الهندسة الاجتماعية (دراسة في المفهوم والوظائف مطبقة على الحالة السعودية)
محمد بن صنيتان رئيس مركز ساس الوطني للاستطلاع الرأي العام والبحوث
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/11/11
التعليقات: 0 - القراءات: 4326

الهندسة الاجتماعية تهدف إلى تخطيط المجتمع وتنميته وعلاج مشكلاته الاجتماعية والسياسية ، مما يتطلب توفر بيانات عن الحقائق السياسية والاقتصادية عن المجتمع السعودي ومعطياته و إشكالاته وهو ما ليس متوفر . فالباحث السعودي دائما ما يواجه مشكلة قلة المعلومات والبيانات و الإحصاءات التي تعين الباحث في دراسته أيا كان موضوعها .

 ولهذا استعضنا في التطبيقات التي أعانتنا في حل مشاكل وتناقض المجتمع السعودي . وذلك لمعرفتي المتعمقة في المجتمع السعودي اجتماعيا و بيوقراطيا و أكاديميا نظرا لسبق عملي في الدولة واختلاطي الواسع بالمجتمع .
ومن هذا فالهندسة الاجتماعية هنا هي دراسة تطبيقية على الحالة السعودية احتسبنا بوازع من ديننا الذي يحثنا على الصدق مع النفس ومع جماعة المسلمين ومع ولي الأمر و اجتهدنا بدافع من وطنيتنا لحب هذا الوطن العزيز على نفسي وعلى كل مسلم تهوي إليه نفسه في اليوم خمس مرات بهذا العصف الذهني الذي دفعنا إلى الصراحة الجريئة والبريئة من كل مقاصد شخصية إلا وجه الله و تجنيب المجتمع قيادة وشعبا وبكافة أنواع أطيافه كلفة التغيير المفاجئ. بل نريد تجنب الأسوإ بدفع القيادة السياسية ونخب المجتمع إلى الإصلاح. ونتطلع من القيادة السياسية أن تأخذ زمام المبادرة في قيادة الإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي واعطائه الأهمية القصوى في تفكيرهم اليومي وممارساتهم السلوكية حتى يتبلور في المجتمع قيادات سياسية واقتصادية و اجتماعية ومؤسسات للمجتمع المدني وتربية كوادرها وأطرها حتى تكون قاطرة التغيير في زمن مريح نسبيا .
يتم التغيير من خلال تشجيع الإصلاح الاجتماعي والسياسي في كل مشمولات الدولة . بمعنى أن الإصلاح لا يتم إلا بإرادة سياسية واستجابة النخب في المجتمع وتمكين مؤسسات المجتمع المدني القادرة على تغيير القيم وأنماط السلوك التقليدية . ونشر وسائل الاتصال والتعليم وتوسيع نطاق الولاء من العائلة والقرية والقبيلة والمذهب إلى ولاء أسمى وأرفع و هو ولاء الأمة . ولا بد من علمنه الحياة العامة دون أن يكون المقصود منها العلمنة ضد الدين ولكن ترسيخ العلم في نشاط الدولة وعقلنة البنى في السلطة .
كما سعت هذه المحاولة المتواضعة إلى تعزيز التنظيمات المتخصصة وظيفياً واستبدال معايير النخوة والفزعة والعزوة بمعايير الكفاءة وتأييد توزيع الموارد المادية والمعنوية بإنصاف وعدالة وبدون تمييز. كما قامت على دعوة ملحة لمشاركة كافة الفئات الاجتماعية بالوطن في النظام السياسي.
وهذه الأطروحة تحث القيادة السياسية على الشراكة مع كافة الفئات الاجتماعية دون الانحياز لفئة دون أخرى سواء إقليمية أو عائلية أو مذهبية . حتى لا تدفع الفئات المهمشة إلى الصراعات الداخلية مع الفئات المستفيدة من السلطة على مبدأ لكل فعل ردة فعل مساوٍ له بالقوة ومعاكس له بالاتجاه.
والفئات القلقة الغير راضية عن تعامل الدولة ستعمل ما أوتيت من قوة و بشتى أنواع الصراع الأهلي بوسائل خفية أم علنية على مواجهة الدولة . فتهميش الذين يعارضون السائد ومضايقة المواطنين حتى في رزقهم يجعل من الأفراد والجماعات المهمشين والمقصيين أصدقاء بعضهم البعض. فتصنيف السلطة لهم ضمن خانات مواجهة لها يجعل منهم كأبناء قبيلة واحدة أو مذهب واحد أو منطقة واحدة أو حارة واحدة .
وبهذا التكتل الايجابي أو السلبي لن يكون في صالح السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي عاجلا أم أجلا. والربيع العربي خير مثال على ذلك. فرئيس تونس السابق مثلا جعل من جماعة النهضة أعداءه فمنهم من أودعه السجن ومنهم من غربه عن أهله وذويه وبلده ومنهم من حال بينه وبين أسباب عيشه. وبنفس الطريقة مع معارضين آخرين يساريين وغيرهم فاتحدوا مع حزب النهضة رغم الفوارق الآيديولوجية فأصبح هؤلاء جميعا في السلطة. فرئيس الأمس خارج السلطة ويعيش في الغربة. و المرزوقي خرج من السجن وعاد من الغربة وأصبح ابن الجنوب البدوي رئيسا للدولة ملتفا بشملته العربية (البرنس القيرواني) قاعدا على كرسي الرئيس. وهكذا كان حال حسني مبارك ومعمر القذافي.
فالسياسي العاقل يعطي المعارضين والناقدين فرصة العودة. ولا يكثر من خصومه وأعدائه من المواطنين وغيرهم . حتى الجيوش في الحروب تفتح للخصم ثغرة للهروب تحاشيا للمواجهة غير المحسوبة. وعلى الدوائر الضيقة المحيطة بالسلطة ألا يوغلوا في الابتزاز وحرمان الفئات الوطنية الأخرى من منافع الوطن التي هي للجميع . فالمستفيدون من ابن علي وحسني مبارك والقذافي هم الآن مطاردون مغتربون ووقعوا في شر أعمالهم.
وعلى المؤسسة الدينية وأقصد تيار المتشددين منهم ألا يدفعوا أبناء المجتمع المسلم بالفطرة إلى الخروج من الإسلام وإعلان الردة كردة فعل على التشدد والتزمت وحشر الناس في زقاق ضيق من الدين ودين محمد صلى الله عليه وسلم واسع ويسع كل البشر والجن . ونحن نرى بعض البوادر من تمرد بعض الشباب على دينهم الذي لا نجد له سببا سوى هذا الاجتهاد الفاتن كما قال صلى الله وسلم لمعاذ ( أفتان أنت يا معاذ ) .
ونتوجه بهذا المقام إلى النخبة من علماءنا المتمكنين من العلم الشرعي و المقبولين من المجتمع السعودي سواء من كان منهم في السلطة أو من كان منهم خارجها أن يضعوا خارطة طريق لممارسة المسلم الدين الذي كان عليه محمد وأصحابه المتصف باليسر والرفق والبعيد عن التشدد والناهي عن التمذهب والتحزب إلا للفرقة الناجية وهي ما عليه محمد وأصحابه. وأن يضعوا خريطة طريق لمنهج الاحتساب على السلطة والفرد سواء. فلأصل في الاحتساب موجه إلى السلطة، فأبو ذر الغفاري كل احتسابه كان على السلطة. وأن يحددوا لهيئة الأمر بالمعروف منهج عمل تقتصر على المنكرات المعلنة والمتصفة بالكفر البواح وحماية المجتمع المسلم بقطع دابر صناعة الخمور وبيوت الدعارة ومتابعة السحرة والمشعوذين. وأن يصونوا المجتمع ويحفظوا سمعة أبنائه وذلك بعدم التعرض لحرياتهم التي كفلها لهم الإسلام( ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) سواء حرياتهم المذهبية أو السلوكية وقبول كل المختلف عليه من العلماء فالاختلاف رحمة . ورحمة الله واسعة فلماذا تحولون بين العباد ورحمة خالقهم . ولماذا تفسقوهم وربهم يعدهم بالرحمة والغفران . ولماذا يسترهم ربهم وانتم تفضحونهم .
إن الأنظمة العربية والسعودية منها بالذات تكثر من الاقتراحات والخطط ويقل عدد ما ينفذ منها . وعلى النخب الثقافية في المجتمع أن تشجع على تجديد المجتمع وعصرنته. وبدلاً من كثرة الاقتراحات وتنوعها على النخب أن تتبنى تحديث المجتمع ودفع القرار السياسي على تبني الحداثة بآلياتها ووسائلها وطرائق إدارة المجتمع .
إن القوى ذات المصالح الخاصة والمستفيدين من الواقع ومن النظام الذي يرعاهم لا يمكنهم التسليم بمصالحهم وامتيازاتهم إلا إذا تحركت القوى الاجتماعية المقصية والمهمشة وغير المستفيدة بالانخراط في العمل السياسي وفق تنظيمات اجتماعية وسياسية سلمية تتفوق على التنظيمات التقليدية بالحداثة والعصرنة والأفكار الجريئة والمقترحات الخلاقة .
ولابد للقيادة السياسية أن تستفيد من قراءة التاريخ و تستوعب التنظيمات الجديدة والباحثين عن المشاركة . وإلا وقعت في مواجهة معهم حتما وهذه حتمية التاريخ . وعليها أن تدرك أن القوة الخشنة المضادة هي من قواعد التنظيمات الجديدة سواء عسكرية أو بيروقراطية أو أفراد غير عاملين في الدولة وقادرة على إحداث الفوضى وخلخلة الأمن . كما حصل من ظاهرة الإرهاب والتي لا يزال يتعامل معها أمنيا وأمنيا فقط للأسف .
والنفوذ لم يعد حكرا على السلطة فالنفوذ هو القدرة على تحريك موارد المجتمع من أجل تحقيق الأهداف التي يقتضيها العقد الاجتماعي . إنه تحريك الأشخاص والجماعات للعمل من أجل المجتمع بسبب مواقعهم في المجتمع . ومن خلال مؤسساتهم الرسمية وغير الرسمية .
ويعتمد أهمية النفوذ على العلاقات الفاعلة داخل المجتمع . والنفوذ هو العملية التي يستطيع بواسطتها شخص ما القدرة على سلوك شخص أو أشخاص وقد يتوزع النفوذ على أشخاص أو مؤسسات وقد يتجمع ويتركز في شخص أو مؤسسة . وهذه أصبحت في متناول مؤسسات غير حكومية ولدى التنظيمات الاجتماعية بسبب تطور وسائل الاتصال الحديثة.
وبناء على ذلك رأينا في هذه المحاولة أنه لابد للنظام أن يوفر آليات مقبولة للإصلاح والتغيير والحراك الذاتي. إصلاح سياسي يحترم التنوع والاختلاف فينتج عنه ممارسة عقد اجتماعي بين المجتمع من جهة وبين الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى ، إنه عقد اجتماعي يقتضي المشاركة السياسية والإدارية والعدالة في توزيع الثروة .
هناك حقيقة لابد أن يعرفها السياسي ولابد أن يتجرأ بإعلانها المثقف. وهي أن الحكم المركزي والحاكم الفرد تتخلق لدية بطانة و دوائر ضيقة و عائلة محيطة بالحاكم يخفون عنه السلبيات ويدفعون بالمديح والدعاية والأمور الشكلية إلى الواجهة. وهذا حدود ما يودون إطلاع السياسي عليها . إنهم يحجبون عن السياسي الحقيقة حتى يسمعها من الشارع. وعندها قد يلتقط الإشارة. وقد يفوتون عليه حتى فرصة التقاطها وبالتأكيد سيواجهها بالنتيجة المرة.
هؤلاء لا تهمهم مصلحة صاحب السلطة بل مصالحهم الشخصية وجشعهم و يدفعهم إلى ذلك مصالحهم وامتيازاتهم والاستخفاف بالرأي الآخر وتجاهل الصرحاء من الوطنيين الشجعان أو المعارضة المدنية المنظمة .
أكدنا في هذه المحاولة أن الكبت السياسي وتقييد الحرية وخنق منابرها والفقر والبطالة تنتج شعوباً عنيفة. والإرهاب في بلادنا خير دليل. إن إدارة الاختلاف مهمة وقد يكون مركز الحوار الوطني أحد الآليات لإدارة الخلاف لو كان حواراً منهجياً عقلانياً علمياً يتبع أساليب الحوار المنهجية ويطبق عملياً مخرجات الحوار من الأفكار المبدعة.
يرى صموئيل هنتنجتون أن النظام الملكي قد يكون قادر على تغيير المجتمع لكنه يظل عاجزا عن تغيير نفسه ، وفي النهاية تفترسه تغييراته العصرية.
وما يحقق السلم الاجتماعي هي القواعد الملزمة للسلطة وللمجتمع من خلال العقد الاجتماعي حتى تكون الإرادة الشعبية هي مناط سلطة الحكم ويكون المواطن جزء من العملية السياسية وجزء من السلطة سواء من خلال المركز أو المجالس المحلية والمدنية والأهلية . كما أن حرية الإعلام تلعب دورا أساسيا في هذا السلم الاجتماعي. وبهذه الآلية للعملية السياسية و لحرية الصحافة ووسائل الإعلام نستطيع أن نحد من الفساد والظلم والجور والرشوة والفساد المالي والإداري وهدر المال العام والاختلاسات الاقتصادية في التنمية وسوء توزيع الثروة .
والمطلع جيدا على مقاصدنا في هذه المحاولة التي ابتدعناها وأسميناها الهندسة الاجتماعية يدرك جيدا أننا لا نطالب بالديمقراطية على النموذج الغربي لكي لا نصطدم مع القوى المحافظة كما أن الديمقراطية ليست من تراثنا. فهذا يحتاج إلى ثقافة شعبية ، وتراث ديمقراطي له تاريخه . بل أقصى ما نطمح إليه الإصلاح وإشراك المثقف والمصلح السعودي بالرأي والفكر.
كما سعينا إلى تحقيق المساهمة الشعبية عن طريق ممثليات الشعب سواء كانت شورية أم مؤسسات مدنية.
هندستنا الاجتماعية تدخل للحالة السعودية بروح المشاركة الشعبية في بناء القرارات والسياسات وترسيخ الأسس الرقابية والمحاسبية مما ينتج عنه في المحصلة توافق على عقد اجتماعي يحفظ التوازن المطلوب بين الشعب والحكومة.
ولا بد أن تقبل الأسرة المالكة مشاركة الشعب التي هي من حقوقها الشرعية والتي هي من بديهيات الإسلام في عصره الراشدي ومن بديهيات الدول الآمنة في عصرنا الحاضر . وذلك بالدخول معاً في آلية الرقابة والمحاسبية المجتمعية المؤسسية على أعمال الحكومة ويخضع المجتمع للسلطة السياسية تحت مبدأ الوحدة الاجتماعية. وبذلك تجني السلطة ثمرة التحكم الاجتماعي ويجني المجتمع ثمرة العدالة في توزيع الثروة.
في العصر الحالي أخذت المغرب والأردن بهذه التطبيقات ونحن نرى ملوك هذه الدول يتمتعون بسلطات واسعة وغير مقيدين كما يحصل في المجتمعات الغربية . فالملك هو رأس السلطات وهو المسئول الأول والأخير والمسير غير المعرض لأخطار التسيير . يعين الوزراء ويقيلهم ويجري التعديلات المبنية على المصلحة العامة. وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو رئيس القضاة والمسئول عن كل سياسات الدولة الخارجية والداخلية.
وبهذه المناسبة لعلي أذكر الملك عبدالله أن المجتمع السعودي الذي اشتراكم وباع الذين دعوهم لثورة حنين يستأهل مبادرة تجعل التاريخ يسجلكم مؤسس الدولة السعودية الرابعة وذلك بإعلان ميثاق شرف ملكي يعبر عن همتكم الإصلاحية ولعلي أقترح وبشكل محدد إضافة إلى ما ذكرنا سابقا من أفكار ومقترحات مبثوثة في متن هذه الدراسة أن يكون هذا الميثاق ينص على التالي :
1- إطلاق جميع سجناء الرأي والحق العام والمتحفظ عليهم وتبييض السجن السياسي وألا يسجن أحد أو يفتش أو يمنع من السفر إلا بأمر قضائي .
2- البدء في مسيرة الإصلاح السياسي والاجتماعي العملي والفوري وفقا لتطلع الشعب ومقتضيات مناخ الربيع العربي. وذلك
من خلال تشكيل مجلس وزراء يكون فيه رئيس مجلس الوزراء ليس الملك أو ولي العهد . وإن كان الملك وولي العهد المسير ولكنه المتحرر من عثرات وأخطاء العمل اليومي وفي موقع يمكنه من تدارك الأخطاء السياسية إن حصلت . ولا يعطي حرجا للنقد طالما رئيس مجلس الوزراء ليس الملك أو ولي العهد مما يعطي قداسة للعرش السعودي.
3_ يتضمن مجلس الوزراء توسيع التمثيل لكافة الهويات الفرعية الجهوية والمذهبية والفئوية من المؤهلين لقيادة التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المرحلة الحالية ولاسيما من القاعدة العريضة في المجتمع والمحرومة بقصد أو غير قصد من المشاركة السياسية رغم الأعباء الاجتماعية والأمنية التي يتحملونها وقد تحملها آباؤهم من قبل في تأسيس الدولة .
4- إعادة هيكلة عدد الأسرة المالكة في الحقائب الوزارية وإمارات المناطق . وكذلك عدم تمييز العوائل الوراثية المترهلة في بيروقراطية الدولة وتمكين الكفاءات منهم من التنافس الشريف مع بقية المواطنين.
4- تأسيس برلمان منتخب على أسس انتخابية شفافة تحت مراقبة دولية .
5_ إعادة هيكلة مجلس الشورى بطريقته الحالية لمشائخ القبائل وكبار الضباط وموظفي الدولة والتجار و العوائل ذات الصفة .
6- إنفاذ الحكم المحلي على شكل واسع. فليس من مصلحة المواطن أن يقطع مسافة أكثر من ألف كيلو لمراجعة معاملة أو علاج مريض أو مقابلة مسؤول. وليس من المعقول في بلد متعدد التضاريس الجغرافية والعادات والتقاليد ألا تكون له خصوصية في إدارة شؤونه المحلية وأن يكون حرا في ممارسة ما يراه من العادات والسلوك التي لا يستنكفها مجتمعه المحلي ككشف وجه المرأة وقيادتها للسيارة والمشاركة في الحياة العامة .
7_ تعزيز وتوسيع مؤسسات المجتمع المدني .
8_ رفع راية الجهاد على الفساد والعنصرية والمناطقية والمذهبية والقبلية والتطرف الديني واللبرالي وترسيخ مبدأ الوسطية شعاراً وسلوكا .
9_ توجيه كثير من المؤسسات ذات الواجهات الدينية إلى مؤسسات إنتاجية وخدمية . فالشعب السعودي متدين بطبعه وبمناخه وجغرافيته . والجوامع تعطي في اليوم خمس محاضرات في الدين والأخلاق .
10_ حصر هيئة الأمر بالمعروف في المهمة الأساسية وهي مكافحة بيوت الدعارة ومصانع الخمور والسحر و الشعوذة . وتعزيز الأبحاث في هذا الجانب . وترك الناس لنياتهم وعلاقتهم بربهم ما لم تظهر معصية عليها برهان من الله. وأرى عدم احتكاكهم مع الحجاج والمعتمرين والزوار . فوجودهم دائما ما يخلق مشاكل أيديولوجية وسياسية مع المذاهب الأخرى أحرجت الدولة وأساءت لسمعة النظام وللمجتمع السعودي .
11_ السماح بقيادة المرأة للسيارة والمشاركة في الحياة العامة والعمل ، وحريتها في جميع حقوقها المكفولة لها بالإسلام والعادات. ولو كلفت أحدى الجامعات بدراسة ضبوطات المحاكم ومحاضر الشرط . لأتضح أن كل ما ذكرته من الديني والاجتماعي بالضرورة .
12_ إعلان التجنيد العسكري والمهني لمكافحة البطالة من جانب وبناء الشباب صحيا وجسميا من جانب آخر كما ذكرنا في متن هذه الدراسة .
ويبقى أصل المطالب هو الدستور. فهو تقنين الشريعة المستمدة من القرآن والسنة في مواد معلومة ومعلنة . ومن اسوأ الأفكار المغلوطة والمفاهيم الضبابية هو تلبيس العادات والتقاليد والاجتهادات بالدين ضد الإصلاح والتحديث من أجل إبقاء الواقع استمرارا للماضي واستمرارا للنفوذ والمصالح الشخصية الضيقة والدين الحقيقي كما مارسه هادي البشرية وصحبه وإجماع المسلمون خلال حقب التاريخ الإسلامي منها براء.
وهكذا بعد استعراض هذه النتائج المعممة والاقتراحات الصريحة نخلص إلى أن دراستنا هذه للحالة السعودية بالشكل الدقيق وانطلاقا من تصور جديد لما اصطلحنا عليه في الفصل الأول بالهندسة الاجتماعية قد أتت في بقية الفصول الثلاثة على تقديم استراتيجية إصلاح شامل للحالة السعودية اشتملت على المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في المجال السياسي اهتمت الدراسة بتحديث النظام السياسي السعودي انطلاقا من مراجعة الإرث السياسي وإعادة النظر في الشرعية ومعايير النجاح في القيادة في السياق الاجتماعي السعودي. وقد شمل التحليل مستويات سياسية عدة مثل: الإرادة السياسية والإرادة الشعبية والإصلاح الشامل أو مكافحة الفساد وهو الإشكالية المركزية التي توقفنا عندها كثيرا موضحين أصناف الفساد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وانتهينا إلى تقديم اقتراحات لاقتلاع جذوره من كل القطاعات .
حظي الإصلاح الاقتصادي في هذه الدراسة أيضا بحيز كبير من الاهتمام وذلك بإعادة هيكلة الاقتصاد وعلاقته بالسوق العالمية مرورا بتقديم تعريف معمق لمفهوم العولمة وعلاقتها بالعقل البراغماتي النفعي الذي يسير الشركات المتعددة الجنسيات وانتهاء بتقديم مقترحات حول التنمية. فالتنمية لا تكون وطنية إلا إذا تم النظر إليها من داخل رؤية تضبط علاقة الحالة السعودية بالعولمة خارجيا وبقدرتها على تأمين حاجات المجتمع داخليا من توطين للعمل والوظائف وغيرها.
كما وجد الإصلاح الاجتماعي حظه الكبير من خلال تحليل المجتمع السعودي وتحديد علاقته بالإرهاب وكيفية تجاوزه له وكيفية تعامله معه وذلك انطلاقا من مراجعة مفاهيم أساسية مثل المجتمع والسلفية والديمقراطية كأداة لتطوير المجتمع. وتجدر الإشارة هنا أننا اخترنا أن تكون معالجة الديمقراطية ضمن الإصلاح الاجتماعي لقناعتنا الراسخة أنها من متطلبات البنية التحتية ويقيننا أن هذه البنية هي التربة الأكثر ملائمة لزراعة الديمقراطية فيها.
أخيرا
فالسؤال الكبير الذي حاولنا الإجابة عليه في هذه الدراسة هو ماذا قدمنا من إنجازات في الاندماج الاجتماعي وما هي العقبات الاقتصادية و السياسية و الإدارية و الثقافية والاجتماعية التي واجهت المجتمع السعودي و كيف نعالجها؟ والجواب هو مخيب للآمال فلم أجد في سياسات الدولة خلال الحقب السابقة أي اجتهاد يتعلق بهندسة المجتمع . وقد يكون في الماضي لا نحتاج إلى مثل هذا الهندسة المقصودة في مجتمع تقليدي صغير متعايش وخيط السلطة فيه قصير بين القيادة والمؤسسات الحكومية وفئات المجتمع وتطلعات الشباب فيه تقليدية ومتواضعة وحاجاتهم ملبية ووسائل الاتصال والتثقيف الإذاعة ومقتنياتهم الراديو.
فمنذ المؤسس كانت مطالب الناس من خلال قنوات ووسائل آنية وبسيطة من خلال ما يعرف بالمجالس المفتوحة التي اختلفت من الحوار المباشر والتعبير عن الحاجات الخاصة أو العامة مع الملك عبد العزيز إلى مجالس مفتوحة ومقننه بالزمن والكيفية وهي صامته المتحرك فيها الكمرات التي تصور الشخوص الثابتة على الكراسي وكذلك من خلال آليات العرائض والبرقيات والخطابات الجماعية التي أدت غرضها في مختلف العقود السابقة وقد استنفدت كافة أغراضها ولم تعد تجدي في ما بعد الربيع العربي وعهد وسائل الاتصال الأجتماعي .
ولعل ما حدث من تغير في آليات ووسائل توصيل الخطاب كما حصل في جامعة الملك خالد واعتصامات قليلة ومحدودة هنا وهناك رجال ونساء حتى أمام وزارة الداخلية هو تعبير طبيعي لإنسداد آليات المعالجات الأمنية و السياسية والخدماتية وإنفصال القيادة السياسية والتنفيذية عن المجتمع . مالم يحدث تطور سريع وآني في عصرنة الآليات والوسائل التي تؤدي إلى سرعة تحقيق مطالب الناس وقضى حوائجهم بشكل مريح بعيد عن البيروقراطية والإيرادة الفوقية من خلال إصلاح في بنية العائلة المالكة والحاكمة وفي بنية السلطة التنفيذية وكافة مؤسساة الدولة .
أما اليوم فقد اختلف الوضع فشباب اليوم يتمتعون بكثرة وسائل التثقيف والاتصال التي تزداد يوما بعد يوم .
وبعد ما فاجأتنا الطفرة و ما صحبها من آثام و أضرار اجتماعية لمعايشتها لظاهرة الوافد من مسلم وغير مسلم، وبعد ما تباعد المجتمع عن بعضه البعض و دخلت فيه أفكار وافدة على قدر الوافدين ثقافة و جغرافيا، وبعد ما جاء من ثورة إعلامية ومعلوماتية لم تجعل أية حدود بين ثقافة العالم، بعد كل ذلك فإنّ أهل البصيرة و الرأي في المجتمع يتطلعون إلى ما يعرف بالتنشئة الاجتماعية و الهندسة الاجتماعية التي لم أجدها ضمن الجردة السنوية في أداء الحكومة السنوي و على مدة من العقود المنصرمة.
وقد أوضحت في متن هذه الأطروحة أن المجتمع السعودي يعانى من تمزق تراجيدي بين المتناقضات الاجتماعية والجغرافية والثقافية. هي تلك الثنائيات التي ذكرناها والمتمثلة في نجد/حجاز، بدو/حضر، سني/شيعي، سلفي/علماني، الخ...
كما أوضحت أيضا أن الحوار الوطني لا يكون إلا كمضمون سياسي واجتماعي ووعي حقيقي بالمواطنة و تطلع إلى رؤى واتجاهات المواطنين على مختلف مشاربهم و ثقافاتهم و تطلعاتهم الوطنية لرصدها ومحاولة قدر الإمكان رسم القاسم المشترك لمعالجتها لمتانة اللحمة وزيادة العطاء . وهي اللحمة التي تنشدها أية قيادة سياسية واعية لمسؤليتها مؤمنه بقدرها السياسي والاجتماعي.
وقد بينا أن الإجراء العملي لمسار الحوار أقحمنا في المماحكات المذهبية التي لم تحسم منذ قرون في تاريخ الإسلام. بل تحولنا من الثنائي المذهبي إلى تعدد المذاهب بدلاً من توحد الرؤى و الأفكار في المجالات كالتنمية و الفكر والإدارة ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز بحثية ) thinks tanks ) للفكر الاقتصادي و الإداري و الاجتماعي تقدم المعرفة التخصصية في إدارة المجتمع و ترجمتها عملياً في الواقع مما يقلل المشاغلة على القيادة السياسية لتتفرغ إلى مسئولياتها الضخمة و مواجهة ما يحاك لها من القوى الدولية و الإقليمية وما يتربص بها في الشأن الداخلي كالمسئولية التنموية ومكافحة الإرهاب التي نجحت الجهات الأمنية بتطويقها حتى الآن. وقد بينا ضمن هذا السياق أن المسألة الأمنية جزء من الحل وليست كل الحل.
وقد ذكرنا أن الإسلام بدون مذاهب والرجوع إلى المنبع الصافي والأصلي هو مما يعزز اللحمة الوطنية ويقوي الذاكرة الإسلامية ويشدها إلى المرجعية الأم القرآن والسنة .
فالتناحر المذهبي و الطائفي والفئوي و الإقليمي و العائلي والقبلي لا يخدم مقاصد الهندسة الاجتماعية المقصودة بهذه الدراسة. مما يغرس الإحباط لكل من يترقب بصيصا من الأمل ليرى مبدأ الاختيار القائم على أساس الجدارة و الأهلية والكفاءة والاستحقاق والتنافس على الوطنية بصرف النظر عن الانتماءات الفرعية. وفي الحقيقة أن كل من يتبرأ من الفئوية والمناطقية وأخواتها هو يمارسها فعلا ويناقضها قولا وهذا يؤدي بالمحصلة إلى المطالبة بالمحاصصة على حساب الوطن الواسع مما يجعل الوطن يتردى في الدرك الأسفل من البيروقراطية و الفساد وإهدار التنافس على الأهلية و الكفاءة للوصول بالوطن إلى التشظي و التشرذم.
وإذا كنا قد أشرنا في مقدمة الدراسة إلى أن هندسة أي مجتمع تتطلب دراسة تجارب الدول النامية التطبيقية وغيرهما فالمملكة العربية السعودية لها خصوصياتها من حيث التعدد العرقى فجميع شعبها مسلمون وعرب وذو ثقافة واحدة و من أبناء الجزيرة العربية منذ مئات السنين ولا يوجد بينهم تعدد سوى في المذاهب التي ترجع كلها للإسلام. وهذا قد يقل المشاغلة الوطنية إذا عالجت الهندسة الاجتماعية المجتمع والتي لا تتطلب أكثر من تحقيق العدل وحقوق المواطنة التي هو واجب في الدين الإسلامي و في كل الثقافات المعاصرة. كما تتطلب هندسة المجتمع التحديث العلمي و العملي في هياكل و أطر الدولة و آليات عملها وفق تأطير من الإصلاح الشامل للتطور السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي والثقافي .
وقد بينا أهمية الانصهار والذوبان الثقافي والتجسيد الاجتماعي . لا أقصد وحدة الثقافة بمذهب معين بل تعايش المذاهب وفق المشترك من المواطنة الذي لا يلغى الحقوق و الواجبات و لا يصادر ممارسة العقيدة أو الشعيرة المذهبية على حساب المذهب الآخر مع القبول والرضا بعقيدة الأكثرية التي لا تلغي العقائد الفرعية و التعايش معها لبناء لحمة وطنية خلاقة .
وقد بينا كيف أن هذا يتطلب أولاً إصلاح المؤسسات الدينية و إعادة هيكلتها ودمجها في مؤسسة واحدة مع قبول مذاهب الأقلية ضمن هياكل المؤسسة الدينية فيما يتعلق بالوقف و الأحوال الشخصية. وبناء دور العبادة وأداء الشعيرة بحرية تامة دون اصتدامها مع المذهب الأوسع في المجتمع.
وقد ركزنا بقوة على أهمية تقنين القضاء ونشره وإعلام الناس به. ولفتنا النظر إلى أهمية أن ينطوي نظام القضاء على ما يوضح حقوق مذاهب الأقليات من خلال بنود ومواد معلومة للجميع بصرف النظر عن مذهب القاضي وميوله الايديولوجي ًفهو ملتزم بدستور القضاء في الخصومات و الوقف و الأحوال الشخصية . ولا يوجد اختلاف فيما أعلم بين المذاهب المسلمة إلا في الأحوال الشخصية و الوقف وكيفية أداء الشعائر الدينية وكل عموم المسلمين لا يختلفون على أركان الإسلام و إن اختلفوا في كيفية الممارسة كما نبهنا على خطر أن تكون المواقع في المؤسسة الدينية امتيازا خاصا لمذهب معين أو إقليم أو عائلة معينة . و من المفروض أن لا يكون التعيين لأشخاص من المذاهب الفرعية عن طريق المحاصصة أو بتدخل سياسي يفرضه الواقع المعاش. وإنما لابد أن تكون المسؤوليات الدينية لأهل الاختصاص و الجدارة و الكفاءة و الاستقامة وأصحاب الصفة المشهود لهم بالفضل والعفة و الخصال الحميدة وفق آلية عادلة بصرف النظر عن مذهبه أو منطقته أو قبيلته أو عائلته على أن يلتزم الجميع بدستور الدولة سواء في الإمامة أو القضاء أو الإفتاء لاسيما أن الدستور المقترح سيراعى الفروقات المذهبية فيما يختص بمعتنقي المذهب فقط .
و لابد أن يكون سلوك المجتمع محاكيا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم و الخلفاء وجمهور المسلمين . باعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أكد بأننا أعرف بأمور دنيانا مع مراعاة ظروف العصر ومقتضياته . ولا شك أن معرفة الدنيا تتجدد بتجدد الزمان والمكان والتحولات العالمية والمستجدات المعرفية. فديوان الجند معرفة مستجدة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وأخذ بها كما أن عمر بن الخطاب ألغى مفعول نص قرآني يتلى في المؤلفة قلوبهم و في حد السرقة في عام المجاعة وأقره عموم الصحابة.
فالمرجعية الموجبة هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين دون الوسطاء المعاصرين الذين بدأنا نسمع النقل عنهم أكثر مما نسمع عن الرسول و صحابته. إلا أننا نحتاج لاجتهادهم وفق شروط الاجتهاد ومبرراته في التوسيع على المسلمين و ليس التضييق مع التركيز على مضمون الإسلام وفهمه وفق مقتضيات العصر وفقه الواقع وفقه الأزمات وفقه الضرورات ... دون أن يوقع هذا الاجتهاد المسلمين في حرج في دينهم أو دنياهم أو يجرهم في مغامرات غير محسوبة مع القوى العظمى. والحديبية أعظم درس سياسي للمسلمين.
بينت دراستنا هذه على بساطتها كيف أن هندسة المجتمع المسلم تتطلب حماية المجتمع وصونه من ما تنفذه سموم الفضائيات من التلوث الاجتماعي . ونحن نلوم المحطات الفضائية المحسوبة على المجتمع السعودي إذ نجدها أكثر تلويثا لأخلاق المجتمع من الفضائيات الأخرى . ونحن لا نقصد قفل النوافذ على العالم . فالعالم لديه تجارب ناجحة تحتم مصلحتنا الأخذ بها ولكن المطلوب هو بناء مصدات لرياح التلوث الاجتماعي.
فالتعايش مع ثقافة الآخر يجب أن تكون مع الحفاظ على المعايير الأخلاقية والانضباط الاجتماعي للمجتمع المسلم المدرك لخطورة الفساد الاجتماعي . و لا يجب أن تكون على حساب اهتزاز القيم والاستقرار الاجتماعي ونقاوة وطهر المجتمع المسلم . فالرهان هو قدرة المجتمع على تجنب التناقضات حين تبادل الثقافات. والحكم على نوايا الناس من أجل سد باب الذرائع والافتراض أن كل الناس في الحالة الرمادية وسيئين ما لم يثبت العكس هو أحد معاول هدم المجتمع وانفلاته وتمرده على الأنظمة والقوانين . وقد يكون تشوق الشباب إلى الفضائيات التي تبث سموم التلوث الاجتماعي ردة فعل طبيعية وتمرد نفسي على الحجر النفسي والفكري و دفع المجتمع في السير في أضيق الطرق وأصعبها. ولكن علينا أن نبين لهؤلاء أن من مبادئي الإسلام استبطان الخير في ضمير المسلم من الداخل وهو الذي يعزز السلوك القويم. إن التثقيف الإسلامي والاجتماعي إذا نجح في جعل المسلم مستقيما من الداخل أراح على دوائر الضبط الاجتماعي والأمني عناء مراقبة السلوك ومشاغلة السلطات. وتتعامل الدوائر الرسمية مع مواطناً نموذجيا وموظف نظيف اليد متعفف عن المال العام والخاص متفاني في خدمة المسلم بناء على قاعدة "كون الخلق عيال الله أنفعهم انفعهم لعياله.
أننا لن نحقق أي اختراق للعالم إلا إذا راجعنا أعرافنا وتقاليدنا فلماذا نبقي المجتمع غائصا في وحل عادات وتقاليد العصر الزراعي والرعوي و الغزوِ و مكبلا بالتشدد والتطرف. و فوق ذلك نعتبرها من الدين وهي ليست من الدين في شيء . وإذا لم ننعتقُ من السلبي من هذه العادات فإننا لن نراوح في مكاننا بل سنهرول "إلى الوراء سر". فالعالم يندمج في المصالح مع المحافظة على هويته وثقافته إذا قبل ثقافة الآخرين ( لكم دينكم ولي دين) فمنهج المسلم الوسطية فلماذا لا نعظ عليها بالنواجذ ؟
في المجال الاقتصادي بينا كيف أن كثرة الفتاوى في التعامل مع البنوك سبب أزمة نفسية عند المسلمين . فالربا حرم بنص القرآن و السنة . والاجتهاد لا يكون بتضييق الواسع على المسلمين بل البحث وفق ضوابط الاجتهاد في تفسير القرآن ومعرفة السنة واستنباط ما يمكن إن وجد أن يكون النظام المصرفي العالمي ليس ربا وهنا رفعوا الحرج عن المسلمين .وأعتقد أن بعض علماء المسلمين قد توصل إلى هذه الغاية كالشيخ مصطفى الزرقاء وغيره وهذا ما هو مطلوب من علماء المذهب .
بعكس الاجتهادات الحاصلة الآن حول أسلمة البنوك في معاملات فيها غبن واضح على المسلم وفيها استغلال و فائدة بلا حدود للبنك. لدرجة أن البنوك العالمية الآن تتسابق على البنوك الإسلامية وذلك لفائدتها الجمة على البنك مما يزيد أرباحه أضعافا مضاعفة ويجعل المقترض على الطريقة الإسلامية حسب زعمهم أو المدخر أو صاحب الحساب الجاري . فريسة الاستغلال الذي قد يلازمه طول حياته. والاستغلال ركن أساسي في حرمة الربا.
فإذا كان هناك شيء لابد منه فلا بد أن تشكل لجنة في مجمع الفقه الإسلامي مؤلفة من الاقتصاديين و الشرعيين والاستعانة بفقهاء الاقتصاد حتى من غير المسلمين و وضع جائزة عالمية أو منافسة عامة عالمية لعلنا نصل إلى تجنيب المسلمين حرمة الربا وظاهرة الاستغلال وذلك من خلال فتوى إباحة آلية البنوك التقليدية المعاصرة أو التوصل إلى بديل إذا لم يكن أفضل من البنوك فليس أسوأ منها . ويفضل أن يجند للإبتعاث طلبة من كليات الشريعة لدراسة القوانين في العالم الإسلامي و غير الإسلامي وتكثيف الزيارات الخارجية وحضور الندوات للعاملين في سلك القضاء وأن يكون هناك معاهد لتخريج قضاة في المحاكم التجارية والمرورية و القانونية وأن يكون هناك متخصصون في المعاهدات والعقود الدولية كمنظمة التجارة الدولية مثلاً وفى فهم الأعراف الدبلوماسية للدول وغيرها
قد يكون جميلا أن يستعير المخطط الاقتصادي السعودي وظيفة قواطع الدائرة الكهربائية لإيجاد نقاط للتحكم بالتدفق المفاجئ للأموال سواء إلى الداخل أو إلى الخارج. فالاستثمار الأجنبي للأسهم والسندات سلاح ذو حدين فبقدر سرعة وصوله يكون خروجه .
إن على المخطط الاقتصادي والمالي أن يقوم بدور الحكم لا المشارك بالسوق . وتجدر الإشارة بتذكير انهيار أسواق شرق آسيا عندما وقعت في أخطاء تحويل استثماراتها إلى مشاريع ذات قيمة مشكوك فيها . وذلك عندما تجاهل المستثمرون والمخططون مواطن الضعف المؤسسية والبنيوية في هذه الاقتصاديات . فقد استثمرت رؤوس الأموال الضخمة في الأسهم والعقارات ومباني المكاتب والملكيات المشتركة . فاستخدمت هذه الأسهم والعقارات بدورها كضمانات إضافية للإقراض مما زاد في تضخم الأصول.
نحن بحاجة إلى تنظيف النظام المصرفي حتى لو وصل الأمر إلى إغلاق الشركات الخاسرة ماليا . ولا بد من الإصلاحات المالية حتى ولو كانت المعالجة جراحة مؤلمة ومعالجة مركز المملكة المالي الذي يعتمد جله على المداخيل النفطية مفيد ومطلوب. والاستثمار الوطني يتفلت من الوطن ويتوطن أوطان نفطية مجاورة. وبدل من أن يعطى المخططين الماليين والمصرفيين الثقة بالنفس على انتهاج سياسات إصلاحية جريئة طالما المملكة في موقف ماليا قويا نجد العكس هو الذي يحكم الحالة السعودية.
إن العالم منذ 1929 و حتى انهيار أسواق شرق أسيا واجه كوارث مالية لابد من الاستفادة من دروسها لبناء نظام مصرفي ومالي أكثر قوة وتحملا وديمومة وقابلية للتطور والمراجعة باستمرار .
كما أن الخطط الاستراتيجية لمجالات فنية ودقيقة كخطط الاستثمارات المالية تحتاج إلى خبرات عالمية يلازمها خبرات وطنية من خلال تبني من يتوفر فيهم الذكاء وسرعة الخاطر وحدة الذهن والقدرة على التحفيز وتمكينهم من فرصهم في خدمة المجتمع. وقد تكون المملكة سعيدة الطالع حين ما تبدأ من حيث ما انتهى الآخرون.
ويستحسن أن تطلب المملكة وصفة من أسواق المال المتخصصة والبنك الدولي حول كيفية إنشاء سوق المال ومراقبته وتطويره. ومن المفيد أن تكون عادة يلازمها المخطط السعودي في كل بناء وهيكلة مؤسسات الوطن. فالاستفادة من المؤسسات الدولية المتخصصة ودراسة تجارب دول كثيرة القريبة والبعيدة أمر في غاية الأهمية وذلك هروبا من عبثية البيروقراطية وضعف البنية التحتية وعدم مؤازرة المستثمر الوطني من قبل البيوت المالية . فلا بد للأنظمة الوطنية التي لا تعرف إلا الفرمانات من خلف المكاتب أن تتصالح مع الاستثمار الوطني وأن تكون خادمة له لا رقيب وخفير عليه. ربما يكون من الفائدة الوطنية فتح الحوار مع الاستثمار الوطني والتعرف على رغباته لتلبيتها ومعرفة المعوقات لتذليلها.
في المستوى السياسي تم التطرق إلى إصلاح مؤسسات الدولة ومراجعة هياكلها و أطرها وأنظمتها وتفعيل سلطة الصحافة والإعلام وقد لوحظ في الآونة الأخيرة تقدم في هذا المضمار بمحض الإرادة السياسية وإصرارها . ورفع سقف الحرية في الصحافة . إلا أنه إنجاز في التعبير فقط لم يعزز في الرقابة والمتابعة و تتبع ما يكتب في الصحف أو يقال في المحطات المتلفزة متابعة منهجية قانونية للاستفادة و ترجمتها لاستباق تطلعات الشعب قبل المطالبة بها . بل الملاحظ أن هناك تناسب عكسي مع ما يكتب في الصحف ويقال في التلفزيون و كأن العملية عملية تحدى أو استهتار وعدم مبالاة بالرأي العام . فكلما بالغت وسائل الرأي والإعلام بالشفافية والحرية كلما بالغت البيروقراطية بالفساد.
إن شفافية الصحافة و الإعلام لا يمكن أن تكون فاعله وإن كانت ظاهرة سياسية صحية إلا في تأسيس مراكز للرصد تتولاه مؤسسات المجتمع المدني و تأسيس مبدأ المحاسبة والشفافية و تحت مراقبة مؤسسات غير حكومية من مؤسسات المجتمع المدني. وتوسيع المشاركة من كافة أبناء الوطن على مختلف انتماءاتهم الاجتماعية والمذهبية و المناطقية في الدوائر العدلية و الإفتاء وفى الوظائف السياسية و الإدارية العليا وفى المجالس المتخصصة كمجلس المال و الاستثمار و البترول و السياحة وفى مجالس إدارات البنوك و غيرها كثير .
في المستوى الاجتماعي أكدنا انه لا بد من مشاركة المرأة في العمل و في الدوائر العدلية والضبطية وفى السجون والتعليم . مع ضرورة وزارة أو مجلس لشئون المرأة والأسرة والأمومة ورعاية الطفل و العنف الأسرى . تتولى هذه المؤسسة المقترحة بالإضافة إلى مهامها الأساسية الأبناء غير الشرعيين و اللقطاء ومعالجة وضعهم معالجة إسلامية و اجتماعية و سريه تعيد الذين انزلقت بهم أقدامهم عن الطريق السليم وتدمج مخرجات هذه الظواهر في المجتمع . و للحيلولة دون شعورهم بعقدة الذنب أو النقص وتحقيق مستوى من المعيشة والحياة الكريمة لهم وتأهيلهم كأدوات بناء في المجتمع.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدولة تولي الأيتام عناية كبيرة. وهو مبدأ إسلامي تشكر الدولة عليه .
ولابد أن يُحدَد المستفيدون من الضمان الاجتماعي لغير القادرين على العمل . كما لا بد من توسع المؤسسات الخاصة بالعدالة الاجتماعية والتركيز على الأسر المنتجة وتدريب الشباب ومساعدتهم وفق برنامج يعد خصيصا ًلهذه الفئة وينقلهم من مستوى السؤال إلى مستوى الاعتماد على النفس وفائدة المجتمع ويمكن أن ينخرط المبرزون والجادون للمسؤولية في هذا البرنامج.
وبعد كل ذلك يبقى الرهانات على الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع بكل فئاته ومكوناته الاجتماعية والسياسية وغيرها.
في هذا السياق بينا أهمية "الكتلة التاريخية" وأول من نادى بالكتلة التاريخية هو المناضل والمفكر الايطالي غرامشي عندما كان يفكر في طريق للتغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي . وكانت إيطاليا في عهده متباينة جهويا مابين الشمال المتطور صناعيا وجنوب فقير ومحافظ وكلا الفريقين بينهما خصام وسجال بين المحافظة والتحديث والعدو قاب قوسن أو أدنى منهم . فدعا إلى كتلة تاريخية تضم تلك الاتجاهات واتفاقها من اجل نهضة إيطاليا ومواجهة العدو .
والمجتمع السعودي بتمايزاته المناطقية والفكرية والمذهبية . أشد ما يكون بحاجة إلى كتلة تاريخية تجمع هذه الفئات العريضة حول أهداف واضحة تتعلق بهموم المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتنمويا بما يعزز اللحمة ويقوي الوحدة من خلال إقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها التوزيع العادل للثروة والمشاركة وخلق فرص الإنتاج لمقاومة البطالة وتعزيز الفرص البديلة للثروة الناضبة ولعل هذه الدراسة وتطبيقاتها هي من ينادي بالكتلة التاريخية.
أخيرا نقول إن التحولات الجديدة في العالم جعلت المعارف والمعلومات جديدة على الدول المتقدمة مثل ما هي جديدة على الدول النامية . وقد يستفيد منها من يملك القوة الشرائية. ومن هذه القناعة فإن الأولوية تكون للعلوم والرياضيات والحاسبات . ومن المفيد إعطاء كل طالب حاسب آلي مجانا خلال فترة محدودة حتى لو كان في صفوف محو الأمية . وتحمل الدولة تكاليف الانترنت بشرط حصره على المعارف المعلوماتية . وقيام جمعيات أهلية مدنية للحاسب الآلي. هذا هو الرهان الوطني إنه رهان القدرة المالية والثروة. وما توفيقي إلا بالله .







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق