الخطاب والنقد بين الوصاية والتواصل
عبد الواحد علواني مجلة الكلمة
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/11/06
التعليقات: 0 - القراءات: 3807

لاشك أن النقد عامة وسيلة توجيهية، وعمل إعلاني (مع) أو (ضد) وربما بينهما، ولكنه لايفصح عن كنهه بوضوح، إنما يزعم الموضوعية

 وإن كانت تغلب عليه إحدى الصفتين: الإدانة أو الإشادة، فهو عملية موجهة كونه يعتمد على منتج (نص، سلوك، حدث، ظاهرة، أثر، فكرة..)، بمعنى أنه يسعى إلى إزالة تأثير المنتج (المثير)، أو ترسيخ وجوده، أو إعادة انتاجه، فهو يحاول أن يمارس تأثيره المثير من جهة والمتأثر من جهة ثانية.
ويمكننا القول ـ ضمن منطق الممارسة النقدية ـ‏بأنه يسعى إلى عقلنة المثير بحسب رؤيته سواء أكانت عقلنته للمثير تنطلق من داخل المثير (من خلال نقد الواقع) أو من خارجه‏(من خلال نقد الفكرة) فهو بالمحصلة مواجهة لمثير معلن أو مراوغ، مباشر أو غير مباشر، فهو يسعى في منهجه إلى تعرية المثير، إما لإظهار مفاتنه ومحاسنه، أو لإظهار قبحه وخطله، آملاً بذلك في أن يمارس فاعلية ما، تتلخص في ترغيب المتأثر (في) أو (عن) المثير.. وربما (في) بعضه و(عن) بعضه الآخر.
بيد أن مصطلح النقد ملتبس! فهو حيناً‏يتضمن الرفض عبر إدانة ما: حكم سلبي.. وحيناً‏آخر يشير (وهذا المعنى الأساسي له) إلى معرفة إيجابية للحدود (1) ، فهو أولاً وأخيراً يمارس موضعة يسبغها على نفسه بنفسه، بل يفصح عن تموضعه في مرتبة معينة، هذا التموضع يمده بالأسلوب ويرفده باللغة التي يستخدمها، بل ويحدد له (مسبقاً) طبيعة المفاهيم والتراكيب والمصطلحات والمفردات التي عليه أن يستخدمها، وهذا التموضع يؤدي به إلى ممارسة مغايرة، بمعنى أنه قد يتحول من تعرية المثير إلى إكسائه بالمزيد من الأحجبة، أو الدخول في صميم تأويلية تحرف الكلمة عن مواضعه، والمعنى عن مقاصده، فيمارس مراوغة مضاعفة بأسر المثير والمتأثر!

ولايمكن فصل النقد عن التأويل بسبب مركزية النقد، والتبادل بين النقد والمثير ليس خاضعاً لعلاقة مباشرة، ولذلك يمكن القول: مؤول هذا ذاك الذي يباشر تبادلاً انطلاقاً من مركز (2) ، إذ إن مسايرته وولاءه للمركز المنطلق منه يضعانه أمام مسؤولية التفسير بمقتضى أحكام المركز، أو الإدانة بمقتضاها أيضاً، وفي كلا الحالين فإنما يرضخ إلى نزعة تأويلية موجهة.
وإن كان من المفترض أن يعطي النشاط النقدي ميداناً‏للبحث وليس موضوعاً‏محدداً (3) ، إلا إن مركزية النقد تجعله أسير نزعته الأولى التي تحدد له موضوعاً‏معيناً‏مهما راوغ ليؤكد براءة نتائجه!
فالنقد بحدّ ذاته موقف إدعائي.. إذ يمثل رؤية خاصة تدعي جدارتها بالتعميم، وهو لايني ـ مستغرقاً في إدعائه ـ يعلن عن موضوعيته وعقلانيته وتكامله، ولأنه يعي أن موضوعيته تفترض ابتعاده عن التموضع المسبق، فإنه يستمر في إدعاء التحليق الحر، مع أن منهجيته ومنظومته الإستدلالية وأدواته المعرفية تفصح جميعاً عن الإيديولوجية المحركة له.. أو الإيديولوجية التي يستهلكها.. فيمارس هيمنة متسلطة يشرعنها من خلال إخضاع النص لمقاييسه (المعقلنة مسبقاً)، فهو يدعي البحث في الجذور.. في البنية.. في اللحظة الأولى، وحتى عندما لايجد في الجذور أو البنية ما يسهم في برهنة إدعائه، فإنه يميل إلى اختلاق بنية معينة (مؤولة) تخدم غرضه المعلن أو المخفي! ولذلك كثيراً‏ما يتعامل مع المثير كممارسة مستندة إلى آنية فردية وليس كمنتج تاريخي تراكمي، إذ يفترض (مسبقاً) أن المثير إنما هو (وحدة عمل) ينبغي تشريحها مجردة.. وهذا ما ينبغي أن ندنيه بداية في المشروع النقدي (4) .
والنقد كوظيفة من وظائف التحليل الأدبي (عند ميشيل فوكو) يطابق ـ في تعريفه التاريخي ـ (الحكم)، ويأتي كمرحلة متوسطة بين الإنتقاء والشرح (5) ، ويفترض فوكو أن التحليل (الذي يستغرق النقد جلّ عملياته) قد انتقل من محور الكتابة ـ الإستهلاك، أي الوساطة بين الأثر والمتلقي، إلى محور الكتابة ـ‏الكتابة، أي إمكانية تكوين لغة جديدة انطلاقاًمن لغة معطاة (الأثر) (6) وإن كان (فوكو) يجد أن المحور الجديد يشمل الجهد النقدي في القرن العشرين، فإن (حكمه) هذا قد يصدق على نخبة معينة وضيقة جداً، إذ لايزال النقد في إطاره الواسع عاجزاً‏عن التحرر من مفاهيمه القديمة وأدواته الكلاسيكية، مما يؤثر على موضوعيته إلى أبعد حد!

النقد والموضوعية

العلاقة بين النقد والموضوعية علاقة نسبية (داخلياً‏وخارجياً) تماماً‏كالعلاقة بين النقد و(التأثّر) من جهة، والنقد والإيديولوجية من جهة أخرى، فهو إذ يستمد ملاحظته من نزعته (التأثرية) فإنما يدافع عن نزعته الايديولوجية بقناع من الموضوعية، وهو إذ يفصح في خطابه الداخلي عن نسبة مرتفعة من الموضوعية تقارب الإكتمال، لايتمكن من الإيحاء إلى متابعه (المتأثر به) بنسبة مطابقة أو مقاربة حتى، فالتناسب بينهما يختلف باختلاف المتابع ودرجة تبعيته وانسجامه مع إيديولوجية النقد، وطبيعة أدواته المعرفية.
وعندما يغيب عن النقد كونه فكرة مقامة على أساس (أو أنقاض) فكرة أخرى موائمة (أو مخالفة)، فإنه يدخل في انغلاق حاد على أدواته، ويدعي ـ بشكل غير مباشر ـ إطلاقيته، ويرفض (ضمناً ودون أن يفصح علانية) قابليته للتطور، مع أن منطق وجوده بالنسبة للمثير (أو الأثر) يؤكد مرحليته وآنيته، إذ لايختلف عن المثير في كونه يحمل الفكرة الناسفة له في صلبه، بل ربما تكون أوهن من المثير لسببين: أولهما كونه حالة ارتكاسية تفتقد الأرضية المناسبة تماماً‏للإنطلاق، وثانيهما أن اللغة النقدية تجرده من قابلية التؤول، بينما يحتفظ المثير بقابليته للتأويل، بمعنى أن المثير قد يحتفظ بغموضه، وعمقه ورمزيته وخطابه الداخلي، أما النقد فإنه يفضح نفسه بنفسه، ويفسر مطلبه بنفسه.
وتتوضح لنا أعلى درجات المراوغة التي يمارسها النقد عندما يطبق مقاييس معينة وخاصة وضيقة على المثير، ثم لايرتدع عن استخدام مقاييس مغايرة أو مختلفة تماماً مع ما يطرحه كبديل! بل تكون لعبته الكبرى في المراوغة عندما يتوصل إلى اختراع مقاييس موحدة مؤكدة لنجاعة منهجة وجدارة بديله من ناحية، ومن ناحية أخرى شرعية تغييب واستئصال المثير (في حالة الإدانة) أو شرعية تطوير المثير وتفسيره وتأويله (في حالة الإشادة)، فيتملص من مناقضة نفسه. بل إن الدور الوصائي يصل إلى أبعد حد له إذ يتعلق الأمر بالماضي والحاضر والمستقبل، فبنفس القوة التي يرفض بها وصاية الماضي عليه كحاضر، يملي وصايته على المستقبل من خلال بديله! غافلاً عن كونه (ماضي) بالنسبة إلى المستقبل.
والنقد (حتى في دور الوصاية) ينفتح على آفاق ثلاثة: الواقع والممكن والمثال، الواقع الإفتراضي (المفسّر من قبله)، والممكن عبر آلياته وأدوات افتراضية، والمثال الذي يحدد له الهدف ويرسم له الأفق الحيوي، ولذلك فإن انفتاحه انفتاح مؤدلج وممارسته هي ايديولوجيا في الصميم.
يتجلى في النقد مستويان أساسيان عندما نتناوله كعملية فكرية أو عملية (نَصّية)، ولكنهما غالباً‏ما يكونا خارج إدعائه! فالنقد إما أن يحاول الدخول من باب التقدير (الدراسة الذوق)، أو من باب العلم (علم الإنتاج الأدبي)، وهذا مايجعل (بيير ماشري) يؤكد على كون النقد علم وفن في آن واحد (7) .
وفي الحالة الأولى النقد كتقدير وذوق نجد أن هناك إمكانية للفصل بين التقدير والذوق (أو التذوق)، فالتقدير عملية تتضمن الحكم، بينما التذوق هو نوع من الممارسة والتفاعل من أجل الوصول إلى التقدير/ الحكم. والتذوق يبدو ـ لأول وهلة ـ أكثر صدقاً، إذ يميل إلى استخدام مقاييس جمالية ذاتية مع إقراره بهامشية هذه المقاييس بشكل عام، ولكنه يحاول ما استطاع إلى ذلك سبيلاً نشر قيمه الجمالية الخاصة أكثر من محاولة إعطاء فكرة واضحة عن المثير، فيدخل دائرة (الإدعاء)، ولكن إدعاؤه يكون واضحاً‏أكثر.
أما في طور التقدير والحكم فإنه يميل إلى لغة سجالية تعتمد قواعد متباينة تندرج تحت إطار الإفتراض أو البرهان،‏ودون أن يقرّ باستدراجه للمتأثر إلى ساحته المحجمة مسبقاً، ويستخدم لغة مليئة بالتراكيب والمصطلحات العلمية والموضوعية التي يدعيها، فينخرط في عملية احتجاب، منغلقاً‏على نفسه، ليبث تفسيره إما على صعيد داخلي أو على صعيد دائرة استلاب ضيقة!
وفي الحالة الثانية: النقد كعلم، يدخل التشريح بمباضعه ومقصاته ليمزق ويفكك ويستنطق، ويميل النقد إلى إظهار براعته في التحليل النفسي، محاولاً الجمع بين (كيف) و(لماذا)، وبين التفسير والتأويل، ومع ذلك فإنه يوجه المثير إلى إحدى الخانتين بحسب نية مسبقة فإما أن يرميه في خانة الإدانة، أو يمكّنه من خانة الإشادة، ولكن ما يشفع له في هذه الحالة هو التزامه بالمنهج العلمي الذي يتضمن إمكانية زحزحته.. وربما استئصاله!
أزمة النقد.. وفاعليته..‏لاتتعلقان بافتقاره المقاييس، إنما تتعلقان بافتقاره إلى علم خاص به يحدد ضوابط عامة له تميزه عن السجال والمصادرة والتسفيه. فالنقد (اي النقد) يمتلك مقاييس ينطلق منها، ولكن فاعليته تبقى ضمن سوية معينة وفي دائرة محددة، بحسب أدواته وغاياته، وفي ظل القطيعة المعرفية بين زمنه (زمن النقد) وزمن المثير (زمن انتاجه)، فإن دوره يصبح هامشياً لأنه أساساً‏ينطلق من مقاييس مقبولة أو مرفوضة مسبقاً.. ولذلك لايفلح إلا في دائرة مقاييسه، فالمنطق الإيديولوجي يبقى ـ في جميع الحالات‏ـ طاغياً على الأدوات المعرفية والأساليب المنهجية، ويفرض الإيمان المذهبي، ويغيب المفاهيم والأشياء (8) .

النقد والتأويل

النقد والتأويل كلاهما يمتلك تموضعاً‏مسبقاً‏من المثير، لذلك فإن كلاهما يمارس تفسيره إزاء المثير، ويتداخلان إلى درجة التماهي ـ أحياناً‏ـ‏كممارسة، فيكون النقد تأويلاً، والتأويل نقداً، والفارق بينهما يتجلى في أمرين: الأول أن النقد ينفتح على آفاق النص، بينما التأويل يفتتح آفاقاً‏جديدة للنص، والثاني أن النقد يستخدم التاويل وسيلة للوصول إلى برهانه، بينما التأويل يحمل في صلبه محاولة نقدية للتراكمات المسبقة على المثير أو محاكمة للإيديولوجيا الآسرة للمثير.
ولذلك فإن النقد أسير نظراته التأويلية ـ‏وإن كان يفترض أن هذه النظر هي في خدمته وخدمة غاياته، وهذا ما يدفعنا للقول أن النقد يحمل في صلبه بعد (اشعبياً) (9) ، فهو يدعي ما يدعيه ثم يصدق ما يدعيه إلى درجة الإيمان الوثيق، بل ويتفانى في خدمة ما يدعيه! وهو إذ يستدرج بعضاً‏من ساحة (اللامفكر فيه) إلى ساحة التفكير، فإنما يصطنع ساحة (لامفكر فيه) أخرى تشمل مسلماته وبديهياته وثوابته أو بتعبير آخر ايديولوجيته!
أما رصيد النقد ـ الذي يعول عليه ـ فهو تلك الساحة التي يتوجه إليها أساساً، لذلك يكيف لفتة في سبيل عملية (تنويم مغناطيسي) جماعية أو تهيئة حالة استلاب واسعة في ساحته، هذا في أحسن الأحوال، ولكنه يمارس طريقة أخرى أكثر مراوغة (وتهميشاً لإمتداده الزمني ودوره التاريخي بالتالي)، عندما يعجن لغته باستفزازية مناهضة، إذ يمارس خطاباً‏معيناً لكل دائرة يتوجه إليها، ويلون خطابه بحسب مقتضيات توجهه هذا، فكلما اتسعت دائرة المخاطبين مال إلى التفاني في اصطناع الود والحرص أو الإرتباط بعموميات تدعى الإنسجام الإنساني الأوسع، ولكنه في الدائرة الضيقة يعود لممارسة خطابه الداخلي، ولايتورع عن مناقضة خطابه الخارجي إلى درجة العفوية (والعفوية التي تنتابه هنا هي من صميم تآلفه مع هذا التحول)، فبقدر ما يحاول أن يتصنع التفكير في كل شيء (حتى في عقلانيةانتمائه) من خلال خطابه الخارجي، يعود ليؤكد استسلام لانتمائه، وانطلاقه من هذا الإستسلام في خطابه الداخلي.. فهو وإن كان يمارس محاولة تنويم مغناطيسي خارجاً‏يغفل عن حالة (الدوغما) التي تحكمه داخلياً.
إزاء هذه الحالة المحبطة للنقد والتي تتلخص أساساً في الإدعائية وتلوين الخطاب، نجد أنفسنا أمام حالة لاتمايز متعطشة إلى عقل نقدي منفتح وصريح، ولكن المشروع النقدي عامة لم يمتلك بعد نظرية شاملة تقيم أوده وترسم معالمه، وتمنحه الرصانة، بل مايزال النقد عاجزاً عن تجاوز عقد السجال والإستفزاز والإرتكاس والتناحر والتملق والتمذهب والتموضع المسبق.. الخ،‏فليس ثمة نظرية (واضحة) في النقد أو على الأقل ليس ثمة تحديد لموقع النقد ودلالاته كأداة ومفهوم،‏في ممارساته النظرية المختلفة والمناهج والرؤى (10) ، وعلى الرغم من اتجاهات التفاعل الفكري مع مختلف التيارات الوافدة، فإن هذه الإتجاهات ظلت حبيسة أطرها المرجعية الأصلية،‏وتحولت إلى ايديولوجية تكرس اللامعقول، وفي الوقت نفسه لاتكف عن إدعاء أعلى درجات العقلانية،‏وترسيخ التواكل، فيما لاتتوقف عن القول بالحرية والفعالية (11) ، ولعل هذا الحال كان ناتجاً‏أساساً‏عن تصور الناقد لحرية النقد.. حيث تصور النقاد أن النقد لاتحده حدود ولا ضوابط، وله حرية لامتناهية! وحول حرية النقد أو بشكل أدق حرية الناقد يحضرنا رأي الناقد «محمد مندور»:
«وإذا كان هناك خطر من إطلاق الحرية للناقد في توجيه الأدب والأدباء‏ـ فإنما يأتي هذا الخطر من أن يوجه النقاد الأدب والفن وجهة تخرج بهما عن طبيعتهما» (12) .

فقدرة التوجيه التي تتبدى له في النقد تجعله حذراً‏من ممارسة معاكسة. اي بدلاً من أن يقوم النقد بدور فاعل في سبيل تطوير المثير أو تنقيته من شوائبه، فإنه يستدرج المثير إلى مواقع يفقد فيها فعاليته وجماليته وخصوصيته، ولعلنا نلاحظ بوضوح أن الخلط الذي ابتلت به مختلف أنواع الإبداع الأدبي والفكري والفني، إنما نتج عن تآزر النقد الوصائي المؤدلج مع التواكل والأهواء.
إن النقد إذ يستند إلى مفهوميه التراثي واللغوي يجيز للأساس اللغوي بالتغلب على المفهوم الإصطلاحي الحديث، فهو يعني معان متعددة في آن واحد أكثر بكثير من المفهوم الجديد للنقد، واستكمال المفهوم اللغوي للمهفوم التراثي الذي يربط النقد بالحكم على الشعر تحديداً‏(وذلك لإعتبارات ثقافية ونصّية خاصة) يصل بالنقد إلى أوضع تعريف اصطلاحي ممكن: فهو تقييم وتقويم وتقدير للمثير، أو استقصاء المناقب والمثالب في الأثر (المثير) أو تفسير له وتعرية لجوانبه، أو تأويله وكشف معناه الأول، أو فضحه وعرض دواخله، أو مناقشة عقلانيته (13) . ولعل (المناقشة) كاصطلاح ومفهوم تكون أقرب إلى معناه، وأكثر اتصالاً بماهيته، فهي سبيله وطريقة بحثه، فالمناقشة تفصح عن جذورها بوضوح أوفر، وتعرض أحكامها ومقاييسها بصدق أكثر.. أما المفاهيم المسقطة عليه في واقعنا النقدي من حيث الممارسة والتي تتداخل مع الحكم القطعي الذي لااستنكاف عنه ولا استئناف فيه، فإنما تشكل محاولة هشة لإسباغ قداسة صورية على النقد قداسة تشرعنها بوصفها محكماً‏توقيفياً لايتقبل الإختراف أو الإنتكاس.
فالمناقشة محاولة للتقييم، إلا أنها تفصح عن إمكانية تصعيد التفاعل مع المثير، أو محاولة الوصول إلى كنه المثير وفهمه.. وليس مجرد تفسيره، ونفرق هنا بين الفهم والتفسير من حيث أن الفهم يقوم على التواصل، أما التفسير فيحمل رائحة الوصاية والتحجيم!
ولعلنا نشاهد في مرارة الكثير من الأدباء والمفكرين إزاء النقد، ذلك الخروج من النقد إلى التفسير بشكل واسع، إلى درجة التعبير عن ذلك بمقولة أصبحت أمثولة: «إن النقد ينتعيش عندما يخفق الأدب»، وهذه الأمثولة تؤدي معنين: الأول افتقار الساحة إلى الأدب يسبب الإتجاه إلى النقد بكثافة، والثاني أن النقد متصيد منتهز للفرص، يتحين الإخفاقات الأدبية، ليمارس ساديته الفظيعة، محاولاً بناء امجاده على أنقاض المخفقين.‏وقد عبر (شابيرو) عن استهجانه للنقد من خلال اعتباره فرعاً من فروع الفلسفة، لايصلح للتدخل في الإبداع وجماليته، محاولاً الوصول إلى نقد أسمى يسميه (النقد الخلاق) الذي يعتبر عملاً فنياً عن عمل فني آخر (14) .
بل يصل الأمر إلى درجة اعتبار النقد نوعاً‏من التطفل، إذ يعتبر (تيت) النقد أدنى من الإبداع لأنه يتحدث دائماً‏عن شيء آخر، ولذا فهو طفيلي يجنح دائماً نحو الزوال والإستبدال (15) .
وإذا كنا نسلم مع رولان بارت بأن «التناصية قدر كل نص» (16) فإن هذه المسلّمة في إطار النقد يجب أن تؤخذ بحذر، فالتناحصية النقدية أشبه ما تكون بالإصطياد في ماء عكر، لأنها تجنح نحو إثارة الشبهة والمقارنات الظنية والإفتراضية الواهية غالباً.
إن نقداً ‏يسعى لأن يكون عميقاً ـ إذ يرفض الأسطورة الهرمة لتفسير النص.. يضع لنفسه كهدف تحديد معنى ما، إنه يشير إلى نفسه بنفسه عبر طبيعته التأويلية بالمعنى الواسع للكلمة (17) .
وعمق النقد هنا في صراحة توجهه ووضوح غايته وخروجه عن إدعاء اللاتموضع أو اللامركزية إلى بيان تموضعه ومركزيته بوضوح وصدق. إنه إذ ذاك يحاول تحرير معنى يراه محتجزاً في المثير (18) .
وراء النقد يتمترس ناقد يبني مايريد من خلال انتقاء ساحة ليست شاغرة، حتى لو كان البناء يعني عنده مسح كل شيء أو مسخه، فليس لديه ما يستند إليه إلا تجربته كإنسان وكقارئ تتجسد فيه النزعة التجريبية كما يرى (راندال شارل) (19) ، ومن خلال نزعته هذه يستدرج المنقود إلى علاقة يرسمها، علاقة معينة ومحددة، محاولاً طرح مرجعيته الذاتي كمسلمة وبديهية لأي معرفة لاحقة مع أن المرجعية الذاتي تخلط مزاجيات التذوق بتحليلات النقد، فلا يعود المنقود ساحة للنقد بما هو عليه، إنما بما يسبغه عليه النقد، الأمر الذي أشار إليه النقد الماركسي وخاصة حول المرجعية الذاتية لدى النقاد (الجدد) بأنها مرجعية موجهة طبقياً ومتملقة، أي إنها توحد بين المعنى الموضوعي للنص وأشياء خارج النص (20) .
والناقد عندما يدعي النقد لايكون بالضرورة في إطار عملية النقد، بل غالباً‏ما نجده في إطار (المناقدة) التي تميل إلى استبعاد التداول، فهو إذ (يناقد) منقوداً، يناقش موضوعاً‏مطروحاً للنقاش بحكم تداوله، فيتمثل مسبقاً‏مجموعة من الرؤى المقابلة لرؤيته، ويحاول الوصول بها ومعها إلى تطوير رؤيته أولاً، ثم تثمين أو تقدير أو تفسير المثير (المنقود) من خلال الحكم عليه، وتعليل الحكم، إذ لابد للناقد من تعليل نقده (21) .
والدكتور «زكي نجيب محمود» يقول في تعريف الناقد: «هو رجل زودته تجاربه الفنية بمبدأ يسري على روائع الأدب في الماضي، ويريد له أن يسري على نتاج الأدباء في الحاضر» (22) ، وهو من خلال تعريف الناقد يكاد يوضح وجهة نظره في النقد، ومع أن مايقصده هنا هو النقد الأدبي وليس النقد عامة، إلا إن اختزال الجهد النقدي وابتساره بهذا الشكل لايمكن الإستناد إليه في تعريف الناقد، لأن الناقد في هذه الحالة يحمل بيده سيف التقاليد الأدبية محارباً‏كل تجديد، بحجة خروجه عن المبدأ الذي يسري على ما مضى من (روائع الأدب)!
المفهوم الملتبس للنقد في المشروع النقدي انعكس في شكل التباس فكري ومعرفي، فأصبح المفهوم في خدمة المآرب الإيديولوجية (الإنتماء) أو في خدمة الأهواء الفردية (التذوق)،‏فالناقد يمنح نفسه موضعة مسبقة أعلى من المثير، بحسب الحالة التي يكون بصددها (إدانة، إشادة)،‏ويمارس ما يشبه النبوة، ويتكلم بلغة متعالية ذات بعد إطلاقي أو نهائي/ معرفي، وهو يسعى إلى لعب دور إعلامي دعائي لصالح شخصه أو توجهه أو أطاريحه أو ايديولوجيته أو انتمائه، ولذلك لايتورع عن الإنتقاء والتفكيك والتقليم والإستنطاق والتقويل، محاولات (بروكروستية) في سبيل إخضاع الواقع لمنهجه وجدليته الداخليةز

النقد والخطاب

أما المحتوى الداخلي للنقد من حيث الفكرة (أي الفكرة التي يدافع عنها بشكل غير مباشر) فيمكن للنقد أن يطرحها بأساليب متنوعة متوقفة على طبيعة الخطاب الذي يتبناه، فليس من فكر عبر التاريخ إلا وأعلن في بواكير دعوته وتجربته أفضليته وعقلانيته التي تتجاوز اي عقلانية سابقة أو معاصرة له، بل وامتداده الزماني المعرفي (قداسته)، وهذا بحد ذاته ليس عيباً‏ذلك أن هذا الفكر ما كان ليؤكد هذه الأرجحية الشاملة لولا إيمانه الوثيق بقابليته للتعميم والتكيف عبر الزمان والمكان والمعرفة. وبذلك يختزن طاقة تأويلية يمتاز بها في سبيل تواصل قداسي، ولعله هنا يوجه جزءاً كبيراً من طاقته في تخفيف التناقض بين التواصلي والقداسي. ولكن خطاب الفكر النقدي هو الذي يمده بالقدرة على التأثير والفاعلية والإستمرار، ومن هنا ومن هذا المنطلق، ألا يجدر بالنقد أن يتفهم أوليات الخطاب الفاعل قبل أن يقرر ممارسة فاعلية معينة؟!
النقد نتاج الناقد، والناقد يمارس شخصيته التي يدعيها من خلال نقدهن ويتسرب من خلال نقده جزء لايستهان به من لاوعيه ومن شخصيته الحقيقية، والشخصية تستند هنا إلى استقلالها الذاتي الذي لايخلو من الإدعاء، فتحاول من خلال تأكيد استقلاليتها (حتى في شكل رومانسي) أن تظهر بشكل يقتضي مظهرين، فمن جهة تؤكد الشخصية ذاتها بقوة وحزم وتضع لنفسها أهدافاً‏محددة ومحدودة، وتستنفر كل طاقة فرديتها، المقلصة على هذا النحو، في سبيل تحقيق هذه الأهداف، وتظهر الشخصية من جهة أخرى بمظهر كليّة ذاتية تظل غارقة ـ إذا جاز القول ـ في داخليتها، وعاجزة عن الإبانة عن نفسها إلى حدّ التظهير الكامل (23) ، إنما تحاول أن تمارس مراوغة معينة للخروج من مأزق التأطير.
وخطاب النقد المندرج في صفة النقد السائدة، خطاب قاصر ـ بكل اسف ـ فهو في حالة (الإشادة أو التفسير) يميل إلى تبني مفاهيمه الداخلية وينغلق عليها بلغة تمجيدية، أما في حالة (الإدانة) فيميل إلى تبني مفاهيمه من خلال لغة استفزازية تفضح لاتوازنه، وتؤكد على كونه حالة ارتكاسية، والإرتكاس يميل إلى محاكاة قوة الفعل (المثير) وأسلوبه (إذن: بداية يدخل في حالة نفي اتزان داخلي)، وأيضاً ينبري للفعل ليواجهه بقناعة متولدة عن الإرتكاس (تفنيد، تمجيد)، وما بين الفعل والإرتكاس (المثير والنقد) تتجلى حالة دوغمائية ـ قطيعية ـ‏انقيادية! ويصبح كل من الفعل والإرتكاس (المثير والنقد) مادة غنية لتزويد حالة الإستلاب بديمومة أطول، فالنقد الإرتكاسي عندما يقف أمام مثير، يتناوله بمقاييسه ويحاكمه بها، ثم يعلن حكمه هذا ويعممه، ثم يستنبط موضوعية أحكامه بربطها بالعقلانية الوحيدة الممكنة، وبذلك نجد أنه يواجه الإدعاء بإدعاء مقابل.. ويواجه الحالة القطيعية الإنقيادية بحالة قطيعية انقيادية أخرى غالباً‏ما تكون اقل توازناً ورصانة، لأنها لم تحدد الأرضية التي تنطلق منها بمحض إرادتها!.
النقد أساساً‏حالة ارتكاسية، وفاعليته تتجلى في تمكنه من التوازن، وتخفيفه من حالة الإرتكاس، قبل خوض عملياته وبيان منهجه، فالتحريض الذي يتعرض له من قبل المثير يعرضه للوقوع في فخ الإنفعالية التي تجمد فاعليته.
ولنبين حالات ثلاث من خطاب النقد:
1ـ خطاب الإشادة: خطاب تمجيدي استلابي (ومستلب)، مغرق في الذاتية،‏يميل إلى تغييب الأسس المنطقية العامة، فيعلن عن تمذهبه في لغته أو مرجعيته أو مصطلحاته، مادة الخطاب فيه لغة حماسية مؤازرة، لايرى في المثير سوى الأبعاد الصائبة، فيمجدها ويفسرها في وجهة محددة، أو يؤولها للتخلص من ضعفها ووهنها، ويستدر البراهين الخارجية الموائمة لتشكيل نظرة جمالية داخلية أو عقلانية غامرة. ولايتورع الخطاب في هذه الحالة من ممارسة العنف الخطابي مع ما يعتقده مخالفاً (لمثيره) فيتحول بكل سهولة إلى خطاب إدانة في سبيل إشادة مقصودة.
2ـ خطاب الإدانة: خطاب تفنيدي/ استفزازي مغرق في تصنّع الموضوعية، يقتحم ساحة (اللامفكر فيه) المقابلة، بمقاييس خاصة لاتخفي تمذهبه، مادة الخطاب فيه لغة مناهضة تقريعية تهكمية، لايرى في المثير سوى الجفاف والضِّعة، فيفنده ويدينه في وجهة محددة، ويستدر البراهين الداخلية والخارجية، ليعاير بها المقاييس المنتقاة لبيان الوجه السلبي للمثير، كذلك يعرج خطاب الإدانة إلى مرتكزاته ليؤكد أرجحيتها وعقلانيتها، فيتحول إلى خطاب إشادة.
3ـ خطاب المراوحة: هذا الخطاب يقف إزاء المثير متجملاً، في موقفين: إدانة‏ـ إشادة في آن واحد، وبذلك يعلن وصايته على هذا المثير ويمارس وصايته هذه دون أن يعول كثيراً‏على مدى أحقيته في تسلم مرتبة الوصاية عليه. فهو يتملكه أولاً، ثم يمضي في تشكيله وتفكيكه حسب ما يرى، ليحافظ على جمالية ما يعتقده جميلاً، ويقوّم ما يبدو له عكس ذلك، مستنداً‏إلى حق الوصاية الذي أسبغه على نفسه بنفسه، فيمضي في تجزيء المثير وفك روابطه وخلق حالة تناقض بين أجزائه، ليحوله من مثير إلى مثيرات، يضخم بعضها، ويقزم بعضها الاخر، ويختلق مثيرات أخرى في صلبه يربطها بالمثيرات المضخمة، كل هذا ليشكل اللوحة (الرؤية) التي يدعيها والتي يأسر المثير فيها.
وأمام حالات الخطاب الثلاث.. يبادرنا السؤال: إذن ما البديل؟ وهذه السؤال فيه غفلة وألم، غفلة تاريخية من جهة وغفلة منطقية من جهة أخرى، إذ يظهر التصور الناقص للتاريخ في جعله وصياً على الحاضر من خلال فرض سيطرة الحاضر على المستقبل، وغفلة منطقية تبيح لمعرفة بالتحكم في معرفة لاحقة تتمتع دون شك باتساع أكبر، وفيه ألمن إذ إن البحث عن البدائل يعني وجود فراغ مؤلم أساساً وبالتالي وجود حالة لاتوازن تميل إلى الإستقرار فقط دون النظر إلى ما هية الإستقرار.. ولانظن أن الأمر يتطلب بدائلاً، بل الأجدر بنا أن نوصّف النقد كما هو وأن نقدمه على موضعته ومركزيته دون مواربة، أي أن نقرّ منذ البداية أن هذا النقد إنما هو منتج مثله في ذلك مثل المثير، يرتكن إلى تجربة معينة تمد الناقد برؤية، تتميز بالزاوية التي يُطرح منها أو بالمركز الذي ينطلق منه، دون إدعاء الإطلاقية والشمولية، أي الإقرار بداية بالنزوع التأويلي/ الإجتهادي في النقد، لأن هذا الإقرار يخفف من حالة الولاء/ الإشادة، وحالة التهكم/ الإدانة، ويقترب بهما إلى حدود متجانسة متفاعلة ومعقولة، قد يميل النقد إلى الفلسفة والحكمة، ولكنه لن يفتقد ـ على الأقل ـ حق المحاولة وحق الإنصات له، بل يكتسب بُعداً زمنياً‏مميزاً بمنهجه، ويكتسب أيضاً آفاقاً رحبة تؤهله لإختراق الواقع نحو الممكن كمرحلة أولى.. وباتجاه المثال كمراحل تالية. ذلك أنه إذ يتخلى عن فرض وصايته، فإنما يمهد بذلك لتفاعله مع المثير من جهة، وبتفاعله مع الرؤى النقدية الأخرى من جهة ثانية.
وبتضافر الرؤى النقدية المتفاعلة التي لاتتصنع الوئام ولاتباشر الخصام، وتبتعد عن السجال والإرتكاس، يمكننا الإستبشار بنمط تواصلي/ تداولي، وأن نستبشر بالتالي بمشروع نقدي فاعل ينهض بالوعي ليتمكن من اكتساب أرضية صلبة، يأخذ منها.. ويعطيهان مهما اقترنت التداولية بالصيغة الإعلامية!

الهوامش:
(1) بيار ماشري، مفاهيم أولية، ترجمة د. سامي سويدان، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد الأول/ 1988، مركز الإنماء القومي بيروت ص21.
(2) المصدر السابق، ص23.
(3) المصدر السابق، ص21
(4) المصدر السابق، ص24.
(5) ميشيل فوكو، البنيوية والتحليل الأدبي، ترجمة محمد الخماسي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد المذكور أعلاه ص17.
(6) المصدر السابق، ص18.
(7) بيار ماشري، المصدر السابقن ص21.
(8) محمد نور الدين آفاية، المعقول والمتخيل في الفكر العربي المعاصر مجلةالمستقبل العربي، العدد 6/1992، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص7.
(9) البعد الأشعبي: نسبة إلى اشعب الطفيلي الذي بلغ به الطمع أن يدعي ما يدعيه ثم يصدق إدعائه إلى أبعد حد.
(10) محمد نور الدين آفاية، المصدر السابق ص7.
(11) المصدر السابق، ص6.
(12) د. محمد مندور، الأدب وفنونه، دار المطبوعات العربية، بيروت ومن تاريخ، ص151.
(13) بتصرف عن: محيط المحيط/ البستاني، مختار الصحاح/ الرازي، المعجم المدرسي/ أبو حرب، مادة (نَقَدَ).
(14) رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة العدد /110/ المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب الكويت/1987 ص416.
(15) المصدر السابق، ص424.
(16) رولان بارت،‏نظرية النص، ترجمة محمد خير البقاعي، العرب والفكر العالمي العدد الثالث/ 1988 ص96ز
(17) بيار ماشري، المصدر السابق، ص23.
(18) بيار ماشري، المصدر السابق، ص23.
(19) رينيه ويليك، المصدر السابق، ص416.
(20) والتر. ج. أوبخ، الشفاهية والكتابية، ترجمة د. حسن البنا عزالدين، سلسلة عالم المعرفة العدد /182/ الكويت/ 1994 ص283.
(21) د. زكي نجيب محمود، في فلسفة النقد، دار الشروق القاهرة/ الطبعة الثانية/ 1983 ص221.
(22) المصدر السابق، ص226.
(23) هيغل، الفن الرمزي، الكلاسيكي، الرومانسي، ترجمة، جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت ط2/1986 ص415.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق