مفهوم الدولة في مدرسة النجف*
سياقات المفهوم وتحولاته في التاريخ القريب من الشيخ النائيني الى السيد السستاني
كتبه: د.عبدالجبار الرفاعي
حرر في: 2012/07/11
التعليقات: 0 - القراءات: 4960

سياقات المفهوم وتحولاته في التاريخ القريب من الشيخ النائيني الى السيد السستاني

د. عبدالجبار الرفاعي

تتناول ورقتي الاشارة الى (تحولات مفهوم الدولة في التاريخ القريب لمدرسة النجف). وأعني بالتحول هنا (مسار مفهوم الدولة، وصيرورته، ووتكوينه، ومجاله التداولي وما يشي به استعماله في الخطاب السياسي والايديولوجي والديني والثقافي، في التفكير الفقهي لمدرسة النجف).
أما التاريخ القريب؛ فينبسط على مدى القرن العشرين، ليستوعب بعض التاريخ الحديث، وكل الزمن المعاصر، بدءاً من 1906، أي منذ انطلاق حركة المشروطة وتبلور اتجاه؛ يتبنى المشروطة، يقوده الشيخ محمد كاظم الخراساني 1911، واتجاه مناهض للمشروطة يقوده السيد محمد كاظم اليزدي.
وأعني بـ(مدرسة النجف) المضمون الثقافي والمعرفي والفقهي والاجتماعي للحاضرة العلمية العريقة التي نشأت في النجف، بعد هجرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي من بغداد الى النجف سنة 448هـ، ثم تواصلت في الفترات التالية حتى اليوم، وان اضمحلت في بعض العصور، غير انها تواصلت في القرون الثلاثة الأخيرة.
فرضية هذه الورقة
تسعى هذه الورقة للتعرف على آفاق التفكير الفقهي في الدولة، وتخلص الى رؤية مفادها: ان التفكير في مفهوم الدولة ونظمها منذ مطلع القرن العشرين، حتى تمام النصف الأول من هذا القرن، كان خارج المدونة الفقهية، هذه هي المرحلة الأولى. وتبدأ المرحلة الثانية منذ مطلع الخمسينات "العقد السادس من القرن العشرين" فقد توغل التفكير في الدولة داخل اطار المدونة الفقهية، منذ ان كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين" نظام الحكم والادارة في الاسلام" سنة 1954، وصدر في بيروت 1955، ويتمحور الكتاب كما يصرح المؤلف للتدليل على إننا (في الاسلام نملك نظاما للحكم والادارة، هو نظام محكم في ظل سلطة دينية وزمنية معا). في هذا الكتاب يرفض الشيخ شمس الدين الديمقراطية (...فلا مشروعية للاسلوب الديمقراطي في اختيار الحاكم وشرعيته). لكن في مرحلة لاحقة، بعد ثلاثة عقود، يغادر التفكير بالدولة عند شمس الدين المدونة الفقهية.
وفي عام 1958/1959 كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر تصورات أولية لما أسماه بـ "الأسس"، وهي تسعة أسس، صاغ فيها مرتكزات الدولة الاسلامية، وأورد في الأول منها تعريفا لغويا واصطلاحيا للاسلام، وفي الثاني تقسيما للمسلم، وفي الثالث بيانا لمفهوم" الوطن الاسلامي"، وفي الرابع عالج "مفهوم الدولة الاسلامية"، وأي نوع هي من الدول، بعد أن صنف الدول الى ثلاثة أنواع، وفي الخامس دلل على ان الدولة الاسلامية هي دولة فكرية، والسادس شرح "شكل الحكم في الاسلام", والسابع تناول "تطبيق الشورى كشكل للحكم في ظروف الأمة الحاضرة"، ثم أوضح "الفرق بين أحكام الشريعة والتعاليم" في الأساس الثامن، وانتهى في الأساس التاسع الى "مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة".
في هذا النص يتكرر مصطلح "الدولة الاسلامية" بشكل ملفت للنظر، مثلما نلاحظ في الأساس الثالث الذي وجدنا فيه تكرارا لهذا المصطلح بين سطر وآخر أحيانا. مضافا الى مصطلح "الحكومة الاسلامية".
من هنا اندمج مفهوم الدولة في المدونة الفقهية، وبحث "الأسس" بالرغم من انه لايتجاوز 15 صفحات، لكنه مدون بإسلوب مدرسي منظم وميسر، يبتعد عن الغموض والمجاز والكنايات، ويعبر عن محتواه بنحو لا لبس فيه.
انبثق عن اندماج التفكير في الدولة في الموروث الفقهي، الدعوة لبناء النظم الاسلامية، في مجالات الدولة المختلفة (السياسي، الاداري، الاقتصادي، المالي، المصرفي، الحقوقي، الجنائي،...)، والدعوة لأسلمة المجتمع "مجتمعنا" والنظام المعرفي "فلسفتنا"، ، وصدرت مجموعة من المؤلفات، تتناول (نظام الحكم والادارة في الاسلام، النظام المالي وتداول الثروة في الاسلام، اقتصادنا، البنك اللاربوي في الاسلام،...).
وبعد مضي ثلاثة عقود تدخل مدرسة النجف بالتدريج في المرحلة الثالثة، عبر إجتراح مسار للتفكير بالدولة ونظمها يتجاوز المدونة الفقهية، فتصبح (الديمقراطية ... هي الحل الوحيد للمجتمعات الاسلامية). حسب محمد مهدي شمس الدين، وكأنه يتواصل مع النائيني في "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، الذي كان يفكر بمشروعية شعبية دستورية، ودولة غير منبثقة من الفقه.
التفكير السياسي لدى المسلمين يتشكل في فضاء الاستبداد:
إنّ شيوع الاستبداد وترسخه في مؤسسة الحكم،هو الذي قاد الكثير من المؤلفين لتسويغ جور الحاكم، وشرعنة طاعة الطاغوت، وتبرير جرائمه وموبقاته مهما كانت، إلى أن بلغ الحال بالبعض للقول بعدم جواز الخروج على الطاغية يزيد بن معاوية، مع اعترافه بأنّه كان إماماً فاسقا لأنّ ( الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل لا يجوز الخروج عليه، لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقع ا لهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، و… ) حسب زعمه.
ويمكن القول إن الاستبداد ظل على الدوام أشدّ العوامل تأثيراً في تفكير المسلمين السياسي، فما أنجزه هذا التفكير من أحكام وأفكار، كانت تصاغ في آفاق رؤية المستبد، وتتخذ من آراء المستبد وقناعاته مرجعية لها.
على هذا الضوء نستطيع أن نكتشف جذور الانقطاع، والتوقف، والانشطار، والتشوه، الذي اكتنف مسار الفكر السياسي الإسلامي، فإن هذا الفكر لم يطرق أبواب عدة موضوعات، أو أنه تجمّد عند الخطوة الأولى ولم يواصل تنمية البحث في موضوعات أخرى، مثلما نلاحظ في الفلسفة السياسية، فمنذ آثار الفارابي المتوفى سنة 339 هـ لا نعثر على مساهمات جادة في حقل الفلسفة السياسية. فإنه بالرغم من وفرة إنتاج الفلاسفة الإسلاميين، ممن جاءوا بعد الفارابي، غير أنهم لم يستأنفوا ما بدأه الفارابي، ولم يعملوا على إغناء وتطوير هذا الحقل في الفكر السياسي، ذلك أن الفيلسوف طالما تقاطع مع إرادة السلطان، واصطدم به، فكان لا بد أن يتّقيه، ولا يتعرض مباشرة لبيان طبيعة الدولة باعتبارها تنظيماً لجماعة، والتعرّف على نموذج بديل للاستبداد، يصلح كمعيار في تنظيم علاقة الحاكم بالمحكومين؛ لأن الفيلسوف يقوده منهجه في البحث بطبيعة الحال للجري وراء الحقيقة، بحسب أداء أدواته وأفكاره التي يستعين بها في البحث، ولذلك قد يتعذّر عليه ممالأة الطاغوت إذا ولج الفلسفة السياسية في بحثه، مما يدعوه إلى ترك الخوض في هذا المضمار،كي لايسخط السلطان.
ولم يقتصرأثر الاستبداد على انقطاع الفلسفة السياسية وتوقفها منذ الفارابي، وإنّما أدّى شيوع الاستبداد في الحياة السياسية إلى ضمور أو اندثار بعض الحقول الأساسية في الفكر السياسي الإسلامي، فمثلاً حين نراجع بواكير التراث السياسي، نجد بداية حركة التصنيف فيه تتمحور حول مسألة الإمامة وما في سياقها، ومحاججات الفرق ومساجلاتها الواسعة بشأنها، مضافاً إلى التصنيف في الخراج وتنظيم المنابع المالية للدولة، وما يرتبط بتدبير الملك والسياسة، وعدم تدخّل الجيش في الشؤون السلطانية، وكيفية الحفاظ على السلطان،وغير ذلك مما يتّصل بالآداب السلطانية، ورسوم ومراسم وبروتوكولات دارالسلطنة،وإدارة البيت السلطاني.
أمّا الفقه السياسي الذي يتناول شؤون المواطنة وحقوق الرعية، والأمن السياسي والاجتماعي، ونصيحة الحكام ومحاسبتهم، وأحكام المعارضة السياسية، فلا نعثر عليه إلاّ متخفياً في مساحة هامشية داخل تراثنا السياسي. ويبدو تأثير الاستبداد بوضوح في صياغة وتوجيه الفكر السياسي الإسلامي عند مراجعة وتقويم مشاغل هذا الفكر واهتماماته، وما غيَّبه وتناساه. فقد لبثت قضية العدالة منسية في المصنفات السياسية عدّة قرون،ولم يُصنَّف فيها بنحو مستقلّ حتى مطلع القرن الخامس الهجري، لما كتب الخطيب الاسكافي المتوفى سنة 420هـ رسالة صغيرة في ماهيّة العدالة .
في الحقبة التالية لم تأخذ قضية العدالة مكانتها المناسبة في التأليف، ولم يجر تعميقها وتطوير البحث فيها، مع ما لها من أهمّية بالغة ـ كمعيار قيمي ـ في إرساء بنية الحكم الإسلامي على أساس متين. وبالرغم من أن الاسلام اعتبر العدل معياراً لا يعلو عليه ولا يضاهيه معيار آخر، بحيث قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصف العدل (ان عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها) . وعد الامام علي عليه السلام (ملاك السياسة العدل) . كما أنه قرن بين العمران والتقدم والعدل، فحينما يعدل السلطان تبلغ الامة أهدافها وتزدهر مرافق حياتها، فيما (لا يكون العمران حيث يجور السلطان). جعل القرآن الكريم القسط والعدل روحاً كلية منبثة في سائر الاحكام والتشريعات (قل أمر ربي بالقسط) ، مما يعني ان تجريد أي حكم أو توجيه في الاسلام من ذلك يساوي تفريغه من مضمونه ومحتواه، واحالته الى قشور واهية تتقنع بقناع الاسلام ولكنها لا تنتسب اليه؛ لأن روح الاسلام هي القسط والعدل، وان العدل حاكم على كل تشريع أو قيمة اخلاقية. أي ان العدل ليس تابعاً ومعلولاً وانما يكون العدل متبوعاً وعلة، فحيثما تحقق العدل وجد الاسلام، وحسب تعبير الشيخ مرتضى مطهري تقع العدالة في سياق سلسلة علل الاحكام، لا في سلسلة المعلولات، فليس ما يقوله الدين هو العدل، بل حيثما يكون العدل ينطق به الدين. وهذا معنى كون العدالة معياراً للدين .
لكن التجربة السياسية في الحياة الاسلامية ارتكست في الظلم والجور، وشاعت في القصور السلطانية رسوم وبروتوكولات تسبغ على السلطان منزلة متعالية لا يُسأل فيها عما يفعل، ويتعامل مع الجماهير وكأنها قطيع من الاغنام.
أعاق استبداد السلطان الفكر السياسي الاسلامي من التطور، وتسبب في إحجام المؤلفين عن معالجة غير واحدة من قضاياه الأساسية، وابتعادهم عن حقوق الرعية، وتأكيدهم على حقّ السلطان في السمع والطاعة، وإنْ تعدّى حدود الله، وتجاوز ذلك إلى الشعراء والأدباء والعلماء، فابتلى الكثير منهم بالرياء والتزلّف للطاغية، وطبَعَ الفكر والأدب رغبات الحاكم ونزواته ومواقفه، حقّاً كانت أم باطلاً. يكتب أحد مؤرخي الأدب: "إن الأدب اتّجه معظمه في العصر العباسي إلى مشايعة رغبات القصر، يذمّ الشعراء من ذمّهم الخلفاء، ويمدحون من رضوا عنه، فإذا خرج محمد بن عبدالله على المنصور، هجاه ابن هرمة، وإذا رضي المعتصم عن الأفشين، فقصائد أبي تمّام تترى في مدحه، وإذا غضب عليه صلبه، فقصائد أبي تمّام أيضاً تقال في ذمّه وكفره. ويرضى الرشيد عن البرامكة فهم معدن الفضل، ويقتلهم فهم أهل الزندقة والشرك. وهكذا وقف الأدب أو أكثره يخدم الشهوات والأغراض" .
لكن هذا لا يعني عدم وجود نقاط مضيئة في التراث السياسي الإسلامي، إلاّ أنّ تجذّر الاستبداد واستمراره منع تلك النقاط من أن تشعّ وتتسع، فتنبسط على مساحات كبيرة، وتطبع الفكر السياسي برمّته بخصائصها.
أما المفاهيم والمقولات والآراء والأفكار السياسية ومايحيل الى التراث السياسي الاسلامي، فتارة نعثر عليه في مؤلفات الفلاسفة، عند بحثهم الحكمة العملية وماتشعب اليه من تدبير المجتمع وسياسة المدن، وأخرى نجده في مؤلفات المتكلمين مندرجاً ضمن مباحث الإمامة، وثالثة نراه في ثنايا تاريخ الاسلام السياسي، لاسيما في مواقف العلماء مع السلاطين والحكام. بيد ان الحقل الأهم الذي انتظمت في إطاره تلك المباحث هو الفقه، خصوصا أبواب: الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلاة الجمعة، والخمس، والقضاء، والحدود، وماأُلف بموازاة ذلك من أعمال مستقلة تمحورت حول النظام السياسي أو النظام المالي للدولة الاسلامية، مثلما نلاحظ في مسألة الخراج، فقد ألّف القاضي أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم المتوفى سنة 192هـ، كتابا بعنوان "الخراج"، يُعتبر أقدم المدونات الواصلة الينا في هذا الموضوع، تعرض فيه لفقه أموال الدولة الاسلامية، والى جانب موضوعه الأساسي تحدث عن: الجنايات والعقاب عليها، والحكم على المرتد، وقتال أهل الشرك والبغي، وأرزاق القضاة والعمال. وكان موضوع "الخراج"عنوانا لكتاب آخر، أنجزه فقيه عاصر القاضي أبا يوسف، هو يحيى بن آدم القرشي المتوفى سنة 204هـ.. وفي الحقبة نفسها كتب أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224هـ كتابه المعروف "الأموال".
وكان الفقيه محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ، قد أفرد مؤلفا للعلاقات الدولية ونظام الحرب في الاسلام بعنوان "السير الكبير"، الذي شرحه الفقيه الحنفي السرخسي، وردّ عليه القاضي أبو يوسف في مؤلف بعنوان "الرد على سير الأوزاعي".
وبعد قرنين من هذا التاريخ تطور البحث الفقهي في مسائل الإمامة والسياسة، وجرى توسع في مؤلفات عولجت فيها تلك المسائل بشمول، فظهر أكثر من كتاب بعنوان "الأحكام السلطانية"، أحدها للقاضي أبي الحسن الماوردي المتوفى سنة 450هـ، والآخر للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء المتوفى سنة 458هـ.
هذه إشارة لقصة ولادة الفقه السياسي السني، أما في مدرسة أهل البيت فقد تأخر ظهور الفقه السياسي قرونا عديدة، بل ان التدوين المستقل في ذلك لم يتبلور الاّ في فترة متأخرة، وان توفرت بعض المصنفات الفقهية السابقة على أبواب وفصول لأحكام متناثرة في الفقه السياسي، مثلما نرى في كتاب "المبسوط" للشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ، الذي أفرد أبوابا مستقلة لأحكام البغاة والمرتدين، وأهل الذمة والجزية.كذلك دُرست مسألة الإمامة على نطاق واسع لدى متكلمي الإمامية منذ عدة قرون. الاّ انه بسبب الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة التي عاشها فقهاء الإمامية، وماتعرضوا له من إقصاء عن مواقع الحكم والإدارة، انخفض حضور الفقه السياسي والاجتماعي في مدونات الفقه الجعفري، وهيمنت النزعة الفردية التي تعنى بمعالجة قضايا السلوك الخاص على هذا الفقه حتى القرن العاشر الهجري. وبعد هذا التاريخ أي منذ قيام الدولة الصفوية في ايران، وتفاعل بعض الفقهاء مع مؤسسة السلطة وقتئذ، جرى إسناد بعض شؤون الدولة لهم، واعتمادهم كمستشارين للسلطان أحيانا، من هنا برزت لديهم بالتدريج مشكلات سياسية واجتماعية أفرزهما حضورهم في داخل مؤسسة الحكم، فكتبوا بعض الرسائل المستقلة في "الخراج" و "صلاة الجمعة"، كما ظهرت لديهم فيما بعد، أي في القرن الثالث عشر بعض الرسائل في "الجهاد".
ويعود تاريخ النواة الجنينية الأولى للقول بولاية الفقيه لهذا العصر، حين كان المحقق الكركي المتوفي سنة 940هـ أول من صرح، بأن الفقيه منصوب من قبل الأئمة في عصر الغيبة، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه من مدخل، بالاستناد الى مقبولة عمر بن حنظلة. فقد ذكر (ان الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه من مدخل ـ وربما استثنى الأصحاب القتل والحدود مطلقا ـ فيجب التحاكم اليه والانقياد الى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحق ان احتيج اليه، ويلي أموال الغياب والأطفال والسفهاء والمفلسين، ويتصرف على المحجور عليهم، الى آخر مايثبت للحاكم المنصوب من قبل الامام. والأصل فيه مارواه الشيخ في التهذيب بإسناد الى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد أنه قال:"انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حَكَما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فانما بحكم الله استخف وعلينا رد، وهو راد على الله، وهو على حد الشرك بالله، واذا اختلفا فالحكم ماحكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما" وفي معناه أحاديث كثيرة... والمقصود من هذا الحديث هنا: ان الفقيه الموصوف بالأوصاف المعينة، منصوب من قبل أئمتنا، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه من مدخل بمقتضى قوله: "فاني قد جعلته عليكم حاكما" وهذه استنابة على وجه كلي) .
كذلك أشار المحقق الكركي الى ان الفقيه المستجمع لشرائط الفتوى والحكم هو النائب العام للمعصوم في عصر الغيبة،في كتابه "جامع المقاصد" عند الحديث عن الوصية بالولاية قائلا: (لايخفى ان الولاية بالأصالة على الطفل ثابتة لأبيه ثم لجده الأدنى، ثم من يليه وهكذا. ولا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب، فمع عدم الأب والجد فوصي الأب، فإن فقد فوصي الجد، ومع عدم الجميع فالحاكم. والمراد به الامام المعصوم أو نائبه الخاص، وفي زمان الغيبة النائب العام، وهو المستجمع لشرائط الفتوى والحكم. وانما سُمي نائبا عاما لأنه منصوب على وجه كلي بقولهم: "انظروا الى من كان منكم" الحديث .... ولايخفى ان الحاكم حيث أُطلق لايراد به الاّ الفقيه الجامع للشرائط).
ولم تكن الدولة الاسلامية أو الحكومة الاسلامية مفكرا فيها، في الرؤية الفقهية للكركي، حسبما يفكر فيها الاسلاميون منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ وانما كان بصدد اسباغ المشروعية على السلطنة الصفوية، وتسويغ سلوك الشاه طهماسب (ت 984هـ/1576م)، وامضائه باعتباره يمتلك الحق الالهي الممنوح له لنيابته عن الامام؛ فيفيض هذا الحق على السلطان وينصبه حاكما. وهو موقف رفضه أبرز فقهاء عصره كالشيخ ابراهيم القطيفي الذي وجه نقدا صريحا للكركي، وعاب عليه قبوله لهدايا السلاطين الصفويين، مما اضطر الأخير للرد عليه برسالته الموسومة "قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج" دلل فيها على صحة سلوكه، فرد عليه القطيفي رسالة أسماها "السراج الوهاج في دفع قاطعة اللجاج". ودعم بعض الفقهاء المعاصرين موقف القطيفي؛ فكتب المقدس الأردبيلي رسالة في هذا الموضوع، وكذلك الشيباني، واشتهرت هذه المجموعة من الرسائل بـ "الخراجيات".
وكان الشيخ جعفر الجناجي (1154ـ1228هـ) والذي اشتهر فيما بعد بكاشف الغطاء، نسبة الى كتابه المعروف "كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء" من أبرز الفقهاء الذين أسسوا للمرجعية الدينية في النجف، وفي سياق حديثه عن الجهاد عندما تعرضت ايران للغزو الروسي في العهد القاجاري وطلب منه الشاه القاجاري سنة 1223هـ تأييده في مقاومة الروس، فوض المجتهدين القيام بالجهاد الدفاعي في حالة غيبة الامام، ونص على وجوب (طاعة الناس لهم، من خالفهم فقد خالف امامهم). وذهب الى (ان الفقيه الجامع للشرائط قائم ـ حقيقة ـ مقام الامام، ليس في الشرعيات والامور الحسبية فقط، بل في سائر الأمور، من ادارة البلاد والعباد الى الحرب والجهاد، الى الولاية على المال العام، وبالتالي فانه يتحدث هنا عن الفقيه باعتباره الوالي بالأصل، وان السلطان تالٍ له، ومستمد شرعيته من إذنه).
ثم جاء من بعده أحمد النراقي المتوفى سنة 1245هـ؛ فأفرد بحثا مستوعبا في كتابه "عوائد الأيام" (في بيان ولاية الحاكم وماله فيه الولاية على ماجاء في الأخبار) ، ويمكن القول أن هذا الفقيه هو أول من صاغ بشكل واضح الوظيفة السياسية للفقهاء في عصر الغيبة.
منذ عصر الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ؛ دأب فقهاء الامامية على بحث مسألة الولاية العامة للفقهاء في باب البيع من مؤلفاتهم الفقهية، ومكث الفقهاء عقودا متوالية يبحثون هذه المسألة من منظور فردي لايعاين متطلبات ادارة الدولة ومؤسساتها، لذلك لانلاحظ فقيها في تلك الفترة حاول أن يقدم صياغة نظرية فقهية محددة المعالم، تكشف عن الأبعاد السياسية والاجتماعية لولاية الفقيه في عصر الغيبة، وظل بحثهم يجول في مدارات الإشكالات والردود، من دون ان يتخطى ذلك ويتسلح برؤية بنّاءة تنبثق عنها رؤية فقهية لصياغة الدولة ونظمها. كما لم يتجذر القول بولاية الفقيه، وانما تمسك الفقهاء بنقد أدلتها، وعدم التسليم بها.
في القرن الثالث عشر الهجري تناول الشيخ مرتضى الأنصاري "مناصب الفقيه" في كتابه "المكاسب" في سياق بحثه لمسألة "أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف في ماله الحاكم". وأوضح ان للفقيه الجامع للشرائط مناصب ثلاثة، هي: الافتاء، والحكومة أي القضاء، وولايته التصرف في الأموال والأنفس، وبعد ان استعرض مجموعة من آيات القرآن والروايات المنقولة عن النبي وأهل البيت، التي يستدل بها في المقام وناقشها، ثم خلص في خاتمة البحث الى القول: "وبالجملة؛ فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالامام إلاّ ماخرج بالدليل دونه خرط القتاد". وفي تعليقاته على هذه المسألة من كتاب المكاسب يشدد الشيخ محمد كاظم الخراساني 1255ـ 1329هـ على ان ثبوت الولاية للفقيه في عصر الغيبة محل اشكال، ويناقش أبرز الأدلة على ثبوت الولاية للفقيه ولايقبل أياً منها، وينتهي الى ما انتهى اليه الأنصاري في نفي الولاية المطلقة للفقيه.
ربما يعود هذا الموقف الى ترسخ مفهوم في الذهنية الفقهية منذ بداية عصر الغيبة، يبتني على انعدام الدليل على تكليف الفقهاء بالولاية والامارة، يكتب الشريف المرتضى، وهو من أعلام القرن الخامس الهجري: (ليس علينا إقامة الأمراء، اذا كان الامام مغلوبا، كما لايجب علينا إقامة الامام في الأصل... ليس إقامة الامام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته، ولا نحن مخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذم تبضيعها). وعلى طول التاريخ لانلتقي بجهود تهدف الى اسقاط السلاطين ودولهم، أو تدعو لذلك من الفقهاء، من أجل بناء دولة تجسد روح الشريعة وتطبق أحكام الاسلام، بالرغم من اجماع الفقهاء على غصبية إمارة التغلب.
حتى نهاية القرن التاسع عشر، لانعثر على أية دعوة أو محاولة لإقامة دولة اسلامية بديلة للملكية القاجارية؛ ففي 28 رجب 1308هـ(مارس 1891) وقع الشاه ناصر الدين امتياز احتكار تجارة التبغ الايراني لمدة خمسين عاما، مع شركة الميجر تالبوت، مقابل 25 ألف جنيه تدفع للشاه، و15 الفا للصدر الأعظم أمين السلطان، إضافة الى رسم سنوي يبلغ 15 ألف جنيه، وحصة من أرباح الشركة تصل الى 25 بالمائة.
اثر تدشين الشركة لعملها في ايران، فرضت هيمنتها على كل مايتصل بزراعة وتجارة التبوغ، وتعسفت في فرض أسعار متدنية جدا، مما أدى الى اندلاع انتفاضة قادها بعض العلماء في شيراز واصفهان وطهران، وحدثت مواجهات حادة بين المنتفضين وقوات الشاه؛ فلجأ العلماء للمرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء واستغاثوا به؛ فأصدر فتواه الشهيرة: (اليوم استعمال التبغ والتنباك بأي نحو كان، في حكم محاربة إمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه. حرره الأقل: محمد حسن الحسيني). وقد وزع من الرسالة 100 ألف نسخة في العاصمة طهران وغيرها، في أوائل جمادي الثانية 1308هـ (أوائل ديسمبر 1891م). وأدت الفتوى الى انهيار امتياز الشركة البريطانية وانسحابها من ايران.
ما أود أن أخلص له، ان المرجعية لم ترفع شعارا للقضاء على السلطنة القاجارية، ولم تنطلق أية دعوة لاستبعاد الشاه أو استبداله بسواه، بل ان رسائل المرجع محمد حسن الشيرازي الى ناصر الدين قبل صدور فتواه، التي تضمنت معارضته والعلماء لامتياز شركة التبغ، لم تغفل عبارات الثناء والمجاملة، ولم تشر الى اعتزامهم خلعه عن العرش. وتوضح الرسائل بأن الميرزا كان يفضل ان يستجيب الشاه ويلغي امتياز الشركة، كيما لايضطر لاصدار فتواه. ولم تستثمر هذه الفتوى ويستغل الفقهاء آثارها السياسية والاجتماعية في المضي لإقامة حكومة أخرى غير السلطنة القاجارية، مع ان الشاه كان في حالة استسلام وضعف وانهيار شامل لسلطاته.
هكذا اقتصرت الدعوة في مرحلة لاحقة على وضع دستور، وتقييد سلطة الشاه المطلقة، في حركة المشروطة مطلع القرن العشرين، من دون ان تتجاوز ذلك الى إلغاء السلطنة، وإشادة دولة تتأسس على مرجعية الفقه. وتكشف رسائل وجهها آية الله محمد الطباطبائي أبرز قادة المشروطة في بداياتها، عن ان الدستوريين لا ينشدون القضاء على الدولة، كتب الى الشاه مظفر الدين: (... يستحيل أن نكون من مريدي السوء للحكومة، ليس من المعقول ان يكون الداعي بالخير ساكتا عن هذه الأخطار، وساعيا لتدمير الدولة). وجاء في رسالة اخرى له:(...اصلاح جميع المفاسد منحصر بتأسيس المجلس، واتحاد الأمة مع الدولة، ورجال الحكم مع العلماء... الاصلاح آت عما قريب، لكنا نريده على يد ملكنا وزعيمنا، لا على يد الروس والعثمانيين والانجليز...).
من أجل التعرف على تطور فكرة الدولة وتقلباتها في النجف، نتحدث بإيجاز عن مراحل ثلاث تحركت فيها، وهي:
المرحلة الأولى: الدعوة للدستور في مدرسة النجف:
تحول التفكير في المفاهيم يرتبط عضويا بالسياقات الثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والسسيولوجية السائدة في كل مجتمع من المجتمعات البشرية، ومدرسة النجف ظلت ومازالت أهم حاضنة للاهوت والفقه الشيعي، وعادة ما كان الشيعة خارج مؤسسة السلطة في دولة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة العثمانية، وطالما تعرض فقهاؤهم للمراقبة والاضطهاد والقمع، خشية ثوراتهم ومعارضتهم للخلفاء والسلاطين، فاضطروا للابتعاد عن التفكير الفقهي بالدولة ونظمها. وانتظم الفقه في الحوزات العلمية في المجال الفردي الشخصي، ولم يتجاوزه الى مجال الحكومة والسلطة وتنظيمات الدولة.
بموازاة ذلك تبلور موقف لاهوتي فقهي يسلب المشروعية عن أية دولة في عصر غيبة الامام المهدي وهو الامام الثاني عشر، ويصفها بـ (بدولة الضلال).
لم تتقلص المسافة بين بعض الفقهاء والسلطان الاّ في العصر الصفوي، حينما احتاج السلطان الى الفقيه ليخلع المشروعية على دولته. لكن مدرسة النجف مكثت بمنأى عن ذلك. وفي العصور التالية ابتعد نادر شاه عن الفقهاء، لكن مع السلطنة القاجارية حرص بعض ملوكهم على تجسير العلاقة مع المرجعية الدينية، والحصول على دعمها، خاصة في صراعهم المستمر مع الروس، وحاجتهم الماسة الى تعبئة المجتمع وحثه على القتال، عبر فتاوى الجهاد.
في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الدعوة الى الدستور للمرة الأولى في الدولة العثمانية، عندما (سعى مدحت باشا، مع جماعة من زملائه المفكرين الى تحقيق هذه الفكرة، واستطاع ـ في آخر الأمر ـ أن يحمل السلطان عبد الحميد الثاني على إصدار القانون الأساسي، عقب توليه العرش، بعد خلع السلطان عبد العزيز، والسلطان مراد) ؛ فصدر الدستور سنة 1876م، وتأسس البرلمان الذي عرف بـ(مجلس المبعوثان) غير ان السلطان عبد الحميد لم يسمح له بالاستمرار في دورته الثانية؛ (فأصدرفي 13 شباط 1878م فرمانا بحل المجلس، وإلغاء الدستور. وفي اليوم الثاني أمر بإخراج النواب البارزين من اسطنبول، وإعادتهم الى ولاياتهم، ومنذ ذلك الحين أخذ عبد الحميد يحكم الدولة على طريقته الاستبدادية، التي اشتهر بها واشتهرت به) . وأقفل مجلس المبعوثان أبوابه لمدة ثلاثين عاما؛ فمنذ تعطيله سنة 1878 لم يفتح ثانية الاّ في عام 1908.
تسرب الوعي الدستوري الى بعض النخب في ولايات الدولة العثمانية، وكانت الحوزة العلمية في النجف تتجاوب مع المنعطفات السياسية الكبرى، ويتفاعل بعض تلامذتها وفقهاؤها مع الاصوات المنادية بالاصلاح السياسي، خاصة بعد وفاة الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء عام 1312هـ/ 1895م، عندما عاد طلابه الى النجف ثانية، ذلك ان الحوزة العلمية فيها لم تفتقد مركزيتها بهجرة الميرزا الشيرازي الى سامراء، وتصدى للمرجعية اثنان من تلامذته بعد غيابه، هما: محمد كاظم المعروف بالآخوند الخراساني (ت1329 هـ /1911م)، ومحمد كاظم اليزدي (ت1337هـ/ 1919م). وقد ازدهرت الحوزة العلمية في النجف في هذه الفترة بتوافد الطلاب الشيعة لها من ايران والهند وأفغانستان ولبنان وسوريا.
كان للمناخات الفكرية في عصر المشروطة 1906ــ 1911 تأثير حاسم على التفكير في مدرسة النجف في قضايا المشروعية السياسية، والدستور، والبرلمان، والاستبداد، وتداول السلطة، والانتخابات، وحدود تدخل الفقيه في الدولة، ونمط الدولة في عصر الغيبة، وحقل الفقه في الدولة، وهل الدولة مقولة وضعية أم دينية؟ وغير ذلك من الاستفهامات الحائرة، والأسئلة القلقة، التي أوقدت التفكير في هذه القضايا، وقادته للانخراط في مجال لم يتسع البحث فيه من قبل الحوزة العلمية، بنحو هيمنت تلك الاستفهامات على الفضاء المعرفي في النجف، وتعاطى الفقهاء وتلامذتهم الحديث والنقاش في ذلك.
وطالما طغت الجداليات السياسية والفكرية في ايران على مشاغل الطلاب واهتماماتهم، لوثوق العلاقة بين المرجعية الدينية في النجف والمجتمع الايراني، والارتباط العضوي للمقلدين الايرانيين بفقهاء النجف، وتجاوب هؤلاء الفقهاء مع التطورات السياسية والاجتماعية في ايران.
استفاق وعي النخبة الايرانية في هذه المرحلة على ان غياب القانون وشيوع الاستبداد والملكية المطلقة غير المقيدة بدستور، هو منبع التخلف والانحطاط الذي يرزح في أغلاله المجتمع الايراني.
وسادت كتابات الايرانيين في هذه المرحلة مصطلحات: الحكومة القانونية او الدستورية "حكومت قانوني"، والحرية "حريت"، والنظام البرلماني "نظام برلماني"، "دار الشورى "مشورت خانه"، او"هاوس كامن". house ommon وانعكست اصداء هذه الكتابات على لسان الوعاظ وخطباء المنابر، ممن يواظبون على تحريض مستمعيهم، وتعبئتهم لمناهضة الاستبداد، عبر المناداة بدولة القانون، ورفع الشعارات المطالبة بالدستور، وتكرارها في كل مناسبة. ويمكننا ملاحظة مدى الاصرار على هذه المسألة والتأكيد عليها، حين نطلع على نموذج لهذه الخطابات الموجهة من على المنبر للجمهور، فمثلا يدعو جمال الدين الاصفهاني، احد الخطباء المعروفين في ذلك الزمان، الناس بقوله: (ايها الناس: ليس بوسعنا بناء بلدنا من دون التمسك بالقانون، ومن دون التعرف على القانون، ومن دون حفظ القانون، ومن دون احترام القانون، ومن دون تنفيذ القانون، القانون ثم القانون. لابد من تعليم القانون للأطفال في الكتاتيب والمدارس منذ الصغر، ويجب تفهيمهم ان ليس هناك معصية في الدين والشريعة اعظم من مخالفة القانون.....).
استوعب الوعي الدستوري الايراني مجموعة تشريعات وقوانين ولوائح حقوقية فرنسية وعثمانية وعربية، واهتم بنقلها من لغاتها الأصلية الى الفارسية، كما لاحق الكتابات الجادة في تشريح الاستبداد وتفكيكه، وترجمها وروج لها، مثل كتاب عبد الرحمن الكواكبي" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، بعد مدة وجيزة من صدوره، ومن قبله ترجم مستشار الدولة لائحة حقوق الانسان من الفرنسية، وترجم ميرزا حسين خان سبهسالار دستور مدحت باشا العثماني الى الفارسية ايضا.
ساهمت أنشطة ومساعي وكتابات النخبة الفاعلة بإيجاد أرضية واسعة للوعي الدستوري في المجتمع الايراني، بعد ان جعلت مناهضة الاستبداد وتدوين الدستور من اهم أولوياتها، وكرست مختلف الجهود لإشاعة هذه الثقافة وتعميمها، بنحو لم تعد ثقافة خاصة بالنخبة، وانما امتلكها الوعي الشعبي، وصارت القضية المطلبية الأولى في حياة المواطن الايراني. ووجد جماعة من الفقهاء ان الظروف الاجتماعية والسياسية ممهدة لإرغام الملكية المستبدة على تحديد سلطاتها وتقييدها في اطار قانون أساسي، يستمد مشروعيته من الشعب، ويخضع بموجبه الملك لإرادة الأمة، ولايختصر كل شئ بشخصه. تتألف هذه الجماعة من ثلاثة مجتهدين معروفين من طهران، وهم: فضل الله النوري، (1835-1909)، الذي قضى فيما بعد مصلوبا، بعد أن تحول الى موقع مناهض لهذه الحركة، لاعتقاده بأن المشروطة على الضد من الشريعة الاسلامية، ومحمد الطباطبائي، وعبد الله البهبهاني.
اما في الحوزة العلمية في النجف؛ فجرى اصطفاف آخر، اذ انشطر موقف المرجعية؛ فتبنى محمد كاظم الخراساني، وتبعا له تلميذه محمد حسين النائيني، وغيرهما، موقفا مؤيدا وداعما للمشروطة، فيما ذهب محمد كاظم اليزدي الى تأييد فضل الله النوري، ومن اصطف معه، في مناهضة المشروطة. وتضاربت الآراء والفتاوي في الموقف من المشروطة، ففي الوقت الذي ينص احد الفقهاء في فتواه، على ان (المشروطة كفر، والمطالب بالمشروطة كافر. ماله مباح، ودمه مهدور). يكتب الآخوند الخراساني، وعبد الله المازندراني، والميرزا حسين بن الميرزا خليل في فتواهم: (نعلن حكم الله الى كافة الشعب الايراني، ان بذل الجهد هذا اليوم لإقرار المشروطة، هو بمثابة الجهاد تحت راية صاحب الزمان، أرواحنا فداه. وأدنى معارضة او تهاون في ذلك، انما هو كمحاربته وخذلانه. اعاذ الله المسلمين من ذلك، انشاء الله).
تؤشر لحظة المشروطة الى منعطف حاد في تحديث النظام السياسي عند المسلمين، وتبلور مرتكزات محورية لمفهوم الدولة المدنية، عبر توظيف شيء من المكتسبات الحديثة في الحريات والحقوق والتداول السلمي للسلطة.
وقاد التكفير المتبادل بين الفريقين الى استثمار جميع مكونات الذاكرة الدينية والقومية للمجتمع الايراني في تعبئة الجمهور، ومحاولات اجتراح تفسيرات وتبريرات تستند الى الكتاب والسنة والسيرة والتراث، من اجل تشكيل رؤية واضحة لموقف كل فريق.
ومثلما سادت الدعوة لتقنين عمل السلطة، ونادى بها معظم النخبة قبل المشروطة، الى ان امتد التثقيف عليها الى عامة المجتمع، انقسم الناس تبعا للإنقسام في مواقف الفقهاء حيال المشروطة سنة 1906، وباتت قضية المشروطة هاجسا نخبويا وجماهيريا شاملا، انخرطت النخبة المدنية والدينية في الكتابة والخطابة والحديث عنه، اثباتا أو نفيا. وصدرت الكثير من المنشورات والرسائل والمقالات والكتب والمطبوعات المتنوعة لمعالجة هذه القضية. يمكن القول ان أخطر رسالتين صدرتا خلال هذه الضجة، وعبرتا بوضوح لالبس فيه عن الموقف المندد والرافض، والموقف المؤيد للمشروطة، هما: "تذكرة الجاهل وإرشاد الغافل" المنسوبة لفضل الله النوري، المطبوعة سنة 1908 اي قبل اعدامه بسنة، و"تنبيه الأمة وتنزيه الملة" لمحمد حسين النائيني، المطبوعة سنة 1909. ويبدو من عنوان الأخير لرسالته، انه يشير الى عنوان الرسالة الاخرى، وينفي حكمها على دعاة المشروطة ومؤيديها، باعتبارهم "جاهلين....غافلين". ويصرح كاتب هذه الرسالة في رسالته بنبذ الدعوة للمساواة بين المواطنين، ويستخدم لغة حادة، مشبعة بالاتهام، والأحكام القاسية، في التدوين. فمثلا يقول (ياعديم الشرف، ياعديم الضمير! صاحب الشريعة منحك شرفا وامتيازا، لأنك انتحلت الاسلام، وانت تسلب هذه الميزة عن نفسك، وتقول: يجب ان نكون متساوين، مع المجوس والأرمن واليهود، ألا لعنة الله على من لا يعرف قدره) . ولم تنتشر بنحو واسع رسالة النوري، ولم يمتد حضورها خارج زمانها، بينما اشتهرت رسالة النائيني "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" وتنوعت الإحالات المرجعية عليها، وأصبحت من أهم النصوص المؤسسة في الفكر السياسي الاسلامي الحديث. وكتب عنها وتداولها مجموعة من الباحثين والدارسين بالفارسية والعربية وغيرهما. وربما يعود ذلك الى الاسلوب الاستدلالي الذي انتهجه النائيني في بيان آرائه، ومناقشة الآراء التي يختلف معها، وابتعاده عن الأحكام المتسرعة والقاسية حيال الآخرين، واستيعابه لثقافة عصره، فيما يتصل بأثر الاستبداد والحكومات الشمولية في انحطاط البلدان، ورؤيته المدنية للدولة، وقيام نظمها وتدبيراتها على ماراكمته الخبرة البشرية، والتفكير خارج المدونة الفقهية في قضايا الدستور، وضرورة وجود برلمان، وانتخابات برلمانية، وبيان مهام البرلمان في صياغة القوانين، والحرية، والمساواة بين المواطنين، والعدل. يتلخص مفهوم المشروطة في تشكيل الحكومة على اساس دستور، ونظام برلماني، وتقييد سلطات الحاكم في اطار القانون. وكان الكاتب العثماني نامق كمال من اوائل من استخدم، تعبيرات الدولة المشروطة" دولت مشروطه" والإدارة المشروطة "اداره مشروطه" في كتاباته في القرن التاسع عشر، وهو يعني بذلك الحكومة الدستورية غير المستبدة. وكانت مثل هذه الحكومة توصف لدى الكتاب العثمانيين في ذلك العصر، بتوصيفات من قبيل: " مقيدة" و"معتدلة" و"محدودة". والقيد بمعنى الشرط، والمحدود هو المؤطر بحدود، أي بشروط. ويعتقد عبد الهادي الحائري ان هذه الكلمة وفدت من التركية، وأول من استخدم مصطلح المشروطة باللغة الفارسية، هو ميرزا حسين خان سبهسالار سنة 1868 حين كان سفيرا لايران في الامبراطورية العثمانية، اذ وردت هذه الكلمة في بعض التقارير التى أعدها ساعتئذ.
مع ان النائيني يعتبر الحكومة وادارة الدولة من مهام الإمام المعصوم بحسب المنطق الكلامي، إلا أنه يرى أن إدارة شؤون المجتمع المسلم، وتحقيق مصالحه، والدفاع عن حقوقه، مما لا مفر منه في زمن الغيبة، فحتى لو كانت هذه الحكومة تعد غاصبة لأمر يختص بالمعصوم، لكن كثير من أغراض وأحكام ومقاصد الشرع يتوقف على وجودها... قال: (وغاية ما يمكن إيجاده ونهاية ما يتصور اطراده كبديل بشري طبيعي عن تلك العصمة العاصمة، ـ حتى مع مغصوبية المقام، هو حل بمثابة المجاز عن تلك الحقيقة وظل لتلك الصورة) ، وقد وضع شرطين لشرعية هذه (الحكومة/السلطة) الإسلامية، هما عبارة عن :
1-صياغة دستور يتضمن (تعريفا وافيا يحدد طبيعة السلطة، وأغراضها، وواجباتها، وكيفية ممارستها، كما يميز المصالح السياسية التي يجب على الحكومة العمل لإقامتها وحفظها، من المصالح الخاصة التي لا يحق لها التدخل فيها، كما يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرف حقوق الشعب وحرياته، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، بإعتبارها موافقة لمقتضيات الدين). ويسوق النائيني توصيفا للدستور، يشبهه بالرسالة العملية، وهي الكتاب الفقهي الإرشادي الذي يؤلفه المرجع في الحوزة العلمية لتأطير وتوجيه السلوك الشخصي والحياتي لاتباعه، ذلك ان الدستور( يعتبر في بابه بمنزلة الرسالة العملية، التي يطرحها الفقيه لمقلديه، فيعرض من خلالها فتاواه الخاصة في أبواب العبادات والمعاملات، بإعتبارها واجبة على المقلد.ان الأساس في حفظ حدود السلطة هو الإلتزام بإحكام الدستور، والحذر من تخطيها،كما هو الشأن في الرسالة العملية بالنسبة للمكلف العادي)، مما يوحي الى انه يميز بين الدستور والرسالة العملية الفقهية، خلافا لما نص عليه، بعد نصف قرن من هذا التاريخ، السيد الشهيد محمد باقر الصدر، في الأساس الثامن من الأسس التسعة التي صاغها عام 1959 كمؤشرات أساسية لنمط الدولة الذي يبشر به حزب الدعوة الإسلامية، قائلا : (ان اصطلاح((الدستور الاسلامي)) حينما يطلق على الشريعة المقدسة هو أوسع من المصطلح المتعارف للدستور،لأنه يشمل كافة احكام الشريعة الخالدة،حيث تعتبر بمجموعها احكاما دستورية). 2- إحكام المراقبة والمحاسبة على الحاكم، من خلال جميع أفراد المجتمع المسلم، ومن خلال إيجاد مجلس أو هيئة، (ويعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العلمية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني...يلزم ان يكون أعضاء الهيئات الرقابية، مثل مجلس الشورى، مسؤولين أمام الشعب عن أعمالهم)، وظيفتها الحيلولة دون حصول أي تجاوز أو تفريط من قبل الحاكم في سلطته وواجباته ومنع تحولها إلى ملوكية. هذه الهيئة (المسدِّدة) بحسب تعبيره تحل (محل العصمة، بدرجة ما) التي افتقدها المعتقد الإمامي بسبب غيبة الإمام المعصوم. هكذا تنخرط مرجعية النجف في رهانات الدستور وترسم الرؤية السياسية للنائيني إطارا بديلا للسلطة، يحدد الملكية ويقيد صلاحياتها المطلقة، ولايسمح لها التعسف في السلطة. ومالبثت رسالة النائيني ((تنبيه الأمة وتنزيه الملة)) التي دونها في النجف، أن تحولت الى نص محوري في جدل الدين والدولة في ايران الحديثة والمعاصرة.
لكن هذا الانتاج الفكري، مكث يناقش مشروعية الدستور نفيا واثباتا، من دون ان يؤطر الدولة تأطيرا فقهيا. انه تفكير بالدولة من خارج الفقه، وليس تفكيرا بالدولة من داخل الفقه، بمعنى ان الاطلاع على الآراء والمحاججات والمفاهيم المبثوثة في تلك الكتابات تحيل الى ان الدولة مفهوم بشري عقلائي عرفي أو قل وضعي، شريطة الاّ يتنافى مع الشريعة فيما هو منصوص عليه، بمعنى ان المرتكز في الذهنية الفقهية هو التمييز بين القضايا الدينية الشرعية، والقضايا السياسية، وهي من الامور العرفية العقلائية، خارج مجال الفقه وإطاره. حتى ان أبرز نص سياسي ظهر في النجف مطلع القرن العشرين في عصر المشروطة، وهو"تنبيه الأمة وتنزيه الملة" للميرزا محمد حسين النائيني، تخطى المقاربة الفقهية الخاصة، وتوكأ على استدلالات عقلائية وعرفية واجتماعية وسياسية، بل ان الفقهاء الذين أحالوا اليها في كتاباتهم، لايتعاطون معها كنص فقهي، بمن فيهم تلامذته، وممن ألفوا في ولاية الفقيه والفقه السياسي في فترة لاحقة.
ويشير محمد اسماعيل المحلاتي المعاصر للنائيني الى ان حكم الفقيه لم يكن مطروحا للنقاش، فلم يسأل أحد عن ذلك، ولم يتحدث فقيه عنه، ما كان موردا للسؤال هو الاستبداد، ومشروعية تحديد السلطة وتقييدها بدستور يحد منها، ويعطي الشعب حقا في الرقابة عليها.
وينفي الشيخ محمد حسين الغروي الاصفهاني(ت 1361هـ)، وهو من أبرز الفقهاء والاصوليين والحكماء في الحوزة العلمية في النجف في النصف الأول من القرن العشرين، ان تمنح درجة الاجتهاد والتفقه في الشريعة تأهيلا خاصا للقيادة والرئاسة وتنظيم البلاد وإدارتها، ذلك ان (الفقيه بما هو فقيه، أهل النظر في مرحلة الاستنباط، دون الامور المتعلقة بتنظيم البلاد، وحفظ الثغور وتدبير شؤون الدفاع والجهاد، وأمثال ذلك، فلا معنى لإيكال هذه الامور للفقيه بما هو فقيه، وانما فوض أمرها الى الامام عليه السلام،لأنه عندنا أعلم الناس بجميع السياسات و الأحكام، فلا يقاس بغيره ممن ليس كذلك).
المرحلة الثانية: التفكير بالدولة داخل المدونة الفقهية في مدرسة النجف:
في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الشيخ محمد مهدي الخالصي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد الشهيد محمد باقر الصدر، ينتقل التفكير بالدولة الى المدونة الفقهية، ولا يقتصر التبرير الفقهي على مشروعية تدوين الدستور، وانما يتمدد ويتسع، بنحو لاتكتسب معه الدولة مشروعيتها الاّ اذا أصبحت دولة اسلامية بشكلها ومضمونها، بمعنى ان نظام الحكم والإدارة فيها ينبغي ان يكون منبثقا من الميراث الفقهي، وهكذا يكون نمط النظام الإقتصادي، وتداول الثروة، والنظام المصرفي، والنقدي، والتربوي،وكافة ما يتصل ببناء الدولة وترسيخها، من نظم وتشريعات وقوانين، ومؤسسات ومجالات متنوعة، ينبغي ان تستلهم الاحكام الشرعية التي تغتني بها المصنفات الفقهية، ويستنبط ما يستجد منها في إطار الاصول والأدلة والمدارك المقررة في الإستدلال الفقهي. فظهرت طائفة من الكتابات تعالج هذه القضايا، وتتحدث عناوينها عن: نظام الحكم والإدارة في الإسلام، وإقتصادنا، ونظام العمل وحقوق العامل في الإسلام، والنظام المالي وتداول الثروة في الإسلام، والبنك اللاربوي في الإسلام،...الخ.
ومما مهد الأرضية لهذا التفكير، طغيان المقولات والشعارات اليسارية الداعية للاقلاع عن الماضي، وتجاوز الموروث،واعادة النظر في الهوية السكونية الثابتة، والحرص على تخطي الثقافة الدينية، والانفتاح على العصر،واستعارة الحداثة ومعطياتها كما هي، من دون الاهتمام بالحساسيات الاعتقادية والاخلاقية والقيمية والعاطفية والنفسية الراسخة في المجتمع.
في مقاومة ذلك تفجر مخزون عميق لرموز الهوية ومكوناتها، وسعى بعض فقهاء مدرسة النجف للإحتماء بالموروث، واستدعاء الذاكرة، والحرص على اكتشاف صيغة بديلة لتنظيم الدولة وتسيير الحياة وادارة المجتمع، تستلهم الثروة الفقهية الواسعة والمتنوعة، وتسعى لإعادة بناء مكوناتها، وإغناءها برؤى تواكب العصر وتستجيب لرهاناته.
مضافا الى تشبع الفضاء الإسلامي في الخمسينيات من القرن العشرين بمفاهيم وآراء وشعارات الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية في باكستان، وحزب التحرير، وشيوع أدبيات هذه الحركات، وتداول مؤلفات ابي الأعلى المودودي، وسيد قطب، وتقي الدين النبهاني، المشبعة بأفكار ورؤى تتمحور حول (الحاكمية الإلهية، والدولة الإسلامية، والحكومة الإسلامية، والنظم الإسلامية،...) وتحكم على المجتمعات المعاصرة بالجاهلية، بما فيها المجتمعات الإسلامية، وتحاول ان تستعين بكل ما يعزز أفكارها وشعاراتها من احكام مبثوثة في مصنفات الفقهاء، وتشدد على ان الدولة الاسلامية فريضة شرعية، وضرورة مجتمعية، وهي الخيار والحل الوحيد المتاح للمسلمين للخروج من نفق التخلف، وان كافة الحلول المستوردة تجني على امتنا، ومن أجل أسلمة المجتمع لا سبيل لنا سوى أسلمة الدولة، ونظمها السياسية والادارية والاقتصادية والمالية والمصرفية والتربوية وغير ذلك.
كان الشيخ محمد الخالصي من أوائل الفقهاء الذين كتبوا عن (الحكومة في الإسلام) في مؤلف له يحمل هذا العنوان، وحاول صياغة تكييف فقهي لنمط حكومة تكون الأولوية فيها للفقيه، حسب تعبيره، في كتابه: (الإسلام سبيل السعادة والسلام) (الذي فرغ من تأليفه عام 1372 هـ ،كما ورد في نهاية الكتاب)، فذكر في الباب الحادي عشر، الذي عقده تحت عنوان (في الولاية والقضاء) في القسم الأول من هذا الباب، والذي خصصه للولاية، وتحديداً في الفصل الثاني منه (الولي في زمن الغيبة)، إلى أولوية الفقيه (ولم يقل ولاية الفقيه) في إدارة شؤون الحكم، فإن تعذر له ذلك قام به غيره من عدول المؤمنين.حيث كتب: (وإنما صار الأعلم بأحكام الإسلام أولى بالحكم، لأن أحكامه هي الصالحة لإدارة البشر لا غير، وما سواها حيفٌ وجورٌ وشقاءٌ على البشرية, وقد أثبتت الأحكام الوضعية في هذا الزمان عجزها عن الإدارة وإقامة العدل وإفشاء المعروف, ولا يَصلح الناس ولا يربحون ما لم يطبقوا أحكام الإسلام... إذا لم يتمكن المجتهد ((الجامع للشرائط)) من الحكم العام، والقيام بأمر الأمة، صارت الولاية من الأمور الحسبية التي تجب على عدول المؤمنين، فإن لم يكونوا فعلى كل من قام بها، وإن كان فاسقاً ويجب تأييده وتحرم مخالفته، فيما لم يستلزم ظلماً أو خياناً أو إذعاناً لسلطان ملحد أو مشرك؛ لان حفظ النظام العام الذي هو من أهم الامور الحسبية متوقف على الولاية العامة). وهنا يستخدم الخالصي مصطلح الأحكام الوضعية في مقابل الأحكام الشرعية التي يشتمل عليها الفقه، فكل تشريع او قانون او حكم غير فقهي عاجز عن إدارة المجتمع وتنظيم الحياة، وهو منحى في التفكير بالدولة يرفض كما يبدو أية مقاربة لمفهوم الدولة ونظمها ومؤسساتها خارج المدونة الفقهية. وفي أدبيات الإسلاميين يحيل مصطلح (التشريع الوضعي) الى التشريعات والقوانين والنظم التي وضعها الإنسان، بتوظيف عقله وجميع ما راكمته الخبرة البشرية، فيما يحيل مصطلح (التشريع الإلهي) الى ما هو مستقى من الفقه فقط.
في سنة 1954كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين (نظام الحكم والادارة في الاسلام(، وصدر في بيروت 1955، يتمحور الكتاب حول التدليل على ان الإسلام دين ودولة، وان الحكومة جزء من التشريع الإسلامي، وهي انما تتحقق بالنص وليس بإنتخاب او اختيار البشر، فيقول: (نحن في الاسلام نملك نظاما للحكم والادارة هو نظام محكم في ظل سلطة دينية وزمنية معا). وفي هذا الكتاب يصرح بنفي المشروعية عن الديمقراطية، في سياق رفضه لما أسماه بعض الكتاب بـ(الديمقراطية الإسلامية)، فيكتب: (...فلا مشروعية للاسلوب الديمقراطي في اختيار الحاكم وشرعيته)، كذلك لايعترف بالتعددية السياسية، ويهجو مهمة الأحزاب السياسية، ويرى انها تمزق المجتمع وتقوده الى التشتت والفرقة، ويعتبر ذلك مرفوض دينيا وإسلاميا، فالأحزاب (توغر الصدور، وتحول دون ان تكون الأمة على معنى واحد، فالمطلوب الإعتصام بحبل الله، لا التفرق).
واستمر موقف شمس الدين هذا في المناداة بحكومة اسلامية، وتطبيق الشريعة، ومناهضة التعددية السياسية، ربما لثلاثة عقود، كما سنشير لاحقا. وحاولنا إستكشاف مدى توظيفه للمصطلح الفقهي السياسي في مؤلفه ألأول "نظام الحكم والإدارة في الإسلام"، من خلال إستقراء الكتاب في طبعته الثانية، الصادرة عن المؤسسة الدولية للدراسات والنشر والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، في بيروت، سنة1411هـ / 1991م. فعثرنا في هذه الطبعة على مقدمتين للكتاب، الثانية منهما كتبت عام 1990، تبدأ من الصفحة (11) وتنتهي في الصفحة (15). كما أن الكتاب أضيف إليه بحثان: الأول جديد، والثاني كتب في عام 1954 ، ولكن لم ينشر مع الكتاب في طبعته الأولى. أما البحث الأول (كُتب عام 1990)، فيقع ما بين الصفحتين (319-420). وإنما أشير إلى هذه الملاحظة من أجل الدقة في تأرَّخة ظهور هذه الاصطلاحات. ثم إن ما يرد بعد أرقام الصفحات بين قوسين إنما يشير إلى عدد المرات التي تكرر فيها هذا الاصطلاح داخل تلك الصفحة.
دولة إسلامية: ص 46-135(3)-229(2)-231-235(2)-236-240-241-244-252(2)-263-281-390-391(3)-392(3)-393(2)-395-396(3)-397-407(2)-408(2)-411(4)-412(3)-413(3)-414(2)-415(2)-416-417-418-419-425(2)-450-451(2)-455-467(2)-469-470-471-475-477-478-479-480-486-488-490(2)-492(3)-493(3)-494-495-499-502(3)-503(3)-504(2)-511-528-536-539(6)-542-544(2)-545(3)-555(2)-567-577-584.
حكومة إسلامية: ص 35(2)-37-40(3)-41-42(2)-138-217-227-249-252-261-263(3)-264(2)-280-285-305-307-391-393-407-411-417-418-447(2)-451-455-460-468-477-480-492-499(2)-501(3)-505-511-547.
حكم إسلامي: ص 41-47-50(2)-51-76-390-391-402-407-408.
حكومة إلهية: ص 263(2)-281.
دولة إلهية: ص 204-280.
حكومة نبوية: ص 35-305.
سلطة دينية: ص 40(2)-455.
دولة سلطانية: ص 402.
حكومة دينية: ص 41.
يؤشر الحضور المكثف للغة الفقه السياسي وشيوع استخدام مصطلحاته الى تشبع المجال التداولي في النجف بالمفاهيم السياسية، وتغلغل فكرة الدولة في فضاء التفكير الفقهي وقتئذ، لدى شمس الدين وزملائه، في حلقات الدرس الشرعي في الحوزة العلمية في النجف. وبوسع الدارسين استخلاص عدة معطيات تضئ لنا منطق التفكير السائد في النجف، لو سعوا للحفر والتنقيب في نشأة وتطور استخدام المفردات السياسية في المدونة الفقهية النجفية.
في عام 1959 كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر نصا محدود التداول، أتاحه لأعضاء حزب الدعوة الإسلامية، بمثابة أصول ومصادر إلهام للدستور الإسلامي، يتضمن تسعة أسس، يتحدث في الأول منها عن المعنى اللغوي والإصطلاحي لـ (الإسلام) ، والثاني عن أقسام (المسلم)، والثالث عن مفهوم (الوطن الإسلامي)، والرابع عن أنواع ( الدولة الإسلامية)، والخامس عن ماهيتها وحقيقتها، وكون (الدولة الإسلامية دولة فكرية)، والسادس عن (شكل الحكم في الإسلام)، والسابع حول (تطبيق الشكل الشوري للحكم في ظروف الأمة الحاضرة)، والثامن حول (الفرق بين أحكام الشريعة والتعاليم)، والتاسع هو توضيح ان (مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة ليستا من مهام الحكم). وهذا النص بالرغم من أنه لا يتجاوز خمسة عشر صفحة، غير انه وثيقة بالغة الأهمية، لتعبيره الصريح عن البناء العضوي لمفاهيم الدولة الإسلامية، والتشديد على الصلة العضوية بين هذه المفاهيم والكتاب والسنة والموروث الفقهي، ولعلها أول محاولة مكثفة للبحث عن مناشئ دينية لمشروع الدولة ومؤسساتها، وتوطينها في الفقه الجعفري، ولا يتطلب التدليل على ذلك سوى مراجعة تلك الأسس، وملاحظة الحضور الدلالي الغزير لمصطلحات (الدولة الإسلامية،الحكومة الإسلامية،الوطن الإسلامي)، فقد تكررت 12 مرة في صفحة واحدة، ضمت الأساس الثالث .
واهتم الصدر بصياغة رؤية نظرية فقهية، حيال الإقتصاد في الجزء الثاني من كتابه الذائع الصيت (إقتصادنا) الصادر سنتي 1959-1960 في النجف، كما حاول ان يبلور موقفا فقهيا نظريا تجاه المعاملات المالية والنظام المصرفي وايداع النقود وتداولها، في كتابه (البنك اللاربوي في الإسلام) الصادر مطلع السبعينيات من القرن الماضي، مضافا الى اهتمامه بالنظرية السياسية في الإسلام، والأطر الدستورية الفقهية للدولة الإسلامية، في سلسلة تتكون من ستة كتيبات، صدرت عام 1979 مقارنة لإنتصار الثورة الإسلامية في إيران، عالج فيها المرتكزات الفقهية لدستور الدولة الإسلامية، وتناول من منظور قرآني فقهي شكل الحكومة الإسلامية، في (لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية، وخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء). هنا عالج المشروعية السياسية، باستدعاء نظريته الأولى في (الأسس)، التي تستند الى الشورى، ونظريته اللاحقة، التي أشار اليها في سنة 1974-1975 في تعليقته على كتاب
( منهاج الصالحين) قسم العبادات، ذيل المسألة 25، وفي رسالته العملية ( الفتاوى الواضحة)، التي تقول بولاية الفقيه التعيينية. فقد عمل على تركيب واعادة تكوين نظريتيه المشار اليهما، فجمع بين مبدأ الخلافة الإلهية للإنسان، ومبدأ إشراف مراجع الفقهاء الصالحين في نصه اللاحق (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء).
بقي الصدر وفيا لمنهجه في التفكير بمشروع الدولة، وأنظمتها، ومجالات عملها، وحقولها، ومهامها ووظائفها، في فضاء الفقه ومداراته، ورأى الدولة باعتبارها (ظاهرة نبوية) حسب تعبيره، من دون ان يبرهن على ذلك من مسيرة النبوات، او وقائع الحضارات والدول القديمة، بيد انه حرص على استجلاء المدلول الإجتماعي للنصوص، وإضاءة الطريق نحو فهم مقاصدي، لا يكف عن التفتيش عن روح الشريعة وأهدافها وقيمها العليا، كذلك سعى للارتقاء بالبحث الفقهي الى فقه النظرية، وحاول ان يستبطن الحالة النفسية للفقيه، ويكشف عن أثر القبليات والخلفيات والمسبقات في الإستنباط الفقهي .
المرحلة الثالثة: التفكير بالدولة من جديد خارج المدونة الفقهية في مدرسة النجف:
كان الشيخ محمد جواد مغنية، أحد الفقهاء الذين تخرجوا في النجف، وعرفوا بغزارة الإنتاج الفكري، قد أصدر ايام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كتابا عرض فيه تصوراته الفقهية بشأن الدولة الإسلامية، أوضح فيه: ان مهمات الدولة لا تنحصر في الأحكام الدينية، ولا نص في كثير من القوانين الإجتماعية، مما يدل على تفويضها للعرف والعقلاء. وفي هذا المجال يمكن الإستفادة من التجارب الإنسانية، ما دامت لا تحلل حراما، ولا تحرم حلالا. ورأى مغنية ان ينت خب رئيس الدولة الإسلامية بواسطة الشعب، ما دامت المصلحة العامة في إنتخاب كهذا، وانه لا عصيان فيه لأوامر الله ونواهيه. ان الإسلام يؤيد حرية الناس، ونحن لا نعرف طريقا سوى الرجوع الى آراء الناس.
ومنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي صدرت آراء شفاهية وتصريحات للشيخ محمد مهدي شمس الدين تؤشر الى انه أضحى يفكر بدولة خارج المدونة الفقهية، لكن تجلى بوضوح التحول لديه والإقلاع عن موقفه السابق في كتابه ( نظام الحكم والإدارة في الإسلام ) بعد صدور الطبعة الثانية الموسعة المنقحة من هذا الكتاب عام 1990، اذ استبعد ما لا ينسجم مع تفكيره الجديد، وعززه بمباحث كشف فيها عن موقف آخر، يختلف مع رؤيته السابقة، وأشار بوضوح الى عدم توفر دليل في الإسلام يحدد شكل نظام الحكم، فصرح: (.. ليس في جميع ما استدل به الشيعة ما يتضمن تحديدا لنظام الحكم بعد النبي محمد excaim وانما تُعيّن النصوص "الامام/الخليفة" بعد النبي).
في العقدين الأخيرين لمدرسة النجف تمثل كتابات شمس الدين في الفكر السياسي رؤية إجتهادية مواكبة للحياة، ومتطلبات الإجتماع السياسي الإسلامي الشديدة التعقيد والتنوع، وتخلص رؤيته الى ابتكار مفهوم سياسي يحاكي الديمقراطية، وينسج على نموذجها في الحكم، فيستوعب ما يتصل بالإردة الشعبية والإنتخابات والتداول السلمي للسلطة، وما ينطوي عليه النظام الديمقراطي من حقوق وحريات، ويسمي شمس الدين ذلك ب "ولاية الأمة على نفسها". ولكي لا يبتعد عن مناخات التفكير الإسلامي، يستعير مفهوم الشورى، ويحاول مطابقته مع ولاية الأمة على نفسها، كما يحيل ما فهمه الى مرجعياته في الكتاب والسنة، ويحصر مصدر مشروعية السلطة بالمجتمع، فالمشروعية شعبية لايخلعها شخص على السلطة سوى إرادة الناخبين، مهما كانت مكانته الدينية ورتبته الفقهية ومقامه العلمي. يكتب لبيان رأيه:( أما نظرية الشورى في رأينا الفقهي "مبدأ ولاية الامة على نفسها"، فلا دور فيها للفقيه، "بمعنى انه يحكم، وانه مصدرا للشرعية". ودور الفقيه فيها هو دور المستشار والمفتي. إنه يتمتع بموقع تشريعي، وليس مصدر الشرعية.ومصدر الشرعية بالنسبة للسلطة، وبالنسبة الى شرعية القوانين في دائرة التنظيم هو للامة، التي تمارس السلطة والتشريع خارج الحقل الذي تحكمه احكام الشريعة، بواسطة وكلائها وممثليها، واما في الحقل الذي تشغله احكام الشريعة، والذي يحتاج الى تشريع فقهي اسلامي، فهذا الامر هو من شأن مجامع الفقهاء، فالفقهاء في نظريتنا لهم دور تشريعي وتقنيني، وليس لهم دور سلطوي، وليسوا مصدرا للشرعية ... إن نظريتنا الفقهية السياسية تقوم على نظرية "ولاية الامة على نفسها" ) .
تسمية الشيخ شمس الدين لنظريته ب"ولاية الأمة على نفسها"، لا تخلو من إلتباس وتداخل بين سياقين لا يتكلمان اللغة نفسها، لأن مفهوم "الولاية" يحيل الى علم الكلام والفقه الاسلامي، بينما يحيل كون الأمة هي مصدر الشرعية الى "الديمقراطية". ومفهوم"الولاية" يفهم العالم عبر شبكة مفهومية تنتمي الى الموروث، ومفهوم "الديمقراطية" يفهم العالم عبر شبكة مفهومية تنتمي الى الفكر السياسي الحديث. وعادة ما ينتهي الخلط بين مفاهيم مشتقة من سياقات مختلفة الى ولادة هجينة، أو "تهجين المفاهيم".
تجلت بمرور الأيام مفاهيم شمس الدين، وأضحى يتحدث بصرحة عن الديمقراطية، بإعتبارها الخيار الوحيد للمجتمعات الإسلامية، ولم يعد هناك ما هو ديني أو مقدس في الدولة، بمعنى انه يقدم تفسيرا مغايرا لمفهوم الدولة، لا يرتبط بالسماء، وبالتالي تنتقل مشروعية السلطة في نظره، من السماء الى الأرض، فهو يعتقد ( في الاسلام مشروع الدولة كله مشروع غير مقدس، ليس لأنه مشروع مرفوض، ولكنه مشروع ناشئ من طبيعة الوظائف التي تقوم بها الدولة, وهي ليست مقدسة في ذاتها في الفكر وفي الفقه الاسلاميين. وانما المطلق والمقدس والأساس من وضع له الشرع والشريعة, أي الأمة والدولة بالشأن التنظيمي العام للمجتمع. الأمة هي مقدس بالمعنى الذي ذكرناه, والدولة هي مؤسسة ذات وظيفة من مؤسسات الأمة). هنا عمل شمس الدين على ترحيل مفهوم الدولة من حقل الفقه، واخرجها مما هو ديني، وخلع عليها تفسيرا يحيلها الى مكوناتها البشرية، ووظائفها الدنيوية الغير مقدسة، وكأنه يسير عكس ما بدأ به في الخمسينيات، عندما ساهم بتوطين مشروع الدولة داخل الفقه. وتصاعدت مواقفه بالتدريج، وذهبت آراؤه الى مديات لاترتبط بالتفكير داخل المدونة الفقهية بالدولة، عندما افضى موقفه الى إمكانية تولي المواطن غير المسلم من مواطني المجتمع الإسلامي السلطة، ومناصب الدولة السياسية والإدارية.
وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق، وسقوط نظام صدام حسين عاد للنجف من جديد ألقها، وأصبحت محجة للسياسيين، وحرص رجال الحكم على التواصل مع المرجع السيد علي السستاني، وحسم آرائهم في القضايا البالغة الأهمية، بالإعتماد على ما يقوله هو أو يحرره مكتبه، مثل تدوين الدستور، فقد قررت سلطات الإحتلال تشكيل مجلس لصياغة الدستور، وتعيين أعضاء هذا المجلس، بالتشاور مع الجهات السياسية في العراق، ثم طرح الدستور بعد صياغته لإستفتاء شعبي، لكن السستاني رفض ذلك، وشدد على (ان تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور...فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولابد أولا من إجراء إنتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للإنتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور، الذي يقره هذا المجلس...) .
ويكشف السيد السستاني عن ان مرتكزات وأسس ومنطلقات النظام السياسي الجديد للعراق تقوم على ( ميدأ الشورى والتعددية والتداول السلمي للسلطة، في جنب مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء البلد في الحقوق والواجبات، وحيث أن أغلبية الشعب العراقي من المسلمين فمن المؤكد أنهم سيختارون نظاما يحترم ثوابت الشريعة الإسلامية، مع حماية حقوق الأقليات الدينية ) . وتكرر في نصوص متعددة تشديده على ضرورة الإنتخابات، ورفضه لأية محاولة تسعى لبناء صيغة لنظام الحكم بعيدا عن إرادة واختيار الشعب العراقي، وعبر عن ذلك بوضوح قائلا: ( شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي، بجميع قومياته ومذاهبه، وآلية ذلك هي الإنتخابات الحرة المباشرة ) .
وبعد مراجعة شاملة للفتاوى والبيانات والمقابلات المدونة الصادرة عن مكتب السيد السستاني، فيما يرتبط بالشأن العراقي الراهن، لاحظت ان مشروعية السلطة في نظره تستند الى الشعب، وما يقرره من رأي عبر صناديق الإقتراع، أي ان المشروعية حسبما يرى شعبية. وانه لا يفكر بحكومة دينية، ويتحدث بوضوح لا لبس فيه عن ذلك قائلا: (وأما تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقا) . وفي معرض بيانه لمهمة رجال الدين في هذا العصر، يذهب الى انه (لا يصح ان يزج برجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية، بل ينبغي ان يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف على اللجان التي تتشكل لإدارة أمور المدينة وتوفير الأمن والخدمات العامة للأهالي) .
منذ ثلاثة عقود بدأ التفكير بالدولة في مدرسة النجف يغادر المدونة الفقهية بالتدريج، حتى اني لم أعثر في العقد الأخير على أية كتابات، دونها المراجع والفقهاء في الحوزة العلمية في النجف، ترسم اطارا فقهيا للسلطة والحكم والدولة ومؤسساتها، يتواصل مع الرؤية الفقهية النظرية للشهيد محمد باقر الصدر، ومحاولاته الجادة، التي بدأت ب"إقتصادنا" واستمرت حتى الفترة الأخيرة من حياته في سلسلة "الإسلام يقود الحياة" ، من أجل توطين مفهوم الدولة ونظمها السياسية والإقتصادية والمالية والمصرفية داخل المدونة الفقهية.
هكذا عبر مفهوم الدولة ونظمها ثلاث محطات في النجف، تقلب فيها من خارج المدونة الفقهية الى داخلها ثم خارجها. ويبدو ان جهود الصدر وسواه من فقهاء مدرسة النجف، الذين عملوا على ترسيخ التفكير الفقهي بالدولة، منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وتواصلها ثلاثة عقود، لم يكتب لها التغلب على نزعة التفكير بالدولة خارج الفقه في الحوزة العلمية، فعاد التفكير بالدولة مفارقا للفقه، يجول في مداراته الموروثة، ولم تفلح تلك الجهود في انتزاعه من بنيته الراسخة العميقة في الوعي والوجدان الشيعي في عصر الغبية.
أود التذكير في الختام الى ان هذه الورقة لا تتضمن سوى إشارت محدودة وليست مستوعبة، تمحورت حول تحقيب نمط التفكير بالدولة وحقولها ونظمها في مدرسة النجف، في ثلاث مراحل، من دون استقراء شامل للمدونة النجفية الفقهية الواسعة في القرن الأخير، وانما اقتصرت على تقديم أبرز النماذج السائدة في كل مرحلة، بشأن مقاربة مفهوم الدولة وما يرتبط بها، بحدود ما تسمح به الورقة.
كما لا نعني بسيادة نمط من التفكير بالدولة في مرحلة زمنية معينة في مدرسة النجف إجماع الفقهاء والباحثين والدارسين في الحوزة العلمية على قول واحد، ذلك ان الإجتهاد بطبيعته يفضي الى تنوع الآراء وتعدد النظر الفقهي في الموضوع الواحد، تبعا لتنوع أدلة الإستنباط الفقهي، والإختلاف في فهم هذه الأدلة، غير ان التحقيب الذي نقترحه للتفكير بالدولة، يؤشر على الإتجاه الغالب في كل مرحلة، لدى بعض الفقهاء، ممن يتعاطون البحث في قضايا الدين والدولة، وماله صلة بالفكر والفقه السياسي في الإسلام. ولم نتحدث عن الذين لا يتداولون تلك الموضوعات، وممن يصنفونها خارج مديات التفكير الفقهي في عصر الغيبة، ولا يتعاطون بحثها أو إبداء وجهات نظر مستدلة حيالها نفيا أو إثباتا، وهم جماعة من أبرز الفقهاء، لإقتصار الحديث على الصنف الأول.

*ندوة: "أولويات الإصلاح في العالم الإسلامي: الدولة والمواطنة". اسطنبول: 1-2 ديسمبر2010. "مركز الكواكبي للتحوّلات الديمقراطية، والجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون".







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


د.عبدالجبار الرفاعي



ارسل لصديق