المحفوظ :الدولة في الإسلام ــ بالضرورة ــ مدنية
حاوره: رحيل دندش - مؤسسة الفكر الاسلامي المعاصر
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/10/23
التعليقات: 2 - القراءات: 4124

لا يزال مفهوم الحرية الشغل الشاغل للفلاسفة والمفكرين والباحثين، ويبقى البون شاسعاً بين ما كتب حول هذا المفهوم والواقع الإنساني العام الذي يعيشه الإنسان، إلا أن هذه الهوّة يجب ألا تمنع -على الأقل نفسياً- من الكدح والكفاح الإنساني للاقتراب أكثر فأكثر من هذه القيمة العليا التي لا تتحقق إنسانية الإنسان إلا بها.

كيف نستدل على مفهوم الحرية من المنظور الإسلامي؟

في المبدأ فإن مفهوم الحرية هو القدرة على الاختيار. هناك بعدان أساسيان في استدلالنا على مفهوم الحرية؛ البعد الفلسفي المعرفي والبعد الفقهي.
فيما يتعلق بالبعد الأول، فإن الله سبحانه وتعالى خلقنا أحراراً ووفّر لنا إمكانيات عقلية ونفسية للتعامل مع كل المعيقات والكوابح التي تعترض طريقنا بما يجعلنا نتجاوزها: فعلى المستوى الداخلي، الله سبحانه وتعالى أوجد لدينا شهوات وأهواء، ووفر لنا إمكانية أن نتحرر منها، والحرية هنا تعني التحرر المعنوي، لأن الإنسان ليس حراً حينما يكون عبد شهوته وأهوائه، وبطبيعة الحال فإن المتحرر معنوياً هو بالضرورة قادر على أن يتحرر من كل المعيقات الخارجية من السياسات الظالمة المستبدة والأوضاع الاقتصادية الضاغطة والظروف الاجتماعية المنحرفة... التحرر المعنوي هو الذي يقود الإنسان إلى التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
أما في البعد الفقهي، فلدينا حقل كامل في الأحكام الخمسة هو حقل الإباحة، وحينما ندقق في حقل الإباحة نجد أنه يمثل الفضاء المتاح للإنسان لكي يمارس حريته وفق الضوابط العامة ووفق الثقافة المرجعية التي يحملها.

بالانتقال إلى صلب الموضوع، كيف يجب أن تتعاطى الحكومات مع "المختلف" في ظل وجود آيات في القرآن الكريم تدلل على حرية اختيار الإنسان للفكر والرأي الذي يقتنع به؟

نجيب على هذا الإشكالية ضمن حقل التفاضل بين القيم، وهو حقل يحتاج إلى إعمال العقل وإيجاد اجتهادات فكرية وثقافية كثيرة. هناك شجرة من القيم المحمودة، كقيمة الحرية والعدالة والنظام... وكلها ضرورات إنسانية ومجتمعية. وتأتي هذه القيم في العالم المجرد في صف واحد، ولكن على المستوى الواقعي الاجتماعي الإنساني فإنها تتزاحم. ونعالج هذا التزاحم من خلال فقه التفاضل بين القيم. فمتى تبدأ قيمة الحرية ومتى تنتهي لصالح قيمة أخرى كقيمة العدالة أو قيمة النظام، هذه مسألة لا نستطيع أن نعالجها إلا في سياق الاجتهاد الفكري والسياسي.

ما هي الرؤية الإسلامية لإيجاد معالجة لهذا الموضوع؟

أولاً، يستطيع الحاكم الشرعي بقدرته العلمية الاجتهادية أن يحسم هذا الجدل وهذا التزاحم على المستوى الواقعي.
ثانياً، عندما نتحدث عن التفاضل بين القيم، نتحدث عنها بوصفها ضرورات مجتمعية، لذلك أنا لا أستطيع باسم الحرية أن أدمر وجود حالة النظام العام في المجتمع، فالنظام العام في المجتمع مطلوب، ولا يمكنني أن أمارس حريتي في ظل وضع اجتماعي فوضوي لا نظام فيه، فبين النظام والحرية هناك علاقة جدلية.
على المستوى الواقعي هناك مدى اجتماعي وإنساني ينبغي أن تمارس فيه الحرية ولكنها تنتهي حينما تتحول إلى مستوى من مستويات التعدي على حقوق الآخرين المادية والمعنوية فتفضي إلى الفوضى، فحينما أوقف الإنسان عن ممارسة شكل من أشكال الحرية بدعوى الحفاظ على النظام هذا ليس تقييداً للحرية.
بطبيعة الحال الحرية قيمة عليا مجردة في عالم الأذهان، ولكن في عالم الواقع الاجتماعي والسياسي هي قيمة نسبية، ودائماً القيم النسبية تحدد بضوابط متعددة وتساهم في ترتيب مجموعة قيم ومحاسن أخلاقية رئيسية.

هذا يعود بدرجة كبيرة إلى طبيعة النظام؟

أنا أتحدث عن النظام في الدائرة الإسلامية الذي يقوده مجتهدون فقهاء جامعون لشرائط الاجتهاد.

ترفع بعض الأنظمة شعارات الإسلام، في وقت تقمع المعارضين علماً أن لهم مطالب مشروعة ومحقّة وذلك باسم الحفاظ على هوية النظام. هل يندرج ذلك ضمن إطار التفاضل بين القيم الذي تحدثتم عنه؟

لم يعد الأمر هنا تفاضلاً بين القيم. التديّن على المستوى السياسي هو عملية كفاح ومجاهدة لوصولي أنا "النسبي" الخاضع لظروف زماني ومكاني لكي التحم بالمطلق، والمطلق هو الله سبحانه وتعالى، لذلك القرآن الكريم يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق : 6]. مهمتي أنا النسبي في هذا الوجود هو ممارسة عملية الكدح الإنساني للالتحام بالمطلق، في عملية الكدح أنا أحتاج إلى ممارسة الحرية، ولا يستطيع أن يمارس الحرية أو يدافع عنها إلا الإنسان الحر، ولا يستطيع أن عن الحرية إلا الإنسان الحر، لذلك ينبغي أن أكون حراً حتى أتمكن من ممارسة حريتي، بمعنى التحرر المعنوي والمادي من كل الضغوطات والأهواء والكوابح. حينما أمتلك هذه القدرة على ممارسة حريتي أتحول إلى إنسان حر، باستطاعته مواجهة كل هذه الممارسات والضغوطات والإكراهات الخارجية، وعلى رفع الصوت ضدها. لذلك الإمام الصادقعليه السلام يقول: إن الحر حر في جميع أحواله(...).

في ظل حالات "قمع الحريات التي تشهدها دول عربية وإسلامية على حد سواء، كيف تنظرون إلى الدور الذي على الفقهاء أن يمارسوه للتخلص من هذا الواقع وخصوصاً مع العودة القوية للمدارس الدينية التقليدية؟

تقع على عاتق الفقهاء مهمات عديدة ممكن إيجازها بالآتي:
أولاً: تظهير القيم الإسلامية التي تدعو إلى الحرية وتحميها وفق مناشط ثقافية وتوعوية .
ثانياً: تنظيم الاختلافات بين البشر كقوى مجتمعية ذات مصالح متباينة أو متناقضة أو متنافسة، إذ أن الفقيه معني ببناء مؤسسات تنظّم شبكة المصالح المتعددة والمتنوعة والمتباينة بين مجموع القوى الاجتماعية.
ثالثاً: تطبيق القانون، إذ لا يمكن أن تنمو شجرة الحرية إلا في بيئة اجتماعية تخضع إلى سيادة القانون. وحينما نتحدث عن سيادة القانون، فإننا نتحدث عن ضرورة وجود جهة بشرية تطبقه على المسيء وتردع الذي يتجاوز حدوده الطبيعية مع الآخر سواء أكان الآخر فرداً أو مجموعة بشرية. ثم إن سيادة القانون ليست لقلقة لسان أو ادعاء مجرد، وإنما وجود قدرة عند الإنسان و المؤسسة على تنفيذ ذاك القانون، سلطة تُدبّر مصالح الناس وتطبق القانون لتحمي مصالح الجميع.
ما تقدم ذكره يمثل الرؤية النظرية لدور الفقهاء، أما على مستوى الواقع فنجد أنّ الرؤى الدينية المحافظة هي السائدة، ويعود السبب في ذلك إلى أنه -وفي زمن الهزائم- حينما ينهزم الإنسان نفسياً وسياسياً واجتماعياً يلجأ إلى خطوط دفاعه العميقة التي تتعلق بخصوصياته الذاتية، بهويته الأصغر دائماً، فبالتالي في زمن الهزائم والاصطفافات الحادة يلجأ الإنسان إلى هوياته الفرعية.

كيف نخرج الإنسان من هويته الفرعية إلى الهوية الجامعة؟

هذه تحتاج إلى تفسير نهضوي لقيم الإسلام ومبادئه، لأنه لا يمكن أن نجعل الإنسان يتحوّل من كائن سلبي إلى كائن إيجابي، ومن كائن لا مبالي إلى كائن فاعل في حياته الاجتماعية والسياسية إلا بتغيير ثقافته وتغيير ذهنيته وتغيير نظرته إلى ذاته. وكل هذه العملية تتطلب إعادة بناء المفاهيم الإسلامية على ضوء رؤية وتفسير نهضوي جديد، وهذه مهمة نستطيع أن نقوم بها. لذلك دائماً نلحظ أن كل التجارب الإصلاحية في العالم –الدينية منها والفكرية والسياسية- تنطلق من قناعة أساسية واحدة وهي أن العامل والمكون الذي كان في زمن حضاري ما، هو عامل لصناعة القوة في المجتمع سيتحوّل بفعل تراكمات التاريخ وتراكم الأفهام البشرية المتعددة إلى حائل يعيق تفاعل الإنسان مع قيمه الجديدة. لذلك التجربة الدينية والفكرية والسياسية الإصلاحية هي محاولة تجاوز هذا الركام البشري، ويكتشف المُصلح لحظة ممارسته الإصلاح المفارقة بين الواقع وبين المثال، بين المبدأ وبين ما يعيشه الإنسان، بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون. لذا دائماً مهمة التجارب الإصلاحية شخصية أو مؤسسية هي تجسير الفجوة بين الواقع والمثال. لذلك نحن نقول أنه من الضروري أن تبقى في الأمة جماعة مؤمنة طليعية تأخذ على عاتقها العمل على إيقاظ الشعوب دائماً حينما تغفل، والله سبحانه تعالى في كل الآيات القرآنية الكريمة لا يتحدث على أنه سيحاسبنا على يقظتنا، بل على غفلتنا. لذلك المطلوب دائماً أن نمارس اليقظة الذهنية والسياسية والاجتماعية حتى نتمكن من الحفاظ على أن تبقى قيم الإسلام حيّة في وجداننا كأشخاص، وفي حياتنا الاجتماعية والسياسية.

كيف يجب أن يتم التعامل مع المعارضة في ظل حكومة إسلامية؟

إذا لم تمارس العنف لتغيير النظام بالقوة فلها كامل الاحترام رأياً ووجوداً وحقوقاً.
وهذا الأمر متفاوت على المستوى الواقعي، ولكن من الضروري أن تبقى هذه الرؤية الدينية هي السائدة، فحتى لو كان واقعنا سيء، فإن وجود رؤية دينية حاضرة باستمرار بهذا الاتجاه يجعلنا نمتلك ضميراً حياً تجاه الممارسات الاستبدادية التي تحول دون التحامنا بالقيم الإسلامية الأساسية.

لمَ تخاف بعض الأنظمة من الآراء الإصلاحية وتقمعها، وخصوصاً وأن الأمور قد تكون في غير صالحه في نهاية المطاف؟

حينما نأتي إلى آية ﴿لا إكراه في الدين نجد هناك معنيين أساسيين في موضوع الإكراه، فهل الآية تخبر عن أنه لا إكراه في الدين أم تنشأ وتؤسس لمفهوم أنه لا إكراه في الدين. إذا قلنا بالمعنى الأول فبالتالي كل ممارسة إكراهية حتى لو تجلببت بجلباب الإسلام لا يمكن أن تستمد شرعية ومشروعية من الإسلام، لأن الدين محله القلب، والقلب لا يمكن أن يدخل إليه شيء بالإكراه، وكل شيء يدخل خلاف الاختيار والحرية فهو ليس ديناً حتى لو سميناه ديناً ، لذلك أجاز الرسولexcaim لعمار ابن ياسر أن يقول كلام كفر تحت الإكراه. والإمام عليعليه السلام في تجربته حينما ازدادت الضغوطات الأموية عليه قال لأصحابه "فأما السب فسبوني وأما البراءة مني فلا تتبرؤوا مني"، فحينما أمارس السب تحت الإكراه لشخص أحبه لا تترتب عليها كل تداعيات السب لأنه خاضع تحت الإكراه. بمعنى أن الإكراه لا يحمل المُكرَه مسؤولية شرعية. هذه هي الرؤية الدينية. لذلك فإن بنية الدول هي التي تحدد مدى انسجام الناس معها أو بالعكس مدى سعيهم للتفلت من أنظمتها وقوانينها. حينما تعبر الدولة عن همومي وعن مصالحي وعن خياراتي الثقافية فسأدافع عنها، أما حينما تكون ضد خياراتي الثقافية ولا تعبر عن همومي ومصالحي واهتماماتي فسأقوم بتجاوز قوانينها وسأدعو الآخرين لتجاوز قوانينها.
لذلك نحن نعتقد أن المشكلة الحقيقية هي في بنية الدولة العربية والإسلامية، إذا كانت دولة لبعض المكوّنات والتعبيرات وضد مكونات وتعبيرات أخرى فالموالون سيدافعون عن الدولة أما المكوّن المطرود من رحابها سيمارس المعارضة. ولتجاوز هذه الثنائية لا بد من بناء دولة عادلة تعددية، وأنا أعتقد أنه في زمن غياب المعصوم فإن مفهوم الدولة الإسلامية هو مفهوم مجازي، ولا توجد دولة إسلامية إلا في زمن المعصوم، لأن وجوده يعني وجود الإسلام المتحرك. أما اليوم يوجد دولة مسلمين والمطلوب منها أن تكون دولة للمسلمين جميعاً بمختلف مكوّناتهم الفقهية والمذهبية وبمختلف خياراتهم، وهكذا ستتلاشى الكثير من النتوءات سواء في الحقل السياسي أو المرجعي ديني ولن تشكل تهديداً لمصلحة أو بنية الدولة.
الحل الطبيعي حتى لو كان الحكم حكم فقهاء هو تطوير بنية الدولة بحيث تكون بنية حاضنة لجميع الحساسيات الدينية

وهذا لن يكون إلا من خلال تطوير قراءة النص الديني لأنها دولة تستقي شرعيتها من النص الديني؟

لذلك قلت إنها دولة مسلمين، وفي كل النصوص الشرعية لا يوجد لدينا شكل محدد للدولة، فلا أحد يقول إن الدولة في الإسلام هي دولة جمهورية، أو ملكية... هم يتحدثون عن دولة كأجهزة ومؤسسات تُطبّق الحرية والعدالة وتصون حقوق الناس وكراماتهم. أما شكل الدولة فالناس تختاره لأنه متغيّر، تارة يسمونه جمهورية، تارة أخري ملكية، إمارة، سلطنة... المهم أن تُطبق القيم الإسلامية.. لذلك نحن نقول بالضرورة الدولة في الإسلام دولة مدنية. لأن الدولة في الإسلام هي دائماً وفق إرادة الناس ولا يمكن أن نتصوّر دولة في الإسلام بعيداً عن إرادة الناس، وكل شيء نتاج إرادة الناس هو بالضرورة مدني.

هل هذا الفهم موجود لدى كافة المسلمين؟

لا، ليس عند جميع المسلمين، لذلك تبقى هناك مسافة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون، وتبقى المهمة الأساسية هي زراعة الوعي الإسلامي الطارد للتخلف بكل أشكاله، وبناء نخبة دينية وثقافية جديدة تحمل على عاتقها صناعة هذا الوعي وتعميمه في فضاء المجتمع والأمة، وبناء حقائق تجديدية إصلاحية في واقع المسلمين الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي.

يشهد التاريخ المعاصر حالات إعدام تمارسها بعض الجماعات الإسلامية بحق المعارضين لرأيها كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة ؟

ليس عندي استقراء ولكن أستطيع أن أقول إن أغلب حالات الإعدام التي تجري في حياة المسلمين ليست مستوفية لكل الشروط الشرعية، بل أجزم بأنه لا توجد لدينا في التاريخ الإسلامي المجيد -والذي نعتبره حقبة مرجعية بالنسبة لنا- تجربة على أن إنسان قُتل بسبب رأيه، لذلك حينما نتحدث عن العقوبات والتشريعات الجنائية في الإسلام لا نستطيع أن نتحدث عنها بعيداً عن مفهوم حرية الإنسان، لأنه على المستوى الواقعي هناك أنظمة ظالمة في التاريخ الإسلامي مارست القتل بعناوين تضليلية مثل عنوان الزندقة، الهرطقة في الدين، ولكن هذه ليست الحقيقة. فالحقيقة أنه قتل بسبب معارضته السياسية لنظام فاسد ومستبد. ولكن ألصقت عملية القتل بالإسلام.
وإذا أردنا أن نتحدث عن التشريع الإسلامي لعقوبة الإعدام -على المستوى الفقهي للشروط التي تُطبّق فيها التشريعات الجنائية- نجد أن هناك شروط جدّ معقدة ومركبة، وتحتاج إلى جهود مؤسسّية وفرديّة حتى تثبت على هذا الإنسان التهمة. لذلك على المستوى الواقعي نحن نقول أن الفقه الإسلامي يدقق كثيراً قبل أن يقدم على تنفيذ أي إجراء.
لذلك ألفت إلى ضرورة أن نُعرّي الأنظمة السياسية المستبدة التي مارست القتل باسم الإسلام، فهذا مما لا يمت إلى الإسلام، حتى لو أصدر فتوى القتل فقيه من فقهاء الإسلام، باعتباره عالماً ملتحقاً بالسلطة السياسية، خاضعاً في فتواه وفي أحكامه الشرعية إلى حاجة السلطان ومقتضياته. في النهاية فإن التشريعات الجنائية جاءت على المستوى النّظري لكي تحمي حرية الإنسان للأفراد والأمة والمجتمع ككل ولم تأت لتقييد حريته.

هل يتنافى فرض الحجاب في الدولة الإسلامية مع مقتضيات الحرية؟

تقديري الشخصي، أن في الفقه السياسي الإسلامي ثلاثة وظائف أساسية للدولة، وهي: حماية الثغور والدفاع عنها من المخاطر الخارجية، حفظ المصالح العامة للمواطنين، وتطبيق القانون. لم أرَ من خلال مطالعاتي أن من مهمات الدولة ووظائفها ملاحقة الناس على مستوى التزامهم الديني، فهذه من مهمات الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مؤسسة تابعة للأمة وليس مؤسسة تابعة للنظام. بمعنى أنه وفق الرؤية الإسلامية تكون الدولة "رخوة" محدودة الوظائف، فهي ليست دولة متغوّلة تلتهم مصالح الناس وتتدخل في كل تفاصيل الحياة.

هناك روايات موجودة تعبر عن مسؤولية الدولة مثلاً الحديث: "إنما يقيم حكم الله من أقام الحدود وأمر بالمعروف". ألا يبين هذا الحديث أن من وظائف الدولة أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

إذا كان هذا الأمر بالمعروف ينصّ عليه القانون المتبع في الدولة فإنه يصبح بذلك من مهمات الدولة، أما إذا كان قانون الدولة لا ينصّ على أن الدولة تتدخل في هذه الأمور فهي من مختصات الأمة، وعندنا روايات كثيرة تتحدث عن الرسولexcaim ووظائفه وعن الإمام ووظائفه وأعتبر أن جزءاً من الإشكالية في رؤيتنا نحن عندما نتحدث عن الفقه السياسي هو الخلط بين وظائف الإمام بوصفه إماماً وبين وظائف الدولة، هناك وظائف للإمام ليست وظائف للدولة. هناك وظائف الآن للولي الفقيه ليست وظائف للدولة حتى ولو كان الفقيه الشخص الأول في الدولة.
فالفقيه يقوم بإصدار الفتوى، وليس من وظائف الدولة تطبيق فتاوى المراجع الدينية.

ألا يعني ما تفضلتم به بأن الأمة نفسها صارت سلطة؟

أكيد، والمطلوب أن تكون لها سلطة. لذلك نجد أن إشكالية الدول العربية أن الدولة دائماً أقوى من المجتمع، فيما المطلوب هو أن يكون المجتمع أقوى من الدولة.
الآن في الدول الغربية هناك دولة مؤسسات أما عندنا فدولة أشخاص، وعادة الانقلاب العسكري لا يتم في الدول التي فيها توازن بين المؤسسات، أما الدول التي تكون فيها الدولة بيد شخص فالانقلاب عليه يكون سهلاً. حينما نتحدث عن ضرورة أن تكون الأمة أقوى من الدولة، فإننا نتحدث عن ضرورة أن تكون للأمة مؤسسات مجتمع مدني تمارس حضورها المدني ودورها الرقابي وحياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية لكي لا تسمح للانحراف إذا وُجد في مؤسسة الدولة أن يتمدد.
لذلك لا يمكن أن نواجه الانحراف إلا بقوة المجتمع، ولا يمكن أن نخلق ديمقراطية في أي مجتمع إلا بوجود ديمقراطيين، فلا يمكن أن نتصوّر أن الذي يطبق الديمقراطية هو مستبد.
ومن الطبيعي لا يمكن للدولة كجهاز مؤسسي خاضع لشروط الديمقراطية أن يكون فاعلاً إلا بوجود إكراهات، وهذه الإكراهات مؤسسية، فهناك في الأمة مؤسسات رقابية ومحاسبة ..
أما حينما تغيب هذه الشروط والشعب يريد أن يغيّر النظام، فإنه ستكون عملية تغيير النظام بكلفة بشرية مرتفعة. لذلك نحن نقول إن الدولة في الرؤية الإسلامية بالضرورة يجب أن تكون "رخوة" وليست دولة متضخمة تتدخل في كل الشؤون، أي أن تكون أقرب إلى الرؤية الليبرالية في مفهومها للدولة.
تبقى هذه رؤية للدين كما يجب أن يكون وليس كما هو كائن
كل ما نتمناه اليوم هو أن نبني في مجتمعاتنا دول تعددية تشاركية تحترم عقائد مواطنيها ولا تتدخل بها وتتعامل مع مواطنيها ليس بوصفهم سنة أو شيعة أو مسيحيين أو يهود أو ما أشبه ذلك، بل تتعامل معهم بوصفهم مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات
هذا المثال وواقعنا لا ينسجم فثمة مسافة بعيدة، ولكن ينبغي أن يستمر الكفاح الإنساني عند المسلمين لكي يصلوا إلى هذه الحقيقة السياسية والاجتماعية...







التعليقات
المحرر
11/06/2012

الاستاذ الكريم احمد حسين بامكانك الاتصال بنا على بريد الموقع afaaq.web@hotmail.com وللمزيد طالع هذه الصفحة http://aafaqcenter.com/index.php/page/90

أحمد حسين
10/31/2012

السلام عليكم عندي تساؤلات وسيكون جميلا الحصول على توضيحات بخصوصها. أولا: يقول الاستاذ المحفوظ أن الدولة في الإسلامية مدنية بالضرورة، كيف يمكن التوفيق بين هذا القول وقوله أن النظام في الإسلام يقوده العلماء المجتهدون الجامعون للشرائط؟ يبدو أن هذين الشيئين متناقضين. ثانيا، لماذا يجب أن يقوم المجتهد الجامع للشرائط بقيادة النظام في الإسلام إذا لم تكن من وظائف السلطة تطبيق الفتاوى وتنحصر وظائفها في حماية النظام العام؟ وشكرا ،،،

المحرر
11/06/2012

الاستاذ الكريم احمد حسين بامكانك الاتصال بنا على بريد الموقع afaaq.web@hotmail.com وللمزيد طالع هذه الصفحة http://aafaqcenter.com/index.php/page/90



ارسل لصديق