الحوار الإسلامي- الإسلامي .. نظرة نحو المستقبل
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/09/21
التعليقات: 0 - القراءات: 3700

حوار أجرته شبكة الغدير الثقافية مع الأستاذ المفكر محمد محفوظ ولما في من قيمة ثقافية رأينا إعادة نشره للقارئ الكريم

ديباجة الحوار 

لعل من أهم الحقائق التي تحتاج إلى استيعاب وإدراك تامين , هي حقيقة التعدد والتنوع في هذا الوجود . فهي قاعدة تكوينية شاملة وناموس كوني ثابت . وأي سعي إلى إلغائها بدعوى المماهاة والمطابقة وضرورتهما وفوائدهما , هو سعي عقيم لأنه يخالف الناموس , ويريد تبديل حقائق الوجود وهذا ليس بمقدور الإنسان فعله .
وإن الصراعات والنزاعات الدائمة ، لا تنشأ بسبب وجود الاختلاف والتنوع , وإنما تنشأ من العجز عن إقامة نسق مشترك يجمع الناس ضمن دوائر ارتضوها .
والحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان , من النوافذ الأساسية لصناعة المشتركات التي لا تنهض حياة اجتماعية سوية بدونها . وعليه فإن الحوار لا يدعو المغاير أو المختلف إلى مغادرة موقعه الثقافي أو السياسي , وإنما هو لاكتشاف المساحة المشتركة وبلورتها , والانطلاق منها مجددا ومعا في النظر إلى الأمور .
والحوار بين التعبيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية , يفتح آفاق التعاون , ويبلور أطر التضامن , ويدخل الجميع في قافلة الدفاع عن المقدسات ومواجهة التحديات .
كما أن الحوار لا ينحبس في مجرد تداول الأفكار والقناعات والأخبار والأحوال , وإنما يتعدى ذلك من أجل سبر امكانات الواقع , وفتح مجالات جديدة للتفكير والعمل , باتجاه توفير الأسباب والعوامل المفضية إلى تعميق خيار العدل والمساواة في المجتمع .
حول هذه المسائل والقضايا والمحاور , سيتم الحوار المفتوح من أجل بلورة آفاق التعاون والتضامن . 

س1 : ما المقصود بمقولة الحوار الإسلامي – الإسلامي ؟

لعل من المناسب أن نقول أن الحوار الإسلامي - الإسلامي ، يستهدف بالدرجة الأولى بناء وتنمية الأنساق المشتركة ، التي تجمع بين مجموع القوى والتعبيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية ، لكي تمارس هذه المشتركات دورها في بناء الواقع وصياغة المستقبل . والدين الإسلامي أولى العناية والاهتمام بقيمة الحوار والدعوة والمجادلة بالتي هي أحسن ، وذلك لأن الدين لا يفرض بالقهر والإكراه كما قال تعالى :﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ﴾ .... سورة البقرة آية 256
بالحوار يكون الإسلام قاعدة للفكر والحياة ، ويتسرب إلى دخائل النفس الإنسانية ، بحيث تبقى قيمة الحوار هي القيمة السائدة والحاكمة من مجموع القيم التي يحتضنها الإنسان وتؤثر في سلوكه العام .. لذلك فإن عظمة أي فكر هي في انفتاحه وقدرته على تأصيل مفهوم الحوار والنقد في مسيرته . فثمة أشياء ومعارف عديدة يتم الاستفادة منها من جراء التواصل والحوار , والفكر الذي يصطنع الانفصال والانغلاق يبتر التاريخ ويقف موقفا مضادا من الوعي التاريخي . لذلك نستطيع القول : أن الثقافة الحوارية هي المهاد الضروري إلى التقدم الاجتماعي والسياسي والحضاري .
فالحوار يعيدنا جميعا إلى اكتشاف ذواتنا ، ويقوي خيارات التواصل والتعارف ، ويدفعنا جميعا إلى التخلي عن تلك الخيارات العنفية التي تمارس النبذ والإقصاء والتهميش .
ولكي يتضح المقصود من الحوار الإسلامي - الإسلامي , لا بد من بيان وظائف الحوار وهي :
على المستوى السياسي فإن حوار وتواصل القوى السياسية والاجتماعية والثقافية ، يساهم في تبديد حالة الجمود التي تعانيها الساحة الاجتماعية , كما يساهم في بلورة آفاق الحل والمعالجة لحالات انسداد الأفق التي نعانيها في مجالات مختلفة . لذلك فإن وظائف الحوار في مختلف الدوائر هي :
أولا : التعارف وكسر حواجز الجهل المتبادل وتعميق عوامل الفكر الحر والسليم . ولعلنا لا نبالغ حين القول : بأن الحوار بين البشر هي الوسيلة المثلى للتعارف وإضاءة النقاط المظلمة في العلاقات بين البشر . لذلك أكد القران الحكيم على هذه القيمة واعتبر أن التعدد والاختلاف الموجود بين البشر ليس من أجل الاستعلاء والانحباس والانزواء , وإنما هو من أجل التعارف وكسر الجهل المتبادل ، وصولا إلى تعميق عوامل التفكير الحر والسليم قال تعالى : ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ﴾
(الحجرات ، 13) .. لذلك فإن مقولة الحوار تتجاوز السجالات والمجادلات العقيمة ، التي لا توفر للأطراف جميعا فرصة التعارف المباشر على بعضها البعض . لذلك فإننا حينما ندعو إلى الحوار ، ونعتبره وسيلة الإنسان الحضارية للتعرف على بني جنسه , فإننا نؤسس لغاية حميدة ينبغي أن لا تحيد عنها عملية الحوار , وهي كسر حواجز الجهل وتعميق عوامل المعرفة المباشرة والتفصيلية على الآخر ، حتى يتوفر المناخ النفسي والمعرفي والاجتماعي لخلق نمط إنساني وحضاري للعلاقة بين مجموع الأطراف المتحاورة . وذلك لأنه وسيلتنا وخيارنا لتحجيم هواجس بعضنا البعض ، ومحاصرة سوء الفهم والظن وموروثات الماضي , كما أنه يبلور وبفعالية عوامل الثقة المتبادلة وأسباب التعاون والتضامن على قاعدة "رأيي صواب يحتمل الخطأ , ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب "
ثانيا : المشاركة في توفير أسباب العدل والمساواة , لأن الحوار لا ينحبس في مجرد تداول الأفكار والأحوال ، وإنما يتعدى ذلك من أجل سبر امكانات الواقع وفتح مجالات جديدة للتفكير والعمل باتجاه توفير الأسباب والعوامل المفضية إلى تعميق خيار العدل والمساواة في المجتمع . وبالتالي فإن الحوار مشروع مفتوح على امكانات الواقع والإنسان لتوظيفهما لصالح مشروع العدالة والمساواة في المجتمع . إننا مع كل حوار يتطلع إلى نبذ الهيمنة ونصرة المظلومين ومحاربة الظلم واجتثاث جذوره وموجباته من المجتمع والأمة .
ثالثا : تنمية القناعات والمساحات المشتركة , فالقران الحكيم يعلمنا أن الحوار يستهدف الانطلاق من القواسم المشتركة والعمل على تفعيلها قال تعالى : ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ سورة آل عمران 64 ... فالحوار لا يستهدف بالدرجة الأولى إقناع الآخرين بقناعات الذات , وإنما تعريفها إلى الطرف الآخر . وبالتالي فإنه حوار لا يستهدف الإفحام والقطيعة ، وإنما التواصل والتعايش . لذلك نهى القرآن عن المراء والجدال الذي لا يفضي إلى نتيجة ، بل قد يزعزع المشتركات ، ويوجد مناخا نفسيا يحول دون تنمية القواسم المشتركة . قال تعالى : ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ الأنعام ، 159 ..
لذلك فإننا مطالبون جميعا أن نمارس فعاليتنا الفكرية وحيويتنا الثقافية ، لتوطيد أركان وعوامل المنهج الحواري ، حتى نكون جميعا بمستوى المشاركة النوعية في صنع حقائقنا وصياغة راهننا وإنضاج خيارات غدنا ومستقبلنا .....

أما بالنسبة إلى واقعنا فإننا نعتقد أن اللحظة التاريخية التي نعيشها ، تقتضي منا جميعا الإسراع في بلورة خيار الحوار والتواصل مع الآخرين . حتى نتمكن جميعا من زيادة وتائر التضامن والتعاون ، وإزالة كل عوامل الفرقة وسوء الظن المتوفرة بشكل أو بآخر في الوسط الاجتماعي . لذلك فإننا نرى أن الظرف جد مناسب ولا يحتاج إلا إلى إرادة صلبة لترجمة هذه التطلعات والآمال ، والانطلاق في بناء حقائق الحوار والتواصل في المجتمع والأمة .
ولكي تتضح صورة الواقع الذي نراه أنه مؤاتي لعملية الحوار نؤكد على العناصر التالية :
1- حضور التحديات الجسام التي تواجهنا جميعا ، وتتطلب منا رؤية مشتركة ، وإرادة واحدة صوب الاستجابة النوعية لهذه التحديات .
2- فشل خيارات الإقصاء والنبذ والمفاصلة الشعورية مع الآخرين . فكل الأحداث والتطورات الراهنة تدفعنا إلى الاعتقاد الجازم ، بأنه لا مستقبل لأي ثقافة تقصي الآخر وتمنعه من التعبير عن رأيه ، وإنما المستقبل هو لتلك الثقافة التي تتسع إلى آراء الآخرين ، وتستوعب تعبيراتهم المختلفة ، وتسعى نحو بناء الحقائق المشتركة . لذلك فإن الحوار الإسلامي - الإسلامي هو بوابة القطيعة الفعلية مع كل نزعات الإقصاء والنبذ وممارسة القهر التي قد تنطلق من رؤية ثقافية أو من منهج أيدلوجي .
وعليه فإن الإسراع في بناء حقائق الحوار الإسلامي - الإسلامي هو الاستجابة النوعية لتحديات الراهن ، والانخراط الفعلي في صياغة ثقافة جديدة قوامها الحوار والتواصل واحترام حقوق الآخر وجودا ورأيا وفكرا..  

س2 : هل الواقع المعاش بكل زخمه وتعقيداته ، يتحمل ويستوعب مقولة ومتطلبات الحوار الإسلامي – الإسلامي ؟ 

لا شك أن للواقع الذي يعيشه الإنسان تأثير وضغط على أولياته ومتطلباته. وحينما نطالب بتعميق قيمة الحوار في فضائنا الاجتماعي والثقافي . لا يعني بأية حال من الأحوال نكران ضغوطات الواقع أو بعدنا عن متطلباته ، وإنما المهم هو كيف نتعامل مع الواقع وضغوطاته . كما أننا ينبغي أن لا نتعاطى مع مفهوم الحوار كجهد تكتيكي مرحلي ، وإنما كقيمة أساسية من قيمنا وجزء أصيل من منظومتنا الفكرية والمفاهيمية . وعليه فإن الحوار لا ينفي ضغوطات الواقع ، وإنما يتعامل معها وفق رؤية مغايرة للسائد .
ولكي تتضح رؤيتنا حول هذه المسائل والقضايا نضيف الآتي :
أولا : من الظواهر اللازمة والثابتة لكل وجود إنساني ، هي ظاهرة وجود التطلعات والأمنيات . فلا يوجد كائن إنساني لا يحمل تطلعا ما أو يحدث نفسه بأمنية ما ، إلا أن البشر يختلفون في طريقة تحقيق الأمنيات وإنجاز التطلعات . فلا يكفي أن يحمل المرء تطلعا ، لأن هذا قاسم مشترك بين البشر الأسوياء جميعا ، ولكن ثمة خلل عميق قد يصيب الإنسان في هذه القضية . إذ كثير من الناس تختلط لديهم الأماني والتطلعات بالامكانات والقدرات المتوفرة . لأن العمل والسعي الحثيث هو القنطرة الوحيدة لنقل التطلع من عالم التجريد إلى عالم التشخيص . ولا شك أن اختلاط الأمنيات بالامكانات يأخذ عدة مظاهر في حياة الإنسان منها ما يلي :
أ – الرفض المطلق للواقع : الأمنية والتطلع يشكلان دائما الحد الأقصى لما يصبو إليه الإنسان . لذلك فهما المعادل الموضوعي للمثالية المتعالية على الزمان والمكان . لهذا فحينما تختلط أماني الإنسان بامكاناته ، تتحكم الأمنية في ذهن الإنسان ، فتؤسس وضعا نفسيا يقوم على الرفض المطلق للواقع الذي يعيشه الإنسان . من هنا من الضروري إيجاد حالة واعية من التوازن بين المثالية والواقعية . ولا نقصد بالأخيرة القبول بالواقع بعلاته ومشاكله والخضوع على ما فيه من هبوط وتخلف وانحطاط . وإنما نعني بالموازنة بين الواقعية والمثالية مراعاة الظروف وأخذ الزمان والمكان طرفا في عملية التفكير والتخطيط والتنفيذ . وعلى هدى هذا المعنى نزل القرآن الحكيم منجما ( بالتدريج ) والدين الإسلامي في كل توجيهاته الفكرية ، وتعليماته الأخلاقية ، وتشريعاته القانونية ، يأخذ بعين الاعتبار واقع الحياة والإنسان . وهذا لا يعني إخضاع المثال والقيم للواقع ، وإنما يعني العمل على رفع سيئات الواقع وإحلال حسنات المثال والقيم بشكل تدريجي لا يفاجأ الناس ولا يعطل مسيرة المجتمع . وإن ربانية وإلهية النص القرآني ، لا تنفي واقعية محتواه ومضمونه ، في انتماءه إلى الوجود الثقافي والاجتماعي الإنساني . بمعنى أنه خطاب واقعي لما يتضمنه من حلول لمشاكل واقعه .
ب – استعجال النتائج : عندما يختلط الواجب بالممكن ، يغيب عامل الزمن مما يجعلنا في حياتنا نستعجل النتائج . بينما الشيء الطبيعي هو ربط نتائج أعمالنا بزمن ، لأن استواء الحقيقة ونضجها والوصول إلى النتيجة الفعلية لمجموعة الأعمال التي نقوم بها بحاجة إلى زمن ووقت . وقد أشار القرآن الحكيم إلى عامل الزمن وعدم استعجال النتائج وضرورة ربط نتائج الأعمال بالبعد الزمني . يقول تبارك وتعالى : ﴿ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ سورة يوسف ، الآية 90 ، فمعنى الصبر هنا هو أن الأمور والأعمال تحتاج إلى زمن لإنجازها ، واستعجال الزمن من الأخطاء التي تحول دون تحقيق النتيجة المرجوة . لهذا فإن علماء النفس يولون عناية خاصة بالزمن ويعتبرونه جزءا من العلاج . فلا يكفي حماس الإنسان حتى تنجح خطته ، وإنما لا بد توفر جملة من العوامل لنجاح الخطة أحدها أن يكون تنفيذ الخطة في الزمان المناسب . من هنا قيل أن قطع الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة ، كما أن مياه البحر عبارة عن قطرات تتجمع مع غيرها من القطرات فتحقق بحرا عظيما . هذا القانون ليس مرتبطا بالتطلعات الفردية فحسب ، بل يشمل التطلعات الجماعية العامة . وعليه ومن أجل علاقة واعية مع الواقع بكل ضغوطاته والتباساته ، نؤكد على ضرورة توفير مناخات سياسية وثقافية واجتماعية لتبادل الآراء والأفكار بانسياب . وذلك لأن توفر هذه المناخات ، هو الذي يخلق الظروف والتقاليد الضرورية ، لإعادة التوازن للعلاقة بين الأفكار والأشخاص . والأفكار لا تتحرك وتتطور في فراغ ، بل هي تنمو وتتطور في إطار واقع اجتماعي تاريخي . وهذا الواقع الاجتماعي التاريخي يعكس تأثيره الطبيعي على عالم الأفكار والتصورات النظرية . لهذا يقول علماء المنطق إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره . لهذا فإن تجاهل الواقع والظرف الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه الأفكار ، لا يوصلنا إلى فهم دقيق لتلك الأفكار . لأن انتزاع الأفكار من سياقها الطبيعي ( الاجتماعي التاريخي ) والنظر إليها بوصفها فكرة في الفضاء المجرد ، يجعلنا إما نتجه صوب تعميم الفكرة ، وإعطائها حجما أكبر من حجمها أو نحبسها في إطارها الزمكاني ، فنخسر الدروس والعبر من تلك التجربة الفكرية – الاجتماعية .
فالواقع والفعل الاجتماعي يستدعي الفكر ، لذلك فإن عمليات التفاعل والتفاكر والحوار ، هي الطريق المأمون لتحقيق الخصوبة المطلوبة لعملية النهوض الحضاري . وفق هذا المنظور ينبغي أن نتعاطى مع مفهوم الواقع وضغوطاته . فوجود نزعات طائفية تعصبية ممقوتة في واقعنا ، لا يعني بأية حال من الأحوال أن الآخر بشكل مطلق ، هو الذي يمارس هذه الأعمال . وإن المطلوب هو أن نتواصل مع تلك النخب والأكثرية الصامتة ، التي لا تخضع لشروط هذه النزعة الممقوتة . ومن المؤكد أن التزامنا بالمناقبيات الأخلاقية سيساهم في كسر حدة هذه النزعة ، التي تساهم في تفتيت واقع المجتمع الذي ننتمي إليه . إذ يقول تبارك وتعالى : ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ سورة فصت ، الآية 34 .
فالحوار لا يلغي ضرورات الاعتزاز بالذات ، ولكنه اعتزاز لا يصل إلى مستوى العصبية المذمومة أو يكرس فكرة شوفينية واستعلائية للذات ضد الآخرين ، إنه اعتزاز بالذات لا يلغي متطلبات الوحدة وشروطها النفسية والأخلاقية . وقد قال الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام : [ العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم ] . كما أن الحب ينبغي أن لا يخرج الإنسان عن ضرورات التواصل مع الآخرين وتحكيم المثل الأخلاقية في طريقة التعاون معهم . وتؤكد التوجيهات الإسلامية على ضرورة الانفتاح والتواصل مع مختلف دوائر ومكونات المجتمع ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : [ أوصيكم بتقوى الله ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا ، إن الله تعالى يقول في كتابه " قولوا للناس حسنا " ، عودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، واشهدوا لهم وعليهم ، وصلوا معهم في مساجدهم ] .
فالالتزام بالفكرة لا يشرع للتعصب لها ، وإنما يدفعك ويحركك نحو التجسيد العملي لكل جوانب الفكرة ومجالاتها وآفاقها . والمغاير لنا في الالتزام والقناعات والمواقف نتعرف بوجوده وننظم علاقاتنا وتواصلنا معه ، ونتحاور معه حول كل القضايا والأمور من أجل أن تتراكم أسباب المعرفة ، وتتوطد عوامل العلاقة . وبهذه العقلية والروحية تتجذر مفاهيم حقوق الإنسان ، وتتأكد قيم التعاون والتسامح والتضامن .
ثانيا : الحوار قبل أن يكون أطرا وهياكل ، هو روحية واستعداد نفسي ، يرتبط بوجداننا وقيمنا الإسلامية ، التي أسست لهذا الخيار في كل جوانب وشؤون حياتنا .
والنص القرآني ، هو نص حواري بامتياز ، فتحدث عن كل الموضوعات والقضايا بدون موانع وعقبات ، واستخدم في ذلك أدق التعبيرات وأبلغها دلالة ومعنى ، وأكد في آياته على ضرورة التفكر والتعقل والتدبر والنظر والتأمل ، ووبخ أولئك النفر الذين يسيرون بلا هدى وبصيرة ، أو يقلدون الآخرين بدون علم ومعرفة . إذ قال تعالى ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ﴾ سورة الزمر ، الآية 17 – 18 .
وعلى كل حال من الأهمية بمكان على جميع الصعد والمستويات ، أن لا تدفعنا اختلافاتنا الفكرية والسياسية إلى القطيعة والجفاء والتباعد ، وإنما ينبغي أن تكون هذه الاختلافات مدعاة إلى الحوارات العميقة ، لا لكي نتنقل في قناعاتنا ، وإنما من أجل أن نتعرف على وجهات نظر بعضنا البعض . ومن أجل إزالة الاحتقانات النفسية المصاحبة للاختلافات الفكرية والسياسية ، ولكي يتم تنشيط دور القواسم المشتركة بين الجميع ، بحيث الاختلافات لا تلغي المشتركات وتحول دون ممارسة دورها ووظيفتها في الحوار والتعاون والتضامن .
صحيح أن الواقع مليء بالعقبات والمشاكل التي تحول دون الحوار ، ولكن ينبغي أن نبني قوتنا الحضارية الذاتية ، ونراهن باستمرار على الحوار والتواصل مع الآخرين ..
فالحوار الذي نتطلع إليه ، هو الذي يستند إلى القوة الحضارية الشاملة .. لذلك فإن الحوار ليس بديلا عن العمل في سياق بناء القوة الذاتية ، وإنما هو أحد تجليات وضرورات بناء هذه القوة ..
وعليه فإن الحوار لا ينهي الاختلافات ، وإنما ينظمها بضوابط حقوق الإنسان والمناقبيات الأخلاقية .. ولنتذكر دائما وصية لقمان لابنه حينما قال : يا بني كذب من قال أن الشر بالشر يطفأ ، فإن كان صادقا فليوقد نارين ولينظر ، هل تطفأ أحدهما الأخرى ، بل يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار ..  

س3 : ما الذي تعنيه بمصطلح الواقع الممقوت ؟ 

فيما يرتبط بمفردة الواقع الممقوت الذي أقصده في الجواب السابق ، هو تلك النزعات الطائفية التي تلغي ما عداها . ولا ريب أن تحقيق مفهوم الحوار في الواقع الاجتماعي كله ، بحاجة إلى بداية وإلى خطوة أولى ننطلق منها . وفي تقديري أن الخطوة الأولى التي ننطلق منها هو الحوار بين النخب ، لا لكي نغمض أعيننا عن المواقع الاجتماعية الأخرى ، وإنما لكي نؤسس لحالة من التعارف المتبادل بين هذه النخب ، ومن ثم تنطلق هذه النخب في مشروع ممارسة دورها على الصعيد الاجتماعي العام .
فالنزعات الطائفية الإقصائية ، لا يمكن مواجهتها إلا ببناء القوة الحضارية القائمة على تحشيد كل الطاقات والامكانات لإزالة كل موجبات التطرف والعنف . والتعصب الأعمى للأفكار ليس هو الوسيلة الإسلامية والحضارية للدفاع عنها وحمايتها ، وذلك لأن هذا التعصب ينطوي على مخاطر وتهديدات تناقض في كثير من الأحيان جوهر الأفكار التي تعصبت من أجل الدفاع عنها . والاعتراف المذهبي المتبادل كهدف نبيل ومشروع ينبغي أن يدفعنا إلى المزيد من التواصل والحوار مع الآخرين لخلق الوقائع والحقائق التي تثبت جدارتنا وأهليتنا لكي نكون مع الآخرين على قدم المساواة .
فالتواصل الإنساني بكل مستوياته قيمة حضارية ثمينة ورسالة حوار وتعارف وأرضية تسامح وتعايش بين الثقافات والأفكار المختلفة . ويخطئ من يتصور أن التواصل والحوار يعني التنازل عن العقيدة أو القناعات الذاتية ، وإنما هو الوسيلة الحضارية لتنظيم الاختلافات وضبطها وليس نافذة للتنازل أو الميوعة القيمية .
وحده الحوار المستديم والمفتوح على كل القضايا والأمور ، هو الذي يفكك الأفخاخ الداخلية ويعطل دورها السلبي والخطير . وذلك لأن في الحوار السليم الاعتبار دائما إلى الحجة والمنطق والرأي الموضوعي المتجرد ..
لقد آن الأوان لنا جميعا ، أن نقف مع ذواتنا ونعرض قناعاتنا أمام قيمنا الكبرى ومبادئنا العليا ، ونراجع ممارساتنا وسلوكنا الخاص والعام لتقويمهما ولردم الفجوة بين الواقع والمثال .
وخلاصة القول : أن الحوار لا ينهي الاختلافات المذهبية والفكرية والسياسية ، وإنما ينظمها ويضبطها بعيدا عن خيارات الإلغاء والعنف .
ووجود مشكلة طائفية مقيتة في واقعنا ومجتمعنا ، ينبغي أن تواجه من خلال الوسيلتين التاليتين :
الأولى : بناء القوة الذاتية الشاملة والتي تستهدف تحقيق التفوق النوعي . قال تعالى ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ سورة الأنفال ، الآية 65 . وفي آية أخرى : ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ﴾ سورة البقرة ، الآية 249 .
الثانية : ضرورة الحوار والتواصل وتوسيع المساحات المشتركة مع الآخرين .  

