الرفاعي: الدين هو الذي يمنح الكائن البشري معنى لحياته وسلوكه*
حوار مع: د. عبدالجبار الرفاعي
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/07/30
التعليقات: 0 - القراءات: 2114

كان لولادته في ريف ذي قار عام 1954، الأثر البالغ في مسيرة فكره وتوجهه الى روح الأشياء، حتى الدين؛ فهو الحاصل على دكتوراه في الفلسفة الإسلامية،

حاوره في بغداد: علي السومري


 بعد ان انخرط في دراسة العلوم الإسلامية في الحوزة العلمية في النجف عام 1978، مكملاً بقية دراسة السطوح والبحث الخارج في حوزة قم العلمية، متتلمذاً على أبرز مجتهدي الحوزتين. إنه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الباحث والمفكر والعلامة، الذي تبنى تحديث اللاهوت ــــــــ علم الكلام ــــــــ في كتاباته التنويرية، له أكثر من أربعين مؤلفاً؛ بينها مؤلفات وصلت اجزاءها الى اكثر من عشرة مجلدات، وهو أيضاً استاذ دراسات عليا لمادة الفلسفة الاسلامية، والمنطق، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والفقه. ومن أجل تسليط بعض من الضوء على منهاجه الفكري، لذا ارتأى ملحق ـــــــــ أدب وثقافة ــــــــــ في صحيفة الصباح اجراء حوار معه، ولأن الدكتور (الرفاعي) لا يمكن ان تسعه صفحتنا الواحدة، لذا سيكون هذا الحوار مقدمة لحوار موسع سنجريه معه لاحقاً في أعدادنا المقبلة، حوارنا هذا ابتدأناه بسؤال:

ماهو مفهوم المقدس؟


يتسع مفهوم المقدس للعديد من المعاني، وتتنوع تعريفاته بنحو يعسرالامساك بمعنى واحد له، ذلك ان مثل هذا المفهوم يدخل في شبكة واسعة من العلاقات المفاهيمية، ويتغلغل في نظام معقد من المراجع والاحالات المكونة من احكام قيمية. فقد يعرف المقدس بأنه في مقابل الدنيوي، أو يعرف بأنه مقابل المدنس، ويعرف المقدس بأنه كل شيء متعالٍ، أوهو ما يحن وينجذب اليه الانسان، وينشغل به الى أقصى حد، ويعرف بأنه مايرتبط بالدين ورموزه وتعبيراته. وقد يقال في تعريفه بأنه مقابل الطبيعي، أو اليومي، أو العادي، أو الممل، أو الرجس، أو الخبيث، والعلاقة بين المقدس والدنيوي مرنة ديناميكية وحركية، فربما يستوعب المقدس شيئا من فضاء الدنيوي، حين يتمدد في لحظة ما فيدمج مساحات اخرى من الدنيوي اليه.

هل المقدس يساوي الديني أو لايساويه؟ 


لا شك ان مجاله مرتبط بما هو ديني في الكثير من نماذجه وحقوله، لكن أحياناً للمقدس مجال خارج الدين بمفهومه المتداول والمتعارف، لأنه يرتبط أيضاً بطبيعة المجتمعات وحدوده فيها. إن فضاء المقدس مفتوح وليس مغلقا، ومداراته غير متناهية الأبعاد، فهي تتنوع بتنوع الثقافات والأزمنة، وتتعدد بتعدد الجغرافيا البشرية، فكل شئ سواء كان انسانا، أو كائنا آخر، أو زمانا، أو مكانا، يمكن ان يغدو مقدسا في اطار مشروطية معينة. من خلال انثروبولوجيا الدين، وسسيولوجيا الدين، وعلم نفس الدين، والهرمنيوطيقا؛ بوسعنا ان نتعرف على تجليات المقدس وتعبيراته وطبقاته ونفوذه وعوالمه ومجالاته. المقدس ظاهرة أبدية موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وإحدى البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات شديدة العلمنة ـــــــ اذا صح التعبير ـــــــ لا يمكن ان تغادر المقدس، لأنه موجود في بنيتها العميقة، ونجد دائماً تعبيراته في حياتها.
ففي المجتمعات الغربية، التي نظن بأن الدين اختفى من حياتها، الدين مازال حاضرا لديها، لكن طبيعة حضوره في هذه المجتمعات مختلفة عنها في مجتمعات اخرى. كنت قبل اشهر في مدينة اثينا، مما لفت نظري هناك، ان معظم الناس الذين شاهدتهم في وسائل النقل العام، الشباب والشيوخ، من النساء والرجال، كانوا يلبسون الصلبان، أو تبدو على ملابسهم رموز دينية. معنى ذلك ان الدين ما زال مترسبا في البنية العميقة للمجتمع. صحيح ان الدين لا يتجلى بوضوح في الحياة الاجتماعية الغربية، أو المدنية، أو ينعكس على الادارة والعلاقات والشأن العام بشكل مباشر، لكنه مازال لابثا في لاوعيهم ووعيهم، بمعنى ان الدين ليس غائباً ولم يندثر أو يختفي، وان كان مجال حضوره لديهم غيره في الجزيرة العربية. الدين ظاهرة مستمرة متواصلة، وحاجة بشرية لا يستغني عنها الانسان، غير ان تعبيراته وتجلياته وتمثلاته وطبيعة حضوره مختلفة من مجتمع لآخر. حينما تزور أيّ مدينة غربية، وتدخل المتاحف أو الكنائس، أو الكاتدرائيات، أو المباني القديمة تشاهد الكثير من الرسوم والصور واللوحات الفنية والتماثيل، من مختلف عصور التاريخ الاوروبي، خاصة العصور الحديثة، تجد ان معظم الآثار الفنية ترتسم فيها الايقونات والثيمات والاشارات والايماءات الدينية، ومن يجهل اللاهوت والميراث الديني المسيحي والكتاب المقدس يتعذر عليه فهم عدد كبير من هذه الآثار. وحسب قول إمبيرتو إيكو: ((من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريبا اذا ماكنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، اضافة الى قصص القديسين)).
المقدس هو موضوع الدين في مبحث العلوم الإجتماعية، وفي سوسيولوجيا الدين تحديدا. وقد ركز السوسيولوجيون الأوائل، أمثال أوغست كونت، وجيمس فريزر، والمتأخرون عنهم أمثال دوركهايم، وفيبر، على أن الدين يبحث في ما هو مقدس، ويحتكر هذا المفهوم، في الوقت الذي تنفتح فيه العلوم الإجتماعية الأخرى على تخوم المعرفة دون إحتراز. فالعلم، بحسب علماء الإجتماع، لاينكص عن الولوج الى عوالم ما قد يُعد مدنسا بحسب المقولات الدينية. على أن هذا الموقف قد سبق الفصل الحاسم بين ماهو ديني و ما هو دنيوي، إذ أن هذا الفصل ارتكز في مفاهيمه لاحقا على الربط بين الدين وبين موضوعه الحتمي وهو المقدس. وقد أصبح هذا الموقف المفاهيمي منذ النصف الثاني من القرن العشرين مثار جدل وبحث عميقين ومستمرين لدى اللاهوتيين ولدى علماء الإجتماع على السواء.

ماهي الحاجة لحضور الدين؟


عطفا على كلامنا عن بيان مفهوم الدين، أود أن أتحدث عن تعريف للدين عبر وظيفته، كيما تتضح الحاجة الى الدين. من المعلوم ان قضية التعريف من القضايا التي يدور حولها كلام واسع في المنطق، يقسمون التعريف الى: حد ورسم، والحد الى: حد تام وحد ناقص، والرسم الى: رسم تام ورسم ناقص، الى آخره. لا أريد الدخول في هذه التفاصيل المعروفة في المنطق الأرسطي. ومثلما يمكن ان نتعرف على شيء عبر اضداده مثلاً، كماعرفنا المقدس بأنه يقابل المدنس، يمكن ان تعرف الأشياء بوظائفها، يمكن ان نعرف الدين بوظيفته. وظيفة الدين هي انتاج المعنى، والدين يضيئ ماهو مظلم في حياتنا، ويكشف عن الجمال في الاشياء، بل انه لا يقتصر على كشف جمال الأشياء، بل قد يستطيع المتدين من رؤيتها شفيفة رقيقة، متناسقة مع عناصر الكون ونظامه، لترتسم معه في لوحة مشرقة وهكذا يغدو العمل في حياة المتدين أيسر وأقل مشقة، ويمنحه قدرات اضافية على مواصلة الكدح والجلد والمثابرة. وكما ان نمط انتاج الآلات ووسائل الانتاج المادية مادي، فإن نمط انتاج الدين يرتبط بالمعنى، اي انه يخلع معنى على مالا يمكن ان تمنحه الوسائل والأدوات الأخرى التي يمتلكها الانسان، ويتنوع هذا المعنى حسب تنوع الظروف والأحوال، واستعداد الأشخاص الروحي، ومستوى اطلاعهم على الفكر الديني، ووعيهم الحياتي وثقافاتهم. يستعرض أنتوني غيدنز، في كتابه المدرسي "علم الإجتماع" وكذلك علماء إجتماع آخرون، بعض المقتربات لتعريف الدين. منها المقترب الوظيفي، والمقترب الجوهري أو الوجودي، والمقترب الشكلي. المقترب الوظيفي هو امتداد للبارادايم الوظيفي الذي أسسه دارونز، وحمله البارادايم البنيوي الى مدى أبعد، كما بدت بواكيره في أعمال إيميل دوركهايم، وكلود ليفي شتراوس لاحقا. ويركز دوركهايم على دور الدين الإجتماعي في حفظ علائق الأفراد، وتعزيز أصر التضامن الجمعي، فالدين كما يراه دوركهايم هو نتاج العقل الجمعي، وصنو المجتمع، بل هو نتاج المجتمع. وعلى الرغم من أن الدين يُعد نظاما سيميائيا كبيرا ومعقدا، إلا أن المعاني التي ينتجها هذا النظام تشتغل على المستوى الرمزي بأعلى طاقاتها، ثم تتحول الى مستوى الفعل في العالم الخارجي/ الموضوعي.

طيب ماهي الحاجة الى المعنى؟

مارتن هايدغر يقول: "ان الانسان هو الكائن المسكون بمشكلة منح معنى للوجود". عندما تعود الى الميراث الفلسفي واللاهوتي، تجد أحد أهم الأسئلة وأعمقها، والذي مازال حتى الآن يكرر نفسه، هو التساؤل عن معنى الحياة. وأبرز التيارات الفلسفية، خاصة الفلسفة الوجودية، التي ظهرت في التأريخ القريب للبشرية، مهمة هذه الفلسفة هي البحث عن معنى للحياة، ومعنى للوجود، ومعنى لهذا العالم. فاذا كانت مهمة الدين هي انتاج المعنى، فإن هذه المهمة من أخطر المهام في الحياة، وفي العالم الذي نعيش فيه. مضافا الى إنتاج المعنى، يقدم الدين جهازَي تفسير وتأويل، وهو على ما يبدو النظام العلاماتي الوحيد الذي يولد المعنى، ويقوم على تفسيره و تأويله. على عكس الأنظمة الأخرى التي تترك "للمستلم/المتلقي/المستمع/القاريء" حرية فهم المعنى، وتحليله، وتفسيره، وتأويله. كما ان الدين يخترق مجال الخيال، فيشكله ويصوغه ويعيد تكوينه، فمثلا المسيحية استطاعت صياغة هذا المجال، من خلال اللوحات الفنية والتماثيل والايقونات والكاتدرائيات والكنائس والأديرة، فضلا عن السينما والمسرح. ويذهب بعض المفكرين الى ان معركة المستقبل يحسمها من يستطيع السيطرة على مجال الخيال.

وهل من طريقة برأيك لإنتاج المعنى؟

يستوعب هذا العالم أشياءً لا حصر لها، لا ندرك معناها. الدين يمعنن ذلك، يفك الألغاز، أو تغدو الألغاز من منظور المتدين ذات مضمون، يفيض بمعان يستقيها من رؤيته الدينية. الدين يخلع معنى على ما لا معنى له, المهمة المحورية للدين معننة الحياة. أما كيفية انتاج المعنى ووسائل الدين في ذلك، فتتحقق عبر مجموعة من الوسائل والروافد والميكانزمات، وواحدة من أهمها هي الرموز، الإنسان بطبيعته كائن رمزي أو حيوان رمزي. حياة الأنسان كلها رموز، كل شيء رمز، وكل شيء علامة، ولكل علامة ورمز معنى. تنتشر الرموز انتشارا واسعا في المجتمعات البشرية، لايخلو مجتمع من الرموز والإشارات والعلامات. دراسة الأنساق الرمزية والأنظمة السيميائية مدخل هام لدراسة الثقافات، وتفسير أنماط السلوك الجمعي، وتحليل الظواهر الاجتماعية."تعد الرموز بالفعل أدوات جيدة وصالحة للتفكير" حسب كلود ليفي شتراوس. الدين متى اتسع مجال الرموز فيه كان أثرى وأعمق، بمعنى ان الشخص المتدين بذلك الدين المشبع بالرمزية يستقي منها سيلا لاينضب من المعاني. الدين يهتم باللباس، والطعام، والمكان، والزمان، وبكثير من الأشياء، فعندما يكتسي اللباس بشفرات وإشارات ومفاهيم قدسية خاصة، وقتئذ يتحول الى رمز وعلامة، يخرج فيها من مجاله الدنيوي الى المقدس، مثلا الكفن، هو نمط من اللباس الذي يُلبس للميت، قبل غسل الميت واجراء عملية التكفين كان الكفن قماشا عاديا، غير انه بعد اجراء طقوس التكفين، يتحول الى لباس مختلف، اصبح كفنا، له مفهوم مختلف، انه محترم مصون، يفيض معنى جديدا لم يتضمنه من قبل ان يغدو كفنا، تضمن شفرة معينة، وصار منتجا لمعنى آخر. وهكذا اللباس الذي يرتديه الحاج في الحج ــــــــ الاحرام ـــــــــ فإنه ينتقل من كونه قماشا عاديا الى لباس مقدس، بمجرد ان يرتدي الحاج ملابس الاحرام، ينتقل الى فضاء بديل، يصير بحالة اخرى، يصبح لديه نوع من التحول بعد دخوله ذلك الطقس، وارتدائه لباس الاحرام. لهذا اللباس وظيفة رمزية روحية، انتجت سلسلة من المعاني. وهكذا عندما يُتخذ زمان معين عيداً، أومناسبة دينية، اويُتخذ مبنى أو مكان معبداً، فيعني ذلك ان الدين منح هذا الزمان أو المكان رمزية خاصة، أعطاه شفرة خاصة، أضاف اليه اشارة تلمح الى انه صار مقدسا. يمسي هذا الزمان مختلفاً عن الزمان الآخر، اي الزمان العادي الممل. الدين عندما يعتبر زمانا ما عيدا مثلا، فأنه يرتقي ويتسامى به ويمنحه وظيفة اخرى، وكأنه أعاد الزمان الى فجره، ذلك الزمان الذي لم يتلوث، لم يستعمل بعد، انه زمان طاهر غير مدنس. العيد مناسبة لأن يجدد فيها الأنسان الزمان، ويتخلص من رتابته وتكراره، ينتقل به من زمان يفتقد معناه الى آخر يفيض بالمعنى. ما أريد أن أخلص اليه هو ان الدين منتج للمعنى، وواحدة من أهم الوسائل التي يعتمد عليها في هذا النوع من الانتاج، هي الرمز وماينجزه من أنساق رمزية. كذلك يوظف الدين الطقوس لانتاج المعنى، اي ان العبادات ايضاً يوظفها في انتاج المعنى. الدين يهتم بتقديم الروح على القانون، ومن المؤسف جدا ان الاتجاهات السلفية، والتيارات الدنيوية، أو ما يمكن ان يصطلح عليه "البروتستانتية الاسلامية"، أهدرت معظم الأبعاد المعنوية والرمزية والجمالية والروحية في الدين، عندما اختصرت وظيفة الدين، وتلاعبت بمهمته، فجعلته وقودا لعربة السياسة، وطمست وظيفته الأصلية في انتاج معنى لحياة الإنسان.

طيب دكتور، كيف جرى التلاعب بوظيفة الدين في مجتمعاتنا الإسلامية؟

عندما يتحول الدين الى مؤسسة، أي يتمأسس، يتحول الى واحدة من المؤسسات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، فإن هذه المؤسسات ترتبط عضويا بكل ما يعيشه المجتمع من مصالح وملابسات وتناقضات. الأيديولوجيات والمؤسسات في المجتمع مشتقة منه، ومعبرة عن كل ما يضج فيه من اختلافات، وصدامات، ومصالح، ،و ...الخ. الجمعيات والاحزاب والمؤسسات محكومة بذلك، وهكذا القبائل والعشائر والتجمعات والنقابات المهنية. الدين عندما يتمأسس، ويصير احدى المؤسسات الايديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإنه ينخرط في هذه التناقضات والملابسات. حين نعود الى تاريخ الاسلام كديانة، نرى الاسلام الذي كان متعارف عليه بين المسلمين هو ما يمكن ان نطلق عليه إسلام الأغلبية ، وأعني بإسلام الأغلبية، الإسلام العام مقابل الإسلام الخاص، أو إسلام الجماهير، الإسلام الشعبي، إسلام الناس، إسلام أمي وأمك، وأبي وأبيك، وكل هؤلاء الناس، الذين هم مسلمون، محكوم باسلامهم، يولدون مسلمين، ويموتون مسلمين، ويدفنون في مقابر المسلمين، هذا الاسلام كان غنيا بالأبعاد الروحية والمعنوية والرمزية والجمالية.

ماحصل في المرحلة الحديثة من تاريخنا، انما هو ترحيل لوظيفة الدين، فأصبحت وظيفته سياسية نضالية كفاحية، وبذلك جرى نقله من مجاله الرمزي المعنوي الروحي الجمالي، الذي هو مجاله الطبيعي الى مجال آخر، وهنا تغلب فيه القانون على الروح، وأصبح الدين آيديولوجية سياسية صراعية، ايديولوجيا أهدرت أبعاده الرمزية والجمالية والروحية والمعنوية.

لماذا هذا الصراع بين القانون والروح، ألا توجد طريقة يتوحد فيها الطريقان ليفضيا الى صياغة المعنى الواحد؟

لأضرب لك مثالاً في مجتمع من المجتمعات الحديثة، وهو المجتمع الفيتنامي، فقد استمر هذا المجتمع طوال نصف قرن يقاوم الاستعمار الفرنسي ثم الاميركي، وتعرض للتدمير والابادة، ثم تحررت فيتنام وانتهت المقاومة، ووجد المجتمع الفيتنامي نفسه خارج منطقة الحرب، فانشغل بإعادة البناء والتنمية، ولم ينشغل بإعادة انتاج الكراهية للمجتمعات الغربية، والعلم والمنجز التكنولوجي الحديث. مقاومتهم وقتالهم لم تكن منبعاً لكراهية المجتمعات الغربية، وانما وجد نفسه بكل سهولة يمكن ان يتعاطى مع العلم الغربي والمجتمعات الغربية، من دون عقدة، أو مشكلة، واستمرت حياته بشكل طبيعي. 

ماهو السبب؟ وكيف لم تتمكن مجتمعاتنا من التعامل مع (المستعمر) بهذه الروحية؟

ان الروح لديهم متغلبة على القانون ــــــ طبعاً انا مناهض للاستعمار، ولأي شكل من أشكال الامبريالية من المؤسف؛ ان مجتمعاتنا خاضت هذه الحروب، وتحررت من الاستعمار، لكنها ظلت تعيش عقدة، تكمن في عدم القدرة على التعاطي مع العلم والمعرفة والمكاسب والمنجزات الحديثة بشكل حر، من دون ان ترى فيها الصورة البشعة للامبريالية والاستعمار، وبقيت هذه العقدة متحكمة وغارقة في اللاوعي الجمعي، وأضحت منبعا لسلسلة من متاهات الشباب والشيوخ في عالمنا، ورصيدا هائلا تعبث به وتستغله الجماعات السلفية الأصولية، والقومية، وكافة الاتجاهات والتيارات والأيديولوجيات، التي كرست حالة الانحطاط والتخلف بنحو مزمن، من خلال خديعة الناس بهوامات وغوايات مصطنعة، عطلتهم عن بناء بلدانهم والمساهمة في تنميتها وتطويرها. كان صدام حسين وشعاراته ومعاركه أبرز نموذج لذلك، اذ كان يستثمر رصيد الكراهية العميق، ويوظفه ببراعة مثلما يريد ويهوى، وحسبما تحركه غرائزه ونزواته. ان الحركات القومية والسلفية المتحدة في رؤيتها ومنطلقاتها أهدرت الروح وتمسكت بالأيديولوجيا، وتمحورت أدبياتها وأساليبها في التثقيف والتربية، على تجذير نزعة الكراهية للآخر، والدفع بها الى أقصى المديات. اذكر لك مثالا آخر، هو جنوب افريقيا، عاش شعبها فترة طويلة من تاريخه القريب في ظل سياسة تمييز عنصري بغيضة، عطلت حياتهم، وصادرت حقوقهم، وكان نيلسون مانديلا احد ضحايا سياسة التمييز، ولبث في السجن اكثر من ثلاثين عاما، بعد ذلك استطاعت جنوب افريقيا من تجاوز حالة التمييز العنصري بقيادة مانديلا وسياسات التسامح والصفح والغفران التي انتهجها، وانتقلت جنوب افريقيا من حالة الأحقاد والضغائن الى الصفح، لأن ثقافتها مكنتها من اعتماد هذا النمط من السياسة، وانطلق هذا المجتمع من جديد في رحلة العيش سويا في فضاء التنوع والاختلاف، وبدأ يعتمد سياسة تنمية شاملة، تجلى أثرها في كل مجالات الحياة.

من المؤسف ان مجتمعاتنا بقيت مكبلة وتعاني. نحن بحاجة ماسة الى اعادة النظر في هذه الثقافة، وتفكيكها، والخلاص مما حرصت الايديولوجيا القومية والايديولوجيا السلفية على تكريسه. هناك تحالف غير معلن بين السلفية الدينية والقيم والمفاهيم التعصبية القبلية، ينبغي ان لا نغفل فعل و تأثير العقل القَبَلي المتأصل والمستحكم في ميراثنا الإجتماعي، والثقافي، والفكري. لقد عمل الدين الإسلامي على تحطيم أغلال العصبية القبلية، وقوض مفاهيم القبيلة، ومعاييرها وأحكامها القيمية، الغارقة في كل ما هو مادي وأرضي، وفتح آفاق العقل على عوالم التجريد والتأمل، غير ان ما يحدث اليوم هو استدراج الدين الى منطقة القبيلة ومنطقها، وليس العكس، واسقاط النزعات العدوانية القبلية عليه، وطمس أبعاده الانسانية والجمالية والاخلاقية والمعنوية.

كيف ترى أهمية النقد وحاجتنا اليه وخصوصاً بعد ان ظهرت أفكار غريبة متطرفة في المجتمعات الاسلامية؟

تكمن أهمية النقد في أنه أهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، لأن عملية التفكير تعتمد بشكل اساسي على المراجعة والتقويم، وما لم يكن هناك نقد ومراجعة لايمكن ان نفكر بجدية، النقد علامة التفكير بحرية، اما ان نفكر بحرية أو لانفكر أبدا، هذا هو التفكير الذي يضعنا في عصر جديد، وينقلنا الى عوالم مختلفة. يلخص الفيلسوف الألماني الشهير عمانوئيل كانط، شعار الأنوار في جملة واحدة، وهي: (اجرأ على استخدام فهمك الخاص). المشكلة التي نعيشها، هي قلما تجد شخصا يعتمد على فهمه الخاص، في الغالب العقل في اجازة، يعتمد الناس على فهم غيرهم، فهم الآباء، أياً كان مثل اولئك الآباء. عندما يجرأ الأنسان على العودة الى عقله واستخدام فهمه الخاص، ويدرب عقله على ذلك عبر تمارين بالتفكير الجريء المغاير لما هو سائد ومستحكم، من شأنه ان يصل الى نتائج مهمة. (كانط) نفسه يقول: (العقل هو النقد) ولذلك تعرف فلسفة كانط "بالفلسفة النقدية"، لأن كتبه الأساسية تبدأ بكلمة نقد،( نقد العقل المحض، نقد العقل العملي...الخ). في الفكر الحديث والمعاصر، لا يوجد فكر وبجواره نقد، وانما الفكر هو النقد، يعني العملية النقدية ليست منفصلة عن عملية التفكير. طالما قيل : ليس من المناسب ان نثير أسئلة، ان نتحدث باشكالات تزعزع ثقة الناس بقضية معينة. بينما من الصحيح الضروري ان نثير أسئلة حائرة، أسئلة جريئة، اسئلة صعبة، أسئلة كبرى، ينبغي دائماً ان يكون تفكيرنا تساؤليا، لأن التفكير التساؤلي هو الذي يمكننا من الوصول الى ما هو ممنوع التفكير فيه، والمناطق اللا مُفكَر فيها أصلاً. التفكير لا يكون محايدا، فأما ان يكون تفكيرا تساؤليا بحرية، وهو التفكير الذي ينطلق بالعقل بحرية وجرأة فيحطم كافة أغلاله، أو يكون مقيدا مشلولا يقودنا الى العبودية. النقد والمراجعة عمليتان هامتان، وهما شرط كل تطور فكري، ومرتكز لكل عملية تحديث من شأنها تحقيق تنمية شاملة في أي بلد من البلدان.

إذن لا ضرر من إثارة الأسئلة التي تخص الوجود والدين ونشوءهما؟

لا توجد خطورة أو مشكلة من إثارة الأسئلة، هناك منطق تبسيطي، يذهب الى ان هذا السؤال الذي يثار ينبغي ان يكون جوابه جاهزا، من أجل ان لا نثير حالة من الارتياب والشك، وكأنه يفترض ان لكل سؤال جوابا، ولابد ان يكون هذا الجواب نهائيا، بينما هناك أسئلة ظهرت في الحياة البشرية منذ فجر الوعي البشري، وما زالت هذه الأسئلة تتكرر، واجاباتها أيضاً يعاد تكوينها، كما تنبثق لها اجابات جديدة باستمرار. من هنا يمكننا تفسير اتساع دائرة التيارات والمدارس الفلسفية واللاهوتية، وتنوع الآراء والمقولات والاجتهادات لديها على مر التاريخ. فمثلا ذكرنا موضوع معننة الحياة، وكيف ان الأنسان مسكون بمنح معنى للوجود والحياة، هذا احد الأسئلة الكبرى في الوعي البشري، أفاضت الفلسفات وأيضاً اللاهوت بتقديم أجوبة متنوعة عن هذا السؤال. وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية، وهي التي تسمح لنا أن ننقد وأن نراجع، وان يدحض العقل ويكذب شيئا مما كان لزمن طويل يعد من الحقائق الازلية واليقينيات. طب جالينوس وفلك بطليموس وغير ذلك من علوم الأوائل ظلت لعشرات القرون مسلمات، غير ان العلم الحديث نسخها. تاريخ العلوم ينطوي على سلسلة من التكذيبات، وهو بمثابة مقبرة للنظريات العلمية. التساؤل والتشكيك يسمحان لنا بإستئناف النظر في طائفة من الجزميات، والقطعيات، والمسلمات، والبداهات، وقيمة الفكر الحديث والمعاصر انه يستأنف النظر بالمسلمات، وعلى حد تعبير، ادغار موران: (اللايقين يقتل المعرفة البسيطة لكنه يحيي المعرفة المركبة). وقد كان للمتكلم الفخر الرازي المعروف بإمام المشككين وغيره من المجتهدين في علم الكلام والفلسفة أثر بالغ في تطوير التفكير الديني في الاسلام. وحين نعود الى اللحظات الحاسمة في انتاج رؤى واجتهادات وأفكار وابتكار آراء جديدة في التفكير الديني نجدها تتوالد بأستمرار في فضاء التساؤلات وتنبثق من خلال المواقف العقلية الارتيابية.


تقصد انه لا توجد منطقة محرمة في التفكير؟

في ديارنا المحرم التفكير فيه أكثر من المباح، يفترض في النقد ان لا شيء ممنوع، الممنوع في النقد هو فقط الممنوع التفكير فيه.
هل ترى بأن مجتمعنا قادر على النظر لمفهوم تجديد الفكر الديني دون ريبة، أم أنه سينظر له بوَصفِهِ مساساً بالمقدس واليقيني لديهم؟


كل المفاهيم الجديدة، والأسئلة الجديدة، والأفكار الجديدة، والمقولات الجديدة مزعجة، وربما بعضها يمثل فضيحة لصاحبه في وقتها، ستثير هذه المقولات اعصارا أحياناُ لأنها تعاكس الريح، ومن شأن هذا الاعصار ان يترك أثره، وتاريخ الفكر الديني في المجتمعات البشرية عموماً، تأريخ متحرك وليس ساكناً، فهو ظل يتحرك، ويتطور، وينمو، ويتخصب على امتداد التاريخ، صحيح انه في بعض الفترات شهد حالة تراجع وخمول، لكن سرعان ما تعود له الحياة ويتجدد، بعد ان يستعيد ادواته النقدية. مفهوم الاجتهاد حسب تعبير محمد اقبال يمثل (مبدأ الحركة في الاسلام ). عندما بدأ الاجتهاد في الفقه، تنوعت وتعددت المذاهب الفقهية، وأصبح في كل مذهب من المذاهب أكثر من موقف، وأكثر من مسلك اجتهادي. وهكذا حينما بدأ الاجتهاد في مجال اللاهوت، أو علم الكلام، ظهرت فرق: المعتزلة، والشيعة، والأشاعرة، والماتريدية، ولكل منها ميراث واسع ، يشتمل على مواقف متنوعة، وفيه أكثر من تيار، فالميراث الكلامي للمعتزلة، ميراث في داخله أكثر من تيار، وهكذا الميراث الكلامي للشيعة، ميراث فيه أكثر من اجتهاد، وأيضاً ميراث الاشاعرة يضم مجموعة مواقف. الفكر مرتبط بالتحولات الاجتماعية، ونحن لا نستطيع الوقوف امام تطور المجتمعات، بعبارة أخرى ان دين اليوم هو دين معارف وعلوم اليوم، ودين الأمس هو دين معارف وعلوم الأمس، وفهم الدين غير منفصل عن فهم العالم والطبيعة."تكنولوجيا المعلومات، تكنولوجيا النانو، هندسة الجينات" والآفاق الراهنة والمستقبلية للعلم والمعارف البشرية لها أثر مباشر في فهم الدين، أنا أظن ان مجتمعنا كحال الكثير من المجتمعات الحية الأخرى، حتى لو كانت هناك أسيجة مغلقة متعددة من حوله، الا ان تكنولوجيا المعلومات، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والتكنولوجيا النانوية، والهندسة الجينية، والعولمة الثقافية والاعلامية والاقتصادية، ستفضي الى انهيار الكثير من اسيجته، وينخرط بالتدريج في الاحتفال بأعياد التاريخ. عادة ما تبدو الافكار والمفاهيم الجديدة مثيرة وربما منفرة ومقلقة، ولكن بعد ذلك ستثير نقاشاً وجدلاً وحراكا عقليا اثباتاً ونفياً، ويؤول ذلك الى فتح نوافذ جديدة للتساؤلات، والى ابتكار مفاهيم جديدة، وبلوغ وجوه جديدة للحقيقة لم تتجلَّ من قبل.

أفهم من طروحاتك بأنك تطالب بمثقف نقدي، مثقف لايركن لآيديولوجية معينة سواء أكانت دينية أم حزبية؟


أنا أميز بين نمطين من المثقف، بين نمط يمكن ان يعبر عنه بالمثقف الثوري، أو المثقف العضوي، كما يقول لنا (غرامشي). المثقف المهموم بتغيير العالم، هذا هو مفهوم المثقف طبقا للايديولوجيات النضالية وخاصة اليسارية، التي اختزلت فيه معنى المثقف، فأصبح مبشرا وداعية ومناضلا في أطار منظور ايديولوجيا محددة للعالم. انا لا أتبنى هذا المفهوم، يهمني المثقف النقدي، الذي ينشغل بتفسير العالم، ويتغلب على سجون الايديولوجيات، ويتحرر من رؤية العالم بمنظور أحادي، ويجرؤ على الاحتجاج والادانة والنقد. قد تقول انه بهذا يساهم في تغيير العالم، نعم سينتهي ذلك الى تغيير العالم، بيد أن مهمته المحورية هي التنوير، مثل هذا المثقف لا أسميه مثقفاً عضوياً، وانما هو مثقف نقدي، يمارس مهمته الأساسية بالنقد، ويعلن رأيه بوضوح. كلما اتسعت مساحة النقد كلما تحرر العقل من مختلف الوصايات، واذا حررنا العقل وفتحنا منافذه على الاختلافات والتنوعات، حققنا واحدة من الوعود الكبرى للوعي البشري، واستطعنا حينها من وضع العقل على سكة الابداع والتطور والاجتهاد، سكة خلق وابتكار رؤى ومفاهيم جديدة. هذا هو المثقف الذي سيكون له دور هام، غير ان حضور هذا النمط من المثقف في مجتمعنا محدود وهامشي. ومن الطريف ان مفهوم "مثقف نقدي" ربما ينصرف في محيطنا الثقافي، المشبع بمركزية الشعر والادب، الى النقد الأدبي، وانا أعني بالنقد هنا المثقف النقدي، الذي مهمته نقد الواقع، والموروث، والكشف عن كافة التمثلات، والتعبيرات، والتجليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للدين، والسياسة، والفن، والأدب، وكل ما تعيشه مجتمعاتنا، وفضح جميع الأقنعة والحجب والممنوعات التي تطمس الحقيقة وتسترها وتخفيها.
إن مفهوم المثقف في حضارتنا كما في فكرنا الحالي هو مفهوم مبتسر وغائم. يمكننا القول أن مثقفنا كان ومازال الى حد قريب مثقف البعد الواحد. مفهوم المثقف الذي طوره الفكر الغربي، هو المثقف متعدد الأبعاد، ومنها البعد السياسي، هذا البعد إن لم يكن معطلا في الكثير من نواحي ثقافتنا فهو مرتبك ومشوش، فالرؤية السياسية والعمل السياسي وعلاقة المثقف بالسلطة، جميعها مناطق رخوة وضبابية الى حد كبير. أن الفكر والنقد لا ينفكان، وأن من أهم أدوات الفعل السياسي هي سلطة النقد، وحرية التعبير.


---------------------------------------------------------------------------
* صحيفة الصباح ( بغداد) Tuesday,27 January.2010







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق