مفهوم الحق ومصادره
د. توفيق السيف
كتبه: الدكتور توفيق السيف
حرر في: 2012/12/26
التعليقات: 0 - القراءات: 10081

يتردد في طيات هذا الكتاب ربط بين الحرية والحق او اعتبار الحرية حقا للانسان. وقد ناقش الفصل السابق مفهوم الحرية ، ويبسط هذا الفصل مفهوم الحق بدءا بتحديد المعنى المقصود، والاشكالات الواردة عليه ، ثم يشير الى مصادرالحق مع التركيز على الفطرة كمصدر لشريحة من الحقوق الاساسية التي اطلقناعليها اسم طبيعية او فطرية واعتبرناها لازما لانسانية الانسان.

 واشرنا الى التحفظات الواردة على المعنى المختار والرد عليها، كما اشرنا في الختام الى اهمية مفهوم الحق بالنظر الى ضآلة الاهتمام به في ثقافتنا العامة. حين نتحدث عن "حق" للانسان او المواطن ، فاننا نشير الى وجوب الاقرار به وتفعيله من جانب المجتمع والدولة. هذا الاقرار يعني ان تاخر الدولة او تراخيها في ذلك يفسر باعتباره بغيا وعدوانا على المواطن وهو ناقض لشرعيتها وحقها في الطاعة.
***
ينصرف مصطلح "الحق" الى معان عديدة[1]، تندرج جميعا تحت واحد من صنفين :
معنى لغوي، ويشمل: أ) الحقيقة العليا والمطلقة في الكون وهي الخالق جل وعلا، كما ورد في الاية المباركة "ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن"[2]. فتعبير "الحق" هنا اسم من اسماء الله تعالى او صفاته.
ب) الحق بمعنى الوجوب/الواجب ، انقضاء الامر ، الاحاطة ، الحزم ، الحكم المطابق للواقع ، الثبوت/ الثابت ، الصحيح ، والمطابق لمقتضيات الحكمة والاعتقاد. ووردت هذه المعاني في آيات مثل "الحق من ربك"[3] ، "حق القول على اكثرهم"[4].
معنى اصطلاحي، ويشير الى اختصاص لفرد او جماعة بشيء يقر به الشرع او المجتمع او القانون او العرف، ويمنحهم حق المطالبة به والانتفاع منه دون تدخل الاخرين او مزاحمتهم فيه. ويظهر هذا المعنى في عبارات مثل : لديك حق، اطالب بالحق في..، هذا حقي، حق الانسان. تشير هذه العبارات الى ملكية امتياز، او اختصاص بشيء.
واستعمل هذا المعنى في الدراسات الفقهية ولا سيما في ابواب المعاملات كمقابل للحكم. الحق يعطي شيئا لصاحبه اما الحكم فيفرض عليه عبئا ماديا او معنويا. ومن المعتاد ان تجد في البحوث الفقهية الموسعة فصلا خاصا بعنوان "الحق والحكم" يحدد فيه الفقيه رايه في معنى كل منهما ، وكيفية استعماله في بحثه. ومن تطبيقاته حق الشفعة والحضانة والخيار. الحق في هذا المعنى وضع شرعي خاص. ومثاله ما ورد في الاية المباركة "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم"[5]. والاية "وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين"[6]. ونقل د. العبادي عددا من التعريفات التي اوردها علماء قدامى ومعاصرون، وخلص الى تعريف الحق بأنه اختصاص ثابت في الشريعة تترتب عليه سلطة لله تعالى على عباده ، او لاحد الاشخاص على آخر، فالحق اذن ينشيء علاقة شرعية بين صاحبه وموضوعه[7]. ومعنى هذا ان "الحق" يعطي لصاحبه اهلية المطالبة بمنافع والاعتراض على احكام ومعارضة تصرفات الاخرين، كما يقيم التزامات على الاخرين بعدم معارضة التصرفات التي يقوم بها الفرد انطلاقا من حقه الثابت وعدم مزاحمته او التدخل في شانه.
هذا المعنى هو المتعارف في بحوث السياسة والقانون المعاصرة، وهو المقصود في نقاشنا الاتي. وقد درج كثير من القانونيين والفلاسفة المعاصرين على تعريف "الحقوق" بانها اقرار من جانب المجتمع او القانون بما تستطيع المطالبة به من دون تبرير. تبرير هذه المطالبة موجود فعلا في فلسفة القانون او منظومة القيم التي يقوم عليها النظام الاجتماعي او التوافقات السابقة بين اعضاء الجماعة[8]. وذكر دليل اوكسفورد للفلسفة ان الحقوق في اقوى معانيها هي دعوى ثابتة لحماية منافع مهمة يختص بها شخص. احترام الحقوق يعني تمكين صاحبها من نيل ما استحقه ، والانتفاع به على النحو الذي يريد. ومن هنا قيل بان احترام الحق يعتبر اساسيا لصون كرامة الانسان. وينقل الدليل عن وسلي هوهفلد ، وهو قانوني امريكي بارز (1879-1918) ، تمييزه بين اربعة معان للحقوق هي الدعوى والحرية والسلطة والحصانة [9].
1- الدعوى: الحقوق هي منافع بالقوة potential ، وليست - بالضرورة – منجزة او فعلية actual. اقرار القانون او المجتمع لك بحق يعني انك تملك الاساس القانوني للمطالبة بالمنافع المنطوية تحت عنوانه ، حتى لو ادى الى تحميل طرف اخر اعباء مادية او معنوية. واقرب مصاديق هذا المعنى في البحوث الفقهية هو حق الشفعة الذي يقره القانون حتى لو كان الطرف الاخر كارها لك او غير راغب في التعامل معك. الحق بهذا المعنى لا يتحول من ممكن الى فعلي الا عند المطالبة به. وحق الشفعة من الحقوق القابلة للاسقاط من جانب صاحبه لكنه غير قابل للنقل الى طرف ثالث.
2- الحرية : اذا كنت صاحب حق فانت تستطيع التصرف ضمن حدود هذا الحق دون استئذان من احد. ويوفر القانون الحماية اللازمة لهذه التصرفات. اذا كان القانون يضمن لك حق التعبير فانك تستطيع اعلان رايك حتى لو كان مزعجا لطرف آخر. مفهوم الحق في هذا المعنى هو نفس مفهوم الحرية التي شرحناها في الفصل السابق والتي تدور بين الوجه السلبي اي عدم تدخل الغير والايجابي اي تعدد الخيارات.
3- السلطة : صاحب الحق له ولاية على كل ما هو موضوع للحق. واقرب المصاديق الفقهية الى هذا المعنى هو مفهوم السلطنة. يرى الشيخ الانصاري ان الحق هو سلطنة فعلية[10]، والسلطنة – كما راى النائيني – مرتبة ضعيفة من الملك، لان الملك قابل للبيع والتصرف فيه بكل انواع التصرفات، بينما موضوع السلطنة يسمح بتصرفات محددة. ومن امثلته حق الولاية ، وحق التحجير (الاولوية).
4- الحصانة : اذا تصرف الانسان فيما هو حق له ، فليس عليه مؤاخذة او عقاب. اذا اعطى القانون للمدير الحق في التمتع بشريحة معينة من الصلاحيات ، فليس عليه مؤاخذة اذا انتهت الى غير النتائج التي ارادها رئيسه الاعلى. واذا اعطاك القانون الحق في منافسة الاخرين في التجارة فليس عليك ان تضمن عدم خسارتهم ، وليس لهم ان يمنعوك من العمل الذي قد يؤدي الى صرف المشترين عنهم. يضمن القانون حصانة لصاحب الحق اذا تصرف ضمن حدود حقه.
رأى كارل ويلمان تفسير هوهفلد معقدا نسبيا. جوهر مفهوم الحق حسب رايه هو العنصر الاول اي "الدعوى". كمثل على ذلك فان جوهر الحق القانوني للدائن في استرجاع الدين هو كون الحق ارضية مناسبة لتاسيس دعوى ضد المدين لتسديد الدين في الوقت المحدد. هذا هو الجوهري في المسألة. لكن العنصر الجوهري يولد عناصر اضافية مثل السلطة القانونية للدائن في اسقاط الدين اذا شاء ، وحريته في الابقاء على الدين دون اقامة دعوى ، والحصانة القانونية للدائن ضد ارادة المدين تاجيل واجبه في سداد الدين او الغائه[11]. ومع اني اتفق مع ويلمان على ان الدعوى هي العنصر الابرز في مفهوم الحق ، الا ان اختصار المفهوم على هذا النحو مخل بمعناه. خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار الجدل الذي سيثار حول اهلية بعض ذوي الحقوق لادعائها والمطالبة بها ، مثل الميت وغير العاقل. في هذين المثالين يبدو معنى الحصانة هو الاجلى تعبيرا عن مفهوم الحق.
المفهوم الفقهي للحق
واختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الحق ومضمونه[12]. وقال الخوئي ان الحق والحكم (التكليف) شيء واحد ولا فرق بينهما ، لان مرجعهما واحد هو النص الشرعي. وحسب تعبيره فان "الحق لا يغاير الحكم بل هو حكم شرعي اختياره بيد من له الحق إسقاطا وابقاء". ويركز هذا التفسير على الاثر الفقهي المترتب على دعوى الحق ، حيث ان "الحق بالنسبة إلى من له الحق حكم تكليفي إلزامي أو ترخيصي أو وضعي جوازي أو لزومي"[13]. اما العلامة النائيني فقد ميز بين الحق والتكليف ، وقدم ثلاثة معان للحق، هي السلطنة بمعنى الانفراد بالتصرف، الامتياز الذي عبر عنه بدرجة دنيا من الملك، الاختيار الذي يعادل حرية الاحتفاظ بموضوع الحق او اسقاطه. وحسب تعبيره فان "حقيقة الحق هي السلطنة على الشيء، وكون زمامه بيده بحيث يكون له القدرة على إلاعمال والاسقاط، كما قالوا أن الخيار هو ملكك فسخ العقد وابقائه"[14]. اما كونه درجة دنيا من الملك، فلان الملك علاقة احادية بين المالك والمملوك، ولا دخالة لطرف ثان فيه. في هذا المعنى: الشخص (أ) يملك الشيء (ج) بناء على المبرر (د). بخلاف الحق الذي لا يقوم الا بوجود الطرف الثاني الذي عليه الحق[15]، اي الشخص (أ) له حق على الشخص (ب) في الشيء (ج) بناء على المبرر (د). اضافة الى هذا فان الملك سلطنة قوية لان صاحبه مخول باي تصرف مشروع فيه، اما الحق فان صاحبه مخول بتصرفات محددة فيه لا مطلقا[16].
والسلطنة (السلطة) من القواعد الراسخة في الفقه الاسلامي ، وتقوم على اساسها احكام كثيرة واجتهادات. وترتبط عضويا وسببيا بمفهوم الارادة الحرة للفاعل ، التي تعتبر اساس المسؤولية في المعاملات بين الناس. ومفهوم السلطنة مستمد من رواية منسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام بنصوص متعددة مثل "الناس مسلطون على ما تحت ايديهم"[17]، و"الناس مسلطون على انفسهم" و "الناس مسلطون على اموالهم". ويعيب الرواية كونها مرسلة، لكن مدلولها واتحادها مع العديد من الروايات في نفس المفهوم او الدلالة يجبر ذلك الضعف[18]. فضلا عن ذلك فان تسلط المالك على ملكه واستئثاره بالحقوق القائمة على الملك، يعتبر من المسلمات الراسخة بين العقلاء وفي اعراف المجتمعات. وطبقا لراي محمد مؤمن، الفقيه الايراني المعاصر، فان كون الناس مسلطين على انفسهم واموالهم هو قاعدة عقلائية امضاها الشارع بتعبيرات شتى في الايات والروايات. ويلاحظ مؤمن ان القواعد العقلائية التي تقوم عليها امور الناس لا تحتاج في امضائها من قبل الشارع الى تطابق المفهوم المذكور في النص مع ذلك المتداول بين الناس، بل تكفي الاشارات والدلالات العامة التي يفهم منها العقلاء امضاء الشارع للقاعدة العرفية. ولهذا فان مخالفة الشارع لعرف العقلاء يقتضي تصريحا من قبله[19].
الاصل الاولي في مسألة السلطة هو نفيها. ويقصد بالاصل الاولي في تعبير الفقهاء حجر الاساس او الفرضية الاولى في المسألة موضع البحث. وفي خصوص هذه المسالة فان الاصل الاولي ، حسب تعبير كاشف الغطاء هو "ان لا سلطان لأحد على أحد ، فان الخلق متساوون في العبودية"[20]. فقد خلق الله الناس احرارا ، غير مقيدين بولاية او سلطة لاحد على نفوسهم. جميع الناس – كما راى منتظري – بحسب الطبع الاولى والفطرة الذاتية ، احرار مستقلون . وهكذا خلقهم الله. ولانهم كذلك ، فلكل منهم سلطة منفردة على ماله ونفسه. ومن زاحم هذه السلطة او عطلها عد باغيا ظالما[21].
انفراد الانسان بالسلطة على نفسه ينفي - بالضرورة - سلطة الغيرعليه، ولا سيما عند تزاحم ارادته مع ارادتهم. حيث ان سلطة الغير عليك تنطوي - بالضرورة - على تقييد لارادتك او خياراتك. "قاعدة السلطنة" هذه هي ارضية لمبدأ الارادة الحرة للفاعل، اي كون الانسان حرا في القيام بالافعال التي يراها صلاحا لنفسه. وحرية الارادة هي بدورها اساس المسؤولية الفردية، اي كون الانسان مسؤولا ومحاسبا عن افعاله الخاطئة او ما قد يتسبب فيه من ضرر على الغير. لو لم نعتبر الانسان حرا في ارادته، مختارا قبل القيام باي فعل، لما صحت محاسبته او مساءلته على افعاله ، لان المضطر والمجبور لا يحاسب ولا يعد مسؤولا، والا صحت محاسبة غير العاقل وغير الانسان على اخطائه ومعاقبته عليها، مع انها ليست فعله حقيقة ، بل فعل من اضطره الى ذلك، كما قيل في التندر على من يجبر شخصا على فعل ثم يحاسبه على نتائجه:
القاه في اليم مكتوفا وقال له اياك اياك ان تبتل بالماء
وفي زمن سابق دار جدل طويل بين مفكري الاسلام والمتكلمين حول تاثير هذا المبدأ، اي حرية الارادة والقدرة على الاختيار، على علاقة الانسان بالله سبحانه. وهو الجدل الذي عرف بمسألة الجبر والتخيير، والتي انقسم فيها المسلمون الى صفين عريضين، قال احدهما ان الانسان مختار في فعل ما يفعل فهو يستطيع ان يطيع ربه ويستطيع ان يعصيه. وقال الفريق الاخر ان الله سبحانه هو خالق فعل الانسان وخالق ارادته، وانه لا يملك ان يفعل شيئا غير ما اراده الله ان يفعل.
غموض المفهوم واشكالاته
مفهوم "الحق" في البحوث الفقهية مشوب بالغموض والاختلاط . ولاحظنا هذا في معظم البحوث التي راجعناها. لم يعالج الفقهاء مفهوم الحق كمسألة مستقلة ، بل اهتموا حصرا بتطبيقاته الفقهية، ولا سيما في المقارنة بين الحق والحكم والملك والولاية. مفهوم "الحق" ليس من موضوعات علم الفقه، بل من البحوث السابقة له[22]، ومحله الطبيعي هو الفلسفة، لكن تطبيقاته الفقهية ربما تدرس في علم اصول الفقه او في بحوث الفقه الاستدلالي. وبحسب الحائري فان البحث حول الحقوق لا يترتب عليه أثر عملي فقهي. محل اهتمام الفقيه هو مفهوم الحكم وتعريفه. ولهذا فان حديثهم في الحق جاء على حاشية نقاشهم حول الحكم والفرق بين الاثنين[23]. ولاحظت خلال البحث ان معظم الجدالات الفقهية حول تعريف الحق تفترض لزوم ان يكون ذا معنى واحد ، وكمثل على هذا فان معارضي تفسيره في معنى السلطنة ، استندوا الى وجود امثلة على حقوق لا تترتب عليها سلطنة ، مثل حق الاستفادة من الموارد العامة الشائعة كالصيد والاحتطاب وامثاله. مع انه كان بوسعهم افتراض معنى اضافي للحق وهو الادعاء أو الحصانة (في الامثلة السابقة).
على اي حال فان غموض مفهوم الحق لا يقتصر على الدراسات الفقهية ، فهو لا يزال موضع جدل في الفلسفة والقانون ايضا. وقد ناقش الان جيورث عددا من الاشكالات الجدية التي تتناول فكرة الحق من الناحية المفهومية conceptual ومن الناحية القيمية moral [24] ، ننقل هنا ملخصها :
1- التلازم بين الحقوق والواجبات :
اول الاشكالات المفهومية يتناول معادلة التلازم بين الحق والتكليف (او الواجب) ، حيث يرى المعارضون لمفهوم الحق ان اتجاه المعادلة من الحق الى التكليف قابل للعكس بحيث تبدأ المعادلة بالتكليف ثم الحق من دون ضياع اي جزء من المعنى . لان ما هو مهم في الكلام عن الحق هو التكليف الذي يترتب عليه ، بل لا معنى للحق من دون التكليف ، وهذا يعني ان بالامكان الاستغناء عن ذكر الحق بذكرالتكليف. هذا الاعتراض مؤسس على فرضية ان القانون هو اساس الحقوق ومصدرها. وان الضمان القانوني للحقوق ليس الا تحديد واجبات ، فالكلام عن الحقوق زائد عن الحاجة[25].
ورد جيورث على هذا الاعتراض بانه رغم صحة دعوى التلازم بين الحق والواجب ، الا ان لكل منهما مضمون مختلف وتقدير مختلف. الواجبات هي اعباء مبررة على المكلف الذي يقع عليه الحق. هذه الواجبات تقيد ارادته وحريته على نحو ينفع مباشرة ليس نفسه بل شخصا اخر هو صاحب الحق. تحمل العبء لصالح الغير ليس مبررا بذاته في العادة ، بل هو نتيجة لوجود مبرر اسبق منه هو المنفعة التي ثبتت لصاحب الحق. ومن هنا فان الحقوق مقدمة في معادلة التعليل على الواجبات. بعبارة اخرى فان المكلف اصبح مكلفا بعد وجود صاحب الحق. وترتب الواجب يتضمن في الواقع عبئين متلازمين: أ- تقييد الارادة والحرية ، و ب) انجاز المنفعة التي هي موضوع الحق لصالح الغير. ومن هنا فان الغاء الاشارة الى الحقوق كمرجع في المعادلة يعني الغاء الاساس الذي يبرر الواجبات. ولهذا فان الكلام حول الحقوق ليس زائدا ولا قابلا للاسقاط دون خسارة في المعنى[26].
2- الحقوق من اجل منافع معينة فلماذا لا نستغني بالمطلوب عن العنوان؟
فحوى هذا الاشكال ان الكلام حول الحقوق يستهدف اقرار منافع اجتماعية معينة . المطالبة بحق الحياة او الكرامة او الحرية مثلا غرضه التشديد على الحاجة الى المنافع والخدمات العامة التي تساعد على ضمان الحياة الكريمة ورفع مستوى معيشة الانسان. هذه المنافع هي مفاهيم مستقلة ويمكن تاسيسها على مبررات اخرى غير الحقوق. وعليه فان مفهوم "الحق" في هذه التطبيقات وامثالها ليس مبررا وحيدا ولا مستقلا للمنافع المذكورة ، فما الحاجة الى التركيز عليه؟[27].
اجاب جيورث على هذا الاشكال بان الحق يقيم سياقا تعليليا من نوع خاص ، مستمدا من العلاقة المباشرة والشخصية بين صاحب الحق وموضوع الحق والمكلف به. حينما يكون للشخص (أ) حق في الموضوع (ج) فان حماية القانون له مبررة بكونه شخصيا يملك موضوع الحق ، وليس لان هذا الموضوع يضيف منفعة الى صاحب الحق (أ). بعبارة اخرى فان المنافع العامة تعود لجميع الافراد على نحو اجمالي ، اي لكونهم اعضاء في الجماعة التي تتجه اليها تلك المنافع. اما الحقوق فهي تعود لصاحبها على نحو شخصي ، اي باعتباره فلان ، لا لكونه عضوا في الجماعة. اذا حجب الحق عن صاحبه فهو – علاوة على تعرضه للاذى وتضرر مصالحه – حرم ايضا مما يعتبر ملكا شخصيا له. يضاف الى هذا ان الحق يؤهل صاحبه للمطالبة ليس فقط بالحصول على منافع معينة ، بل ايضا للادعاء ضد اشخاص اخرين لمنعهم من حجز الحق او الزامهم بمساعدة المدعي على استرجاع المنفعة التي هي موضوع الحق. ومن هنا فان سياق التعليل والمبررات التي يقوم عليها الحق تختلف عن تلك التي تقوم عليها المنافع العامة[28].
3- الحقوق غير قابلة للاثبات القطعي
ومن بين الاعتراضات القيمية التي ترد على مفهوم الحقوق ، نشير الى ما يسميه جيورث الاعتراضات الخاصة بالتعليل justificatory objection. وخلاصتها ان المنافع والواجبات المحددة في القانون تقوم على مبررات محددة يمكن على ضوئها تحديد الكلف والمنافع التي تترتب لكل طرف او عليه. اما الحقوق فترجع الى مبررات قيمية. ليس هناك شريحة محددة من القيم يتفق عليها الجميع بحيث يمكن الرجوع اليها دون خلاف. ولهذا فليس ثمة وسيلة للتوصل الى حكم قاطع بناء على المبررات القيمية للحقوق. بل لا يمكن تاسيس اي دعوى على اساس قيمي على الاطلاق[29].
رد جيورث على هذا الاشكال بنقاش منطقي طويل نسبيا يعتمد على نظرية "مبدا التلاؤم الجذري" التي طورها في كتابه "العقل والقيم". فكرة التلاؤم الجذري فحواها ان جميع القيم العليا التي يرجع اليها البشر كمعايير لتنظيم حياتهم والارتقاء بها ، هي قيم مشتركة ، اذا جرت مفاعيلها لواحد فانها تجري بنفس القدر لجميع الاخرين. تبدا هذه القيم بنقاط اساسية لا يمكن النزول عنها ، وهي ان السعي للحياة الكريمة حق للانسان ، وانه حر في القيام بالافعال التي تؤدي الى نجاح هذا المسعى. يتلخص مبدأ التلاؤم في فرضيتين:
الاولى : لا بد لكل عاقل ان يقبل منطقيا بان له حقا في الحرية والحياة الكريمة. وهذا جذر لقيم اخرى ، وشرط ضروري للفعل المثمر والمنتج.
الثانية : لا بد لكل عاقل ان يقبل منطقيا بان جميع الافراد الحقيقيين او المحتملين لهم نفس الحقوق التي يدعيها لنفسه في الحرية والحياة الكريمة. وهذا ايضا شرط كي يستطيعوا الاتيان بالافعال المثمرة.
تتفرع الفرضيتان من مقدمة بديهية فحواها ان الانسان حر في فعل ما يؤدي الى جعل حياته كريمة ، وان الفعل الانساني لا يكون مثمرا الا اذا كان غرضه ، اي الحياة الكريمة ، قابلا للتحقيق من خلال هذه الافعال التي يقوم بها الانسان بهذا القصد. وتقترب الفرضية الثانية من القول المروي عن الامام علي بن ابي طالب في وصف الحق:
فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له. ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه[30].
يبنى على هاتين الفرضيتين مبدا اعلى ، ينبغي ان يقبله كل عاقل ، اطلق عليه جيورث "مبدا التلاؤم الجذري" ، ومقولته الاساسية هي ان الفعل الانساني يجب ان يكون متناسبا مع الحقوق الجذرية لك وللطرف الاخر. هذا المبدا هو الذي يؤسس تحديدا لحقوق الانسان في الحرية والعيش الكريم في كلا المجالين : مجال الفعل الفردي ومجال المؤسسات الاجتماعية[31] .
التدليل المنطقي على الفرضيتين:
لان الحرية كمقدمة والعيش الكريم كهدف شرطان ضروريان للفعل الانساني المثمر ، فانه لا بد لكل فاعل عاقل ان يعتبرهما منفعة ضرورية. فمن دونهما لن يتمكن من تقدير امكانية نجاح مسعاه وعمله. لا يضمن الانسان نجاحه في كل عمل. لكن لولا وجود احتمال بانه سينجح لما بذل اي جهد. وعليه فان العاقل يضع نصب عينه مجموعة حجج وحجج مضادة ، يسهم مجموعها في تكوين الفكرة النهائية عن ضرورة الحرية والحياة الكريمة. هذه الحجج تتمثل في الاتي :
الاولى- يجب ان اتمتع بالحرية والعيش الكريم . يجب ان يكون الفرد قادرا على رؤية تمثلات لهاتين المنفعتين في الواقع ، او ان يكون قادرا على تصور تطبيقاتهما ، بحيث يستطيع ايضا تصور المقدمات التي تقوده اليهما وتحديد المنافع التي يتشكل من اجزائها مفهوم "الحياة الكريمة". القدرة على تصور المنافع ضروري كي يستطيع الفرد المطالبة بها باعتبارها ضرورية لنجاح مسعاه. اذا قبل الفرد هذه الفرضية الاولى ، فينبغي ان يقبل الحجة الثانية :
الثانية- لي حق ثابت في الحرية والعيش الكريم . لانه اذا رفض هذه الحجة (لانه مثلا لا يريد الالتزام بالواجبات التي تقابل هذا الحق) ، فان عليه ايضا ان يرفض الحجة الثالثة :
الثالثة- على جميع الناس الاخرين ان يتجنبوا اي عمل يؤدي الى الغاء او اضعاف حريتي وكرامة حياتي. فاذا رفض الحجة الثالثة ، فعليه ان يقبل الرابعة :
الرابعة- الافراد الاخرون يمكن لهم (او يسمح لهم) ان يلغوا حريتي وكرامة حياتي او يتدخلوا فيهما. فاذا قبل هذه الحجة الرابعة ، فان عليه ايضا ان يقبل بالحجة الخامسة :
الخامسة – من الممكن (او من المسموح ) ان لا يكون لدي حرية وعيش كريم. لكن هذه الحجة تتعارض مع الحجة الاولى . افترضنا سلفا ان على كل عاقل ان يقبل الاولى ، وعليه فلا بد – منطقيا - ان يرفض الخامسة. لان الخامسة تترتب على رفض الحجة الثانية. فاذا رفض الخامسة فان عليه ان يقبل بالحجة الثانية.
التدليل على الفرضية الثانية (لا بد لكل عاقل ان يقبل منطقيا بان جميع الافراد الحقيقيين او المحتملين لهم نفس الحقوق التي يدعيها لنفسه في الحرية والحياة الكريمة) يتخذ نفس سياق التدليل المنطقي السابق ، لكن مع نسبته الى الغير. وتشكل الفرضيتان معا القاعدة العامة لما نسميه بمبدأ كونية القيم وهو ما يعادل في نقاشنا مبدأ التلاؤم الجذري ، الذي يعني على وجه التحديد ان على كل فاعل عاقل ان يتبنى لنفسه حقوقا جذرية ، وان عليه - منطقيا - ان يتبني ان جميع الاخرين من امثاله لهم نفس الحقوق الجذرية.
اذا قبلنا بصحة الفرضيتين السابقتين والاحتجاجات التي تدعمهما، فان الرجوع الى المبررات القيمية لدعم مقولة الحقوق، ولا سيما حقوق الانسان ، لايصبح عبثا كما قال المعترضون على الربط بين الحقوق والقيم. الاحتجاجات السابقة تكشف ان مقولة الحقوق قابلة للاثبات المنطقي ، بل وقابلة لان تقام الزامات محددة بناء عليها .
يكشف النقاش السابق ايضا عن امكانية وضع منهج متين للخروج بحكم او قرار decision procedure مبني على اساس قيمي. يؤكد هذا المنهج على ان جميع الاشخاص يملكون حقوقا قيمية ، تنطلق من الحق الاصلي لكل انسان في الحياة الكريمة وما يتطلبه بلوغها من حرية الفعل. المنافع التي تعتبر تطبيقات لهذه الحقوق ماثلة في جميع نواحي حياتنا اليومية . كمثل على هذا فان الحق في التعليم يعتبر من الحقوق المساعدة additive right على العيش الكريم ، لانه يسهم في تحسين قابلية الفرد على النجاح في افعاله. ويمكن بنفس الطريقة فهم الحقوق الاقتصادية والسياسية بما فيها الحق في الحريات المدنية ومعالجة الفقر ، فهي جميعا قابلة للتبرير انطلاقا من كونها تطبيقات غير مباشرة لمبدا التلاؤم الجذري.
خلاصة القول اذن ان السياق القيمي لتبرير مقولة الحقوق ، لا ينتهي – كما قال المعترضون – الى خلاف على كل قيمة وبالتالي استحالة اتخاذ قرار قطعي. فالواضح من النقاش السابق انه يمكن دائما الرجوع الى القيم الجذرية في اثبات الحقوق والمنافع التي تمثل تطبيقات او مستهدفات للدعاوى القائمة عليها.
4- دعوى الحقوق انانية في الغالب
ومن الاعتراضات القيمية ايضا ، دعوى كونها فردية او انانية بالمقارنة مع الاعراف والاخلاقيات الاجتماعية الضرورية لجعل الحياة في المجتمع مريحة وانسانية. كمثل فان للمالك الحق في اخراج المستاجر العاجز عن دفع ايجار البيت. لكن هذا المستاجر قد يكون عائلة فقيرة او مسحوقة. اذا اخذنا بمقولة الحق فسوف نقول ان المكاسب المالية الاضافية التي يحصل عليها المالك لها اولوية على المعاناة الشديدة التي يتحملها المستاجر الفقير والمجتمع ككل ازاء ذلك. حين يتمسك كل فرد بحقوقه فانه سيفسرها على نحو يضع اعباء على الاخرين. بينما يمكن لنا طرح هذا المفهوم والعمل بمقتضى المحبة والمواساة الانسانية التي تدعونا لتحمل بعضنا البعض والتجاوز عن اخطاء الغير او غفران تقصيرهم ، حتى لو اقتضى الامر تنازلي عن احد حقوقي[32].
ناقش جيورث هذا الاعتراض انطلاقا من مبدأ التلاؤم الجذري نفسه. من المفهوم ان مقولة الحقوق تنطوي على دعوى لتحقيق منافع فردية. لكن على الجانب المقابل فان المبدأ العام لحقوق الانسان يفرض على كل شخص ان ياخذ بعين الاعتبار دائما منافع الافراد الاخرين حين يسعى لمنافعه. طبقا لمبدا التلاؤم الجذري فان كل الفاعلين الحاليين او المحتملين يمكن ان يكونوا ايضا ، في الوقت نفسه او في اوقات لاحقة ، مسؤولين او مطالبين بحقوق الانسان او الحقوق الجذرية. انا كفرد عاقل لي حقوق في الحرية والعيش الكريم ، أطالب بها الافراد الاخرين. ولكل هؤلاء الاخرين حقوق علي تماثل الحقوق التي اطالبهم بها. وحقوقهم تفرض علي واجبات لصالحهم مثلما اطلب منهم الالتزام بواجبات لصالحي. مفهوم الحقوق الجذرية يتضمن اذن قاعدة عامة في التقابل بين الحقوق ، فحواها ان على كل شخص ان يحترم حقوق الاخرين جميعا ، ويتمتع في المقابل باحترام الاخرين لحقوقه. هذا يقود بالضرورة الى التشارك في المنافع التي تنطوي تحت عنوان الحقوق ، والتشارك ايضا في تحمل الاعباء الناتجة عن الواجبات المتلازمة مع الحقوق. اذا صحت هذه القاعدة ، فانها تبرهن ايضا على ان المبدأ العام لحقوق الانسان يقيم اعتبارات متقابلة لا احادية ، اي انه – في هذا المستوى - اساس لانكار الذات وليس الانانية.
هذه النقطة تكشف كيف ان حقوق الانسان يمكن ان تفسر وتبرر فرض العديد من المنافع العامة الضرورية للحياة الكريمة ، مثل العيش في مجتمع متسامح ، والحرية الفردية ، واستقلال الفرد. اخذا بعين الاعتبار الفهم العام لقاعدة التقابل بين الحقوق، فان المطالبة الشخصية من جانب الفرد بالمنافع التي تعد ضرورية لنجاح عمله او حماية حقوقه ، تبدو ، اذا اخذناها مجتمعة ومتكاملة (اي بما يشمل المطالب الحالية والمحتملة لجميع الافراد) تاكيدا على الاهتمام بالمصالح المشتركة التي يجتمع حولها جميع الافراد[33].
مصدر الحق
يظهر اذن ان تمتع الفرد بحق في موضوع ما، يعني ثبوت امتياز او سلطة خاصة ، تسمح له بالمطالبة بالمنافع المندرجة تحت عنوانه ، والاختصاص بها ، والزام الاخرين بالامتناع عن التصرف المزاحم له فيها. فكرة "الحق" بهذا المعنى قديمة قدم البشرية نفسها، بل يمكن الادعاء انها – في شكلها البسيط على الاقل – بديهية يستوعبها جميع الناس ويتعاملون على اساسها في حياتهم اليومية. الا ان التوسع في تطبيقاتها، ولا سيما السياسية، واثباتها لجميع الافراد دون تمييز ، هو بالتاكيد ثمرة لتطور البشرية التي اصبح معظم مجتمعاتها المعاصرة يقر بشريحة واسعة نسبيا من الحقوق للافراد، مثل حق المساواة، وحرية اختيار العقيدة وحرية العبادة وتغيير المعتقد، والمشاركة في الحياة السياسية وانتخاب رجال الدولة، ومعارضة سياسات الدولة، وغيرها من الحقوق التي لم يكن معظمها متاحا للافراد في الازمان القديمة.
نعرف من الروايات التاريخية ان ابسط الحقوق مثل حق الحياة لم يكن مضمونا بالقانون في كثير من الدول القديمة[34]، هذا فضلا عن حق اختيار العقيدة والمشاركة في السياسة الخ. فهذه لم تتحول الى قواعد قانونية ثابتة يقر بها المجتمع ويحميها القانون الا في العصور الاخيرة. ولحسن الحظ فان مسؤولية الدولة عن ضمان حقوق المواطن اصبحت اليوم عرفا راسخا في حياة المجتمعات ومعيارا لعدالة نظامها السياسي وشرعية حكومتها. وتتمايز الدول المتقدمة عن نظيرتها المتخلفة بسعة وتنوع الحقوق التي يتمتع بها المواطنون.
وارتباط التوسع في الحقوق الفردية بالتقدم الحضاري واضح بالتجربة والمشاهدة التي تغني عن كل بيان. ثمة علاقة طردية بين الاثنين تشاهد بوضوح عند المقارنة بين المجتمعات التي اخذت باسباب التقدم وتلك التي لا زالت اسيرة الجهل والخرافة والفقر. فكلما تقدم المجتمع، توسعت منظومة الحقوق، وكلما تاخر ضاقت. وكلما توسعت منظومة الحقوق التي يتمتع بها الافراد توفرت الفرص للتقدم العلمي والاقتصادي والروحي، وكلما انكمشت الحقوق والحريات تضاءلت تبعا لها فرص النمو والارتقاء. وهذا هو مغزى فكرة "السوق الحر للافكار" التي تحدث عنها الفيلسوف الانكليزي جون ستيورات ميل في القرن التاسع عشر، حين قرر ان المجتمعات التي تحجب الحقوق الفردية سوف يتربى افرادها مثل شجرة بعيدة عن ضوء الشمس، نحيلة وذابلة، وسوف يكون مثل هذا المجتمع مفتقرا الى الافكار الجديدة والمبدعة[35].
ذهب بعض الفلاسفة ومعظم القانونيين الى ان القانون هو مصدر الحق، فالحقوق لا تثبت الا اذا عرفت في اطاره[36]. ان مفهوم الحق يقتضي بداهة امكانية المطالبة به وعقاب من يعتدي عليه. وهذا يتطلب وجود قانون يوضح هذه الجوانب. وقال بعض الفقهاء ان الشرع هو مصدر الحقوق، فالذي عرفه الشرع او اقر به كحق فهو حق والا فلا[37]. ومال الفلاسفة الى التمييز بين شريحتين من الحقوق، اولها الحقوق الفطرية او الطبيعية وثانيها الحقوق المدنية او الدستورية. وصف النوع الاول بالفطري او الطبيعي يشير الى ان تلك الحقوق سابقة في وجودها ومرتبتها على الشرع والقانون، فهي ثابتة للانسان كانسان سواء كان واعيا بالقانون، مكلفا به، خاضعا له، ام لم يكن. دور الشرع والقانون هنا هو اقرار هذه الحقوق وحمايتها وتنظيم استعمالها. كون تلك الحقوق سابقة للقانون والشرع يعني انها حاكمة عليهما، وهي معيار لقياس سلامتهما وصحتهما. وفي المقابل فان الشريحة الثانية التي اطلقنا عليها وصف الحقوق المدنية لا توجد الا اذا عرفها القانون واقر بها، لانها غير قابلة للتطبيق والاشتغال الا في مجتمع يحكمه قانون.
تضم الشريحة الاولى ما هو ضروري لبقاء الانسان وكرامته. وحدها الادنى هو الحق في الحياة اللائقة بالانسانية. ومنها ما يرتبط بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين، وحرية التفكير والتعبير. ومنها ايضا حرية اختيار نمط المعيشة واساليب العيش. كما يدخل فيها حق الملكية واستثمار الجهد الشخصي. هذه الحقوق تصنف كضرورات لتحقق معنى الانسانية في الانسان وتمايزه عن البهائم والاشياء. وهي تنطبق على كل انسان حيثما كان وتحت اي ظرف عاش، دون تعويل على جنسه او انتمائه العرقي او الديني او السياسي او القانوني. كل فرد – بما هو انسان - يتمتع بمنظومة حقوق تعتبر جزءا من انسانيته او ضرورة لها.
اما الشريحة الثانية، اي الحقوق المدنية، فهي ترتبط بالوصف القانوني للفرد، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع سياسي. من هذه الزاوية فانها – خلافا للصنف الاول - تابعة للقانون وخاضعة له. ولهذا يمكن تحديدها بالقانون. وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة وانتخاب الغير لها. ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ.
والظاهر ان "اعلان حقوق الانسان والمواطن" الذي اصدره برلمان الثورة الفرنسية (1791) هو اول الوثائق القانونية التي ميزت بين النوعين. واعتبر هذا الاعلان الشريحة الاولى من الحقوق لازما ضروريا للانسان لا يجوز له التخلي عنه، وليس لاحد حرمانه منه، لان "الناس يولدون احرارا متساوين". كما اعتبره ارضية واساسا للحقوق الدستورية للمواطنين[38].
الفطرة كمصدر للحق
حينما تضغط على زر التشغيل في الكمبيوتر فانه يطلق مجموعة معقدة من البرامج الصغيرة والكبيرة التي لا ترى تفاصيلها، لكنك تعلم انها تعمل جميعا في تناغم كامل كي تجعل الجهاز ككل فعالا ومفيدا. من دون هذه البرامج فان اجزاء الكمبيوتر لا تعرف بعضها ولا تعمل. اسوق هذا المثال لتوضيح مفهوم "الفطرة" او "الطبيعة". اعضاء الانسان تعمل مع بعضها في تناغم لانها تتلقى اوامرها جميعا من برنامج واحد يعمل كنظام متكامل هو ما نطلق عليه "العقل". يبدأ عقل الانسان في العمل منذ لحظات ولادته الاولى، فهو مجهز مسبقا بنظام اولي يدير الافعال الضرورية اللازمة لحياة الانسان. وابرز ما يحويه هذا النظام هو تعريف اجزاء الانسان، تعريف المحيط المباشر، وما فيه من مصادر منفعة او مصادر خطر وانواع المنافع والمخاطر التي يتعامل معها الفرد في تلك المرحلة من عمره. ومع تقدمه في العمر تتطور هذه المعرفة ويتطور معها نظام التعامل مع الذات والمحيط. نسمي هذا النظام فطريا او طبيعيا لانه جزء من خلق الانسان، يملكه منذ ولادته، ولم يبذل جهدا كي يحصل عليه. وهو متوفر لجميع الناس الاعتياديين من دون فرق، الا ان يولد ناقصا، وهو ما يعتبر استثناء من القاعدة المضطردة. الفطرة اذن هي جزء من العقل او لعلها هي العقل في صورته الاولى.
نشير ايضا الى ان هذا الاعداد الفطري او الطبيعي لا يقتصر على الانسان، فكل كائن حي، بما فيه النبات والبهائم، مجهز في ذاته بمنظومة من الغرائز التي تدفعه للحركة والتصرف والعمل من اجل البقاء والحياة على النحو اللائق به. وبالنسبة للانسان فانه مجهز – اضافة الى الغرائز – بالقدرة على التعقل التي تمكنه من اكتشاف حقائق جديدة ووسائل جديدة لتطوير حياته وافعاله. عقلانية الانسان هي التي تميزه عن سائر المخلوقات. قدرة الانسان على التعقل، اي على استنباط المثالي او المثال من الواقع او الواقعي، هي حقيقة طبيعية وفطرية تتوفر للانسان منذ ولادته. هذه الصفة جعلت الناس متشابهين مع بعضهم ومختلفين عن الحيوانات الاخرى. عقلانية الانسان هي اصل قانون الفطرة الذي تنطوي في اطاره الحقوق الطبيعية. وحسب تعبير سيسرو المشرع الروماني القديم فان العقل السليم هو قانون حقيقي منسجم مع نظام الكون والطبيعة، وان احكامه تنطبق - تبعا لذلك - على جميع الناس، وهو خالد وغير قابل للتغيير[39].
فطرة الانسان هي المصدر الاول لمبدأ "الحق". ويمكن تلخيص مقولة الحق الفطري في العبارة التالية "حياة الانسان وانسانيته تتوقف على توفر منظومة من المنافع المادية والمعنوية، تثبت له كانسان وبغض النظر عن اي وصف اخر، ثبوت هذه المنافع لا يتطلب موافقة مسبقة من احد ولا يسمح بتقييدها من قبل احد. انها تجسيد للطف الله بمخلوقاته، وتعبير عن كمال خلقه لهم".
منذ لحظة ولادته يبدأ عقل الانسان في التطور مستفيدا من تفاعله مع البشر والاشياء التي يجدها في محيطه. يطور فهمه للاشياء ويعيد صياغة العلاقة التي تربطه بها وردود فعله على افعالها، وفي هذا السياق فان ابرز ما يتطور هو فهم الانسان لحقوقه، اي ما يعتبره ثابتا له ومساحة حرة لفعله تتطلب ابتعاد الاخرين او امتناعهم عن التدخل. هذا التطور هو - بعبارة اخرى - اكتشاف متوسع للمساحة الخاصة بالفرد او توسيع مستمر لتلك المساحة. في العادة فان توسيع الفرد لمساحته الخاصة ينعكس على موقف الاخرين منه. في اول الامر، اي في مرحلة الرضاعة فان تلك المساحة تكون ضيقة جدا، وتتوسع بالتدريج مع تقدم الفرد في السن وتطور قدرته على الفعل المستقل والاعتماد على نفسه، ويتواصل هذا التطور حتى يصبح الفرد عضوا كاملا في مجتمع الكبار.
لا يستطيع الانسان العيش بسلام وكرامة من دون توفر حد ادنى من تلك المساحة التي يستطيع التصرف فيها بحرية كاملة ومن دون تدخل الاخرين. لكن الانسان بطبعه لا يتوقف عند ذلك الحد الادنى، فهو يسعى – مع تطور عقله وقدراته المادية والذهنية والروحية – الى توسيعها. فكلما تعاظمت قدراته حصل على مساحة اضافية. زيادة علمه او ماله او ارتفاع مكانته تنعكس فورا على شكل مساحات اضافية للفعل والتصرف بناء على ارادته الخاصة المصونة من تدخل الاخرين. حين يفكر الانسان في مساحته او يسعى لتوسيعها كي تماثل مساحات الاخرين، فانه لا ينظر الى هذا الفعل باعتباره تعديا على الغير، بل يراه تجسيدا لحق مكتسب او استعادة له. ينظر الانسان الى تلك المساحة الحرة باعتبارها حقا، اي امتيازا ثابتا له، يتمدد بقدر يتناسب مع قدراته من جهة ومع حدود مساحات الاخرين من جهة اخرى. كل انسان يمر بهذا التحول. كل الناس يسعون لتوسيع مساحاتهم الحرة (اي حقوقهم المكتسبة) المصونة من التدخل. هذا هو منطق الامور ومسارها الطبيعي. ربما يحصل هذا التطور بينما يكون الانسان واعيا تماما بما يجري، وقد يحصل بشكل عفوي اي من دون وعي تام بحصوله. لكن سواء كان الانسان واعيا بالتغير في وضعه او لم يكن، فانه يتمتع بنتائجه ويتصرف بناء عليه. ويعتبر كل ذلك وضعا طبيعيا ومطلوبا.

الحق تقرير قيمي
لان تطور الانسان يتخذ دائما هذا المسار، فان فكرة الحق على النحو الذي شرحناه لم تكن وليدة بحث علمي، كما لم يختلقها الانسان من عدم. بل كانت على الدوام جزء من فطرة الانسان العاقل، اكتشف ضرورتها ثم اقرها ووضعها في صيغ قانونية او عرفية. وبهذا المعنى فان "مفهوم الحق" هو تقرير قيمي مثلما العدالة والنظام تقريرات قيمية، او مسلمات توافق العقلاء في مختلف الازمان والاماكن على ضرورتها بعدما تبينت لهم فوائدها العظيمة لحياة الانسان، فاصبحت من ثم نماذج للمستقلات العقلية التي تحمل دليلها في داخلها، او ترسل من دون الحاجة الى دليل عليها. صحيح ان هذا المفهوم لم يسلم من المعارضة والجدل في مختلف الازمان، خاصة مع الاعتقاد بان بعض الحقوق تتضارب عند التطبيق مع حقوق اخرى، الا ان الصحيح ايضا ان البشرية قد توصلت خلال تاريخها الطويل الى اتفاق على منظومة قاعدية من مباديء ومعايير العلاقة المتبادلة بين البشر تعتبر حدا ادنى من متطلبات الحياة التي تليق بالانسان، وقد جرى اثباتها كقيم عليا للحياة البشرية. منظومة المباديء تلك هي الارضية التي استخرج منها المبدا العام الذي نسميه الان "حقوق الانسان" ، والذي اخذت به معظم امم الارض بعد جدالات وصراعات وحروب سالت فيها انهار من الدماء. حين نتحدث عن العلاقة بين الحرية والعدالة في الرؤية الليبرالية مثلا، فان ابسط تجسيدات العدالة في هذه الرؤية تتمثل في الاقرار لكل فرد بشريحة من الحريات الفطرية باعتبارها "حقوقا"[40]، اي ان ممارستها لا تستدعي رخصة من احد ولا اتباعا لقانون. لا يكون النظام عادلا ما لم يعترف بحقوق الانسان الفطرية ويوفر السبل الكفيلة بضمانها وحمايتها.
يلخص مفهوم "الحق" اذن محصلة لموازنات عديدة ومقارنات بين ما يليق بالانسانية ومالا يليق، ما هو ضروري وماهو اضافي، فهو بهذا المعنى جماع متبنياتنا الاخلاقية التي نظمت على شكل استنتاج عن معالجات جدلية اخذت بعين الاعتبار مختلف العوامل السلبية والايجابية ذات العلاقة اضافة الى تجسيداتها في الحياة الواقعية، فتحولت بالتالي من فكرة الى معيار اخلاقي او قيمة يرجع اليها في الحكم على الافعال والاشياء[41].
اول تجسيدات "الحق" هو حرية الانسان في الفعل والتصرف. ربما لهذا السبب شبه هيجل العلاقة بين الحق والحرية بالعلاقة بين روح وجسد لا يعيش احدهما من دون الاخر. العلاقة بين الاثنين ليست مجرد تناغم بين شيئين منفصلين، بل هي ارتباط كامل ووجودي[42]. الحرية هي ابرز تجسيد للحقوق الفطرية التي اكتشفها الانسان منذ ان وعى ذاته وانسانيته التي تميزه عن سائر المخلوقات في الكون المحيط به. فحوى ذلك التقرير القيمي هو ان تظهير معنى الانسانية في حياة البشر يستلزم ان يكون الانسان قادرا في اي مجتمع عاش، تحت اي نوع من الحكومات، على ان يفكر ويعبر عن افكاره بحرية، ان يعيش حياته دون تدخل اعتباطي في شخصه واملاكه، وان يعامل مع نظرائه باعتبارهم متساوين في القيمة، حتى لو تمايزوا في قابلياتهم وكفاءاتهم، وان يضمن لهم حق الاستعمال المنفرد لبعض الاشياء المادية خلاف اجسادهم، وان لا تفرض عليهم سلطة دون تبرير من نوع ما يمكن نسبته الى رضاهم او قبولهم. هذه الامثلة عن حقوق الانسان الطبيعية هي محاولة لتوضيح ما يعتبر في الفلسفة السياسية ظرفا للحياة الانسانية الكريمة، التي تميز المجتمع الانساني عن ممالك النحل او النمل وتجمعات الحيوان الاخرى ومختلف اشكال الحياة الوحشية[43]. لو سألت اي انسان في اي مكان في العالم : هل تفضل العيش مع هذا الحد الادنى من الحقوق ام ترغب في نزعها، فسوف يكون جوابه بالطبع انه يريدها من دون تردد.
الحق والقانون
اعتبر بعض الباحثين مقولة الحقوق الفطرية فارغة، لان الحق لا يكون قابلا للاستعمال الا اذا اعترف به قانون المجتمع او تقاليده واعرافه. بعبارة اخرى فان هذا الفريق من الباحثين لا يقر بان الحقوق التي نتحدث عنها طبيعية، اي سابقة للنظام الاجتماعي، بل يراها جزء من قانون المجتمع، مرتبطة به وقائمة عليه، ولولا اقرار النظام الاجتماعي بها لما كان لها وجود.
خذ مثلا حق الحياة وهو اول الحقوق التي توصف بانها فطرية او طبيعية. نعلم ان بعض الافراد يعدمون اذا ارتكبوا جريمة، وربما يقتلون اذا ارسلهم الجيش للحرب. وهناك من يفضلون الموت من اجل كرامة اوطانهم واستقلالها حتى لو لم يطلب منهم ولم يجبروا على ذلك. يجب على الفرد مثلا ان يضحي ببعض حقوقه من اجل الجماعة، وربما يضحي بنفسه من اجل ابنائه واحفاده. لان الفرد يتلاشى في نهاية المطاف بينما تبقى الجماعة. هذا يكشف عن ان المجتمع له ذاتية مستقلة وحق اعلى فوق ذات الفرد وحقه، الامر الذي يقود الى الاستنتاج بان مفهوم الحق مشتق من ثقافة المجتمع ونظامه وانشغالاته. الحياة حق للفرد لان المجتمع منحه هذا الحق، وحدد قيمته وتطبيقاته. ليس للفرد – حسب هذه الرؤية - حق فطري، اي مستقل عن النظام الاجتماعي، بل حقوق مكتسبة من قانون المجتمع.
لكن الفرد العادي ربما يسأل – ردا على ذلك - لماذا يجب عليه ان يحفظ المجتمع لاحفاده طالما لم ير فرصة حقيقية للعيش الكريم الذي يستحق العناء. ما يمكن القبول به في هذا الصدد هو ان اعضاء المجتمع ربما يتفقون في وقت ما على التضحية ببعض المنافع والحقوق في سبيل حقوق او منافع اعظم. بل ان الفرد ربما يضحي بذاته من اجل هدف اعلى واسمى يراه غاية تستحق العناء. لكن لا يصح اعتبار موافقة الفرد على هذا الاستثناء دليلا على تخليه عن حقه في الحرية والحياة الكريمة في الظروف الاعتيادية. من المؤكد ان اي فرد سيرفض القبول بنزع حريته او التنازل عن حقوقه اذا عرف مسبقا ان هذا سيؤدي الى مذبحة او استعباد له ولانداده او ربما ابنائه واحفاده بناء على فكرة او ارادة اعتباطية قررها فيلسوف او حاكم او جماعة. نحن نشاهد في الواقع اليومي ان التجميد او النزع المؤقت لبعض حقوق المتهم او المجرم لا يعني انكارها، وهي لا تؤخذ كدليل او مبرر لنزع حقوق الاخرين وحرياتهم[44]. الحقوق الفطرية قد لا يقر بها قانون المجتمع وقد لا تطبق في كثير من الاحيان، لكن هذا لا يقلل من قيمتها المعيارية. في الماضي اعتاد كثير من المجتمعات على اعتبار الرق امرا اعتياديا بل ومفيدا، ووضعت له قوانين تنظمه، وفعل مثل ذلك علماء الدين. لكن هذا لم يسقط حقيقة ان الانسان بطبعه حر وان العبودية امر طاريء يمكن الغاؤه بقانون، بينما لا يمكن تبرير اي قانون يسمح باعادة الاحرار الى العبودية. دعنا نتذكر ايضا السياسة التي اتبعتها حكومات قديمة في قتل المواليد المعوقين كي لا يكونوا عبئا على المجتمع، ونتذكر حكومات اخرى كانت تقتل المجرمين وابناءهم بناء على اعتقاد بان السلوك المنحرف هو صفة وراثية، وكانت ثالثة تسعى لاستئصال اعراق او قبائل باكملها لانها جنس واطيء او عدو. دعنا نتذكر ايضا تجربة محاكم التفتيش التي اجبرت الناس على اعتناق دين محدد وعاقبتهم اذا اعتنقوا غيره، وتلك التي كانت تحرق العلماء الذين اعلنوا نظريات تخالف العلم المقدس. هذه كلها امثلة عن اعمال يتفق العقلاء جميعا على ادانتها وتقبيحها، بل وتبرأ منها او اعتذر عنها لاحقا الذين ارتكبوها، فضلا عن الذين رفضوها وعارضوها في وقتها. فما الذي يجعل الناس يرفضون هذه الاعمال رغم انها جرت وفق قوانين سارية، وربما وافق عليها في وقتها كثير من اعضاء المجتمع؟. الواضح ان فطرة الانسان وطبيعته، عقل الانسان او القانون الذي اودعه الله فيه، هو الذي كشف له قبح تلك الاعمال، وهو الذي يجعله اميل الى تجنبها وعدم تبريرها. قد يضع المجتمع او الدولة قوانين تخالف الفطرة ويجريها رغما عن معارضة الناس او بعضهم. لكن ذلك لا يغير من كونها "باطلا" يعاكس "الحق" الفطري والطبيعي الذي يستطيع الانسان بعقله المجرد كشفه وكشف نقيضه. ولهذا نقول بان الحقوق الاولية للانسان ليست مستندة الى نظام المجتمع وقانونه، بل الى الفطرة الانسانية التي يولد الانسان وهي جزء منه[45].
حقوق الانسان بين الفلاسفة والقانونيين
رغم ان جميع سكان العالم اليوم يتفقون على ان "حقوق الانسان" كمبدا عام ، قيمة صحيحة ونبيلة ، بل وبديهية، الا ان الشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول المثل. ومن بين هذه التفاصيل هو الاساس الذي تقوم عليه هذه الحقوق: هل هو الفطرة ام القانون. وقد اشرنا في فصل سابق الى ان فلاسفة العقد الاجتماعي انطلقوا من الاقرار بالمصدر الفطري للحقوق ، لكنهم اختلفوا في المرحلة التالية ، اي التالية لقيام المجتمع المدني التعاقدي. فقد رأى جون لوك ان الحقوق الفطرية تبقى ثابتة كمعيار ومثال اعلى لكل القوانين الوضعية التي تشرع في اطار المجتمع الجديد. اما روسو فرأى ان تلك الحقوق قد استبدلت بالحقوق القانونية ، اي تلك التي تثبت للفرد باقرار وتوافق المجتمع عليها. هذا النقاش لم يتوقف الى اليوم.
واذا اردنا الرجوع الى مرحلة اقدم من التاريخ[46]، فان مفهوم الحق الطبيعي عرف اولا على يد ويليام اوف اوكام وهو فيلسوف وراهب فرانسيسكاني من القرن الرابع عشر (1288-1348) ، جمع فكرة الفلاسفة الرواقيين حول قانون طبيعي لعقل اعلى (غيبي) كامن في قلب الطبيعة، مع فكرة الحق القانوني في التراث الفقهي الروماني. ثم استخدمت فكرة الحقوق الطبيعية من جانب هوغو جروتيوس وهو قاض هولندي من القرن السابع عشر (1583-1645) ساهم بنصيب واسع في تطوير القانون الدولي الحديث. وترسخت مكانة الحقوق الطبيعية بعدما اخذ بها اعلان الاستقلال الامريكي لعام 1776 ، ثم الثورة الفرنسية في اعلان حقوق الانسان والمواطن لعام 1789. هذه التطورات خدمت نظرية الحقوق الفطرية ، حيث رسخت مكانتها كمصدر للتشريعات القانونية المتعلقة بحقوق الانسان. لكنها بنفس القدر وضعت الجانب الفلسفي والقيمي للنظرية على الهامش ، اذ ان دخولها في اطار النظام القانوني الزمها باطار محدود ، خلافا للوضع المفتوح الذي تتمتع به في اطار الفلسفة الاخلاقية.
انعكس هذا الوضع بوضوح على اهتمام الفلاسفة بنظريات الحقوق الطبيعية التي اصبحت هامشية خلال القرن التاسع عشر. ويرى بعض الباحثين ان تاثير فلاسفة مثل جريمي بنثام (1748-1832) كان له دور بارز في هذا. تبنى بنثام ، وهو فيلسوف وقاض انجليزي ، النظرية المنفعية الكلاسيكية ، وراى ان القيمة المعيارية التي تقاس عليها سلامة الفعل الفردي وعمل المؤسسات الاجتماعية على السواء هي مقدار ما تقود اليه من سعادة الانسان او العكس. واتخذ من العنف والمآسي التي رافقت الثورة الفرنسية دليلا على ان مقولة الحقوق الطبيعية التي استند اليها اعلان حقوق الانسان والمواطن ليس لها ارضية قيمية ، بل هي تقرير دوغمائي يقود الى الفوضى. الحقوق الوحيدة القابلة للاقرار – حسب رايه – هي تلك التي يثبتها القانون وتلتزم بها المؤسسات المعنية بتطبيق القانون.
اضافة الى شيوع النظرية النفعية ، تاثرت نظرية الحقوق الفطرية سلبيا بتنامي الاتجاه المعادي للدين في القرن التاسع عشر. رجوع الحقوق الطبيعية الى الفطرة والخلق ونسبتها الى الله ، اصبح امرا غير مقبول بسبب تشكك الفلاسفة في وجود الله او كونه مصدر القانون الطبيعي.
موقف القانونيين السلبي من الحقوق الفطرية يبدوا منسجما مع الاتجاه المدرسي في حقل القانون ، اي الوضعية القانونية. فالفرضية الاولى في هذا الحقل تقول ان المرجع الوحيد للحقوق والواجبات هي ارادة المشرع المحددة في صيغة قانون يصدر وفق الاجراءات المعتمدة. ويدعو هذا الاتجاه الى فصل حازم بين القانون والقيم ، وما يرتب عليهما من حقوق او التزامات. القانون في رايهم هو المرجع الصحيح لانه محدد وقابل للتطبيق على نطاق واضح من الحالات ، اما القيم فان عدم تحديدها يجعل من العسير تطبيقها او الرجوع اليها في وضع احكام قضائية في قضايا محددة.
بعد الحرب العالمية الثانية انبعث الاهتمام من جديد بالحقوق الفطرية للانسان. وكان هذا انعكاسا للمآسي التي رافقت الحربين الاولى والثاني وهلاك الملايين من البشر والدمار الواسع الذي لحق بالعمران ، فضلا عن التجربة المريرة التي شهدها العالم مع انظمة الحكم الشمولية ولا سيما المانيا النازية ، وخرقها لابسط حقوق الانسان باسم القانون او المصلحة الوطنية. ولعل ابرز التطورات التي شهدتها هذه الحقبة هو تبني الامم المتحدة للميثاق العالمي لحقوق الانسان في 1945 الذي حول الحقوق الاساسية للانسان من موضوع للنقاش الفلسفي او القانون الوطني الى عهد دولي يتبناه المجتمع الانساني ككل.
خلاصة القول ، ان المسالة الرئيسية التي تواجهها مقولة الحقوق الفطرية هي قابليتها للانتقال من اطارها الاصلي القيمي او الاخلاقي ، اي باعتبارها دعوة مطلقة للفعل النموذجي (ما يجب ان نفعله) الى صورة قانون محدد يمكن – بناء على نصوصه - اقامة الدعوى والمطالبة بما ينطوي تحته من منافع ، والزام الاطراف الاخرى ولا سيما الحكومات بواجبات او اعباء تنطلق منه. من المفهوم طبعا ان القاضي لا يمكن له ان يلعب دور الفيلسوف الاخلاقي ، فمهمته الرئيسية هي تطبيق القانون. ولهذا فمن المنطقي القول بان الحقوق الفطرية ، رغم اهميتها كتصور قيمي عما يستحقه الانسان كانسان ، الا ان فاعليتها ستبقى محدودة ما لم تتحول الى قانون وطني . هذا يثير بالتاكيد اشكالا جديا عند المقارنة بين الاثنين، فالحقوق الفطرية هي كما سلف تقرير قيمي عما يستحقه الانسان ، وهذا يعني انها قابلة للتوسع باستمرار بحسب تطور مستوى المجتمع ثقافيا واقتصاديا وسياسيا ، بعبارة اخرى فان كل تطور في الواقع الاجتماعي يدفع بالتوازي نحو توسع في مفهوم الحقوق الفطرية وما ينطوي تحتها من منافع ، بخلاف القانون الذي يرتبط التوسع والانكماش فيه باجراءات معقدة نسبيا تتاثر بالمصالح السياسية واعتبارات توازن القوى في المجتمع فضلا عن الظرف الدولي المحيط.
ومن هنا نجد ان المسار الصحيح للعلاقة بين مقولتي الحقوق الفطرية والقانونية يتمثل في اعتبار الاولى قاعدة ومصدرا للمعايير والقيم التي تقوم عليها الثانية. بحيث يمكن المطالبة بالحقوق الثابتة في القانون ، كما يمكن المطالبة بتوسيع دائرة هذه الحقوق لتشمل بالتدريج جميع ما ثبت من حقوق فطرية وما يتفرع عنها بمرور الزمن وتطور مستوى الانسانية.
حقوق الانسان : قلق منها وخوف عليها
اشرنا في صفحات سابقة الى القلق الذي يشعر به كثير من الناس ازاء تحول "الحق" الى اساس للعلاقة بين الناس ، وتفكك الاعراف والتقاليد التي يقوم عليها النظام الاجتماعي بسبب شيوع الفردانية التي هي اولى الثمرات الثقافية للاقرار بحقوق الانسان. هناك ايضا قلق مضاد يشعر به الباحثون والسياسيون ازاء الميل العام عند الدولة والمجتمع الى اختصار الحقوق الشخصية والمدنية تحت مبرر تنظيم ممارستها. حين تنظر الى ما يقال في العلن فلن تجد احدا على الاطلاق يصرح بانه ضد حقوق الانسان او انه يريد استعباد الاخرين او قهرهم. لكن – بغض النظر عن الكلام – فان القهر والاستعباد قد يكون نتيجة موضوعية لنوع معين من السياسات او التقاليد التي تتسم بالمبالغة في التنظيم ووضع الضوابط تحت مبررات ايديولوجية او سياسية او غيرها. في الفترة بين 1968 الى 2003 حدد الحزب الحاكم في العراق لنفسه ثلاثة اهداف احدها الحرية، لكن حكومة هذا الحزب قتلت ما يزيد عن 200 ألف مواطن فضلا عن سجن او تهجير اكثر من مليونين بدعوى معارضتهم لنظام الحكم او كونهم يشكلون خطرا عليه. ولهذا فحين يتعلق الامر بالمجتمعات المسلمة سيكون لذلك القلق مبررات اضافية، بالنظر الى ضآلة التراث الذي يؤكد على استقلال الفرد وحقوقه تجاه المجتمع والدولة ، وعمق الميل الى التنظيم والضبط وتبرير هيمنة المجتمع وتغول الدولة. ونجد تعبيرا عن هذا الميل عند واحد من قدامى المفكرين المسلمين هو ابو نصر الفارابي (ت- 339 هـ/950م) الذي يندد بالمدن الحرة لانه يجدها اميل الى الفوضى:
فأما المدينة الجماعية فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى لنفسه يعمل ما يشاء. وأهلها متساوون، وتكون سنتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصلا. ويكون أهلها أحرارا يعملون ما شاؤوا، ولا يكون لأحد على أحد منهم ولا من غيرهم سلطان إلا أن يعمل ما تزول به حريتهم. [...] حينئذ يكون الجمهور مسلطين على الرؤساء وتكون جميع الهمم والأغراض الجاهلية من هذه المدينة على أتم ما يكون وأكثر[47].
من المرجح ان الفارابي لم يشهد بنفسه مدينة من هذا النوع، لكنه نقل الفكرة من قراءاته للفلسفة اليونانية لان الفكرة تبدو محاكية لثقافته او لانها اقرب الى المزاج السياسي السائد في زمنه. لكن جون ستيوارت ميل يعتقد ان الميل للضبط لا يعبر عن ظرف ثقافي قدر ما يعبر عن غريزة بشرية عامة. تدخل الجماعة في حياة الفرد والتسلط عليه يصدر عن نزعة غريزية. وهو ليس من نوع الظواهر التي تتراجع او تنحسر بشكل عفوي، بل على العكس فهي تنمو باستمرار ما لم يكن ثمة عوائق تمنع تفاقمها. يميل الانسان بطبعه الى تقديس افكاره واعتبارها ارقى واصح من تلك التي يحملها الاخرون. واذا اتيحت له الفرصة فسوف يسعى لفرضها على الاضعف منه متوسلا بالجبر المباشر او بقوة الاقناع. يرجع هذا الميل الطبيعي الى واحدة من اقوى الغرائز الانسانية، اي الرغبة في السلطة، وهي غريزة لا يمكن كبح تمظهراتها من دون كوابح معنوية قوية[48]. توجد هذه الغريزة في نفوس الناس العاديين وفي وجوه المجتمع وذوي النفوذ، كما في رجال السلطة. الفارق بين هؤلاء واولئك ان الانسان العادي يفتقر الى الادوات الضرورية لجبر الاخرين على الالتزام بارائه، بينما يملكها النافذون واصحاب السلطة.
ينبغي القول ايضا ان الميل للتدخل في حياة الافراد يظهر بشدة اكبر في المجتمعات التقليدية التي تتمسك بالاعراف والتقاليد الموروثة وتعتبرها قرينة للفضيلة، او تعتبر جبر الناس على الالتزام بهذه الاعراف والتقاليد امرا محمودا. وربما تدعم هذا الميل بمبررات دينية او غير دينية[49]. يمكن معالجة هذا الموضوع من خلال مقاربات ثقافية، لا سيما بالتاكيد على التعددية الثقافية وتنوع الافكار والاذواق. ومن خلال التعريف بالفوارق الضرورية بين الاجيال، وخطأ الزام الجميع بما تبنته الاجيال السابق، حتى لو كان عندها صحيحا وضروريا. لا يوجد مبرر على الاطلاق لاضفاء صفة القداسة والديمومة والالزام على اجتهادات السابقين، وحرمان المعاصرين والاجيال الاتية من نفس الحق في صياغة حياتهم وثقافتهم وفق ما تمليه عليه عقولهم، وبالتالي تطوير الاعراف والتقاليد التي يرونها مناسبة لتنظيم مجتمعهم وعلاقاتهم الداخلية وما هو مشترك بينهم. حرية التفكير والتعبير والاعتقاد واختيار طريقة العيش والوظيفة وتكوين العائلة والتملك وامثالها تعتبر حقوقا طبيعية لازمة للحياة الكريمة للفرد. واذا اختار الفرد ان يتبع الاعراف والتقاليد القائمة فهو حر في ذلك، لكن لا يجوز – تحت اي مبرر – قهره على اتباع طريق معين او منعه من طريق آخر طالما لم يؤد الى ضرر معقول على الاخرين.
سواء توفر العلاج الثقافي ام لا، فان صيانة حقوق الانسان وتوفير الفرص التي تسمح له بتفعيل هذه الحقوق وممارستها هي مسؤولية الدولة ومعيار عدالتها. ويقتضي الامر تعريف هذه الحقوق بشكل واضح في القانون الاعلى للبلاد (النظام الاساسي او الدستور) وتعريف المؤسسات المكلفة بصيانتها، والنص صراحة على ابطال اي قانون او لائحة او برنامج او اجراء سياسي او غير سياسي يتنافى مع الحقوق الاساسية للمواطنين او يختصرها. من دون القانون لا يمكن ضمان حرية مستقرة لاحد، كما لا يمكن ضمان ان لا تتحول الحرية الى مبرر للفوضى او حتى العدوان.
خلاصة
بين المعاني المختلفة للحق، تركز النقاش في هذا البحث على معنى محدد هو اختصاص الفرد بشيء يقر به الشرع او القانون. وهذا يقارب المعنى الذي اختاره بعض الفقهاء، والذي عبر عنه بالسلطنة والامتياز. القانون هو مصدر الحقوق عند القانونيين، والشريعة مصدر الحق عند الفقهاء. وميز الفلاسفة بين الحقوق القانونية او المدنية التي ترجع الى القانون وبين الحقوق الفطرية السابقة للقانون والحاكمة عليه. وسواء كانت حقوق الانسان الفطرية مطبقة في اطار القانون الوطني ام لا، فان هذا لا يلغيها ولا يقلل من قيمتها. ولهذه الفكرة اهمية اضافية حين نناقش حقوق الانسان ضمن الواقع المعاش في مجتمعات المسلمين. نظرا الى قوة الميل الى التنظيم والضبط في الثقافة العامة، والميل الطبيعي في المجتمعات التقليدية للتدخل في حياة الافراد.
النهوض بحقوق الانسان يحتاج الى معالجات ثقافية، لكن صيانة هذه الحقوق يتوقف على تثبيتها في النظام الدستوري والقانون الوطني والتزام الدولة بضمانها.


[1] لتفصيل، انظر محمد على التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون، مكتبة لبنان، (بييروت 1996) 1/682
ايضا : جمال الدين ابن منظور: لسان العرب، أدب الحوزة (قم - ايران 1985). ج10 ص 49. ن.إ: www.yasoob.com/books/htm1/m026/30/no3026.html
[2] المؤمنون 71
[3] البقرة 247
[4] يس 7
[5] المعارج 24-25
[6] البقرة 241
[7] عبد السلام العبادي : "نظرية الحق بين الشريعة والقانون"، رسالة التقريب ع 2، ن. إ : http://www.taghrib.org/arabic/nashat/elmia/markaz/nashatat/elmia/matboat/resalataltaghrib/02/05.htm
[8] Raymond Whiting, A Natural Right to Die, Greenwood Press, (Westport, CT,2002),p. 50.
[9] Ted Honderich (ed.), The Oxford Companion to Philosophy, Oxford University Press, 1995, p. 776.
[10] مرتضى الانصاري : المكاسب ، مجمع الفكر الاسلامي ، (قم 1420) ج3 ص 9
[11] Carl Wellman, The Proliferation of Rights: Moral Progress or Empty Rhetoric?, Westview Press, (Boulder, CO. 1999), p. 8
[12] انظر بهذا الصدد سيد محمود نبويان: "كالبد شكافي‌ معناي‌ حق‌ در انديشه‌ سياسي‌ فقهاء شيعه"، حكومت اسلامي 46 سال12، زمستان 1368 . ن.إ. http://mag.majlesekhobregan.ir . وللمقارنة بين تعريفات فقهية معاصرة، انظر كمال المصري: "الحق بين اللغة والشرع والقانون"، (اسلام اون لاين 29-7-2001) www.islamonline.net/arabic/mafaheem/2001/07/article1.shtml
[13] ابو القاسم الخوئي: التنقيح في شرح المكاسب ، تقرير ميرزا علي الغروي، ج1 ص 30. ن.إ: www.ali12.com/mybooks/table_fiqh_s.htm
[14] محمد تقي الاملي: المكاسب والبيع، تقرير ابحاث الميرزا محمد حسين النائيني، مؤسسة النشر الاسلامي، (قم 1992) ج1 ص 92 ن. إ.: http://www.yasoob.com/books/htm1/m001/03/no0390.html
[15] محمد تقي الاملي : المصدر السابق ص 93.
للاطلاع على اراء معارضة لهذا التعريف، انظر كاظم الحائري : فقه العقود، ط 2، مجمع الفكر الاسلامي، (قم 1423)، ص 111
[16] جوادي آملي: حق و تکليف، ص 24
[17] محمد بن ابي جمهور: عوالي اللئالي العزيزية في الاحاديث الدينية، تحقيق مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء، (قم 1983)، 1/222.
[18] محمد كاظم المصطفوي: القواعد، مائة قاعدة فقهية معنى ومدركا وموردا، (قم 1412)، ص 136
[19] محمد مؤمن قمي : "بيوند اعضاء"، مجله فقه اهل بيت، شماره 34 تابستان 1382 (صيف 2003) ن. أ. www.islamicfeqh.com/magazines/Feqh34f/HP34f.h
[20] جعفر كاشف الغطاء: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ، انتشارات مهدوي (اصفهان د.ت) ص 394
[21] حسين على منتظري: مباني فقهي حكومت اسلامي ، تحرير محمود صلواتي، انتشارات سرايي، (تهران 1379) ، 1/111
[22] عبدالله جوادي آملي: حق و تکليف در اسلام، (قم، اسراء، 1384 هـ.ش.)، ص 49
[23] الحائري : المصدر السابق ، ص 126
[24] Alan Gewirth, “Why Rights are indispensable?”, Mind, issue 379, (1986), pp.329-344,
[25] Gewirth, ibid., p. 330
[26] Gewirth, ibid., p. 333
[27] Gewirth, ibid., p. 331
[28] Gewirth, ibid., p. 334
[29] Gewirth, ibid., p. 331
[30] الشريف الرضي : نهج البلاغة ، خطبة 216
[31] Gewirth, ibid., p. 339
[32] Gewirth, ibid., p. 332
[33] Gewirth, ibid., p. 340
[34] لجردة سريعة عن المجازر التي ارتكبت بحق الشعوب في الماضي ، انظر مادة "عنف" في موسوعة ويكيبديا. http://ar.wikipedia.org
[35] John Stuart Mill, On Liberty, p. 109
[36] Wellman, op. cit., p. 77
[37] الخوئي : المصدر السابق.
[38] M. Macdonald, “Natural Rights”, in Peter Laslett, (ed.), Philosophy, Politics and Society, Basil Blackwell, 1970, p. 40
[39] Peter Laslett, ibid., p. 40
[40] Randy E. Barnett: The Structure of Liberty: Justice and the Rule of Law, Clarendon Press, 1998, p. 63
[41] Dudley Knowles, Routledge Philosophy Guidebook to Hegel and the Philosophy of Right, ( Routledge, 2002), p. 61
[42] Friedrich Hegel, Elements of the Philosophy of Right, edit. Allen W. Wood, trans. H. B. Nisbet, (Cambridge University Press, 2003) 8th ed., p. 26
[43] M. Macdonald, op. cit, p. 47
[44] Macdonald, ibid., p. 48
[45] مرتضى مطهرى: نظام حقوق زن در اسلام، ط4 انتشارات صدرا، )تهران 1369(، ص 156
[46] استفدنا في العرض التاريخي من Carl Wellman: The Proliferation of Rights ، الفصل الاول.
[47] ابو نصر الفارابي: السياسة المدنية، ص. 99
[48] John Stuart Mill, op. cit., p. 28
[49] يزخر تاريخنا بما لا يحصى من الامثلة على هذا المنزع ، لبعض الامثلة المقارنة انظر: عادل العوا: المزاج الحضاري في الفكر العربي، دار شمال، (دمشق 1992)، الفصل الثاني







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


الدكتور توفيق السيف
2016/02/10 | مقالات | القراءات:10295 التعليقات:0
2015/12/02 | مقالات | القراءات:18453 التعليقات:0
2014/08/12 | مقالات | القراءات:2536 التعليقات:0
2014/08/05 | مقالات | القراءات:2333 التعليقات:0
2014/05/20 | مقالات | القراءات:2746 التعليقات:0


ارسل لصديق