التقريب بين المسلمين دور الدولة والمجتمع وأهل العلم
كتبه: السيد هاني فحص
حرر في: 2012/07/27
التعليقات: 0 - القراءات: 4006

الكلام في التقريب بين المذاهب الاسلامية ، أو بين أهلها ، بين المسلمين ، وأحياناً بين أهل المذهب الواحد عندما يفرق بينهم أمر آخر

الكلام في التقريب بين المذاهب الاسلامية ، أو بين أهلها ، بين المسلمين ، وأحياناً بين أهل المذهب الواحد عندما يفرق بينهم أمر آخر ، سياسي مثلاً ، ويصبح هناك خطر جراء ميل كل طرف الى تغطية خصومته أو صراعه مع الطرف الأخر بالمذهب أي بالمتحقق من الدين في المذهب ، هذا الكلام ، تفريع على الكلام عن الاختلاف ، والحاجة الى التقريب تشتد كلما دفع الاختلاف من خارج الدين بالطبع ، الى مقام الخلاف ، حيث يلتبس ما هو من خارج الدين بالدين ، ليضرّ بالدين والمتدينين ، هذا على ان الاختلاف بذاته ليس مشكلة ، بل هو حل أو مشروع حل للمشكلة ، مشكلة البعد الواحد في المعرفة والسلوك والاجتماع ، ما يعني عطالة وبطالة في المعرفة ، وفي الحياة ، والدين في الاصل أطروحة حياة وإحياء "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" . الى ذلك فإن الوحدة الشاملة والتامة ، إن أمكنت ، ولا ندري كيف ولماذا ؟ هي إذابة للمتعدد في واحد ، أو للمتعدد الحقيقي في واحد افتراضي ، والواحد في هذه الحال هو أحد الأطراف ، يتغلب على البقية فتصبح واحداً ، أو ذلك الواحد ، أو هو الواحد الملفق من المجموع ، وكل ذلك يفترض لتحقيقه عنفاً مادياً ومعنوياً ، مباشراً (جسدي بالقتل) أو غير مباشر بالقمع والمنع ، وبالطبع فإنه يستتبع عنفاً ينفجر عندما يكف الطرف المهيمن (الموحد قهراً) عن فرض هيمنته لضعف طارئ ، يطرأ دائماً أو عندما يبلغ الغاء المهيمن عليه بداعي الوحدة التي هي بالواقع مصادرة ، عندما يبلغ هذا الإلغاء درجة غير قابلة للاحتمال ، أما الوحدة بالمعنى المنهجي والإيجابي والممكن والمطلوب ، فهي حفظ التعدد بالوحدة وإغناء الوحدة ، أي إدامة حيويتها بالتعدد ، ومن هنا يرقى الاختلاف في نصوصنا التأسيسية ، كتاباً وسنّة ، وكتاباً بالخصوص الى مستوى الدلالة والبينة على وحدة الخالق وعظمة المدبر وحسن التدبير "ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم".
ما الذي يدفع الاختلاف الى مقام الخلاف ليحول استقطاب الوحدة في المتعدد الى استقطاب التقابل الحاد والمفاصلة الحامية ، أي تبادل الإلغاء معرفة ووجوداً ، أي التكفير ثم القتل ؟
تقديري انه ما من حالة حضارية سالبة (الفرقة والفصال) أو موجبة (التقارب) إلا وهي –باعتبارها مركبة- إنجاز مشترك أو ارتكاب مشترك لشركاء يقع في مقدمتهم الدولة والمجتمع والطليعة العلمية والثقافية المتصلة الموصولة بمتحداتها الاجتماعية بما يمنع من تحولها الى نخبة منفصلة ، أي انفصال العالِم عن العالم ، وهذا الاتصال يحقق انجازاً موجباً (تقارب) أو ارتكاباً سالباً (تفرقة) بقدر ما يكون محكوماً بمنهجية علمية ملتزمة بأنظمة قيم تمنعها من إنتاج المعرفة على مقتضى العصبية أو المزاج ، مزاج الجماعة الدينية التي تتيسر لها درجة من القوى تجعلها في موقع الحكم أو الغلبة فتستأثر وتمنع ولا تشارك الجماعات الأخرى في حركة العلم بناء على المشترك، أو مزاج الجماعة التي تعزل فتنعزل وتنتج من أجل تماسكها في مواجهة الإلغاء فكراً وفقهاً انعزالياً لا علاقة له بنظام المعرفة الديني أو الاسلامي تحديداً ، وهكذا نجد أن كثيراً من علماء المذاهب الإسلامية قد أنتجوا في فقه العبادات أحكاماً تختلف عن الأحكام التي أنتجوها في ظرف مختلف ، فالإلغاء الذي مارسته الدولة في عهود مختلفة ، عهود التراجع ، أدى الى إلحاح الأطراف الدينية المقصية الى حركة فقه تمايزي ، مخالفة بذلك تراثها ، لسبب يكاد يكون وحيداً ، وهو أن هذا الفقه الإندماجي لا يساعد على إشباع النزوع الى الاحتماء بالذات في مقابل التهميش .
على هذا ، فإذا ما قررت الدولة أن تقوم بوظيفتها كحاضن فإنها تصغي لمجتمعها وطليعته العلمية ، بداعي الشراكة ، فتكون بذلك قد استحقت وألزمت مجتمعها وطليعته بالإصغاء لها ، أي إقامة العلاقة على الحوار الذي يجعل الدولة تتبصر في تعدد اجتماعها ، وتتلمس علاماته في تكوينها ، فإن تراجَعَ منسوبه تراجع دورها وفعلها وإن تقدم هذا المنسوب التعددي تقدمت الدولة والمجتمع معاً ، إذن فلا بد للدولة أن تنشط أدوات الحوار والإندماج ، ما يوفر لها حراكاً يحفظها ويجددها كضرورة اجتماع بالولاء والنقد معاً ، ويمنع الاعتراض عليها من أن يتحول الى سعي لنقضها أو تقويضها ، وعندما تختار الدولة أن تنفصل عن اجتماعها ، تكف عن الإصغاء ، فيكفّ الاجتماع عن الإصغاء لها ، فإذا ما كابرت الدولة ردت بالاشتغال على تظهير وتعميق الفوارق بين مكونات اجتماعها وطلائعه العلمية لتجد مكانها ومكانتها في السجال الذي يؤول الى الصراع الأهلي ، مغرياً المجتمع بالاستقواء على الدولة جراء استقوائها عليه ، وفي العادة فإن الدولة تستثمر الفوارق الكمية في مكونات اجتماعها فتغري الأغلبية بموافقتها على انها –أي الدولة- هي حافظة مصالحها ، ما يغري حالات أقلوية أن تتذرع بفكر آخر (قومي مثلاً) لتغري جماعتها بالهيمنة والاستئثار وتهميش الأغلبية ، وهذه الحالة تختزن عنفاً مضاعفاً عندما تنقلب الأمور والتي تنقلب عادة وإن طال الزمان .
إن الدولة هي أساس في مسألة التقارب أو التقريب ، وعليها أن ترعى حركة التقارب ، فتمنحها حريتها الكاملة ، وتساعدها على تشغيل وتجديد طرائقها العلمية ، من دون أهداف سياسية أو سلطوية مباشرة واختزالية تفضي الى المصادرة والتعطيل ، وهذا ليس دعوة الى التنصل من السياسة ، أو إقصاء الدولة ، في حيز ما ، عن شأنها السياسي الذي هو أهم وظائفها ، بل أن بإمكان الدولة أن تتحول الى حاصد سياسي ماهر بقدر ما تسهم في رعاية وحماية الزرع والزراع .
أقول قولي هذا وأنا مفترض أن الإيمان يجمع الجميع ، وإلا فماذا يفعل الإيمان إن لم يجمع ؟ وإذا فرقنا الإيمان فما ومن الذي يجمعنا ! إن الذي يفرقنا هو غير الإيمان ، اي أننا لا نتفرق ونحترب ونحن مؤمنون ، وهذا ليس تكفيراً ، هذا انتباه الى أن الإيمان في لحظة من لحظات التوتر يلتبس بغيره ، لا يزول بكامله ، لأنه مركب ، ولكن المقدار الباقي منه لا يعود بإمكانه أن يهيمن ، أي أن يمنع ، أي أن يجمع . إذن ففضاء الإيمان أرحب وأرحم من أقبية العصبيات ودهاليز السياسة وأنفاق السلطة بمعناها الحرَفي والحرْفي ، ونحن نفترض أن هذا الإيمان يتمظهر في فكر وسلوك توحيدي وحدوي ، ما يحقق الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد بالنص القرآني " وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم.." وما يعني أن الوحدة والتوحيد أشبه بالمتضايفين اللذين يشكل الإيمان شرطهما أو مَلَكَتهما حسب المصطلح المنطقي ، هذا في حين أن هناك شواهد كثيرة في التاريخ ، في اجتماع أهل الباطل أو المشركين في مقابل تفرق أهل التوحيد والمؤمنين ، غير أنه وحسب شهادة التاريخ ، تبقى وحدة أهل الباطل عارضة وإن طال أمدها ، وتبقى فرقة أهل الإيمان والتوحيد والحق عارضة وإن طال أمدها ، وهذه ليست دعوة الى الطمأنينة والكسل ، لأن الخسائر التي تترب على صراع أهل الحق والإيمان باهظة ، سواء ، طال الزمان بها أم قصر ، من هنا فإن تكليفنا الحضاري والديني والإنساني ، أن نقلل إن لم يكن بمقدورنا أن نلغي الصراعات البينية ، بين أهل الإيمان ونقلل من بشاعتها إن حصلت ، ونعمد دائماً الى صناعة التسويات بالتنازلات المشتركة ، لأن الخسائر التي تترتب على التنازل في هذه الحالة هي أقل بكثير من الخسائر التي تترتب على النزاع أو الصراع ، والتي لا يسلم منها طرف من الأطراف ، والتي تعود فيها المصالح المتحققة ، إن تحققت ، الى أشرار الأطراف والجماعات والمذاهب والطوائف والأديان .
ولعلنا مع دولتنا الحديثة ، وبعد ما أدى تقصيرها بوظائفها وقصورها في أدائها ، الى تهديد فكرتها ووجودها بعدما هزّ موقعها ، لعلنا نعود معاً الى سياق تكاملي مختلف ، تفادياً للاستحقاقات الباهظة والمدمرة ، والتي تتلاقى على إنزالها بنا مطامع الخارج والطموحات المريضة في الداخل ، والتي لا يعفينا التطرف المترتب عليها من مسؤوليتنا دولة ومجتمعاً ، ودولة أولاً ، عن دفعها الى واجهة المشهد وصولاً بأعماقه التي تبدأ من انفصال الدولة عن اجتماعها ولا تنتهي في أنظمتنا التربوية التي وضعتها الدولة وارتضاها المجتمع وزادت على عوامل انتاج التطرف فيها عوامل أخرى تأتي من تصور غير عادل وغير علمي وغير ثابت في موروثنا ، هو تصور حصرية الخلاص في الجماعة دون غيرها من الجماعات .
إذن .. لعلنا مع دولنا بعدما وصلت النيران الى مخادعها السلطوية ، على الطريق نحو إزالة الالتباسات ، من أجل تحقيق الشراكة ، على مفصل معضل يهدد مجموع مصالحنا ويعدنا للاستحواذ علينا هذه المرة بشكل أقسى وأوسع وأبعد من كل ما حصل حتى الآن ، وعلى الطريق لا بد له ، أي المفصل ، من أن يخلخل نصاب شراكتنا في المشترك الأعظم بيننا ، أي الإسلام كثقافة جامعة لا بد أن تكون مانعة منيعة وممانعة ، أي عاصمة بما هو حبل الله هو المعتصم ، وبما هي الكثرة ، أي الوحدة ، عاصمة للقلة ، وبما هو التفرق تفتيت للعصمة .
وهنا يحسن أن نستعيد مثالاتنا من ماضينا المشترك ، بدل أن نستعيد السالب من هذا الماضي أو المفرق وكأنه النمط الملائم أو الملزم لنا في ما نستقبل من استحقاقاتنا .. وفي العهد الراشدي التعددي الوحدوي ، والذي كانت المشاركة هي التي تحكم مساره ، لنجعل القطيعة أو المقاطعة مجرد وجهة نظر ، مجرد رأي لا يلبث أن ينسحب الى الوراء عندما تتقدم مصالح المسلمين على غيرها .. على هذا الأساس أو تأسيساً لهذا كان الخليفة عمر بن الخطاب يؤكد حاجته الى مشاركة علي المعترِض "ما عشت لمعضلة لا أبا حسن لها " وكان علي بن أبي طالب المعترض يضع اعتراضه جانباً ، يؤثر العام على الخاص من دون مجاملة "لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة" وهذا يفضي بنا الى مشترك مركزي في الدائرة الاسلامية ، أعني أهل البيت الذين كلفنا الله في كتابه بمودتهم كفاء ما هدانا على يد سيدهم وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين آثروا الوسطية موقعاً لهم حفظاً لمركزيتهم في نظام القيم الاسلامية ولدورهم الجامع لكل الأطراف ، ما جعلهم يبنون علاقتهم بالسلطة على مسلكية ترجح الدعوة على السلطة .
فقد صالَحَ الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية تقديماً للأهم على المهم ، واستشهد الحسين ، ليتحول الى شاهد للحق على الباطل الذي بلغ ذروته وكان لا بد للاحتجاج عليه أن يبلغ ذروته ، وفي كربلاء لم تكن السلطة هي هدف الإمام الحسين ، ولكنه أبى أن يذعن ، فاجتاحته السلطة مع أهل بيته ، فلما وصل الأمر الى ولده علي بن الحسين أسّس لسلوك متناغم مع سلوك أبيه وعمه فتخلى وانصرف الى سقاية زرع القيم والأخلاق والوحدة وحماية التوحيد من عوادي الفرقة ، واستمر هذا السلوك في هذه السلالة ، ما أغرى الإمام أبا حنيفة بالتضحية في سبيل مناصرتهم ، والانخراط مع الإمام جعفر الصادق في تأسيس متحول علمي مشترك ما زلنا نعيش نعمه ويدعونا الى استئنافه وتجديده وتنميته . هنا تجسدت الوسطية سلوكاً جامعاً وحافظاً للإيمان والمؤمنين بالعلم الذي أدى الى حساب دقيق للاولويات . وقد نظر علي بن موسى الرضا الإمام الثامن للشيعة الإمامية لهذا الخيار المسؤول بقوله :" نحن آل محمد النمط الوسطي الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي" ، ويعقب أحد العلماء على هذا القول بقوله :" أعلم أن النمط الأوسطي ينبغي أن يكون جامعاً بين الطرفين" ، ان الذي يقوم في الوسط ليرى الى كل الأطراف ، يرى ما فيها من حقائق ولديها من حق وعليها من حق ، منطلقاً من تعددية المعرفة وتركيب الحقيقة ، فمن أراد مزيداً من الحقيقة فما عليه الا أن يعترف بالآخر ، بحقه وما لديه من حقيقة ، ويشعر بحاجته الى ما في يد الآخر من حقائق ومن حقوق ، وإلا تناقص أو تآكل مخزونه المعرفي والإيماني مهما يكن باذخاً ، وتراجع مدخوله من الحقائق مهما يكن مجتهداً في طلب العلم ، وهذا ليس ترتيباً طولياً ، لأن الدولة والمجتمع في عرض واحد ، بعد الدولة ، هناك الاجتماع العام ، الاسلامي أو العربي أو الوطني ، وهذه كلها مفاهيم موحِّدة وموحَّدة .. لا تنفي التعدد ، ولا تشترط (الدولة الأمة) كتحقيق لوحدتها المتحدرة من والمتجذرة في التوحيد ، لأن وحدة الاجتماع الوطني والاسلامي والعربي متحققة وبنسب متفاوتة بالجعل الإلهي أولاً والتطور التاريخي ثانياً .. "وجعلناكم شعوباً وقبائل" .
الوحدة قائمة في العمق ، تتقدم مظاهرها وتتراجع بفعل النزاعات على أنظمة المصالح ، ولكنها تبقى راسخة وتبلغ أوج التعبير عنها في المفاصل وأمام القضايا والأحداث الكبرة ، "فلسطين مثلاً" . وعليه فعندما تتعدد الدول ، من دون رغبة أو موافقة على التعدد المفتعل والضار الذي حدث في انفصال بنغلادش عن باكستان ولا حتى انفصال باكستان عن الهند ، عندما تتعدد الدولة الوطنية ، لا يبقى سائغاً ولا جائزاً أن يستقيل المتشبثون بالوحدة ، من إنجاز دولهم الوطنية كاملة مطالبة ومؤشرة بتكاملها مع غيرها متذرعين بأولوية "الدولة الأمة" ...
إن اجتماعنا لو ترك وشأنه ، اي من دون سياسة حزبية تقوم على التعصيب وتطلب السهولة في ذلك ، فتجد المكوِّن المذهبي ناجزاً وجاهزاً ، أو هي التي تعيد تجهيزه ، فتستحضر الفوارق الطبيعية ، تبعثها بذهنية وخطاب فصالي أو سجالي ، وتستولدها ، تولِّد منها ، طوعاً أو قسراً ، أي اعتماداً على مناطق لينة ومرنة في منظومتها العقدية أو الفقهية ، فوارق أخرى ، أو تلجأ الى الموروث التاريخي لتستدعي منه الانكسارات التي حصلت بفعل عوامل خارجية ومؤثرات سياسية عمدت الى تضخم الفوارق وتفجيرها ، وتذهب الى صناعة التمايزات طلباً للفرقة .
إن محمولنا التاريخي ، السياسي منه بامتياز ، نحترمه ، وحتى عندما ننقده ، فإنما ننقده لا لنقوض ، بل مقدمة لنقد الحاضر والمستقبل الذي نريد أن نستقبله ، فإذا ما أحلناه على الماضي كما هو ، أي من دون تبصر أو نقد ، فإننا نكون قد شرعنا في استقبال الماضي ، وهذا عدوان على الماضي ، ما يعني أن نستدبر مستقبلنا ، وهذا عدوان على المستقبل وعلى كل شيء .. إذن فهذا الموروث لا بد من تعطيل بعض فعالياته ، إذا ما أردنا أن ننجز مستقبلنا الصعب ، والمحاصر بالأسئلة ، والذي لا سبيل الى التخفيف من صعوبته إلا أن نتواضع أو نتواطأ على إنجازه معاً ، ومن دون ذلك سوف يكون منقوصاً ، أو لن يكون أبداً . إن التشبث بالماضي يجعل الماضي عدة لا واحداً ، اي انه يرسخ الصورة النمطية لكل طائفة منا عن ذاتها وعن الطائفة الأخرى ، ونعود الى السيرة في اختراع منظومة ايديولوجية محمولة على الدين موصولة به شكلاً لا مضموناً ، من أجل تبرير فصالنا وقطائعنا ، ما لا يؤدي إلا الى مزيد من دفع غلالنا الى طواحين أعدائنا الذين يحولون هذه الغلال الى أغلال .
إن مجتمعنا أو مجتمعاتنا العربية والاسلامية والوطنية ، لو تركت وحدها ، بذاتها لذاتها ، فإنها مؤهلة لأن تعيد باستمرار اكتشاف قيمها المشتركة ومصالحها المشتركة ، لتؤسس عليها وتعيد تأسيس عيشها المشترك ، الذي يقوم على المعرفة المشتركة والتعارف والاعتراف المتبادل ، وتكامل المختلف وحيوية وقوة المؤتلف ، ارتقاء الى مستوى المواطنة التي تحفظ الجميع بالجميع للجميع تحت رعاية الدولة التي تستمد قوتها من عدالتها ، وتحول قوتها الى عدل وعدالة .
إن المطلوب من أجل الدوام والمداومة على إنجاز التقارب والتقريب والاقتراب من موقعه الأمثل ، أي المجتمع ، هو أن نمنح لمجتمعاتنا مزيداً من الحرية على أساس أن تنتج هذه الحرية نظامها ، أي المسؤولية "كلكم راع" وبالحرية يعرف المجتمع ويتعارف ويتثاقف ويتناصر . يصبح كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً ، ويحمي جماعاته المختلفة من إغراءات الإنقسام ، ذلك ان التجزئة كالمرض ، قد تبدأ من مكان فإذا ما تركت تفشت ، إذن لا بد من حصارها بتأهيل مجموع البدن للممانعة وتكثيف عمليات العلاج الموضعي والوقاية معاً .
لا بد لتحقيق حرية المجتمع من أن نعمل معاً ، دولة ومؤسسات أهلية ومدنية وطلائع علمية في مختلف الحقول والاختصاصات على تخليص المجتمع من ضغط القبليات في كل شيء ، من الطب الى نظام العلائق البيتية وعلائقنا بالآخر ، كل آخر ، حتى العدو لا بد من قراءته بموضوعية واستحضار المستمر لا المنقطع من تاريخ صراعه ضدنا ، وهذه ليست دعوة الى التنصل من الخصوصيات والخيارات الخاصة ، لا بد من فرز الصلب منها عن المرن للاشتغال على مساحة المرونة تأهيلاّ لمقاربة مواقع الصلابة بنوع من التليين لا الكسر الذي يكسرنا " أن هذا الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق " ولكن ليست هذه دعوة الى التنصل ، بل هي دعوة الى لون مركب من القطيعة والوصلة ، بداعي توسيع أو تحرير المساحات المشتركة للشغل في فضائها ، وتضييق مساحات الاختلاف وضبطها وتحويلها من منتج للخلاف الى مجال للتكامل والحيوية والإبداع والتنمية الشاملة كعلاج مستدام لأمراضنا الطارئة والتليدة والعتيدة ، والتي اكتسبناها بفعل تعطيل آليات انتاج المناعة والمضادات الحيوية ازاء ما ينتجه جسمنا الاجتماعي بشكل طبيعي وازاء الأوبئة التي تأتينا من الخارج وتفعل فعلها بمساعدة البيئة الذاتية الملائمة لها . ولا بد لنا أن نرفع الخوف ، بحيث تصبح كل جماعة منا أو حساسية تجد أمانها الذاتي في أمان الجماعة الأخرى- المختلفة –أي في سلامتها وحريتها ، على أساس أن الحرية هي التي تتكفل بإصلاح أعطابها والوقاية منها معرفياً وسياسياً وحياتياً .
بالإضافة الى ذلك ، فإن الاستبداد والقمع والمنع ، وخوف أي جماعة من الجماعة الأخرى ، هذا كله يؤدي الى تغطية وتمويه الإشكاليات ، فيصبح الجميع جهلة بما عندهم وعند غيرهم ، وهذا يؤدي الى التفاقم وصعوبة الحل لاحقاً ، بينما تتيح الحرية ظهوراً للحقائق والأفكار ، حلوها ومرّها ، أي العلم بها لدى المبتلى بها ولدى المراقب المختلف ، ما يؤدي الى إدراك مشترك لمضارها على الجميع ، والانهماك المشترك في علاجها وتلافي استشرائها وما يترتب عليه من مخاطر تطول الجميع .. وإنه لمبالغ ، إن أحسنا الظن ، من يتصور أو يصدق ، بأن خللاُ بنيوياً في جماعة من جماعاتنا الوطنية يقتصر ضرره على أهل هذه الجماعة وحدهم ، دنيوياً وأخروياً ، بل هو يصيب الجميع حتى لو بدا ان جماعة ما بعيدة عن متناول آثاره .. إذن فإن جماعة لا تحفظ حقها ، ما لديها من حق وما لها من حقوق ، إلا بالعلاج المسؤول لباطل الجماعة الأخرى ، أو ما تراه فيها من باطل ، وقد تصيب وقد تخطئ ، والأهم من الخطأ والصواب هو المكاشفة والشفافية والتسديد ، طلب السداد للذات من خلال دفع الآخر الى سبيل السداد والرشاد . وهذا هو معنى الهدى والهداية التي هي تكليفنا الأساس ، أي إخراج الناس ، ناسنا ، من الظلام الى النور ، بخاصة أن بعض الظلام المفترض إن هو إلا اختلاف ، ولا يراه ظلاماً الا القاعد في ركن مظلم يقع وراء فضاء الاسلام الحاشد بالنور والضياء .. ألا يحق لنا السؤال هنا عن الفارق النوعي ، أو في الدرجة الى حد كبير ، بين من تختلف معهم من المسلمين اليوم ، وبين الاسلام والمشركين في فجر الدعوة ؟ ولولا الدعوة ، أي الترغيب والترهيب ، كيف كان يمكن أن تحصل الهداية ويدخل الناس في دين الله أفواجاً وينعم عليهم الرسول excaim بالسماح :" اذهبوا فأنتم الطلقاء" ؟ وإذا كان الترهيب جزءاً من عملية الدعوة مع المشركين ، فإنه مع المسلمين إحالة ظالمة لحاضرنا على الماضي ، مع الفارق الصارخ ، ومع انشغال جميع فرق المسلمين بحالهم ومآلهم على الطريق نفسه ، الذي وإن تشعب ظاهراً ، فإنه يمكن قراءة مساره الذاهب دائماً الى وحدة ، تفريعاً على وحدة المصدر والمصبّ ، المنطلق والغاية التي يصل اليها بقلق أقل من يسلك الطرق السالكة والقصيرة .. ولكن الآخر يصل وإن بصعوبة أكثر ، ونحن جميعاً مكلفون بإزالة عقبات الطريق لا قطعها على الآخر المختلف .
وهنا يأتي دور العلماء ، علماء الدين أولاً ، لأن الشأن شأن ديني أولاً ، وإن كانت انعكاساته تطول كل شيء . إن شراكة الحقول المعرفية والعلمية الأخرى ، والعلماء الآخرين ، لعلماء الدين في هذه المسألة ، مسألة التقريب والتقارب ، أو وضع حدّ أمام استشراء التطرف والتباعد ، أصبحت ضرورة ملحة ، بناء على ما كنا نؤمن به ، أو عدنا لنؤمن به ، من تكامل العلم الديني بالعلم المدني ، وتكامل الفقيه بالقانوني وعالم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والألسنية والأنثروبولوجي والإعلامي والأديب والفنان ، الخ.. إذن ، فللعلماء دور لا ينهض به سواهم في تحويل إرادة التعارف والعيش المشترك الى علم ومعرفة وثقافة وحياة ومشهد وخيار إيماني إنساني وحضاري ، كما هو الاسلام . أي الإرتقاء بذلك كله من كونه مزاجاً شعبياً يقوى ويضعف ، الى إرادة العيش الواحد بمعناه الروحي والمادي ، عن علم وتصميم وتبصّر بالمصالح المشتركة والكرامات المستطرقة .. ولا ننسَ أن القرآن الكريم يقدم الوحدة في السياق على العبادة ، وهذا تركيب يتضمن تراتباً ، أي كأن القرآن يرتب العبادة والتقوى على الوحدة ، لأنها متصلة بالتوحيد الذي هو منبع ومصب العبادة ، أو كأنه يقول والله أعلم : إن لم تتوحدوا فإن عباداتكم منقوصة ، فاتقوا الله في وحدتكم .
وإذا ما قرأنا حركة العلم والعلماء ، على شرط الحرية في تاريخنا ، نجد أن نصاب الوحدة الذي حفظنا عندما حفظناه ، أو قلل من صراعاتنا عندما قلّلنا من صراعنا عليه وتحاورنا فيه ومن أجله ، كان في معظمه من إنتاجهم "إنما يخشى الله من عباده العلماء " والآية واردة في سياق الدعوة الى التأمل في التعدد والاختلاف كسنّة إلهية منطوية على أساس وحدوي راسخ وتكويني فاعل ، والخشية هي التقوى ، هي الخوف من الخطأ والزلل والدم وإخراج الناس من شعورهم بنعمة الإيمان ، الخوف ، هذا الصمام العظيم الذي ينجي المؤمنين من الإقدامات القاتلة ، التي ظاهرها الشجاعة ، وواقعها التهور ، ظاهرها الغيرة ، ومضمونها العصبية التي تذهب بالغيرة وتقتل الأغيار .. الخشية هي التقوى .. وإلا عدنا الى الوقوع في التقية ، والتقوى لا تتجلى إلا في الوحدة ، والتجزئة لا تناسبها إلا التقية ، والتقية على ضرورتها في حالات الخوف ، فإنها سرعان ما تتحول الى مرض سلوكي وفكري يعطل ويفرق العقول والقلوب . والخشية والتقوى هما الناتجان الطبيعيان واللازمان للمعرفة بالله الواحد والاسلام الواحد والكتاب الواحد واليوم الواحد والنوع الإنساني المتحد وأنبياء الله الموحدين وسيدهم الخاتم الذي ختم كأنه قال هذا رشدكم قد اكتمل فلا تتسافهوا .. والذي قام من تاريخ النبوات مقام الخاتم يزين إذ هو يقيد ، ويقيد إذ هو يزين ، وفي الزينة والقيد حرية وكرامة وكدح الى الله تعالى من طرق مختلفة ولكنها متصلة بنقطة البداية ، التوحيد ، ونقطة النهاية ، المعاد .. وتتجسد التقوى والخشية في التماس العالم الرباني والمتعلم على سبيل نجاة ، والعارف الذي عرف التوحيد في الآفاق وفي نفسه ، في التماسه لسلامته في سلامة أمته ، أي سلامة جماعته المذهبية أو الدينية في سلامة الجماعات الأخرى ، ولا تسلم الأمة إلا بسلامة عقلها وروحها وبدنها ولسانها ومجموع جماعاتها ، أي بفقهها أي فهمها للدين وشرعه على أساس أولوية الإنسان فيه وكرامته وأرجحية السلام .
هذا في حين ان الحراك الحزبي السياسي الاسلامي ، ومن دون تسفيه أو تبخيس ، من طبيعته ، لانه اجتزائي (حزب) أي جزء ، أن يقوم على رافعة العصبية ، والعصبية تدخل في كيمياء الإلحاح على طلب التمايز عن الآخر ، الشريك والخصم معاً ، وإن بنسب متفاوتة ، ما يضع الشريك في كثير من الحالات في موقع الخصم ، لذلك فإن الأحزاب الإسلامية يصعب عليها أن تنتج تقارباً بالمعنى العميق ، وإن كانت لا ترفضه ، ويبقى تمايزها المذهبي أو السياسي ، حالة تعرضها الى الانشقاق والاحتراب الداخلي .. والتقارب الذي ننجزه خارج الأحزاب الإسلامية ، لا في وجهها ، بل ومن أجل أهدافها السامية ، اي الما فوق حزبية ، أو ننجزه بالتعاون معها بناء على صحة إسلامها وصدقية إيمانها ، يلزمها ويلزمنا بأفكاره وقيمه ، ويعمم نعمه علينا جميعاً ، ويؤهلنا معاً للتصدي للأهم من شؤون حياتنا ومستقبلنا وأهلنا وأجيالنا المحاصرة بالمخاطر والأسئلة الصعبة والانكشافات الهائلة التي تعرضنا أمامها للمساءلة ، فإن لم نحسن الإجابة فإن الرفض ينتظرنا .
ختاماً ، فإني أعرف نفسي ، فأنا رجل دين مسلم شيعي لبناني خريج حوزة النجف في العراق ، تعلمت التقريب من التاريخ الذي لا بد من إعادة قراءته ، على هذا الحرف الجميل ، ومن الحوزة التي درست فيها على أساتذة من كل المذاهب ومن مصر خصوصاً (الدكتور حسين نصار والدكتور عبد الله درويش) وتعلمت التقريب والوحدة من فلسطين ، ومن لبنان الذي يعود اليه وعيه بالتدريج ويصرّ على أن يقدم أمثولة للسلم والوفاق بدل الأمثولة السيئة التي قدمها في الحرب ، وأتاح المتدينون فيها لغير المتدينين أن يموهوا أهدافهم وبشاعاتهم بالدين أو المذهب ، إدامة للحرب ولمزيد من فرز الناس واصطفافهم ، مقابل بعضهم بعضاً ، وهدمت جوامع وصوامع وبيع كثيرة ، وما من فريق مسيحي قاتل المسلمين إلا وعاد واقتتل بشكل أبشع ، وما من فريق مسلم قاتل المسيحيين إلا وانتهى الى النهاية نفسها ، ذلك أننا نملك أن نبدأ حرباً من نقطة ما ، ولكننا لا نستطيع أن نوقفها أو نتحكم باتجاهها ، لأن الباطل فيها يلتبس بالحق ، وتتسع مساحة الشبهات ليعمل في مناخها أهل الشر وأعداء الله والإنسان .. هذا وأنا متبرم من فقه المذهب الواحد ، الذي يتحول الى جدل ذهني وأحياناً الى ذهان ضعيف أو معدوم العلاقة بالواقع المعرفي والواقع الملموس ، وأنا مشتاق الى فقه المذاهب ، الى فقه الإسلام الذي يحيي المذاهب ، بما يجلب لها من حيوية الفهم الآخر ، حتى لو كان خاطئاً ، وفهم الآخر .. ولقد تساهلنا كثيراً في أمر مناهجنا العلمية وعلومنا الريادية التي أنجزناها معاً ، فحوّلنا علماً كعلم الحديث أغرى المؤرخين في تأصيل التاريخ على نسقه ، الى علم فرقي ، علم فرق ، أي علم تفريق ، من همومه إسقاط أو تجاوز الرواية الأخرى ، أو الراوي الآخر ، وأحياناً تسقط الرواية حتى لو رويت من طرقنا لأنها رويت من طرق أخرى أيضاً .
حتى ليكاد علمنا أن لا يبقى علماً والعياذ بالله . وهذا ارتكاس الى تاريخ علم الخلاف الذي قد يكون له ما يبرره وقد لا يكون ، ولكن كان ، ولكنه يمنع من الارتقاء به الى مستوى الفقه والأصول المقارنة على أيدي كبار من أهل العلم والحوار خلال القرن المنصرم ، وفي شتى الحوزات الدينية ، وأسماؤهم معروفة . ولا أريد أن أذكر الأسماء حتى لا أظلم بعضهم بالنسيان .. والواجب أن نصل بالفقه المقارن الى نهايته المنطقية أي فقه المذاهب ، أي فقه الإسلام ، لا بمعنى أن نقصر الاختلاف على الاتفاق تعسفاً ، بل بمعنى أن نحتمل ونظهر ما نحتمله من صواب للرأي الآخر .. والغاية الغاية ، أن يعرف بعضنا بعضنا الآخر تفصيلاً لا رجماً بالغيب ولا وقوفاً عند رأي واحد لفقيه واحد قد يشكل استثناء في مذهبه لا قاعدة .
هذا ، وفي ذهني مسألة كمسألة مواقيت الصلاة والصوم ، حيث انتهت الى أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، في مرحلة التأسيس في القرن الرابع والخامس الهجري ، كان كبار فقهائها المؤسسين والذين ما تزال لهم هيبتهم العلمية ، كانوا ، مستندين الى روايات عن أهل البيت والإمام الصادق بخاصة ، يفتون بالصلاة والإفطار في رمضان على سقوط قرص الشمس ، وإن ناقش بعضهم في ذلك ، والتزم بذهاب الحمرة المشرقية كإمارة على سقوط القرص أو الغروب ودخول الليل .. وقد غابت هذه المسألة من التداول العلمي ، وإن بقيت في المتداول العلمي ، وقد تم ذلك ، تحت تأثير عملية التهميش والعزل التي حدثت في العهد السلجوقي والمملوكي وتفاقمت في فترة الصراع بن الصفويين والقاجاريين في إيران وبين العثمانيين .. إن هناك نماذج لما يمكن أن تنتهي اليه مسيرة العلم والعلماء من تقارب منهجي وفي العمق ، أي من كشف نسبة التوافق الغالبة في مبانينا الفقهية التي نقيم عليها خلافاتنا بتعسف أحياناً ..
وللتوكيد بأن الإطلاق والتعميم في القول بالنمطية المغلقة لفقه وفقهاء المذاهب الإسلامية هما ظلم لهذه المذاهب وأهلها وتجميد للحركة العلمية التي قد يبدو ، لظروف استثنائية تأتي من خارج عملية الاستنباط ، وكأنها جامدة ، الى أن تعود التطورات وحركة التواصل العلمي والأهلي بين المسلمين ، لتحرك السواكن ، وتكشف أن الجمود على الفوارق انما هو طارئ وليس منهجاً ، وتقدم دليلاً على حيوية العلم والفكر والفقه الاسلامي ، بحيث تغري أهل التقريب بمتابعة جهودهم من دون يأس وبالحكمة والدأب اللازمين ومن دون استعراضات ، أو تسرعات تقطع الطريق على أهل الغايات والاهداف النبيلة .. للتوكيد .. نذكر أن عدداً من فقهاء الشيعة الإمامية ، كسر الحواجز بمنهجية جعلته علامات على أن المشترك الإيماني والتوحيدي والاجتهادي واسع ، وأبوابه مفتوحة .. وإن كان من طوّر السياق المذهبي فقهياً ، من دون أن يخرج منه أو عليه ، قد واجه رفضاَ وشجباً من البعض ، فإنه لاقى قبولاً أيضاً من بعض فقهاء مذهبه ولاقى تفهماً علمياً من البعض الآخر ، الذي عارض ولكنه لم يخرجه من ملته .. وهذا مالوف في مساحة الاختلاف داخل كل مذهب ، وفي حالات تتعدى اقتراب الفقيه من فقه مذهب آخر ، الى حالات اختلاف وخلاف داخل النسق المذهبي الواحد .. ومن الشواهد على كلامنا هذا ، الفقيه الإمامي محمد بن أحمد بن الجنيد البغدادي الملقب بالكاتب المشتهر بالإسكافي ، والذي يصفه ميرزا باقر الخوانساري الأصبهاني الشيعي الإمامي المتشبث بمذهبه ، في كتابه "روضات الجنان" الجزء السادس ، بقوله :" العالم الفقيه والمجتهد النبيه" ، اذن ، فهو مقر بفضله ونباهته واجتهاده ومتفهم لهذا الاجتهاد من دون إنكار بأنه يخالف المألوف من مسلك فقهاء الإمامية ، ومتى ؟ لقد ولد هذا الفقيه سنة 250 للهجرة وعاش عقوداً من القرن الرابع الهجري ، أي في عهد التأسيس الفقهي الشيعي الإمامي في ضوء ما يعتقد الشيعة بأنه الغيبة الكبرى للإمام المهدي (329هـ) وتحول العملية الفقهية من الأئمة الى الفقهاء ، ما يعني ان الفترة كانت شديدة الحساسية ، وقد تُعرِّض الفقيه المتمايز الى التهمة والقطيعة .. ولكن ذلك لم يحصل والدليل على ذلك ، ان الخوانساري يقول متكئاً على كتاب "أمل الآمل" للحر العاملي ، أول مؤرخ لفقهاء الشيعة (توفي سنة 1104 هـ) :" كان هذا الشيخ أول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة وأحسن الظن بأصول فقه المخالفين من علماء الشيعة ، وتبع في ذلك الحسن بن ابي عقيل العمّاني ، المتقدم ذكره ، السنّي والمعاصر لشيخنا الكليني ، إذن، فالرجل ليس بدعاً ، فهناك غيره من المخالفين في أصول الفقه من العلماء ، ومنهم ابن عقيل في زمن الكليني (الثلث الأول من القرن الرابع الهجري)..
ويذكر الخوانساري ان ابن الجنيد هذا "عمل بالقياسات الحنفية واعتمد على الاستنباطات الظنية" ، فماذا قال فيه كبار الفقهاء في فترة التأسيس ؟ ونبدأ بالشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت 461 هـ) ، وهو شيخ الطائفة الإمامية وقتها من دون منازع ، حيث قال عن ابن الجنيد "كان جيد التصنيف ، حسنه ، إلا أنه كان يرى القول بالقياس" ، وكان الطوسي يتبع سلفه الكبير محمد بن أحمد بن النعمان (الشيخ المفيد) ( توفي 413 هـ) في تقديره لابن الجنيد ، وقال فيه كبير الرجاليين الشيعة (النجاشي) ، صاحب كتاب "رجال النجاشي" ، من ذات الرعيل الأول :" سمعنا شيوخنا الثقات يقولون عنه انه كان يقول بالقياس ، وأخبرنا جماعة بالاجازة لهم بجميع كتبه ومصنفاته " ، وقال العلامة ابن مطهر الحلي من كبار علماء الشيعة في القرن السابع الهجري عنه " كان شيخ الطائفة ، جيد التصنيف ، حسنه ، وجه في أصحابنا ، ثقة جليل القدر .. صنّف فأكثر" ، وأضاف العلامة قوله :" وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد ما صورته – وقع إليّ من كتاب تهذيب الشيعة لابن الجنيد – مجلد واحد .. فتصفحته ، ولمحت مضمونه فلم أرَ لأحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه ، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ولا أدق معنى ، وقد استوفى منه الفروع والأصول ، وذكر الخلاف في المسائل وتحرى ذلك واستدل بطرق الإمامية وطريق مخالفيهم ، وهذا الكتاب اذا أُمعن النظر فيه .. علم قدره ومرتبته وحصل منه شيء كثير ولا يحصل من غيره".. هذه شهادة عالية القيمة لأنها من العلامة الحلي الذي شكل مفصلاً كبيراً أو حاسماً في تاريخ الفقه الشيعي ، حيث يعود اليه فضل إقامة مدرسة الاجتهاد الفقهي الإمامي ، في القرن السابع الهجري ، وفي أعقاب فترة الجمود الذي ساد العهد السلجوقي على مدى أكثر من قرن ونصف القرن .. الى ذلك ، فإن السيد المرتضى تلميذ المفيد وشيخ الطوسي يقول :" إنه قد كان في رواتنا ونقلة أحاديثنا من يقول بالقياس ، كالفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن ، وجماعة معروفين ".. ورواة الشيعة ونقلة أحاديثهم في تلك الفترة هم فقهاؤهم ، لأن الكلام عن الفترة السابقة لتأسيس مدرسة الاجتهاد بعد نهاية العهد السلجوقي .
لقد تفارقنا الى حد أنه أصبح من الصعوبة بمكان على جمهورنا أن يعود معنا إذا عدنا ، الى العمل بما نتفق عليه من مواقف وأحكام سبق لنا أن اختلفنا فيها ، ويتصور الجمهور الذي ربيناه على المفاصلة بشكل يشعر العلماء وأهل الاعتدال والبحث عن المشترك وتحرير مساحاته بالخوف ، فيواطئون –بعضهم إن لم يكن أكثرهم أو ما عدا قلة منهم - جمهورهم ، ما يؤدي الى الوقوع في شبهة بالغة الخطورة ، وهي التباس العلم بالانفعال والجهل ، وانقلاب الرواد الى تابعين ، والتابعين الى رواد .. وبين هذا وذاك ، يسقط علم كثير وعلماء كثر ، وحبر كثير .. وأحياناً ، بل دائماً يسقط دم كثير وحرام ..
ولو تواصلنا أكثر وبشفافية أكثر ، لأمكن من جديد أن نحوّل الجمهور الى الالتزام بنتائج الخبرة العلمية ومرجعيتها ، بدل أن تستشري العصبيات وتحول أكثر العلماء الى الحفاظ على مكانتهم في الجمهور ، من خلال تحولهم الى فقهاء شباك ، أو فقهاء العرض والطلب .
ومثال آخر ، فإن فقه المقاصد قد تأسس واستمر وكأنه شأن أو اختصاص أهل السنة حصراً ، ولهذا أسباب تاريخية واقعية ، تتصل بمسألة الدولة التي كانت سنية في الأعم الأغلب ، أو سنية مع استثناءات قليلة ، الدولة الحمدانية ، الدولة المشعشعية في خوزستان ، الدولة الفاطمية الخ . وكان المستجد الحياتي والمعرفي والتنظيمي والعلائقي والإداري والتدبيري على العموم ، يتحداها ، أي الدولة السنية ، ويتحدى العلماء ويحثهم على التكييف والتأصيل ، أي فتح النصوص على المسائل المستحدثة ، من هنا تمت عملية ، نضجها الشاطبي ، ذات منحى تجريدي في صياغة المقاصد الشرعية ككليات تستوعب المستجد والطارئ والمتغير في المكان والزمان والحال ، صيانة للثوابت وإبقاء على منهجية العلاقة بين الموضوعات والأحكام .
وأخيراً انتبه الشيعة الإمامية ، الاثنا عشرية ، وقد ابتلوا بالدولة وابتليت بهم ، الى ان هناك فراغاً فقهياً لديهم فيما يتصل بالمقاصد ، حيث كشفت لهم التجربة ، أن هناك أسئلة ومسائل لا عهد لهم بها ، أو لم يبتلوا بها ، وهكذا بدأت النقلة الشيعية الى فقه المقاصد ، وتكاثرت الكتابات والكتب والأبحاث في هذا الشأن ، خلال السنوات الأخيرة .. اقول هذا مذكراً بما قدمته مما يعني أن فقه المقاصد في مذاهب أهل السنة مستجد ، وإن كان أقدم بقرون منه لدى الشيعة .. ولكن ذلك يعني في النهاية ، ان استيعاب الحاضر والشراكة في بناء المستقبل ، تستدعي نقداً ، من أجل التخفيف من الزوائد غير النافعة ، وملء الفراغات على قاعدة الاعتراف بأن الموروث المعرفي للجميع ، إلا أنه من إنتاج الجميع ، وما أنتج منه على أساس الاختلاف أعمق وأغنى مما أنتج على أساس الاتفاق ، حتى لو كانت فئة واحدة قد أنتجت مستوى منه وحدها ، ولا أعرف كيف ؟ فإنها لم تنتجه ، إلا على قاعدة المعرفة المشتركة بنت الإسلام والإيمان المشترك .. ونيابة علمية مشروعة عن البقية .
إني أنا هنا ، الشيعي أدين في مستوى العمق من إيماني وإسلامي الى قسم من علماء السنة لا يقلّ عمن أدين لهم بذلك من علماء الشيعة ، وما وجدت العلماء العلماء من أهل السنة مرة يخاطبونني من أجل انتقالي من مذهب الى مذهب .
هذا دين وهذا علم من ذهب ، قدمه يزيده ألقاً .. إلا إذا تحوّل الماضي الى مقبرة لهذا المذهب ، الذي لا بد أن يلمع أمام أعيننا لنبحث عنه في المستقبل .
من أدعية زين العابدين "اللهم صل على محمد وآل محمد وألبسني زينة المتقين في بسط العدل وكظم الغيظ وإطفاء النائرة وضم أهل الفرقة وإصلاح ذات البين وإفشاء العارفة وستر العائبة ، وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة ولزوم الجماعة ووفقني إذا اشتكلت عليّ الأمور لأهداها وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها وإذا تناقضت الملل لأرضاها". *







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


السيد هاني فحص
2013/03/12 | مقالات | القراءات:2862 التعليقات:0
2012/07/27 | دراسات المركز | القراءات:4006 التعليقات:0
2012/06/24 | مقالات | القراءات:3031 التعليقات:0
2011/10/15 | مقالات | القراءات:3321 التعليقات:0
2011/10/01 | مقالات | القراءات:3773 التعليقات:0


ارسل لصديق