س4 : من أين نبدأ في مشروع الحوار الإسلامي – الإسلامي ؟ 

ثمة دوافع وحوافز عديدة تدفعنا إلى القول : أن المجال الإسلامي اليوم هو أحوج ما يكون إلى الفكر السنني والثقافة التي تستند في مشروعاتها وخطبها ومآلاتها إلى نواميس الكون والحياة الاجتماعية العامة .
لذلك نجد أن الذكر الحكيم مليء بتلك الآيات التي توضح جملة السنن الكلية والجزئية التي تتحكم في مسار الإنسان والمجتمع والحضارة .
يقول تبارك وتعالى : ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ﴾ سورة النساء ، الآية 26 .
ومن العلماء الذين اهتموا بهذه المسألة الشهيد محمد باقر الصدر الذي ألف كتابا في هذا الشأن سماه " السنن التاريخية في القرآن " وقد أكد في هذا الكتاب على ثلاث حقائق أساسية مرتبطة بسنن التاريخ : الاضطراد ، بمعنى أن السنة التاريخية مضطردة ، فهي ليست علاقة عشوائية قائمة على أساس الصدفة والاتفاق ، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي . وربانية السنة التاريخية وارتباطها بالله سبحانه .
بمعنى أن كل قانون من قوانين التاريخ هو قانون رباني . وهذا الارتباط يستهدف ربط الإنسان حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون بالله سبحانه وإشعار الإنسان بأن الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية والاستفادة من مختلف القوانين التي تتحكم في هذه الساحات ليس انعزالا عن الله سبحانه ، لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن . فهي إرادة الله وهي ممثلة لحكمة الله وتدبيره في الكون .
والحقيقة الثالثة هي حقيقة اختيار الإنسان وإرادته وأن لا تعارض بين حرية الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ . على هدى هذه الرؤية نعتقد أن البداية الصحيحة لانطلاق مشروع الحوار الإسلامي - الإسلامي هي العمل على تنمية المشتركات والاتفاق على مضمونها ورؤية كل الأطراف تجاهها . فلا يمكن أن ينمو الحوار بدون قاعدة نفسية وفكرية مشتركة . ولعل القواسم المشتركة في الدائرة الإسلامية هي التي توفر المناخ النفسي والعملي لتنمية هذه الجوامع المشتركة .
لذلك نجد القرآن الحكيم يؤكد على ضرورة دعوة الآخرين إلى المشتركات . إذ يقول تبارك وتعالى : ﴿ قل تعالوا إلى كلمة سواء ﴾ فبداية الحوار المستديم هو تحديد الأرض المشتركة التي يقف عليها الجميع ، ولكي تستمر عملية الحوار نحن بحاجة إلى تنمية دائمة لكل المشتركات التي تجمعنا مع الآخر الإسلامي .  

س5 : هل هناك علاقة بين الحوارات الداخلية في كل مذهب ومدرسة وبين مفهوم الحوار الإسلامي – الإسلامي ؟  

لا شك أن الحوار الداخلي من القضايا الملحة والمطلوبة دائما ، والتي ينبغي أن نخطو فيها خطوات نوعية وإيجابية بشكل سريع . وعلى مختلف شرائح المجتمع أن تشارك بشكل أو بآخر في تعميق خيار الحوار الداخلي . وعلى كل حال فإن الحوار قيمة مطلوبة في كل دوائر المجتمع المسلم ، وإنجاز هذه القيمة في الواقع الخارجي هي مسؤولية جميع القوى والأطراف .
وخلاصة الأمر أننا بحاجة إلى تعميق هذا الخيار في أوساطنا ، وتذليل كل العقبات التي تحول دون ذلك .
أما واقع الحوار الداخلي فأعتقد أن مجتمعنا شهد في الفترة الأخيرة محاولات جادة ومبادرات إيجابية لتطوير مستوى التفاهم والحوار بين مختلف التعبيرات المتوفرة في المجتمع .
وعلى أبناء المجتمع تشجيع مثل هذه المبادرات والخطوات ورعايتها ومحاولة العمل على تطويرها باستمرار . 

س6 : من الذي يحدد القواسم المشتركة بين مختلف المذاهب والمدارس الإسلامية ؟ 

أجيب على هذا السؤال المحوري بالنقاط التالية :
أولا : ضرورة الفهم قبل التفاهم حيث أن المطلوب أن يتواصل كل طرف مع الآخر من خلال أمهات كتبه المعتبرة ، ويحاول أن يفهم الآخر عقيدة وفلسفة وفكرا وتاريخا ، حتى حينما تأتي فرصة التفاهم تكون قاعدة الفهم العميق المتبادل هي القاعدة التي تنجح مشروع اللقاء المباشر .
ثانيا : ضرورة العمل على تطوير العلاقة العلمية بين المؤسسات والمعاهد والحوزات التابعة لمختلف المذاهب الإسلامية .
ومن الأهمية في هذا الإطار أن ندعو إلى تأسيس الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية كمادة رئيسية في كل المعاهد والمؤسسات العلمية الإسلامية .
ثالثا : الفقهاء والعلماء هم الفئة الأكثر جدارة في تحديد المشتركات ، والعمل على صياغة الجوامع المشتركة بين مختلف المذاهب الإسلامية . لذلك من المهم أن يتم حوار مستديم ولقاء متواصل بين علماء الأمة وفقهائها . وقد تكون البداية الفعلية لذلك هو التقاء العلماء مع بعضهم البعض في كل منطقة إسلامية . فلو التقى علماء الإسلام من مختلف المذاهب الإسلامية في لبنان مثلا ، فإن تطور عملهم المشترك سينعكس إيجابا على مختلف البلدان الأخرى . وعليه فإن العلماء من مختلف المذاهب مطالبون في كل بلد من الحوار واللقاء والتواصل مع بعضهم البعض للمعرفة المتبادلة ولإزالة أسباب الجفاء والتباعد ولخلق مستوى من الانسجام النفسي والاجتماعي .
أعتقد أن من خلال هذه العناصر الثلاثة تتضح مسؤولية من يحدد الأرض المشتركة .  

س7 : كيف نتعامل مع الاختلافات العقدية والفكرية التي قد تضر بمفهوم الحوار ومتطلباته ؟ 

بالإمكان الإجابة على هذا السؤال بالنقاط التالية :
1- إن إنسانية الإنسان هي التعبير والحقيقة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها في هذه الحياة . وهي من تجليات مبدأين أساسيين وهما :
مبدأ الاستخلاف الإلهي للإنسان , ومبدأ التكريم الرباني له أيضا ... وإنسانية الإنسان منتزعة من هذين المبدأين, لذلك تم الاستشهاد بآيتين قرآنيتين حول مسألة الاستخلاف ومسألة التكريم , لأنها حجر الأساس إذا صح التعبير في إنسانية الإنسان .
2- لا ريب أن التعارف نتيجة الاختلاف , ولكن الاختلاف هنا ليس منحبسا في الاختلاف في الجنس , إذ أن تجليات الاختلاف المذكورة في الذكر الحكيم كلها تقتضي التعارف الذي بدوره يقتضي التعاون من الجميع لإنجاز الخير والسعادة للإنسانية جمعاء .
3- المقصود بالحق هو حق الاختلاف , ولتوضيح المسألة أكثر أقول : هناك نوعان للحق : الحق الذاتي كحق العبادة والعمل , والحق الانتزاعي وهو ذلك الحق الذي ينتزع من جملة قيم ومعايير عليا .. وحق الاختلاف هو من الحقوق الانتزاعية من قيم التنوع والاجتهاد (بالمعنى العام) . لذلك نجد أن مفهوم الحق يرتبط بمفهوم الواجب ارتباط تناوب وتلازم , ولا يتخصص معنى أي منهما إلا بحرف الجر ، والدليل هو الاختلاف البشري من ناحية الجنس (الذكر والأنثى) واختلاف الألسن والألوان واختلاف العقائد .
أما المقصود بسنن الله في الأرض فيبدو هي تلك الأنظمة التي أرساها الله سبحانه وتعالى في الكون والتاريخ والمجتمع .
والمطروح هو في طريقة التعامل مع هذه الاختلافات المتوفرة في تجربة الإنسان في التاريخ .
فهناك أمما وشعوبا عملت من خلال نخبها الحاكمة على نفس هذه الاختلافات وقسر الجميع على لون واحد ، ولكن النتيجة كانت مناقضة لسنن الله في الإنسان والحياة .
والقران الحكيم يرشدنا إلى منهجية جديدة للتعامل مع هذه الاختلافات , هذه المنهجية يكثفها الذكر الحكيم في مقولة التعارف التي تحتضن كما يبدو جملة من القيم والمبادئ الأساسية , فلا تعارف بدون احترام وفهم متبادلين كما أنه لا تعارف بدون تواصل .
ويبدو أن المقصود بالتكذيب بآيات الله في هذه الآية هو ممارسة العسف والظلم تجاه هذه الاختلافات التي لم يقررها الإنسان ، وإنما هي من مقتضيات الخلقة والجعل الإلهي .
4- حينما نقرأ نص الصحيفة المسماة لدى بعض المؤرخين بوثيقة المدينة المنورة ، نجد أنها تؤسس للقبول القانوني بكل التعدديات المتوفرة في مجتمع المدينة المنورة , ولفظ الناس في هذه الوثيقة تعني غير المؤمنين بالدعوة .
فالمدينة بعد الهجرة باتت تقوم على أمتين , واحدة مسلمة والثانية يهودية , بينما الدولة مشتركة ينتمي إليها الجميع . فهناك دولة واحدة لأمتين مختلفتين دينيا , وسمت الصحيفة كل عشيرة باسمها ومجموعها ثمان عشائر , خمس من الخزرج , اثنتان من الأوس , وواحدة حليفة الأوس. واشترطت الصحيفة مقابل الإقرار بالحالة السابقة من العادات والتقاليد الخاصة بكل عشيرة القبول بالمعروف والقسط بين المؤمنين . إذ جاء في البند التاسع في الصحيفة ليحدد حقوق المؤمنين (بالصحيفة) من غير المسلمين ) وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم) ، فاليهود في داخل الدائرة التي رسمتها الصحيفة ، جزء أساسي من حالة التعدد الديني وليس العرقي التي شملته بنود الصحيفة الأخرى .

وخلاصة القول : أن صحيفة المدينة من أروع النماذج الدستورية التي أقرت بحقوق المختلفين والمتنوعين على مختلف الصعد والمستويات ضمن إطار زعامة الرسول excaim والأمة الواحدة ..  

س8 : هل المطلوب في مشروع الحوار ، التغاظي عن أحداث الماضي وشخصياته ؟ 

لا شك أنه من الضروري دراسة التاريخ واكتشاف العبر والدروس منه ، وتحديد الرؤية و الموقف من أحداثه ورجاله , كما أنه لا يمكننا بأية حال من الأحوال أن نمارس القطيعة التامة مع التاريخ . لأنه ببساطة حاضر فينا ، وعلى المستوى الحضاري لم يصل مجتمع من المجتمعات إلى ذروته الحضارية أو قمته المدنية ، إلا بعد أن أحسن علاقته بتاريخه . ودائما كان حسن العلاقة مع التاريخ المجيد والمضيء ، هو الشرط الضروري للانطلاقة الحضارية .
فالتاريخ بالنسبة لنا هو أحد أدوات التقويم والتفضيل ، لهذا فإننا بحاجة دائمة إلى إزالة عناصر التخلف في نظرتنا إلى تاريخنا .
لذلك فإن المطلوب هو الحوار حول الماضي ، ولكن بأدوات معرفية وشروط نفسية تتجه صوب بناء المستقبل على قاعدة الاستفادة القصوى من دروس وعبر التاريخ . فلا إشكال بمناقشة كل قضايا التاريخ ، ولكن ينبغي أن يتم النقاش والحوار بعقلية منفتحة ، تتجه إلى تنمية الجوامع المشتركة ، وتوسيع مساحات اللقاء والوفاق فيه .
وهذا لا يتم إلا ببلورة منهجية واضحة لدى كل الفرقاء في دراسة التاريخ وقراءة أحداثه. فالمطلوب دائما بلورة المنهجية القادرة على وصل حاضرنا بتاريخنا ، بما يوفر لنا الإمكانية الذاتية والموضوعية لصناعة مستقبلنا .  

س9 : هل الاختلاف بكل مستوياته مطلب بحد ذاته ؟ 

لا ريب أن الاختلاف ليس مطلبا بحد ذاته , ولكنه من لوازم الوجود الإنساني . بمعنى أنه ولاعتبارات ذاتية وموضوعية , لا يخلو مجتمع من حالة الاختلاف . لذلك فإن التعامل مع هذه الظاهرة , ينبغي أن يتم على قاعدة أنها ملازمة للوجود الإنساني .
والتركيز على الايجابيات هو من أجل إرساء تقاليد سليمة للتعامل مع هذه الظاهرة .
وهناك خيارات عديدة للتعامل مع ظاهرة الاختلاف . وفي تقديرنا أن الخيار الذي يجنب الجميع المتواليات السلبية للاختلاف هو الحوار ..
ولهذا الاعتبار فإن الحوار فريضة اجتماعية - ثقافية - إنسانية , تجنب الجميع حالة الاحتقان التي تقود إلى صراعات مفتوحة وعبثية في بعض الأحيان .. 

س10 : ما المقصود بمصطلح مدنية الاختلاف ؟ 

في الدائرة الإسلامية لا أعتقد هناك اختلافا حول جوهر الدين ، وإنما الاختلاف المتوفر وفي الكثير من صوره , يعود إلى الاختلاف حول الفهم البشري للدين كقيم أو كممارسة تاريخية أو راهنة .
وعلى كل حال فإن الاختلافات العقدية تقتضي في تقديرنا الآتي :
أ - الصلابة (وليس التشدد) في الجوهر والمرونة في المظهر , وذلك عبر تحديد الثوابت وبيان المتغيرات .
ب - الحكمة في التعامل مع المختلفين على المستويين الفكري والسياسي . فالاختلاف لا يساوي بالضرورة القطيعة ، وإنما قد يقتضي التواصل الإنساني والفكري , وبالتالي فإن مدنية الاختلاف كمقولة تعني التعامل مع الاختلافات الفكرية والاجتماعية والسياسية وفق المنهج الفقهي الذي يستند على ثنائية ( الخطأ والصواب ) .  

س11 : ما المقصود بمفهوم التعايش ؟ 

التعايش لا يعني بأية حال من الأحوال ، أن تتنازل عن ثوابتك ومقدساتك ، وإنما وببساطة شديدة التعايش يعني :
أن نحترم بعضنا البعض على قاعدة العدالة والمساواة . فاختلافاتنا العقدية والفكرية مع الآخرين ، ينبغي أن لا تدفعنا إلى ظلمهم ، كما أن اختلاف الآخرين معنا على ذات الصعد ، ينبغي أن لا يدفعهم إلى ظلمنا . فالمطلوب أن نمارس العدالة مع المختلفين معنا . فالعدالة هي الركن الأساس لمفهوم التعايش , فكل طرف يلتزم بثوابته ومقدساته ، دون الإساءة إلى الآخرين .
هذا هو المعنى الدقيق لمفهوم التعايش ... وإذا أردنا أن نتوسع قليلا في أسس مشروع التعايش فبالإمكان تحديد هذه الأسس في النقاط التالية :
أولا : العدالة , قال تعالى : ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ , فالاختلاف العقدي والفكري والسياسي مع أي طرف كان ، ينبغي أن لا يقود إلى ممارسة الظلم والتعسف .
ثانيا : الاعتراف بحق الآخر وجودا ورأيا وفكرا ، فالتعايش لا يعني خنق القدرة على التعبير عن أرائك وأفكارك ومعتقداتك , وإنما لك الحق التام في أن تعبر عن ذاتك العقدية والفكرية والسياسية ، ولكن في حدود عدم الإساءة إلى الآخرين . وهذا الكلام ينطبق على كل أطراف مشروع التعايش .
ثالثا : المساواة , فالتعايش يضمن لجميع الأطراف تكافؤ الفرص وعدم ممارسة التمييز والتهميش ضد الآخر بسبب عقدي أو فكري أو سياسي . فالتعايش لا يشرع للتمييز والإقصاء ، وإنما يستند في واقعه على المساواة وتكافؤ الفرص بصرف النظر عن الاختلافات الأيدلوجية والفكرية والسياسية ..
وخلاصة القول : أن مفهوم التعايش بين المختلفين والمغايرين ، لا يعني بأية حال من الأحوال التنازل عن الثوابت ، والميوعة في الالتزام بالقيم , وإنما هو أن نعتمد في علاقاتنا مع الآخرين ، وأن يعتمد الآخرون في علاقاتهم معنا على أسس العدالة وحق الآخر في المعتقد والرأي والتعبير والمساواة وتكافؤ الفرص .
فالتعايش لا يضر بحالة الاعتزاز العميق بذاتنا العقدية والفكرية ، ولا يمس مقدساتنا ، وإنما يجعلنا نتمثل لهذه القيم التي تتجسد في الآنفة الذكر في العلاقة مع الآخرين . وفي نفس الوقت نعتقد اعتقادا جازما ، أن التعايش لا يمكن أن يتحقق بطرف واحد فقط ، وإنما أيضا مطلوب من الآخرين أن تكون علاقتهم معنا مستندة على ذات القيم المذكورة أعلاه .
فالتعايش مشروع تشترك جميع الإرادات في خلق حقائقه ووقائعه في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي .
ولا شك أن عملية التعايش بحاجة إلى صبر ومجاهدة ونفس طويل . فالتعايش ليس وصفة جاهزة نستطيع أن نسقطها على أي مجتمع من المجتمعات ، وإنما هو كفاح متواصل وسعي دءوب نحو تهذيب النفوس والعقول للاعتراف بحق الآخرين في الرأي والاختلاف .
لذلك فنحن بحاجة إلى مرحلة زمنية نجاهد فيها من أجل غرس قيم العدالة والمساواة والحوار وحق الاختلاف . وذلك من أجل أن نرى ثمار التعايش في واقعنا الاجتماعي . فلا يمكننا دفعة واحدة أن نحقق التعايش ، وإنما المطلوب أن نعمل معا ومن مواقعنا المختلفة ، لتكريس قيم التعايش ومبادئ الحوار في الوسط الاجتماعي .
ولا أحد يستطيع الادعاء أن بالإمكان تحقيق مفهوم التعايش في الفضاء الاجتماعي بجرة قلم ، وإنما هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الايجابية والثقافة الحرة ، من أجل أن تتراكم كل هذه الأعمال والجهود لتنجز واقع التعايش في المجتمع والأمة .. 

س12 : هل نضحي بالوحدة الداخلية من أجل الوحدة الوطنية ، وما هي العلاقة بينهما ؟ 

أعتقد أن الموضوع ليس موضوع مقايضة بين الوحدة الداخلية والوحدة الوطنية . فالوحدة الداخلية من المقدسات ومن الفرائض المطلوبة التي ينبغي أن نعمل جميعا من أجل إرساء معالمها وحقائقها في واقعنا الاجتماعي .
كما أن الوحدة الوطنية من الضرورات التي ينبغي لنا كمجتمع أن نساهم في تأسيس حقائقها والثقافة الداعمة لها .
فلا تناقض بين هذين المطلبين ، والمطلوب أن نعمل معا في الاتجاهين , فنحن مع كل خطوة ومبادرة تساهم في تعزيز وحدتنا الداخلية ، كما أننا في ذات الوقت مع كل خطوة ومبادرة تساهم في تعزيز وحدتنا الوطنية .
ولا أرى أن هناك تناقض وتضاد بين مطلب الوحدة الداخلية وبين مطلب الوحدة الوطنية , فالمطلوب العمل والسعي الدائم لإنجاز وحدتنا في كل الدوائر والمستويات ..

س13 : هل منطقتنا مشرفة على متغيرات ؟ ما هي في وجهة نظركم ملامح هذه المتغيرات ؟ وهل نملك رؤية واضحة حيالها ؟ أم أن بقاءنا خارج اللعبة متفرجين لأننا لا نملك أدنى مستوى للتأثير فتضيع علينا فرصا أكبر من خسارتنا ونحن داخل هذه اللعبة السياسية ؟ 

لا شك أن المنطقة مقبلة على تحولات وتغيرات كثيرة على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، وبإمكاننا أن نحدد تجاه هذه التحولات كمجتمع إذا تطور أداؤنا وفعلنا النوعي .
ولا ريب أن من أهم مؤشرات هذا التغيير توسيع رقعة المشاركة الشعبية في الشأن العام . وهذا الملمح بحاجة إلى إرادة مجتمعية مستديمة تؤكد على هذا الخيار ، وتوفر كل الأسباب المفضية إلى توسيع رقعة المشاركة السياسية ، والخروج من نفق الأشكال الشمولية في ممارسة وإدارة الشأن العام .
ونحن الذين نستطيع أن نحدد هل نحن خارجون أم داخلون في هذا المشهد . فالتحولات السياسية مهما كان شكلها أو مستواها ، فهي بحاجة إلى يقظة تامة وحضور مستديم ومشاركة في صياغة اتجاهاتها ومآلاتها النهائية .

س14 : هل تبعث مثل هذه المتغيرات على شيء من التفاؤل أم التشاؤم وما طبيعتها ؟ 

أعتقد أن عامل التحولات السياسية ، ليس خاضعا لقانون التفاؤل أو التشاؤم الشخصي . وإنما هو خاضع لطبيعة القوى المحركة له .
فإذا أردنا أن يكون نصيبنا حقيقيا من هذه التحولات ، فينبغي أن ننخرط بشكل نوعي في هذه التحولات ، حتى نضمن حصولنا على مكاسبنا السياسية والاجتماعية والثقافية . فإرادة المجتمع وكفاح النخبة هما اللذان يحددان مستوى استفادة مجتمعنا من تحولات اللحظة التاريخية ومتغيراتها المتلاحقة..  

س15 : ما هي الآليات التي يمكن لها أن تكفل حقوق كل تيارات المجتمع مع اختلاف أطيافها بحيث لا تستحوذ من خلالها فئة في تحديد مسار التحرك لتدفع به إلى تحقيق أهداف منفردة؟ 

بإمكاننا أن نحدد هذه الآليات في النقاط التالية :
أولا : بلورة الأهداف المرحلية والاستراتيجية للمجتمع ..
ثانيا : خلق الأطر والمؤسسات الحوارية التي تجمع كل تعبيرات وقوى المجتمع .
ثالثا : مساهمة كل التعبيرات في إزالة كل الاحتقانات وعناصر التوتر ، التي تتوفر في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي .
رابعا : إرساء تقاليد حوارية وأخلاقية تضمن للجميع حق الاختلاف وحق التعبير عن الرأي والموقف مع الالتزام بكل الضوابط الأخلاقية ، التي لا تفضي إلا إلى المزيد من تنقية الواقع الاجتماعي من كل عناصر الاحتقان والتوتر .
من خلال هذه الآليات نتمكن من بناء واقع اجتماعي وثقافي ، يسمح لجميع القوى والتعبيرات بممارسة أدوارها ووظائفها في المجتمع على قاعدة الحرية واحترام حقوق الآخرين والتسامح تجاه تباين وجهات النظر في الرأي والموقف .. 

س16 : كيف نعزز العلاقة بين قوى وتعبيرات المجتمع ؟ 

لا ريب أن تعزيز الثقة والعلاقة بين الوجودات الاجتماعية من الأهداف النبيلة التي ينبغي أن نجتهد جميعا على تحقيقها في الواقع الخارجي .
ومن الطبيعي القول أن الحوار والتواصل بين جميع الرموز والوجودات الاجتماعية ، هو أحد المداخل الأساسية لبناء هذه الثقة وتعزيزها . حيث أن الجفاء والتباعد النفسي والعملي يساهمان بشكل كبير في نشوء حالة سوء الظن المتبادل .
بينما المعرفة المتبادلة التي تأتي عن طريق الحوار المباشر والتواصل الثقافي والاجتماعي الدائم ، من الروافد الأساسية التي تعزز مستوى الثقة بين المتنوعين في الداخل الاجتماعي . فنحن مع الحوار والتواصل ، لأنه أحد السبل الأساسية لبناء الثقة وتعزيزها , كما أننا بحاجة إلى إشاعة ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان ، لأن هذا الفضاء الثقافي هو الذي يؤسس لمناخ اجتماعي يقبل الآخر المختلف دون أن يوصمه بنعوت سلبية .
فمن خلال الحوار والتواصل المباشر وبناء ثقافة الحرية والمسئولية واحترام حقوق الإنسان وحق الاختلاف ، نتمكن من بناء الثقة بين مجموع التعبيرات الاجتماعية المتوفرة في الساحة . وهذه مسئولية الجميع ، إذ أننا مطالبون جميعا من مختلف مواقعنا ، على نبذ سوء الظن وتجاوز حالة الجفاء والتباعد النفسي والاجتماعي وإرساء حقائق مجتمعية تدفعنا جميعا للالتحام مع بعضنا البعض على قاعدة المشتركات واحترام التنوعات ..
وأعتقد إننا كمجتمع خطونا خطوات إيجابية باتجاه التلاقي والتفاهم بين مجموع التعبيرات والقوى . لذلك فإننا نسير في هذا الطريق . صحيح أننا بعد لم نصل في تفاهمنا وتلاقينا إلى مستوى التحديات التي تواجهنا ، ولكن ينبغي أن ندرك جميعا أن التفاهم والتلاقي وتعزيز العلاقات المشتركة وبناء الوحدة الاجتماعية على قاعدة احترام التنوع ، هو سبيلنا الوحيد لإنجاز قوتنا ، ولإخراج مجتمعنا من كل مواقع الضعف والتراجع .
ومن الضروري أن لا ننتظر الأزمات حتى نندفع باتجاه الوحدة ، فالمطلوب دائما وأبدا أن نتعامل مع مفهوم الوحدة في مجتمعنا بوصفه من المقدسات التي لا يجوز لأي طرف من الأطراف أن يمسها أو يتعرض لها بسوء أو يمارس الممارسات المضادة لحقائقها في المجتمع . فالوحدة الاجتماعية مطلوبة في كل الأحوال ، وعلينا جميعا أن نبذل كل طاقاتنا وجهودنا ، باتجاه إزالة كل معوقات الوحدة وبناء حقائق الائتلاف والاتحاد في الفضاء الاجتماعي .  

س17 : أين تكمن قوة المجتمع؟ هل في إطار مرجعيته المتعددة أم الموحدة وكيف يتم ذلك؟ 

من الناحية النظرية تتحقق قوة المجتمع ، إذا تراضى على صيغة مرجعية واحدة . ولكن لكون اختيارات أبناء مجتمعنا على هذا الصعيد متعددة , لذلك ينبغي أن نبني قوتنا على أساس احترام هذا الاختيار المتعدد في المجتمع . ومن الضروري في هذا الإطار أن ندرك أن التعدد المنضبط بضوابط الوحدة والمسيج بأخلاق الائتلاف والوئام الاجتماعي لا يضر بقوة المجتمع , بل يرفده بعناصر إضافية , لذلك ومن منطلق واقعي عميق ، نرى أن وحدتنا الاجتماعية لا تبنى بدحر التعدد والتنوع , وإنما باحترامه وتوفير كل أسباب العلاقة الايجابية بين أطرافه .
فالوحدة تبنى من خلال هذا الاحترام ، وتتعزز قوتنا من خلال العلاقة الايجابية التي ينبغي أن تسود بين مكونات المجتمع ..

س18 : كيف نردم الهوة ونضبط نزعات الاختلاف بين مكونات المجتمع ؟ 

ما ينقصنا نحن كمجتمع هو وجود الأطر ومؤسسات التفكير الجماعي . لذلك فنحن بحاجة ماسة إلى كل الأطر التي تعزز التواصل بين أبناء المجتمع ، وترسي تقاليد الحوار وتداول وجهات النظر بين مختلف توجهات المجتمع .
وكل المظاهر السلبية التي قد تتوفر حاليا في المجتمع هي بشكل أو بآخر لا يمكن معالجتها إلا بالمزيد من الحوار والتواصل وتداول وجهات النظر بين مختلف مكونات المجتمع .
لذلك كله : فنحن مع الحوار الدائم والتواصل المستديم وبناء الأطر الاجتماعية الدائمة لذلك . فالمطلوب منا جميعا أن نخرج من قوقعتنا وعزلتنا ، ونبني معا أطر التواصل وأخلاقيات الانفتاح وتقاليد الحوار الناجح .. 

س19 : ما دامت النصوص الإسلامية نادت بالتعايش والاحترام المتبادل ، فلماذا هذا التناقض والنزاع بين أبناء الدين الواحد ؟  

لا شك أننا لا يمكن أن نحصل على قراءة واحدة للنص الشرعي ، ما دمنا دون مرتبة العصمة . ولكوننا نقرأ النص الشرعي من مواقع متعددة وأفهام متنوعة , النتائج تكون من سنخ تعدد الأفهام والقراءات .
والمشكلة الحقيقية في تقديرنا ليس في وجود قراءات متعددة للنص , أو توفر تنوع مذهبي وفكري في الفضاء الاجتماعي والمعرفي , وإنما في عجزنا جميعا عن إدارة هذا التنوع بصورة حضارية . وبطبيعة الحال هذا لا يعني أن القبول بتعدد القراءات يساوي التفلت من ضوابط الاستنباط للآراء والأحكام الشرعية . إنما نحن نقول إن مع الالتزام بالضوابط الشرعية في عملية الاستنباط وفهم النص تتعدد الأفهام للنصوص الشرعية , وذلك راجع إما لطبيعة البيئة الثقافية والاجتماعية والحضارية التي يعيشها هذا الإنسان ، أو بفعل منهجية الاستنباط التي تختلف من مفكر إلى آخر ومن فقيه إلى آخر .
لذلك نجد أن تعدد القراءات يكون حتى بين أبناء المدرسة العلمية الواحدة , ويكون بين فقهاء ينتمون إلى مدرسة فكرية واحدة ، ووجود إشكالات وأزمات في الواقع الخارجي السياسي والثقافي والاجتماعي ، ينبغي أن لا يدفعنا إلى ترذيل حقيقة التنوع والتعدد . إننا مع التنوع المنضبط بضوابط القراءة السليمة للنص , والمشكلات المترتبة على هذا التنوع والتعدد , ليست وليدة القراءة المتعددة أو الفهم المتنوع ، وإنما وليد واقع سياسي – اجتماعي – ثقافي أفرز بشكل أو بآخر أزمات في طبيعة التواصل بين المختلفين والمغايرين .
وعلى مستوى التجربة التاريخية لم نجد في تاريخنا الإسلامي الحديث أي ضير من التعدد والتنوع النابع من قاعدة الفهم الدقيق للنصوص والاستنطاق السليم لجملة المفاهيم الإسلامية الكبرى..
كما أننا من الأهمية أن ندرك أن معرفة ملاك الحكم الشرعي , لا يمنع التعدد والتنوع بفهم هذا الحكم . الكثير من الأحكام الشرعية معروفة لدى الفقهاء ملاكاتها وعللها ، إلا أن الفقهاء تتعدد آراءهم في هذه المسألة أو تلك . وعلى ضوء هذا نستطيع القول : أن التنوع في فهم النصوص الشرعية ، حقيقة قائمة وظاهرة حضارية لو أحسنا إدارتها والتعامل معها , ووجود إشكالات واقعية ينبغي أن يدفعنا للبحث عن أسبابها ومكوناتها بعيدا عن تعدد القراءات للنصوص الشرعية . وأكرر هنا أن التعدد لا يساوي الميوعة في تمثل القيم , كما أنه لا يساوي التفلت من ضوابط الاستنباط الشرعي , بل هو (تعدد القراءات) وليد شرعي لمبدأ الاجتهاد في الإسلام .. 

س 20: هل يمكن لقيم العفو والتسامح أن تؤتي ثمارها بلا قانون يحميها ويدافع عنها ؟

إننا حينما نتحدث عن قيمة التسامح أو العفو ، لا نتحدث في فضاء اجتماعي مجرد , وإنما نتحدث في فضاء اجتماعي مركب وفي مخزوننا القيمي جملة من القيم إحداها قيمة العفو أو التسامح . وعليه من الضروري حتى تكتمل هذه الرؤية ، أن نثير موضوع التفاضل بين القيم . حيث أن جميع هذه القيم الإسلامية الكبرى كالعدالة والقانون والحرية والسلطة والتسامح كلها قيم محمودة ومطلوبة ، ولكن حينما نريد أن ننزلها على الواقع ، لا بد من نظام أولويات بين هذه القيم أو نظام تفاضل بين هذه القيم , بمعنى متى تبدأ قيمة الحرية وأين تنتهي , وعلى سبيل المثال فإن الحرية قيمة أصيلة من قيم الدين حيث أن الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم , وفي المقابل أن السلطة في الاجتماع الإنساني ضرورة ، فكيف نوفق بين ضرورات الحرية ومتطلبات السلطة .
ومصطلح الحكومة في علم الأصول هو أحد الإبداعات الأصولية الأساسية لتحديد نظام الأولويات والتفاضل بين القيم الإسلامية الكبرى . وعلى هدى هذا نقول : أن التسامح أو العفو ليس قيمة مطلقة في كل الأحوال وفي كل الأزمنة والأمكنة ، وإنما هي مفردة من منظومة قيمية متكاملة . والمطلوب هو بلورة هذه المنظومة وبيان موقع وأفق كل منظومة على مستوى الواقع الاجتماعي .
فالتسامح مثلا كقيمة لن يمارس إلا في نطاق القانون والعدالة بل إذا أردنا الدقة فإن القيمة الأصلية للتسامح والعفو والتعايش هي قيمة العدالة ، فهي أم هذه القيم ، وفي نطاقها تتحرك هذه المفردات . ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن التهذيب النفسي وتغيير ما بالنفس ، هو القاعدة الأساسية التي تخلق إنسانا يلتزم بالقانون أو يخضع لمتطلبات العدالة . فالقانون لا يمكن أن يطبق في ظل فرد ليس مهذبا لنفسه ومغيرا لذاته , كما أن العدالة لن تترجم في السياسة والاقتصاد والاجتماع ، إلا إذا مارس الإنسان تغييرا في ذاته باتجاه تجسيد هذه القيم .
ويبدو أننا على مستوى الاجتهاد الفكري والثقافي والإنساني ، بحاجة إلى بلورة نظام التفاضل بين القيم ، حتى لا نتعامل مع هذه القيم بوصفها قيما مجردة وبعيدة عن ظروف الزمان والمكان .. 

س21 : هل هناك حاجة واقعية أم مثالية للحوار في الدائرة الإسلامية ؟ 

من الضروري أن لا نرذل مفهوم المثالية ، ونتعاطى معه بوصفه بعيدا عن الواقعية .
فالمثالية في المنظور الذي نتحدث حوله , هي الإطار النظري والمرجعي ، الذي ننطلق منه لبلورة مفهومنا للحوار والتواصل مع الآخرين . وواقعية الحوار لا تتم إلا بممارسته ، وكل فكرة لا تتنزل على الواقع بسبب ذاتي أو موضوعي ، لا تكون غير واقعية ، وإنما دائما هناك مسافة بين الأفكار والواقع ، ومهمة الإنسان في هذه الحياة السعي والكفاح لتجسير المساحة بين المثال والواقع .
وحينما نقرر أن الثقافة الفاعلة هي التي تتسع لجميع الآراء وتستوعب أفكارهم ، ينبغي أن لا نغفل وحدة المرجعية العقدية والفكرية التي تتسع للقراءات المتعددة . وهناك تمايزا دقيقا بين مفهوم الحوار ومفهوم المناظرة ، حيث يتجه مفهوم الحوار إلى تنمية الجوامع والمشتركات والمصالح للوصول إلى صيغ تعايشية قابلة للحياة , أما المناظرة فهي تتجه إلى إبراز أحقية وصوابية معتقدي تجاه عقيدة الآخر . لذلك فإن المناظرة تحمل مستوى من مستويات الإفحام وتضعيف المباني المنهجية للطرف الآخر , كما أن أحادية الصواب في الحقيقة لا يلغي دور الإنسان في الحوار مع أخيه الإنسان لاكتشاف هذه الحقيقة وتجليتها . فنحن لا نقول أن الحقائق متعددة ، وإنما الذي نقوله أن طرق الوصول إلى هذه الحقائق متعددة ، كما أن قدرتنا نحن البشر غير المعصومين على امتلاك الحقائق المطلقة ليس متوافر لدينا , لذلك فإن التواصل مع المعصوم والتعبد بما يقول هو وسيلتنا للاستناد إلى حقائق دينية مطلقة .
فالحوار المتجه صوب تنمية المشتركات ليس حوارا سياسيا فحسب ، بل هو حوار ثقافي واجتماعي وحضاري أيضا . حيث أن أمننا الخاص والعام واستقرارنا السياسي في دائرتي الوطن والأمة ، بحاجة إلى الحوار لبلورة صيغ التعاون والتعامل بين مختلف مكونات الوطن والأمة .
وإذا أردنا الدقة فإن الحوار السني - الشيعي هو في حقيقته حوار بين أهل السنة وأهل الشيعة ، ليس من أجل الإفحام وبيان ضعف المبتنيات العقدية , وإنما من أجل ضبط الخلافات وتنظيمها ومجابهة التحديات المشتركة وبلورة أسس التعايش السلمي . فإذا أردنا العيش المشترك فنحن بحاجة إلى الاحترام المتبادل والعميق والمعرفة الواعية بالآخر , ويبقى الحوار هو بوابتنا جميعا لبناء الوعي والمعرفة تجاه بعضنا البعض . 

س22 : هل المطلوب حوار عقائدي أم سياسي ؟ 

هناك منهجان في دراسة الأفكار في الساحة :
1- المنهج العقائدي : الذي يلغي تاريخ الأفكار وحركة تطورها عبر الأزمان والأمكنة المختلفة ، ويصل عبر عملية التجاوز هذه إلى بيان أن هذه الفكرة هل تنتمي إلى دائرة الباطل أو إلى دائرة الحق .
ولعل الكثير من مشاكل التطرف في الدائرة الإسلامية اليوم ، هي من جراء إسقاط المنهج العقائدي على عالم الأفكار .
2- المنهج الذي يستند على تاريخ الأفكار ولا يطلق أحكاما بعيدا عن علاقتها بالواقع . إذ أن هناك علاقة جدلية تربط الأفكار بالواقع , حيث لا يمكن أن توجد فكرة وتنمو بدون الواقع بأضلاعه الثلاثة (الزمان والمكان والإنسان) فالأفكار لا تتحرك وتتطور في فراغ ، بل هي تنمو وتتطور في إطار واقع اجتماعي - تاريخي . وهذا الواقع الاجتماعي - التاريخي يعكس تأثيره الطبيعي على عالم الأفكار والتصورات النظرية .
وقد أخذت جدلية العلاقة بين الفكر والواقع نصيبها من صراع الفلاسفة . فمنذ الفكر اليوناني القديم يتحدث أفلاطون في محاورة السفسطائي عن الصراع بين اتجاهين في الفلسفة يقول أنصار الأول منها أنه لا يوجد إلا الملموس والمحسوس , ويزدرون القائلين بوجود ما هو غير جسمي في حين يؤكد فلاسفة الاتجاه الثاني على أن الوجود الحق مثل معقوله ومفارقه . وعليه فإن مثالية معايير الحوار المطروحة ليست هي مثالية فلسفية ، بل هي مثالية فكرية تتطلب إرادة إنسانية مستديمة لممارستها وتنزيلها على الواقع .
وعليه فإن مثالية تصورات الحوار ومعاييره ، لا يمكن أن نجعلها في دائرة الخطأ والصواب , وإنما في دائرة الإطار الذي يتطلب كدحا إنسانيا متواصلا لإنجازه .



 أجري هذا الحوار في شبكة الغدير الثقافية . www.alghadear.net







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق