل" حول التوجه العقلاني للإنسان وروح الأمم، وروح العالمية، فكما أنه على أساس المذهب التاريخي – الثقافي، وأفكار دوركهايم وماكس فيبر حول الروح الجماعي، والنُظُم الثقافية، يعتقد أنه في نهاية الأمر سوف يتشكل من حوار الحضارات الفعلي حضارة عالمية مع المحافظة على الطبقات الوسطى، حيث تستطيع أن تقع في نطاق نظرية العولمة. وكما قيل سابقاً هو يعد أن حوار الحضارات أمر ضروري، وممكن: «وفي المجموع، الحوار يعني احترام الذات، واحترام الآخرين، يعني استقلال الذات، واحترام استقلال الآخرين، يعني الشجاعة، والاستعداد لقبول الحقيقة، يعني "يستمعون القول فيتبعون أحسنه". الحوار: هو الوقوف على الحق، والحصة للذات، وإرغام الطرف المقابل على قبول ذلك. بالطبع يخاف من الحوار من يخشى، ويرهب من انكشاف أمره» (35).
نختم هذا الكلام بقول من خاتمي: « إن للغرب وجهين: أحدهما، سياسي، وهو الوجه الظاهر للحضارة الغربية – طبعاً بما يوافق شمولية هذه الحضارة – والآخر، فكري، يمثل قاعدة الحضارة. ولابد من الفصل بين هذين الجنبين، والتفريق بينهما بدقة وموضوعية، لتحديد طريق المواجهة الفعالة مع الغرب بما يتناسب وطبيعة الموضوع، ومستلزمات كل واحد منهما، فرغم أن الغرب قد هرم إلاّ أنه ما زال قوياً في المجالات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية والاجتماعية، وبما يملك من وسائل الحياة علاوة على القدرة الإعلامية التي يتمتع بها، وتمنحه قوة التأثير، والتضليل. ولا يتوانى الغرب السياسي الذي يعمل لبسط سيطرته على العالم، وللتحكم في إدارة شؤونه، عن مواجهتنا له بإمكاناته الهائلة عن ارتكاب أي عمل في سبيل تأمين مصالحه. ومن هنا، فإن صراعنا معه هو صراع موت أو حياة... وفي الجهة المقابلة، فللسياسة نظام فكر، وقيم لابد من معرفته أيضاً، واكتشاف أسلوب التعامل معه، ودحضه. وفي هذا المضمار تجد الحضارة الإسلامية تقف في مواجهة ندّ فلسفي، وفكري، وأخلاقي، وليس مناهضاً سياسياً، وفي هذا الميدان تظهر الحاجة إلى وسيلة مناسبة تتمثل في المنطق والحوار»(36).
--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش
1) حسين سليمي، "بررسى مقايسه اى مبانى نظرى گفتگوى تمدنها"، ( = دراسة مقارنة لأصول حوار الحضارات النظرية) ، مجلة "گفتمان"، العدد 3، ص 133.
2) علي اصغر صباغ پور، "گفتگوى تمدنها در جهان متغير"، ( = حوار الحضارات في عالم متغير)، مجلة "گفتمان"، العدد 3، طهران، 1999، ص ص 173 – 175.
3) مسعود چلبي، مقابلة مع مجلة "گفتمان"، العدد 3، طهران، 1999، ص 297 – 298.
4) محمد خاتمي، "جهان فردا و گفتگوى تمدنها"، (= عالم الغد وحوار الحضارات) دار "باز" للنشر، طهران، 2001، ص 71 – 72.
5) محمد خاتمي، المرجع السابق، ص 119.
6) إبراهيم يزدي، "گفتگوى تمدنها"، (= حوار الحضارات) مجلة "گفتمان" العدد 6، طهران، 2002، ص 249.
7) إبراهيم يزدي، المرجع نفسه، ص 250.
8) محمد خاتمي، المرجع السابق، ص 72.
9) محمد خاتمي، المرجع السابق، ص 69 – 70.
10) محمد منصور نژاد، "گفتگوى تمدنها"، (= حوار الحضارات)، دار "جهاد دانشگاهى" للنشر، طهران، 2002، ص 54.
11) اردشير سنايي، "گفتگوى تمدنها وچگونگى تئوريزه كردن آن در روابط بين الملل"، ( = حوار الحضارات وكيفية تنظيرها في العلاقات الدولية)، مجلة "گفتمان"، العدد 6، السنة 2002، ص 91 – 92.
12) د. سعيد حجاريان، مجلة "گفتمان"، العدد 6، ص 281 – 282.
13) محمد خاتمى، "جهان فردا وگفتگوى تمدنها"، ص 119.
14) ابراهيم يزدى، المرجع السابق، ص 230.
15) محمد خاتمى، "جهان فردا وگفتگوى تمدنها"، المرجع السابق، ص 70 – 73.
16) مسعود چلبى، المرجع السابق، ص 296 – 297.
17) على اصغر صباغ پور، المرجع السابق، ص 177- 178.
18) مسعود چلبى، المرجع السابق، ص 298.
19) محمد خاتمى، "جهان فردا وگفتگوى تمدنها"، ص 71.
20) مهرداد ميرعرب، "گفتگوى تمدنها، مفهومى توسعه نيافته"، (= حوار الحضارات، مفهوم غير متطور)، مجلة "گفتمان"، العدد 3، ص 239 – 240.
21) مهرداد ميرعرب، المرجع السابق، ص 242.
22) هاشم آقاجرى، مقابلة مع : محمد منصورنژاد، "گفتگوى تمدنها از منظر انديشمندان ايرانى" (= حوار الحضارات من وجة نظر المفكرين الإيرانيين)، دار جهاد دانشگاهي للنشر، طهران، 2002، ص 13.
23) هاشم آقاجرى، المرجع نفسه، ص 15.
24) هاشم آقاجرى، المرجع نفسه، ص 17.
25) حميد مولانا، "نظريه گفتگوى تمدنها"، (= نظرية حوار الحضارات) مجلة "گفتمان"، العدد 6، ص 197.
26) حميد مولانا، المرجع نفسه، ص 202.
27) حميد مولانا، المرجع نفسه، ص 203.
28) حميد مولانا، المرجع نفسه، ص 203.
29) حميد مولانا، المرجع نفسه، ص 204 .
30) حميد مولانا، المرجع نفسه، ص 205.
31) زهرا رهنورد، "گفتگوى تمدنها"، مجلة "گفتمان"، العدد 3، ص 327.
32) احمد نقيب زاده،" گفتگوى تمدنها، عنوانى درست براى واقعيتى تاريخى"، ( = حوار الحضارت، عنوان صحيح لواقع تاريخي)، مجلة "گفتمان"، العدد 3، ص 243.
33) احمد نقيب زاده، المرجع نفسه، ص 243
34) احمد نقيب زاده، المرجع نفسه، ص 246.
35) احمد نقيب زاده، المرجع نفسه، ص 249.
36) محمد خاتمي، "المشهد الثقافي في إيران: مخاوف وآمال"، المرجع السابق، ص 154 – 155 و157 نقلاً عن: باكينام الشرقاوي، "حوار الحضارات من منظور إيراني"، ص 321.
* عن : عراق الأمل







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق