الحوزة العلميّة بين الواقع والمرتجى
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/12/28
التعليقات: 0 - القراءات: 3273

حوار مع: الشيخ حيدر حب الله حاوره: رحيل دندش

تعاني الحوزات الدينية من مراوحة رتيبة على أكثر من صعيد، ما يدفع إلى التساؤل عن حالها والدور المنوط بها، وموقعها من تطورات العصر ومستجداته، ومواكبتها للمجريات في الحقول السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. فأين أصبحت المشاريع الإصلاحية في الحوزة، وخصوصاً فيما يتعلق بالمناهج التعليمية؟ وكيف تتعاطى الحوزة مع عالم اليوم وما استجد فيه على الصعد التقنية والمعرفية كافة؟ هذه الأسئلة والإشكاليات، إضافةً إلى مواضيع أخرى عن الحوزة، ما لها وما عليها، تناولناها مفصّلاً وبكثير من الجرأة والصراحة مع المفكّر والأستاذ في الحوزة العلمية سماحة الشيخ حيدر حب الله.

وفيما يلي نص الحوار :

أيّ فراغ في العالم الإسلامي من الواجب على الحوزة التصدّي لملئه؟ وهل الحوزة بصيغتها الحالية تؤدّي الدور المطلوب منها؟ وإلى أيّ مدى تستجيب الحوزة لمتطلّبات العصر وتحوّلاته، ولمتطلّبات الناس الحياتية المختلفة؟ 

الحوزة كيانٌ يفترض أن يكون معنيّاً بما يرجع للشأن الديني، وهذا يعني أنّ المساحة التي نعطيها للدين في الحياة ستؤثر ـ سعةً وضيقاً ـ على المسؤوليات التي تضطلع الحوزة العلميّة بها، فإذا كنّا نرى الدين نشاطاً روحيّاً فقط وعلاقة فردية خالصة مع الله سبحانه وتعالى، كما يرى ذلك بعض المفكّرين، فإنّ هذا معناه أنّ الحوزة العلميّة مطالبة بإحياء الحياة الروحية في المجتمع الإسلامي، وليست مطالبة ـ بما هي حوزة دينية ـ بغير ذلك. وأمّا إذا قلنا بأنّ الدين هو الحياة كلّها ويتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة من نشاط الإنسان وفعله؛ فإنّ الحوزة العلميّة المتصدّية لفهم الدين عليها أن تسدّ ـ ولو نظريّاً وفكريّاً ـ كلّ الفراغات المرتبطة بحياة الناس من هذه الزاوية، فالموضوع إذاً يتبع نظريتنا في مساحة الدين ونطاقه، وهل نأخذ بحدّها الأعلى أم بحدّها الأوسط أم الأدنى؟ هذا كلّه من الناحية النظرية.
أمّا من الناحية العمليّة، فإنّنا نلاحظ أنّ الحوزات الدينية تقوم بدور كبير وجبّار في المجتمع الإسلامي، ويكفينا أن نتخيّل عدم وجودها لنعرف حجم الدور العظيم الذي تقوم به حالياً، لكن هنا سؤال تفرضه عناية الحوزة بالجانب الروحي والفقهي من الدين: هل استطاعت الحوزة أن تواكب الأمور وتستجيب للواقع؟ طبعاً هناك صيغة أخرى للسؤال لا يطرحها أحدٌ منّا، وهي: هل تتخطّى الحوزة واقع المجتمع الإسلامي وتقوم هي بجرّه نحو الأمام ـ من منطلق كونها في مقدّمة المسيرة كما هو معلن في جدول برامجها ـ أم أنّها تواكبه أم أنّها متأخّرة عنه؟
لنبقى مع الصيغة الأولى للسؤال، وهنا توجد ملاحظات:
أولاً: إنّ الدين طمأنينة فردية واجتماعيّة، (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب)، فلماذا تحوّل الدين من السكينة إلى التوتر؟ ولماذا ننتج متديّناً موتوراً؟! ولماذا بات التديّن مشروع مخاصمة وليس مشروع مصالحة؟ ولماذا بات التديّن معاداةً مع أنّه مؤاخاة كما يقول القرآن الكريم؟ ولماذا بات التديّن قلقاً من الآخر المشارك لي في الدين بعد أن كان يفترض أن يكون حُسنَ ظنٍّ به، يعكس هدوءاً في العلاقة معه؟ ولماذا صار التديّن ظلماً وهدراً للحقوق باسم الدين ومحاربة البدعة والضلالة بعد أن كان رمزاً للعدالة حتى في حقّ من تختصم معهم، كما يقول القرآن الكريم أيضاً؟ هل كلّ هذه المشكلات الراجعة لتحوّل الدين من سياق طمأنينة واستقرار إلى سياق توتر وانفجار سببها الواقع أم سببها أيضاً فهومنا المترهّلة للدين نفسه؟ في تقديري إنّ القضية متعدّدة الأسباب، وأحد أهم أسبابها هو المنتج المعرفي الديني الذي بات يولّد أحياناً أنموذجاً غير سويّ للتديّن، وهذا يعني أنّ المؤسّسة الدينية مطالبة بتحليل عدم التناسق بين الإطار الروحي العام الذي ينتجه الدين في علاقاته بين أبنائه وفي حضوره الروحي وبين الفهوم الدينية الفرعيّة التي باتت تخلق تديّناً عصبيّاً في الداخل الإيماني، بصرف النظر عن العلاقة مع العدوّ الكافر الذي لا نتكلّم عنه اليوم. لقد جاء الدين حلاً لمشكلات الإنسان وأكبر خطأ نرتكبه عندما نحوّله إلى أن يصبح هو المشكلة التي نعاني منها في حياتنا.
ثانياً: يقول الفقهاء المسلمون ـ كما هو المعروف بينهم ـ بأنّ في الشريعة أحكام كلّ الوقائع السابقة والحادثة، ويقولون بأنّ تطوّر الفقه نتج عن استجابته لتساؤلات الواقع التي أخذت طريقها شيئاً فشيئاً إلى البنية الداخليّة للاجتهاد الفقهي، والسؤال هنا هو أنّ قضايا الدولة الإسلاميّة الحديثة والقوانين المدنية والجزائية والجنائية والاقتصادية ومسألة البنك وغيرها.. كلّها اليوم وقائع حادثة، وترفدنا كلّ يوم بالجديد من التساؤلات والأمور، والسؤال: هل كانت الاستجابة لهذه التساؤلات مرضيةً وبالمستوى المطلوب أم لا؟ في تقديري إنّ الأمر لم يكن كذلك لو قمنا بأدنى مقاربة، وليس هذا هو كلامي فقط، بل هو كلام أشخاص عاشوا فترةً طويلة في التجربة القانونية في الدولة الإسلاميّة وخبروا مآزق القوانين ومشاكلها. إنّ عدد الفقهاء الذين يتصدّون لمعالجة مثل هذه القضايا الجديدة قليل نسبيّاً، لا يتناسب مع حجم حضور هذه التساؤلات والتحدّيات، فهناك مجالان مهمّان نحن مطالبون بالاشتغال عليهما اليوم: مجال إعادة النظر في الاجتهادات السابقة وفقاً لأصول الاجتهاد الجديد المتحرّر من ثقافة الإجماع والشهرة والسلف والاحتياط وغير ذلك، وهو مجال مهم جداً. ومجال الاشتغال على القضايا الجديدة، ولو أخذنا المجال الثاني ـ وتخطّينا المجال الأول الذي يعاني من مشاكله الخاصّة ـ لوجدنا حجم المنجز من قبل الفقهاء قليلاً بالقياس للواقع وإن كان كثيراً في حدّ نفسه. ولو قام باحث بتقرّي دروس البحث الخارج في الحوزات العلميّة اليوم لرأى ما يشهد على ذلك، حيث دروس مباحث العبادات تملؤ الأجواء، وكذا بعض دروس المعاملات، أمّا دروس المعاملات الجديدة وفقه المستجدّات والنوازل فهي أقلّ. طبعاً من غير الصحيح أن نقول بأنه لا يوجد عمل، فهذا ظلم كبير، إنّما نقول بأنّ المقارنة بين الواقع والاستجابة، والمقارنة بين المكرور وغيره، تعطينا مؤشراً على أنّ الأمور لا تسير بالاتجاه الصحيح ولا تتنامى بشكل مطّرد. إنّ طلاب علوم الشريعة في الحوزة العلميّة عندما يقدمون على أخذ عنوان لرسالة الماجستير مثلاً ويكون جديداً فإنّهم يلاحظون وفرةً في المصادر السنيّة على مستوى الكتابات المتفرّقة بدرجة أكبر ممّا يلاحظونه على المستوى الشيعي، وهذا كلام ناتج عن تجربة، بصرف النظر عن أنّ المنجز السنّي إلى أيّ حدّ يحظى بجديّة بحثية، حيث وجدنا أيضاً بعض أبرز الجامعات الدينية السنيّة يغلب على رسائلها البحثية والتخرّجية طابع نقل النصوص وجمع كلمات المتقدّمين أكثر من حلّ مشكلة أو معالجة موضوع بشكل حقيقي.
الذي ألاحظه أنّ هناك مجموعات شبابيّة حوزويّة تعمل تحت نطاق مؤسّسات بحثية، تحاول أن تستجيب للوضع، أمّا الجسم المركزي والذي يمثل الجهاز العصبي في الحوزة العلميّة فلا يملك هذه المواكبة بالدرجة المطلوبة، ومشكلة الحوزة اليوم أنّ المؤسّسات البحثية الكثيرة التي فيها تقع على هامش حركة الجسم التقليدي الذي يشكّل العصب الحيوي، وهو أمر توجد ملاحظات عليه لا داعي للدخول فيها الآن، فإنّه يؤخّر عملية تحوّل الوضع الحوزوي زمنيّاً. 

لماذا نجد أنّ الغالبية من كبار المراجع والعلماء في عزلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي؟ 

أعتقد بأنّه ينبغي التفتيش عن أسباب هذه الظاهرة في الإرث التاريخي الطويل، فمن وجهة نظري المتواضعة يمكن تقسيم المذاهب الإسلاميّة ـ بحسب الغالب طبعاً ـ إلى مذاهب سلطة ومذاهب معارضة ومذاهب حياد، فمذهب الجمهور هو مذهب السلطة عادةً، وإن كان هذا الكلام ليس على إطلاقه. والإسماعيلية والزيدية مذاهب معارضة كذلك، أمّا الإماميّة فطوال القرون التسعة الهجريّة الأولى كانت في الغالب مذاهب اعتزال وحياد، فلم تتدخّل في العمل السياسي ولا في العمل الإسلامي العام، على خلاف فقهاء السلطة وفقهاء المعارضة، وإنّني من الذين لا يتفقون مع الرأي الذي يضع كلّ مذاهب الشيعة في إطار ثقافة المعارضة؛ لأنّ المعارضة شكلٌ من أشكال العمل السياسي، ما لم نقصد بالكلمة عدم موافقة السلطة، ومجرّد أن يصدر فقيه هنا وآخر هناك كل قرنٍ موقفاً ما لا يعني أنّ هذا المذهب له تاريخه السياسي في عمل المعارضة أو نحوها. ولعلّ أوّل مشاركة عامّة للفقيه كانت في العصر الصفوي مع بعض العامليين الذين تصدّوا للوقوف إلى جانب السلطة الصفوية كالشيخ الكركي (940هـ)، لكنّ كل من يطلع على أحداث العصر الصفوي يعرف أنّ مشاركة بعض الفقهاء كانت محلّ خلاف كبير في المؤسّسة الدينية، وقد رفضها كثيرون، رغم إلحاح سلاطين الصفويّة عليهم وتقديم كل أشكال الدعم وتوفير الظروف لهم مثل ما حصل مع الشيخ الأردبيلي، ولم نجد العمل السياسي ظاهراً إلا في عصر الاستعمار، فمنذ بدايات القرن التاسع عشر بدأنا نجد ظهوراً لحركة ـ وليس لأفراد ـ تهتمّ بالشأن العام، وغالباً ـ في البدايات ـ كانت سياسة هؤلاء إمّا سياسة مطلبيّة أو سياسة جهاديّة ضدّ الاستعمار، ولم يكن المشروع رؤية سياسيّة وحضور متواصل في الحياة الاجتماعية والسياسية، إلا مع القرن العشرين في تجربة الآخوند الخراساني والميرزا النائيني والشيخ فضل الله النوري وأمثالهم، وقد رأينا كيف أنّ الميرزا النائيني نفسه أخفى كلّ أوراق هذه التجربة وكأنّه تراجع عنها، وسحب ـ مع بعض الفقهاء الآخرين ـ كلّ أشكال معارضته للنظام القاجاري، تاركاً الحركة الدستورية آنذاك تأخذ مساراتها الجديدة. وقد أدّى فشل علماء الدين في الإمساك بالأمور في الحركة الدستوريّة إلى خيبة أمل، غالباً ما تعزّز المطالبة بالعودة إلى ثقافة الانكفاء، ولهذا لم نجد حضوراً يُذكر منذ هذه الحركة إلى زمن ثورة مصدّق والشيخ الكاشاني في الخمسينيات، باستثناء تجربة الشهيد حسن المدرّس، وإذا كانت هناك أمور فهي المطالبة بالشؤون الدينية ورفع حظر الحجاب ومواجهة الانحراف الديني وما شابه ذلك. وبحركة الإمام الخميني ـ إلى جانب حركة الإمام موسى الصدر في لبنان، وحركة الإمام محمد باقر الصدر في العراق، مع الحركة الشيرازيّة في شقّها السياسي ـ يمكن القول بأنّ الفقيه الشيعي دخل مرحلةً جديدة وخرج من العزلة والانكفاء والاكتفاء بإصدار بيان كلّ سنة حسب المناسبات، إلى مرحلة المواكبة السياسية والاجتماعيّة المتواصلة على صعيد الشأن العام، وقد رأينا أنّه رغم كلّ هذا الذي حصل ما يزال الإرث التاريخي يشدّ كثيرين لرفض كلّ هذا الواقع الجديد الذي جاءنا منذ الستينيات من القرن الماضي، وقد تعزّز هذا الصوت بالحركات النقديّة الجديدة التي باتت ترى الدين شكلاً روحيّاً وفرديّاً وتراجعت عن اعتباره مشروعاً سياسياً واجتماعيّاً.
هذا المسلسل التاريخي سارت إلى جانبه تنظيرات ومقولات، من نوع فكرة أنّ الشيعة لا عودة لهم إلا بظهور الإمام المهدي، وأنّ الانتظار يتطلّب عدم التصدّي، وكذلك فكرة التقيّة بمدياتها الواسعة، إلى جانب بعض أشكال ما اُسمّيه ـ دون قصدٍ نقدي ـ الفقه التعطيلي، حيث لا مشروعيّة للجهاد الابتدائي أو لقيام دولة أو لرفع راية أو لصلاة الجمعة أو لإقامة الحدود والتعزيرات (النظام الجزائي) إلا في عصر ظهور الإمام المهدي، وكذلك سقوط وجوب صلاة العيدين في عصر الغيبة وغير ذلك، ولعلّ ما ساعد على الاعتقاد بهذا الوضع مآلات تجربة الثوريّين الشيعة عبر التاريخ من الإسماعيلية والزيدية، حيث لم تكن تعطي ما يبعث على تكرار تجربة الانتفاضات والثورات. هذا السياق التاريخي والثقافي ما يزال إلى يومنا هذا يحكم نمط عيش كثير من الفقهاء وشكل ممارساتهم العامّة واليوميّة، وكلّما تعثرت التجربة السياسية والاجتماعية للمتصدّين من العلماء للشأن العام، عزّز هذا التيار الواسع رؤيته وزادت عمليّة الانكفاء، فهذا الموروث صار جزءاً من التربية والبناء الاجتماعي والشخصي لحركة الفقيه.
يضاف إلى ذلك ما يراه بعضهم من أنّ تصدّي الفقيه للشأن العام وزيادة تواصله المباشر مع الجماهير، يمكنه أن يخفّف من وهج الصورة المقدّسة المحفورة في الوعي العام عن المرجعيّات الدينية، وهذه حقيقة قائمة في بعض الأوساط، فكلّما قلّ الظهور زاد نشاط الخيال الشعبي التقديسي؛ لأنّ الظهور يعطي للإنسان صورته الواقعيّة، ويعرّضه للنقد العام، وهذا ما كان يشير إليه الإمام الخميني عندما كان ينتقد التصوّرات المغلوطة التي تجعل المتصدّي للشأن العام ملوّثاً بالرذيلة والتهمة فيما المنعزل المنكفئ طاهراً مقدّساً نورانيّاً، فالذي لا يعمل لا يخطأ كثيراً؛ لأنّه لا يعمل، وليس عنده إلا خطأ واحد وهو عدم العمل، أمّا من يعمل فمن الطبيعي أن تظهر أخطاؤه وعيوبه ويأخذ حجمه الطبيعي. إنّ فكرة الغائب الحاضر قويّة في حياة أكثر من وسط ديني اليوم، فالحضور المتمثل بالغياب والمتجلّي في عدم مواجهة المرجع للمجتمع والتواصل معه مباشرةً، سيبقي صورة المرجعيّة مقدّسةً، فكلّما ابتعدت عن شخص ولم أعرف عنه شيئاً صار عندي مجال لتكوين صورة عنه بمساعدة المخيّلة والافتراضات. وإذا ذهبت أبعد من ذلك فإنّني أعتقد بأنّ بعض الفقهاء غير المتصدّين يخشى من التصدّي ويعترف في قرارة نفسه بأنّ التصدّي للشأن العام اليوم بات عمليّة معقّدة وتحتاج للكثير من الشروط واللوازم غير المتوفّرة فيه وفي محيطه الخاصّ، لهذا فهو يتهيّب ذلك ويخشى من تبعاته. كما أنّ هناك عنصراً آخر ينبغي أن لا ننساه وهو أنّ تصدّي بعض الفقهاء يصوّر لبعضهم الآخر بأنّ تصدّيه شخصيّاً نوعٌ من المنافسة؛ لأنّ واقعنا لا يسمح كثيراً بالتعدّدية السياسية والفكريّة والاجتماعيّة الاستقطابيّة، فيخشى الفقيه من أنّه لو كان له حضوره السياسي والاجتماعي ليُبدي رأيه الصريح في كلّ شيء، أن يؤدي ذلك إلى تصادمه مع تيارات أخرى أو جهات قائمة أو شخصيّات فاعلة يختلف هو معها في الفكر والممارسة كلّياً أو جزئيّاً، وهذا ما يساعد أيضاً على انكفاء عدد من الفقهاء والعلماء في هذه الفترة.
وكلّ هذا الذي قلته إنّما كان تفسيراً للحدث لا دفاعاً عنه ولا نقداً، وإلا فإنّني أجد أنّ أكثر المبرّرات هذه غير منطقيّة، وأنّ المرجعيّة الدينية مطالبة اليوم بأن يكون لها حضورها الدائم حتى لو لم تتبنّ نظريّة الدولة الإسلاميّة، حيث لا تلازم بين هذه المفاهيم، فالحضور لم يعد اليوم مختصّاً بالمجال السياسي السلطوي، بل صار يشمل مجالات وعناصر تواصل كثيرة جدّاً، كالحضور الثقافي والفكري والاجتماعي والإعلامي والخيري وغير ذلك. 

كيف ترون انعكاس المشاريع الإصلاحية في الحوزة، ولاسيما ما يتعلّق بالمناهج التعليمية، وهل ما حدث من إصلاحات هو مرضٍ؟ 

في الحقيقة هناك تقدّم ملحوظ جدّاً في مجال الاشتغال على إصلاح مناهج التعليم في الحوزات العلميّة في العالم الشيعي، فإلى جانب مساهمات جيدّة في هذا الإطار من بعض الشخصيات، منذ الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد باقر الصدر وإلى الشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ باقر الإيرواني وغيرهم كثير على الساحتين العربية والإيرانية.. هناك تبنٍّ واضح من جانب إدارة الحوزة العلميّة في مدينة قم وغيرها للدخول في مرحلة جديدة من إصلاح مناهج التعليم، وهذه الإرادة الجادّة انطلقت بشكل حقيقي وفاعل منذ حوالي العقد والنصف لتستوعب الكثير من المجالات التعليمية والبحثية أيضاً، وبالفعل دخلت الحوزة العلمية في نظام تعليمي جديد في قم وبعض المناطق الأخرى، ولمسنا تحوّلاً ملحوظاً على هذا الصعيد يستحقّ الشكر والتقدير، رغم بعض المعارضة في بعض الحوزات الأخرى للدخول في سياق إصلاح المناهج.
مع هذا كلّه يواجه مشروع إصلاح المناهج مشاكل ميدانية وتحدّيات ليست بالبسيطة، فأولى هذه المشاكل هي عدم موافقة بعض المرجعيّات الدينية وكبار الأساتذة والفقهاء على هذه المناهج الجديدة، وتحفّظهم على العديد من الكتب المعدّة مؤخراً، وفي بعض الأحيان عدم دعمهم لحركة تجديد المناهج إن لم يكن لهم موقف سلبي. وأذكر أنّ أحد المسؤولين الأساسيّين جدّاً في جامعة المصطفى العالمية (الحوزة العلميّة غير الإيرانية)، قال لي بأنّه عندما انطلق مشروع تطوير المناهج قبل عقد ونصف في حوزة قم، حاول أن يأخذ مباركة مراجع التقليد هناك، لكنّه لم يحظ بدعم إلا من قبل السيد علي الخامنئي حفظه الله تعالى، وأنّ الباقين إمّا كانوا رافضين أو ساكتين أو محجمين ـ لأسباب متعدّدة ـ عن دعم مشروع من هذا النوع. إنّ حياديّة المرجعيّات وكبار الفقهاء أيضاً، فضلاً عن معارضة بعضهم أحياناً، يمكن أن يؤثر في حركة التجديد المناهجي سرعةً وبطأ.
وهناك مشكلة أخرى في التجديد المناهجي واجهت القيّمين على هذه المشاريع في أكثر من مكان، وهي الفقر العلمي الذي تحتويه بعض المناهج والكتب المعدّة حديثاً، ففي علم أصول الفقه مثلاً نحن نجد رغبةً في تخطّي مثل كتاب الرسائل والكفاية، لكنّ بعض الحوزات ذهبت إلى تبنّي كراريس صغيرة في أصول الفقه بدل إعداد مناهج أكثر عمقاً وأكثر تحرّراً من إشكاليات أصول الفقه السابقة، كما أنّ مجموعة من الموادّ الدرسية الجديدة لا تملك كتاباً درسيّاً يمكن الركون إليه من حيث الجودة والعمق والشمولية والاستيعاب والموضوعيّة والدقّة.
وإلى جانب ذلك، ظهر نظام الامتحانات بقوّة في أكثر الحوزات العلميّة اليوم، وبدل أن يصوّب اتجاه الدراسة الحوزويّة، إذ به ـ في ظلّ الوضع القائم ـ يدفع الطالب إلى استهداف النجاح في الامتحان وتجاوز المرحلة، لكي يرجع إلى بلده دون أن يعيش عشق العلم وحبّ المعرفة وهمّ الفكر وأفق الثقافة ووعيها، فصار كثيرٌ من طلاب العلم يرجعون للكتب قبل أيام فقط من مواعيد الامتحانات، ثم يعرضون عنها بعد الامتحان أيضاً. هذه المشاكل باتت تفضي إلى قناعة بأنّ تطوير المناهج ليس أمراً بسيطاً، بل يعاني من مشاكل يجب التفكير مجدّداً فيها. ومن الجميل أنّنا لمسنا هذا الهمّ في الفترة المتأخّرة عند جمع من القيّمين الذين باتوا ينتبهون بدقّة لمشكلة تسطيح مستوى العلم والمعرفة عند الطالب، لكن نظراً لعدم وجود موادّ وكتب درسيّة بديلة تحوي قدراً أكبر من العمق والاستيعاب، مع وجود تهافت في حركة بحوث الخارج مع حركة المناهج الجديدة، فإنّ بعض الحوزات أخذت ـ مع الأسف الشديد ـ بالرجوع إلى الكتب القديمة مرّةً أخرى تجاوزاً لمشاكل المناهج الجديدة، وهذه انتكاسة في تقديري تحتاج للتفكير مجدّداً.
إنّ التطوّر الذي حصل مقبول عندما نقارنه بما مضى، فقد تقدّمنا كثيراً، لكنّه ما يزال يواجه مسيرةً طويلة لم تنته بعد، في ظلّ تسارع وتائر تطوّر العلوم في حقول التربية والتعليم ونحوهما، ونحن نأمل أن نصير على رأس القائمة في هذا المجال، لا أن نصبح في آخرها. 

كيف تتعاطى الحوزة مع التفاوت الثقافي والاجتماعي لمنتسبيها؟ 

كما تتعاطى الجامعات مع هذه الظاهرة، فالمهم عندها أن يتقن الطالب دروسه ويرتقي بالمعرفة الدينية، ويسعى لتحسين أدائه الديني. نعم، توجد في الحوزات العلميّة ظواهر تتصل بالاختلاف الطبقي، وهي جديرة بالدراسة الهادئة، أعني مثل ظاهرة الأسر والعوائل العلميّة، فإنّ الأعراف هنا تستدعي حصصاً وفرصاً أعلى للأسر العلميّة، انطلاقاً من عناصر النفوذ والعلاقات الوطيدة والإرث التاريخي، بحيث يبدو ذلك بشكل طبيعي ومتوقّع، ولهذا ربما يكون من الصعب على من هو خارج الأسر العلميّة أن يكون له موقع، لكنّ ذلك ليس على إطلاقه، فنحن نرى كثيراً مظاهر تكسر هذه القاعدة بقوّة، عندما يتمكّن الفرد من إثبات ذاته على المستوى العلمي. بل نحن ما نزال نشهد هنا وهناك إلى اليوم نظرةً دونية لطلاب بعض المناطق مقارنةً بمناطق أخرى حتى في البلد الواحد، فضلاً عن البلدان والقوميات.
ويوجد شيء آخر في الدراسات الدينية وهو أنّ شخصيات الأفراد تترك أثرها على الحال الفكرية والاجتماعية للنشاط الديني، فتنوّعهم إلى أهل مدن وأرياف، وكذلك نقلهم لموروثاتهم القبلية والعشائرية والمناطقية والبلدانية أحياناً لداخل الحوزة يظهر بطرق مختلفة، فإذا كان هناك بلد مثلاً يعاني من قمع طائفي من قبل أهل السنّة، فإنّ طلاب العلوم الدينية فيه عندما يأتون إلى الحواضر العلميّة الكبرى فمن الطبيعي أن يتركوا أثراً في هذا الإطار بحيث يختلط السياسي بالديني. وهذا ما يفرض علينا ـ وأستغلّها هنا مناسبةً ـ أن يصار إلى دراسة المجتمع الحوزوي من زاوية علم الاجتماع، ويعمل على الاشتغال على مشاريع إحصائية للوصول إلى معلومات أكثر دقّة، ففي كثير من الأحيان نحن نبني نتائجنا عن الوضع الحوزوي على انطباعات أو على تجارب شخصيّة، فيما يفترض الدخول في مرحلة أكثر علميّة وأكاديمية مستعينين بعلوم إنسانية مفيدة في هذا الإطار، كعلم النفس بفروعه وعلم الاجتماع كذلك. 

لماذا يُلاحظ أن بعض من يدخل الحوزة يخرج منها بصبغة من التعقيد والتزمّت الديني؟ ماذا تُخرّج الحوزة في عصرنا الراهن؟

مفهوم التزمّت الديني مفهوم نسبي هلامي غير محدّد، فبعض الناس تعتبر أنّ الإصرار على المعتقد أو الانضباط الشديد في الحياة نوعٌ من التزمّت، وأنّ الإنسان لا يصبح متكيّفاً مع المحيط إلا إذا أبدى استجابة وتنازلاً هنا وهناك على الدوام، وسكوتاً عن الخطأ والفساد، ومبادلة الرذيلة بالابتسامة. وبعض الناس يفهم التزمّت الديني بطريقة أخرى. بالنسبة لي لا أفضّل استخدام هذا التعبير، ولا أفضّل حصره بطلاب العلوم الدينية حيث يشمل بعض المتديّنين أيضاً، وأرى أنّ الأفضل هو أن نضع كلّ شيء في سياقه، مثلاً في علاقة الرجل بالمرأة نجد بعضهم لا يسمح لزوجته حتى بالتكلّم مع الآخرين ولو في التلفون الذي يكون في المنزل عندما يتصل شخصٌ ما، وقد نجد إلى اليوم من لا يرضى بأن تكون الحوزات النسائية بحيث يقوم الأستاذ بإعطاء الدرس بشكل طبيعي، حيث يضعون بينه وبين الطالبات ستاراً، ويلقي عليهم الدرس من وراء الستار. وعلى صعيد العلاقة مع الآخر المختلف فكرياً نجد بعض طلاب العلوم الدينية عندما يحضر في المجلس شخصٌ يختلف معه فكريّاً ـ وليس شخصيّاً ـ كأنّما ينقبض على نفسه ويتوتّر، بحيث ليست لديه قدرة التعاطي الإيجابي مع الآخرين عندما يختلف معهم فكريّاً وعقائديّاً، وهكذا.
وهنا يجب التمييز بين أن يكون منطلق هذا الشخص هو حكمٌ شرعي يتبع اجتهاده أو تقليده، فلا يصحّ هنا أن أتعامل معه من منطلق التزمّت الديني، بل غاية ما في الأمر أنّني أختلف معه أو مع مرجعيّته الدينية في فهمها للقضية الدينية في هذا الموضوع أو ذاك.. وبين أن لا يكون منطلقه حكماً شرعيّاً أو قناعة فكريّة، بل شيء راجع إلى بناء الشخصيّة والعنصر التربوي الذي بنيت شخصيّة هذا الشخص عليه، وهنا لا يقوم الاختلاف على الأفكار، بل يرتبط بالمزاج الديني العام في وسط بعض رجال الدين والمتديّنين. والمزاج والشخصية لا تعني بالضرورة وجهة نظر فكريّة بقدر ما تعني عنصراً تربويّاً واجتماعيّاً، إذاً فعلينا التمييز بين ما يرجع للعناصر الفكريّة فيكون الخلاف في وجهات النظر، وهذا من حقّ الجميع، وبين ما يرجع للسلوكيات وبناءات الشخصيّة ممّا يمكن ربطه بالتزمّت والسلبيّة.
وثمّة أسباب لحالة الانقباض والانكماش والعصبية والتوتر التي يعيشها بعض طلاب العلوم الشرعيّة (وفي تقديري، ولكي نكون منصفين، فإنّ كثيراً منهم وربما أكثرهم، لا يعيشون هذه الحال)، أذكر منها:
أولاً: المحيط المغلق الذي يعيش فيه الكثير من طلاب العلوم الدينية، لفترات زمنيّة طويلة، فقد اعتاد طلاب العلوم الدينية على الهجرة إلى مراكز العلم الكبرى كالنجف وقم. والحياة في هذين الفضائين هي حياة يتعرّف فيها الطالب غالباً على شبكة من الأصدقاء كلّها أو تسعين بالمائة منها ترجع إلى صنف واحد من الناس، وهو صنف رجال الدين، ومن ثم وعندما تمرّ السنوات الطويلة في هذه الهجرة، وتتبلور ثقافة الإنسان ونمط عيشه، فإنّه سيكون قد بلور نظام حياته على أساس عرف خاص جدّاً، وهو العرف الحوزوي، وهذا العرف يختلف بشكل طبيعي أحياناً ـ نتيجة تراكمات السنين ـ عن بعض عادات الناس خارجه. كما أنّ التحوّل في العادات والأعراف في عرف ديني منغلق مثل هذا يصبح بطيئاً، على خلاف تحوّلات الناس الخارجيّة، لاسيما في عصور المعلوماتية والتقنيات والحداثة وما بعد الحداثة، وينجم عن ذلك في تقديري ظهور اختلاف في المزاج العام بين هذا الشخص وبين المحيط الاجتماعي العام عندما يرجع إلى بلده، وفي هذه الحال يظهر ضرب من التصادم في العادات وطرائق العيش، وفي بعض الأحيان يؤدّي التصادم إلى ارتكاس منظومة قيم العرف الخاصّ التي اعتاد عليها هذا الشخص، فيغيّر حياته بطريقة تبدو للناس أيضاً غريبة ونافرة. طبعاً كأنّما يبدو لي هذا الوضع قد خفّ في الفترة الأخيرة مقارنةً مع السابق.
ثانياً: إنّ مزدوج العرف العام للناس مع العرف الخاص الحوزي نتيجة المراكمة التاريخية تضع في وعي الناس صورةً خاصّة لرجل الدين، وهذه الصورة تقيّد رجل الدين وتمنعه من أن يفكّها، فرجل الدين لو كان شخصاً كثير المزاح والضحك أينما كان فسوف يلام، ولو أراد أن يجلس في الصفّ الأخير من المسجد أو الحسينية لألحّت عليه الناس، ولو أراد أن يذهب إلى مقهى محترم لكي يجلس مع الناس فيه فإنّه يتعرّض للكلام من قبل الناس ومن قبل أقرانه أيضاً... هذا النسيج المحيط يقيّد من رغبة بعض طلاب العلوم الشرعية بالانفكاك عن هذا الوضع، وهنا أركّز على المتزيين بلباس رجال الدين. بل قد تفرض بعض الثقافات عليهم والأعراف في قراهم ومدنهم أن لا يخرجوا إلى السوق ليشتروا الأغراض ويعودوا حاملينها مشياً على الأقدام مثلاً.. إنّ كثيراً من هذه الأمور تحصل لبعض علماء الدين بحسب اختلاف البلدان والدول، ولا يشعر الكثيرون بها، وهي تفرض عليه أن يظلّ ظاهراً بنوع من (البرستيج الخاص)، كي يحافظ على سمعته، وهنا يحصل أحياناً أن تقع الازدواجية في شخصيّة بعضهم، فيختلف باطنه وطبعه الأصلي عن ظاهره تماماً، وهذا شيء لا يراه إلا المقرّبون منه. لهذا من الضروري الاشتغال على هذا الجانب الذي يضعه في مدار يحدّ من حركته وتنفيس رغباته بشكل تلقائي وعادي.
ثالثاً: تتحرّك الثقافة الدينية منذ قرون على مبدأ المواجهة المباشرة مع الانحراف، وهذا شيء نلمسه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكثير من العلماء يتعاطون في أساليب التغيير والتأثير الاجتماعي بالمنهج المباشر، فلو صعد في سيارة أجرة وكان سائق السيارة يضع أغنيةً، فإنّ رجل الدين ـ بحسب ما اعتاد وقدّمته له الثقافة الدعوية في قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ يحاول أن يواجه السائق مباشرةً، ونحن نجد أنّ بعض الفقهاء كان يرى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب في الأصل أن يكونا بصيغة الأمر والنهي، أي يجب أن أقول للسائق: اخفض صوت المذياع، أو لا تضع أغنيةً. وهذه الثقافة المباشرة في التغيير والإصلاح والدعوة أظهرت بعض طلاب العلوم الدينية والمتديّنين أشخاصاً فجّين غلاظاً في تعاطيهم مع الأمور؛ لأنّ الثقافة التجربية الموروثة اعتادت على نمط المواجهة المباشرة، وعلى نمط أنّني أريد منه أن يأخذ درجة المائة في المائة في الامتحان، وإلا فلا قيمة له حتى لو أخذ عشرين في المائة. ويعزّز بناء هذه الثقافة المباشرة في المواجهة والفظّة ما يقرؤه ويدرسه طالب العلم في التراث الإسلامي، فقد كان يستخدم المصلحون سابقاً مثل هذه الأساليب، فيظنّ أنّ تطبيق الأمر بالمعروف يجب أن يماهي ويحاكي نمط حياة العلماء الآخرين، ونحن نعرف أنّ أحد أبرز الأشكال المعتمدة في التربية الأخلاقية والسلوكية في الحوزات الدينية هو منهج قصص العلماء وتجاربهم، وهذه القصص يتمّ تلقّيها وكأنها نماذج تحتذى، دون نظر إلى اختلاف الظروف والملابسات وأنماط العيش، فيسعى اللاشعور في طالب العلم لكي يعيد تطبيق هذه القصص في حياته أحياناً. مثلاً نحن نأخذ أبا ذر الغفاري، وكأنّنا نريد الآن أن نخرج في الأسواق وبيدنا العصا ثم نضرب هذا أو ذاك. إنّ ثقافة استنساخ التجارب استنساخاً حرفيّاً تشلّ قدرة الإبداع عندنا في ابتكار الأساليب الجديدة غير المباشرة والتي تحوي نمطاً من التكتيك والاستيعاب والجذب، ولعلّ هذا ما يجعل القوّة الدافعة عند بعضهم أقوى من الجاذبة. لعلّ بإمكاني أن أعطي مثالاً آخر، فلغة التراث العربية تحوي كمّاً من التعابير التي باتت اليوم حادّة وقاسية، وعندما يشبع الذهن بها فهو يحاول أن يطبّقها. ففي اللغة القديمة نجد كلمات قاسية جدّاً ربما تكون في حينه شبه قاسية وضخّها الدلالي السلبي أخفّ درجة منه في مثل عصرنا، فعندما لا ألاحظ اختلاف دلالات التعبير اللغويّة والإشاريّة من زمن إلى زمن فقد أقع في مشاكل، والكلام يجرّ الكلام فهناك من يرى أنّ كلمة (لعنه الله أو لعنة الله عليه)، كانت دعاءً في ذلك الزمان، أمّا اليوم فهي شكلٌ من أشكال السباب، فلو قلتُ لشخص: لعنك الله أو لعن الله فلاناً، فهي سُبَّة فيلحقها حكم السبّ لا حكم اللعن، وهذا مثال ـ لو صحّ ـ يكشف عن أنّ اختلاف الدلالات عبر الزمن مهمّ جدّاً في فهم الأمور.
رابعاً: النزعة الدوغمائيّة التي يتربّى الكثيرون عليها وتؤدّي إلى قطع احتمال الخطأ في أفكاري وتصوير الآخر بأنّه ظلام، إنّ البعد عن ممارسة التعدّدية يجعل الإنسان لا يتحمّل النقد ولا يتقبّله، ممّا يضعه في دائرة التوتر والرفض الدائم، ويشعره بأنّ نقد أفكاره هو تسقيط له واستهداف لشخصه، وهناك من طلاب العلوم الشرعية من يرى أنّه لو انتقدت مسألة دينية فهذا معناه أنّه بنفسه وبفئته مشمول للنقد، فنقد الأفكار الدينية قد يراه البعض مؤدياً إلى زعزعة في مواقع السلطة الدينية، فيعني بالتالي نقدها واستهدافها، والنقد ظاهرة غير متداولة، لاسيما إذا صدرت من غير رجال الدين ضدّ رجال الدين، ولشدّة التصاق رجال الدين بالدين في الوعي العام يصبح نقد رجال الدين نقداً للدين وبالعكس، ويغدو نقد المنبر الحسيني نقداً للحسين عليه السلام مثلاً، فيوجب هذا النقد التوتر وعدم القدرة على التحمّل وفقدان الإيجابية في التعاطي مع الآخر. مما يظهر طالب العلم الديني وكأنّه غير إيجابي ولا متعاون، لاسيما في هذا العصر الذي كثر فيه المنافسون الفكريّون.
خامساً: ثمّة عنصر له علاقة بالتربية الدينية والفكريّة، وهو مسألة التحرّق على الدين، فكثير من الدعاة ينظرون إلى التفاعل مع الانحراف الديني من موقع الجرح، فعندما يجدون انحرافاً فهم يجرحون في أعماقهم ويتألّمون، وهذا شيء في حدّ نفسه جميل ويعبّر عن صفاء روحي وصدق أيضاً، لكنّ ردّة الفعل الناجمة عن هذا الجرح العاطفي لا تكون وفقاً لقواعد العمل الصحيح دينياً، بل يجري الاستسلام للجرح، ومن ثم حدوث ردّة فعل غاضبة نتيجته، فالله تعالى كان يؤدّب نبيّه دوماً بأن لا تذهب نفسه حسرات على الكافرين، وأن لا يحزن عليهم، وأنّ عليه أن يقوم بمهمّته وأن لا يعيش الهمّ والغمّ والكآبة والتوتر والقلق والحزن لحال الناس، بل يركّز نظره على علاقته بوظيفته الدعويّة، فمن آمن نجا ومن لم يؤمن فأمره إلى الله. ولو أنّ الدعاة اليوم طبّقوا مثل هذا المبدأ القرآني الوسطي لصار الخطاب الديني أكثر هدوءاً، وأبعد عن التشنّج والعصبية والانفعال والتوتر. 

من المعلوم ألا رسوب في مراحل الدراسة الحوزوية، والجميع يعتمر العمامة في نهاية المطاف، ألا يمثل ذلك خطورة كبيرة على موقعيّة الحوزة ككل؟ وما الإجراءات التي تعتبرونها ضرورية في هذا الإطار؟ 

من الطبيعي أن لا تكون هذه الحالة صحيّةً، ويبدو لي أنّه قد تمّ الانتباه لهذا الموضوع من قبل العلماء والقيّمين على الحوزات العلميّة، لكنّ المشكلة تكمن في عدم وجود آليّة واضحة تحول دون اعتمار شخص للعمامة والتصدّي للشؤون الدينية، وأحد أسباب هذا الوضع هو فوضى الانقسامات الفكريّة والسياسية في الساحة الشيعية، فنحن لو منعنا شخصاً من شيء من هذا القبيل وجرّدناه من لباسه الديني ـ إذا صحّ التعبير ـ فمن الممكن أن يذهب ناحية مرجعيّة دينية أخرى قد ترى أو تستنسب بقاءه على وضعه الطبيعي، أو قد يذهب إلى موقع قوّة سياسي موجود وفاعل في الساحة، بحيث يصبح من العسير جدّاً ضبط الأمور؛ لأنّ ضبطها سوف يؤدّي إلى مواجهات بين التيارات والقوى الفاعلة في الساحة الشيعيّة. يضاف إلى ذلك مشكلة أخرى وهي عدم وجود معايير موحّدة متفق عليها عند الجميع لتقويم شخص ما من الناحية العلميّة أو من ناحية ما يلزم توفّره فيه كي يتصدّى للشأن الديني؛ فمن الممكن أن يرى بعضنا أنّ هذا الشخص ـ بما يملكه من معلومات بسيطة ـ يصلح لأن يكون متصدّياً للشأن الديني، فيما يرى الآخرون أنّ ذلك لا يبرّر السماح له بالتصدّي للأمور الدينية العامّة، ومرجع ذلك إلى الاختلاف الجذري ـ وليس السطحي ـ في قراءتنا للعناصر العلمية التي ينبغي أن يتوفّر عليها المتصدّي للشؤون الدينية. وهذا الأمر نجده حتى على مستوى المرجعيّات الدينية، فهناك خلاف جذري في معايير المرجعيّة، فبين من يرى ـ على سبيل المثال ـ أنّ التخصّص والتعمّق في علم أصول الفقه بوضعه الحالي شرطٌ أساس لتوصيف شخص بالاجتهاد أو الأعلميّة، يرى فريق آخر بأنّ هذا المعيار ليس صحيحاً، بل قد وجدنا من يذهب إلى أنّ المبالغة في مباحث أصول الفقه تعيق سلامة الاجتهاد وتبعد الإنسان عن العناصر الأساسيّة للاجتهاد السليم مثل اللغة وعرفيّتها ومثل التاريخ وسياقاته ومثل البعد المضموني للقرآني الكريم. مشكلتنا الرئيسة أنّنا أمّةٌ تتنازع منذ أكثر من قرن على قضايا لم تحسم خياراتها فيها بعد، الأمر الذي يبدينا تكراريين، فقضايا المرأة مثلاً وقضايا الفقه السياسي ما تزال النقاشات فيها على أشدّها منذ قاسم أمين والميرزا النائيني وعبد الرحمن الكواكبي إلى يومنا هذا، بينما الذي حصل في الغرب ـ سواء أصابوا أم أخطؤوا ـ أنّهم حسموا خياراتهم في القضايا الكبرى بما وفّر لهم الانتقال إلى مرحلة جديدة. إنّ معايير العلميّة والاجتهاد والتبليغ الديني والأعلمية وولاية الأمر وغيرها ما تزال محلّ نقاش في أولى أوّليّاتها، إذا صحّ التعبير، وفي ظلّ وضع من هذا النوع من الصعب الانتقال إلى مرحلة الضبط القانوني الحاسم.
نعم، توجد مسألة نظام الامتحانات وقوانين الانتساب للحوزة العلميّة، وهي مسألة بتنا نجدها حاضرة بقوّة في الحوزات العلمية المختلفة، لكن يبقى أنّ هذا النظام ـ رغم قدرته على الحيلولة دون منح شخص ما شهادةً معيّنة بمستوى علمي معيّن ـ إلا أنّه ما يزال غير قادر على ضبط مسألة اعتمار العمامة والتصدّي للشأن الديني العام؛ والسبب أنّ هذا النظام هو نظام تعليمي داخلي، فيما مسألة العمامة هي شأن اجتماعي عام تحتاج إلى تضافر القوى للوصول إلى حلّ فيها، ففي اختصاص الطبّ مثلاً نحن نجد أنّ ما تقوله الجامعة يشكّل معياراً في قبول شخص أو عدم قبوله من قبل الدولة والنقابات المختصّة، ومن ثم يؤثر ذلك في السماح له بفتح عيادة طبيّة أو عدمه، بينما هذا الوضع ليس موجوداً في الحوزات العلميّة؛ فإنّ الحوزة قد لا تعطي شهادةً بإكمال شخص لدراساته، لكنّ هذا ـ رغم حُسنه في حدّ نفسه ـ لا يشكّل شيئاً رادعاً لو أراد شخصٌ التصدّي؛ إذ لا يوجد تنسيق بين قوى الأرض الفاعلة القادرة على منع شخصٍ، وبين الجهة العلمية المتمثلة في القسم التعليمي في الحوزة العلمية. هذه مشكلة رئيسة.
ومن الضروري أن أشير هنا، إلى أنّني أرفض بشدّة تفرّد تيار خاصّ مهما كان قويّاً ويشكّل الأغلبية، في التصدّي لضبط هذه المسألة؛ وهذا موضوع إشكالي آخر؛ لأنّ ثقافتنا العامّة مركّبة بطريقة قد يؤدّي الضبط المشار إليه فيها إلى قرارات استبدادية، يتمّ فيها تجريم الناس وفقاً للرأي والفكر، فلو أعطينا بعضهم اليوم هذا الحقّ في ظلّ ثقافة إقصائيّة، فسوف يقومون بمنع بعض الناس من التصدّي بحجّة أنّه لا يتوفّر على المستوى العلمي أو لأيّ سبب آخر؛ فيما يكون واقع المنع هو التحيّزات السياسية أو الفكرية أو الثقافيّة؛ ويكون واقع الحال أنّ فلاناً لا ينبغي أن نسمح له بالتصدّي من موقع أنّه معارض سياسي، أو من موقع أنّه مبتدع، أو من موقع أنّه ينتمي للجماعة الفلانية المعروفة بإفراطها المذهبي، وهكذا. وفي ظلّ عدم وجود وعي متعالٍ عن الاصطفافات والتحيّزات اللاموضوعيّة يصعب علينا أن نرضخ للقبول بضبط هذه الحالة، نظراً لمخاطر كثيرة على هذا الصعيد، وهذا ما يفرض الكثير من التفكير في آليات مشاركة جميع الأطراف، وفي قوانين ومعايير المنع أو القبول قبل البدء بهذه المرحلة. وطبعاً هذا كلّه لا يمنع وجود قاسم مشترك بين الجميع يتفقون عليه، يمكن تنفيذه بوصفه مرحلةً أولى، بل قد حصل ذلك هنا وهناك في بعض المرّات القليلة. 

كيف تتعاطى الحوزة اليوم مع الفكر الغربي؟

تشهد الحوزة العلميّة اليوم عدّة اتجاهات على مستوى الموقف من الفكر الغربي وكيفية التعاطي معه ونمط العلاقة الفكريّة مع الغرب:
1 ـ فهناك الجسم المدرسي (التقليدي) المتمثل ببعض المرجعيات الكبرى وفقهاء الدرجة الأولى، وهو يميل إلى اعتماد سياسة تجاهل الغرب، وكأنّه حدث عابر، ولا يشكّل أيّ قلق معرفي أو استدعاء فكري للمشاركة في شيء أو العمل على شيء ما، ولهذا لا نجد في أدبيّات هذا الفريق تداولاً لهموم العلاقة مع الغرب الثقافي، ولا يشكّل الغرب ـ بوصفه حضارة اللحظة ـ سوى مادّة قد ترد في بعض الأسئلة أو موضوعاً قد يطرح في سياق التوجيهات العامّة المحذّرة من الانحراف نحوه. وعندما أتكلّم عن الغرب فلا أتكلّم عن التيارات الفكرية المتماهية أو المتأثرة بالغرب في العالم الإسلامي، وإنّما عن الغرب نفسه بوصفه منظومة فكريّة ثقافية حضاريّة. وما يبدو لي هو أنّ هذا الاتجاه التقليدي رغم اعتقاده بخطورة الغرب وضرورة التحذير منه، لكنّه لا يجد تحدّياً للاشتغال على قضاياه الفكريّة والثقافية، بل نحن نجد أحياناً كثيرة تركيزاً على الاهتمام بالآخر المذهبي أكثر من الآخر الحضاري أو الديني، وهذا ما يفسّر أيضاً ضعف حضور دراسات علم الأديان المقارن، وقلّة معرفة طلاب العلوم الدينية ـ بمن فيهم المختصّون بعلم الكلام واللاهوت ـ بالفكر المسيحي أو اليهودي أو غيرهما، بل عندما أقدمت بعض الشخصيات على تأسيس جامعة دينية في مدينة قم تعنى بقضايا الأديان تعرّضت للنقد الشديد بحجّة ترويج الضلال، ولولا دعم بعض المرجعيّات المستنيرة، مثل مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، لما كتب لهذه المشاريع الاستمرار. ولو تأمّلنا في رؤية هذا الفريق أساساً للغرب وتقييمه لمنجزه الفكري، فسوف نرى أنّه لا يعدّه شيئاً ذا بال، أو يليق بأن نهتمّ به، وأنّه تكفي فيه بعض المداخلات الخفيفة، ونجد بعضهم يعيب على مثل السيد محمد باقر الصدر كيف انجرّ ـ متأثراً بالغرب ـ للاهتمام بقضايا مثل المنطق الاستقرائي الذي لا يحمل بنظرهم أيّ قيمة معرفيّة تذكر.
2 ـ وهناك فريق آخر داخل الحوزة العلميّة، ينظر إلى الغرب بشكل جادّ بوصفه خطراً معرفيّاً وثقافيّاً، ويتعامل معه من منطلق فكرة (الغزو الثقافي)، ولهذا تحكم آليات تعامله معه كلّ عناصر الحرب والمواجهة والدفاع والهجوم وغير ذلك ممّا تحمله فكرة الغزو وارتداداتها، وهذا ما فرض على هذا الفريق استخدام المنطق الجدلي مع الفكر الغربي بشكل كبير جدّاً وإن لم يكن دائماً، والتعامل مع الغرب من منطلق عقليّة النقد، لاسيما وأنّ هذا الفريق يرى أنّ الغرب يشكّل المرجعيّة المعرفيّة والعمق الاستراتيجي لتيارات سياسية تقع على خلاف حادّ مع الفكر الديني السائد في الحوزات العلميّة، الأمر الذي يشجّع أكثر على القيام بعملية تعرية للفكر الغربي بوصفه فكراً مرجعيّاً.
3 ـ وهناك فريق ثالث يرى في الغرب تحدّياً وحاجة في الوقت نفسه، فالغرب تحدٍّ؛ لأنّه يضع أمام الفكر الديني تساؤلات مقلقة وليست بسيطة أو عابرة، وهو حاجة؛ لأنّه يملك تجربة وثقافة يمكن الاستفادة منها في المراكمة المعرفيّة للفكر الإسلامي نفسه، وهذا الاتجاه في الحوزة يختلف تماماً عن الاتجاهين السابقين، وتمثله الكثير من التيارات التجديدية والنقديّة الدينية المعاصرة، فلا يريد هؤلاء أن يبسّطوا المشكلة التي خلقها الغرب أمام الدين، أو يسطّحوا الوعي الإسلامي بهذه المشكلة، أو يتجاهلوا الأزمة القائمة كما كان يريد الفريق الأوّل، كما لا يريدون معاداة الغرب الحضاري والثقافي والنقدي والفكري في قراءته لقضايا الدين والحياة، كما كنّا نشاهد عند الكثير من أنصار الفريق الثاني، بل يرون الغرب ندّاً يصلح للمنافسة، ومنطق المنافسة يختلف عن منطق المعاداة، وأن يسعى الآخر لكي يربح جولته عليّ لا يعني أنّه يعاديني، وهم لا يجدون حرجاً في التعلّم من المنافس نفسه لأجل التمكّن من تجاوز مشكلات الذات، كما فعل هو على بعض الصعد، وهؤلاء لا يرون الغرب عيباً أو فزّاعة أو ضحالةً معرفيّة، بل يجدون فيه الكثير من العمق والإنجاز والتقدّم في مجال العلوم الدينية والإنسانيّة، فضلاً عن المجال التقني وأمثاله مما يتفق الجميع على التقدّم الغربي فيه. إنّهم يميزون من وجهة نظرهم بين الغرب الاستعماري والغرب الحضاري والفكري، ويرون هذا التمييز معقولاً وغير غريب.
وإذا تجاوزنا هذا التقسيم الثلاثي، واقتربنا أكثر مما يجري على أرض الواقع في الحوزات العلميّة، فسوف نجد توجّهاً جيداً نحو الدراسات الغربية في أوساط الشباب الحوزوي، وانفتاحاً على اللغات، بل على التخصّص في الفكر الغربي من خلال الانتساب إلى الجامعات الغربيّة نفسها، لكنّ هذا الشيء يظلّ أقلَّ بالقياس إلى الحالة العامّة التي تهيمن على الحوزات الدينية في العالم العربي والإسلامي. 

أين المرأة من الموقع القيادي الاجتهادي؟ وما الأسباب التي تعيق تصدّيها لهذا الدور المطلوب؟

إذا لاحظنا الوضع القائم في الحوزات العلميّة، فنحن نجد تقدّماً مذهلاً للدراسات الدينية في الوسط النسوي، فقد اُسّست جامعات وحوزات كثيرة مخصّصة للنساء، ولا تضمّ أعداداً بسيطة أو عابرة، بل باتت تشكّل ثقلاً كبيراً، كما بتنا نشهد دراسات دينية كثيرة تنجزها المرأة في الحوزات العلميّة أو ما هو قريب منها. وما ساعد على هذا الأمر في تقديري هو الثقافة التي تحكم المجتمع الإيراني أكثر من الثقافة الدينية نفسها، فالمجتمع الإيراني يتقبّل حضور المرأة ومشاركتها ويعطيها عناصر قوّة على المستوى الاجتماعي قد تفتقده الكثير من البلدان الإسلاميّة التي تحاول الاقتراب أو التماهي مع الشريعة، ولهذا فنحن نجد أنّ الدراسات الجديدة في قضايا المرأة تحظى غالباً بموافقة ـ أو عدم مخالفة ـ في الوسط الديني في إيران، ولا تتعرّض للنقد الذي تتعرّض له التغييرات الفقهية في الفتاوى والبحوث على مستوى مغاير لفقه المرأة، ويرجع ذلك للميل العام لإعطاء المرأة المزيد من الحقوق.
أمّا عدم وصول المرأة للموقع القيادي الاجتهادي كما جاء في السؤال، فيرجع في جزء منه إلى الفتاوى السائدة التي لا تسمح للمرأة بالتصدّي للمناصب العليا كالقضاء والمرجعيّة وولاية الأمر، فإنّ هذا السياج الفتوائي يحول بطبيعة الحال دون خلق طموح ـ نسوي أو عند القيّمين على المؤسّسات النسوية التعليمية والبحثية ـ بالوصول إلى هذه المرحلة، ومن ثمّ لن يسمح لنا بأن نجد توجّهاً نسويّاً نحو ذلك، لكنّ ثقافة الحظر هذه ليست هي العنصر الوحيد أو حتى الأساس في تقديري، بقدر ما يرجع الأمر إلى أنّ الانتقال من مرحلة تجهيل المرأة إلى مرحلة التعليم لا يمكنه أن ينتج بسهولة تقدّماً على هذا المستوى، فالقيادة الاجتهادية تعني المرجعيّة أو ما هو قريب منها. وخلال جيلٍ أو جيلين فقط من الصعب في عالمنا الإسلامي الانتقال بالمرأة التي ندر أن تحظى بالحضور في الدرس الحوزوي إلى مستوى أن تصبح مرجعاً للتقليد أو مجدّداً في الدين. وما عزّز هذه الحال أنّ الجامعات والحوزات النسويّة عندما اُنشأت أخذت في سياستها الاستراتيجية تعليم المرأة والخروج بها من مرحلة الجهل الذي فُرض عليها إلى مرحلة العلم الديني، وليس منافستها للرجل في مواقع القيادة الاجتهاديّة، وقد ظلّت هذه السياسة قائمة إلى يومنا هذا؛ لأنّ الحاجة للمرأة الحوزوية كان يغلب عليه الحاجة للعنصر النسوي القادر على التصدّي لقضايا المرأة وتعليم النساء، الأمر الذي غلّب الجانب التبليغي الدعوي في الأهداف على الجانب الإبداعي الاجتهادي؛ لأنّ المرحلة تحتاج إلى ذلك. لكنّ هذا لم يعدمنا اهتماماً بالجانب البحثي والاجتهادي عند المرأة، وهناك حديث عن مجموعة من النساء اللواتي بلغن مرحلة الاجتهاد، وأنّ منهنّ من مُنحت إجازات اجتهاد من بعض الفقهاء، كما نجد نساء قلائل كانت لديهنّ بحوثٌ فقهيّة استدلاليّة اجتهادية منشورة في فقه الطهارة وغيره، وهذا مستوى جيّد في مرحلة زمنية معقولة. إنّني أعتقد أنّ رفع سقف الطموحات من جهة والدخول في بعض التعديلات الطفيفة في مناهج التعليم الحوزوي النسوي، وتوفير المناخات بشكل أكبر لولادة جيل نسوي حوزوي مفكّر ومبدع، من شأنه أن يقدّم مسيرة المرأة الحوزوية في مجال الاجتهاد الديني، وهذا كلّه يحتاج في هذه المرحلة لرعاية أبويّة من قبل بعض المرجعيات الدينية الكبرى بحيث توفر ضمانات وعنصر أمان ودعم لمثل هذه المشاريع المهمّة. 

كيف تنظرون إلى علاقة علماء الدين مع المفكّرين والمثقفين؟ ومن برأيكم الأقدر على تقديم الدين بصورة أفضل؟

في الحقيقة هناك تواصل جيّد في العقود الأخيرة بين المثقف والفقيه، وقد ظهر في أوساطنا الفقيه المثقف والمثقّف الفقيه، وهذه ظاهرة صحيّة، لكن وكما هي حال الحياة لابدّ من التنازع بين من يملكون سلطةً ما، على دائرة النفوذ ولو كانت قصودهم هي الخير، فالعلم سلطة، ويملكه المثقف والفقيه معاً، ومن الطبيعي أن يبحث الفقيه عن مواقع لممارسة سلطته ونفوذه بالمعنى الإيجابي للكلمة، وهكذا الحال في المثقف، وإذا كانت العلوم الطبيعية لا تبدي تصادماً بين الفقيه والمثقف اليوم، فإنّ العلوم الإنسانية التي تطوّرت بشكل مذهل بعد الحرب العالمية الثانية أخذت تجتاح أماكن في الحياة الإنسانية لطالما عدّت من نشاط الدين ومساحة عمله واشتغاله، مثل الجوانب التربوية والاجتماعية والنفسيّة والروحية والفلسفية والسياسيّة والقانونية والتاريخية وحتى اللغويّة وغير ذلك. إنّ هذا التصادم من شأنه أيضاً أن يولّد عدم اعتراف من قبل كلّ طرف بالآخر، وهذا ما نراه اليوم في أكثر من موقع تحت ذرائع وحجج متعدّدة متبادلة، وسلب الاعتراف يساوي سلب الوجود، وهو يعني الدفاع والحرب.
لهذا وغيره نجد العلاقة مأزومة اليوم بين المثقف والفقيه في بعض المواقع، رغم تناغمها في مواقع أخرى لاقت نجاحاً وارتياحاً، وأعتقد أنّ الجيل الجديد منقسمٌ على نفسه أيضاً إزاء طريقة التعامل مع الآخر الفكري، ولعلّ ما يكشف عن عمق الأزمة أنّ بعض الدول الإسلامية الكبرى بدأت منذ بضع سنوات بمشروع جديد لإعادة أسلمة الجامعات، وذلك عندما وصلت إلى نتيجة تقول: بأنّ كلّ النظام المعرفي الذي ندرّسه في الجامعات لم ينتج سوى متعلّماً ومثقفاً مختلفاً مع الدين؛ لأنّ أساسيّات العلوم الإنسانيّة أساسيات علمانية لا تشاد على وفق رؤية غيبية فلسفية دينية، وهذا أمر بالغ الخطورة وشديد التعقيد.
أمّا عن من يمكنه تقديم الدين بشكل أفضل، فإنّ كلّ فريق من الفريقين لديه نقاط قوّته المضيئة وتاريخه الزاخر، لكن في الوقت عينه يعاني كلّ منهما من مشاكل لا تسمح لي بأن أقول بنحو الإطلاق بأنّه الأقدر على تقديم الدين اليوم، فلديّ قلق شخصي من أكثر التيارات الثقافية في تعاطيها المستعجل والمبتسر أحياناً مع الظواهر الدينية، وانطلاقها في كثير من الأحيان من موقع ردّة الفعل، ومن الموقع الأكاديمي في معالجة الأمور، وانبهار أكثر من جمع فيها بالمنجز الغربي بحيث يفضي ذلك إلى حالة من استلاب الفكر عند هذا الفريق. ولديّ قلق آخر مماثل على مستوى المؤسّسة الدينية، حيث بدءنا نجد نزوعاً نحو اللاعقلانية وابتعاداً عن مفاصل الأمور للدخول في سفاسفها، وعودة نحو الوراء في أكثر من مكان، واتجاهاً نحو القشرية من جهة والغنوصية من جهة ثانية والمذهبية والانغلاقية من جهة ثالثة، ومن ثمّ فكيف لي أن أضمن تسليم الأمور بهذه البساطة، وأنا أرى بنظرتي المحدودة أنّ مآلات مثل هذه الرؤى عند الفريقين ـ إن لم يجر التعاون والتنسيق ـ إلى خلق مشكلة حقيقية لواقع الدين في حياتنا. 

يُلاحظ عدم قيام الحوزات الدينية الشيعية بإطلاق مبادرات على غرار ما يفعله الأزهر لماذا؟ ولماذا لا يتم التعامل من قبل قيادة ومسؤولي الحوزات الشيعية بإيجابية مع هذه الطروحات؟ 

أعتقد أنّ أسباب هذه الظاهرة متعدّدة ومتداخلة، فهناك أزمة التشظّي المرجعي، الذي يؤدّي إلى عدم التجاوب مع خطوات من هذا النوع قد تدعو لها هذه المرجعيّة أو تلك، فهذا النوع من المبادرات لو قام به مرجعٌ واحد فلن يمكنه أن يفعل أيّ تأثير في المجتمع؛ لأنّ سائر الأطراف لن ترى ـ بسبب أزمة التشظّي المرجعي ـ أنّ هذا الكلام يعنيها، ولن يرى الآخرون ذلك إلا إذا صدرت مثل هذه المبادرات من شخصيات مرجعيّة عليا، تمثل المذهب الإمامي على المستوى العالمي، وهي شخصيّات محدودة جدّاً. وإذا دخلنا فضاء هذه الشخصيات فقد نجد أحياناً معوقات أيضاً، فهناك من لا يريد أن يزاحم سائر المرجعيّات؛ كي لا تخلق مثل هذه المبادرات ـ لو لم تتمّ الموافقة على بنودها من قبل المرجعيّات الأخرى ـ ردّة فعل ولو مكبوتة نسبيّاً. وهناك من المرجعيّات من عُرف عنها عدم المبادرة، وأنّ مبادراتها تكمن في عدم مبادرتها، وهي ترى ذلك سبيلاً أفضل من وجهة نظرها لإدارة الوضع القائم، كما تعتقد أنّ أيّ إدارة أخرى ستجرّ الوضعَ الشيعي إلى فتنة.
يجب أن أقول شيئاً مهمّاً يتعلّق بتوليفة عناصر القوّة داخل المؤسّسة الدينية، فهناك منطق الجاذبة والدافعة يفرض تمركزاً لكلّ شخص في موقعه والدوران في مداره فقط، تماماً كحركة الكواكب، وأيّ خروج عن المدار المألوف من شأنه أن يربك الوضع كلّه، وكلّ شخص يرى أنّ الخروج عن المدار المألوف يمكنه أن يفقده درجةً من الحضور والنفوذ، ويسبّب له إرباكاً، ولهذا فهو يفضّل في هذه الحال ـ بعنوان ثانوي ـ تأخير مثل هذه المشاريع أو تخفيف قناعته بضرورتها، وبهذا تموت الأمور.
وثمّة أمر آخر له علاقة بعدم تداول مبادرات من هذا النوع، وهو غياب بعض المرجعيّات الدينية عن مواكبة المرحلة بالشكل المطلوب، والإحساس بضرورة القيام بخطوات إيجابية نحو الآخر. إنّ الإحساس بالمشكلة أوّل الطريق، فإذا لم نحسّ بأنّ هناك مشكلة يمكن لهذه المبادرات أن ترفعها فإنّنا لن نتحرّك، وفي علم أصول الفقه يقول العلماء أنفسهم بأنّ ما يوجب تحرّك الإنسان هو علمه بالخطر وليس واقع الخطر، فلو أنّ أسداً يقف خلفي لما تحرّكت لمجرّد وقوفه، بل أنا أتحرّك بعد علمي بوقوفه. وهنا تكمن جهةٌ أخرى من جهات المشكلة، وهي عدم وجود إحساس عميق بضرورة مثل هذه الموضوعات؛ لأنّ الاحتكاك بها ووعيها وإدراكها غير متوفّر بالدرجة المطلوبة، ومن هنا نجد أنّ هناك بعثرة ليست سهلة في مسلسل الأولويّات عند الكثير من الشخصيات. أعرف أنّ هذا الكلام قد يبدو غريباً أو غير مقبول بالنسبة لكثيرين، لكنّ هذا هو واقع الحال الملموس بالخبرة والمعاشرة وغيرهما.
أضف إلى ذلك كلّه، مضمون المبادرات، فأن نقوم بمبادرة تستحقّ أن تشكّل خطوة في طريق ما يشبه المجمع الفاتيكاني الثاني، فهذا يعني أن تحتوي المبادرة على مضمون يستحقّ الوقوف عنده ويُحدث أو يكشف عن زحزحة معقولة في المفاهيم والمقولات، في قضايا المرأة والتعدّدية والآخر وغير ذلك، والعقل الحوزوي في أفق الكثير من الشخصيّات المرجعيّة لم يقتنع بعدُ ـ على المستوى الديني ـ بزحزحة من هذا النوع، وغالباً ما تعتمد التصريحات المشابهة بوصفها ذات نمط سياسي، وليست صادرة لتشكّل ثقافة دينية جديدة معتمدة للتأسيس لمرحلة ما. وما أشرت إليه يفسّر أيضاً عدم التجاوب مع مثل هذه المبادرات، فلو أخذنا مبادرةً محدودة مثل مبادرة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله تجاه المذهب الجعفري وفقهه واجتهاده، فنحن رغم كلّ جهود التقريب من النادر أن نجد ردّة فعل مشابهة في الوسط الشيعي، تجيز العمل على وفق المذاهب الأخرى؛ لأنّ المعطيات الاجتهادية ـ كما يراها الفقهاء ـ لا تسمح بوضع من هذا القبيل، ويمكن على قضية التقريب قياس أشياء أخرى أيضاً، فالمبادرات إمّا ذات مضمون سياسي سرعان ما يدخل إطار الاستهلاك ولا يؤسّس لشيء، وإمّا ذات مضمونٍ ديني، فيحتاج لبنية تحتية تسمح به دينيّاً، الأمر غير المتوفّر في أكثر من موضوع.
إنّ الدولة والحركة والنخبة الإسلاميّة الشيعية متقدّمة في تقديري بخطوات كثيرة جدّاً في الوعي والممارسة على الكثير من المرجعيّات والشخصيّات الكبيرة، بل هي ـ بمعنى من المعاني ـ تمتصّ مشاكل الوضع القائم في المؤسّسة الدينية وتصرف الأضواء عنه وتقدّم فيه بدائل حسنة، ويخيّل لكثيرين ـ وهذه نقطة مهمّة ـ أنّ منجزات هؤلاء تنتسب جميعها إلى المرجعيّة الدينية التي تبدو من بعيد متربّعةً على رأس الهرم الشيعي، وهو أمرٌ غير صحيح. كما ليس من الصحيح أن نتعاطى بمنطق (ما جاءك من حسنة فمن المرجعيّة، وما جاءك من سيئة فمن نفسك)، تماماً كعدم صحّة المنطق المعاكس له والذي يتبنّاه البعض مع الأسف (ما جاءنا من حسنةٍ فمن غير المرجعيّة، وما جاءنا من سيّئة فهو منها)، فإنّ هذين المنطقين يمارسان الظلم والإجحاف وعدم الإنصاف هنا وهناك. ونحن عندما ننتقد فإنّنا ننتقد حال المؤسّسة الدينية أن ترقى إلى مستوى المنجز الذي قدّمته الدولة والنخبة والحركة الإسلاميّة، بل في رأيي لابدّ لها أن تتخطّاه لكي تكون ـ بوصفها مراقباً وناقداً فكريّاً وثقافيّاً ودينياً ـ مصوّبةً لحركته ومصحّحةً لأخطائه، فإذا بلغ الحال أن تَقَدَّمَ الشيعة في العالم ـ بدولهم وحركاتهم السياسيّة والاجتماعيّة ونخبهم ومثقّفيهم ـ وصاروا أمام المرجعيّة الدينية، فإنّ عليها أن تجهّز نفسها لمرحلة جديدة، قد تفقد فيها ما تبقى من مواقعها ونفوذها. 

كيف ترون الفرص الممكنة لنجاح مشروع المرجعية المؤسّسة، وما هي شروط نجاحه بشكل عام؟

إنّ مشروع المرجعيّة الرشيدة والموضوعية الذي أطلقه السيّد محمد باقر الصدر، وكانت للشيخ المطهري مساهمات في بعض موضوعاته، ثم مشروع المرجعيّة المؤسّسة الذي لامس قضايا أكثر عمقاً، وأطلقه العلامة السيد محمد حسين فضل الله، يمكن عدّهما من أهمّ مشاريع تطوير المرجعيّة في تاريخ الشيعة الإماميّة، لقد لامس مشروع المرجعيّة المؤسّسة قضايا خطيرة ومهمّة جدّاً، ولكنّ التأمّل في واقعنا يكشف لنا ـ مع الأسف الشديد ـ أنّ مثل هذه المشاريع تبدو بالغة الصعوبة، فما تزال الكثير من مفاصل الأمور بيد من لا يؤمن بعشر معشار مثل هذا الفكر التنويري في الأمّة، وما زال الكثير من المستنيرين يخوضون جدالات طويلة مع هؤلاء في قضايا يفترض أن تكون قد تحوّلت إلى مسلّمات وضعناها خلف ظهورنا لنبني عليها. القضية معقدّة أكثر مما يتصوّر الكثيرون منّا، وقد يخيّل لنا أنّ الأمور تواجه بعض العقد البسيطة التي يمكن تفكيكها.
مشكلة مشاريع مثل المرجعيّة المؤسّسة أنّها تحتاج لمناخ من جهة (البعد السياقي الموضوعي)، ولمؤهلات ذاتية تسمح للواقع المرجعي بتبنّيها (البعد الذاتي)، أمّا المناخ والسياق، فهو غير متوفّر في بعض الأحيان، فنحن نجد اليوم أنّ ثقافة المأسسة قد غزت الكثير من مفاصل الحوزات العلمية وشهدنا نهضة مؤسّساتية كبرى في الحوزة، لكنّه لم يصل إلى الجهاز العصبي والعمود الفقري للحوزة، إنّني أشبّه الحوزة بالجسم، فهناك الأطراف المليئة باللحم والعظام، وهناك الجهاز العصبي المتحكّم بكلّ شيء، إنّ المأسسة ـ وهي عقلٌ قبل أن تكون تشكيلات تنظيمية ـ طالت الأطراف في الحوزة العلميّة وبلغت مستويات نشطة ومهمّة في تقديري، لكنّها لم تصل إلى عمق الجهاز العصبي، وهو المرجعيّة الدينية وكبار الفقهاء إلا قليلاً هنا وهناك، والأطراف تتعاطى دائماً بعقلية أنّها أطراف، وهو ما يجعل الجهاز العصبي متحكّماً مهما تنامت الأطراف واستطالت، ولهذا لما أخذت المأسسة تتجه إلى بعض الحوزات الكبرى في العالم خلال الأعوام الأخيرة الماضية، سمعنا صوتاً مرجعيّاً قويّاً يهاجم دخول المؤسّسات إلى الحوزة بما فيها المؤسّسات البحثية الدينية، ويراها خطراً على الحوزة العلميّة وتسطيحاً لمستوى الطلاب. هذا يعني أنّ ثقافة المأسسة المعاصرة لا تعيشها الكثير من الأطر المرجعيّة في العالم الإسلامي، وسؤال الشرعية ما زال يطال حتى هذا النوع من الموضوعات.
أمّا البعد الذاتي، فهو يتمثل بالدرجة الأولى في أنّ بعض المرجعيّات الدينية لا تملك مقوّمات حالة مأسسيّة؛ لأنّ مأسسة المرجعية تتطلّب ـ حتى لو وافقنا عليها ودخلنا مناخها ـ مقوّمات وسمات وصفات في المرجعيّة ومحيطها القريب وطريقة تبلور هذا المحيط بشكل غير عفوي هذه المرّة، وهذا يصطدم بشكل أساس ببعض المرجعيّات نفسها ومحيطها معاً. إنّ هذا معناه في بعض الأحيان وكأنّني أقول لهذا الشخص: إنّ عليك أن تنسحب؛ لأنّ المأسسة تتطلّب رجالاً يختلفون عنك، وهذا أمر من المستحيل أن يستجيب له الطرف المقابل؛ لأنّ دعوته للمأسسة هي دعوة أحياناً للتخلّي، وليس من المنطقي أن ندعوه لذلك، ولا من المترقّب أن يستجيب لنا. هذا يعني أنّ من يريد المأسسة عليه قبل أن يدخل الحقل المرجعي أن يكوّن لنفسه شخصيّته وثقافته ومقوّماته الذاتية وكذلك للمحيطين به، بحيث يكون الظرف والمناخ والإمكانات متوفّرة للدخول في وضع من هذا النوع، وإذا كان الشهيد الصدر والعلامة فضل الله ـ رضوان الله عليهما ـ قد تمتّعاً بالكثير من هذه الصفات الذاتية والتجربة الشخصيّة الجادّة، فإنّ تكرار مثل هذه الشخصيّات ليس سهلاً في واقعنا المعاصر.
أعرف أنّ كلامي قد يبدو قاسياً، لكنّ هذه هي الحقيقة من وجهة نظري، وما لم ندرك الواقع بتعقيداته فإنّ أي مشروع نطرحه سيغدو مثاليّاً حتى لو كان حقّاً وصدقاً، وما قلته يطال الكثيرين ولكنّه لا يطال الجميع بالتأكيد. 

كيف تستشرفون مستقبل الحوزات الإسلامية ودورها؟ وهل يمكن الحديث عن مؤسّسة دينية إسلامية جامعة، وخصوصاً في ظلّ الحاجة إلى مرجعية إسلامية قويّة؟

كتب الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه قبل حوالي الأربعين عاماً مقالاً عن مستقبل عملية الاجتهاد، كان فيه متفائلاً جدّاً ويتطلّع إلى جيلٍ قادم سيُخرج الفقه من الانكماش إلى الاجتماع والحياة، وسيحدث تحوّلاً جذريّاً في العقل الاجتهادي. كان التفاؤل سمةً بارزة في تلك الأوراق التي خطّتها يراعه رحمه الله. وبالفعل حصل تقدّم كبير جدّاً وتحقّقت أحلام كثيرة لهذا الرجل العملاق، لكنّ الفترة الأخيرة تنذر بمخاوف حقيقيّة لا ينبغي تجاهلها، وإذا قدّر لهذه المرحلة أن تكون سحابة صيف سبّبتها أزمات المنطقة السياسية والعسكريّة، فإنّنا سنكون مقبلين إن شاء الله على تطوّر غير عادي في الفكر الديني. أمّا إذا طالت هذه المدّة أو كان ذلك ناتجاً عن دخولنا في نفق أزمة الهويّة الذي أبدته الأزمة السياسية وكشفت عورته، فإنّ هذا يعني أنّ أحلام رجلٍ مثل محمد باقر الصدر سوف تذروها الرياح. في المرحلة المنظورة القريبة لا تبدو لي تلك الأحلام الطيّبة قابلة للتحقّق، فقد عادت المرجعيّات التقليدية تدريجياً للإمساك بالحوزات العلميّة بعد انفراجات يسيرة، وتنامى التطرّف المذهبي المنغلق على كلّ الصعد ليقدّم على مذبح التعصّب الطائفي كلَّ مشاريع التقريب بين المذاهب ورموزه ضحايا وقرابين، وبدأت بالفعل موجةٌ جديدة من محاربة العقلانية، والانقضاض على كلّ عقل فلسفي أو روحي شهدنا نموّه مع العلامة الطباطبائي والإمام الخميني والسيد الصدر والشيخ المطهّري وأمثالهم رحمهم الله، ووقع الصدام المخيف بين الحركة الإصلاحيّة الدينية وبين التيار المحافظ بأطيافه، وهاجرت عقولٌ كثيرة وأدمغة افتقدناها من بين ظهرانينا، إما هجرةً مادية بالرحيل إلى دار الآخرة أو إلى بلدان أخرى، أو هجرةً معنوية تمثلت في اعتزال العمل الفكري والإحساس بإحباط قويّ، وفقدان الأمل عند طيف واسع من المفكّرين والمثقفين والحوزويين النهوضيّين، حتى بلغ الحال ببعضهم حدّ إعلان الخروج من فضاء التنوير الديني إلى الوجودية السارترية والإلحاد الجديد، ليضع بذلك ـ من وجهة نظره ـ خاتمةً لوهم الإصلاح.
وهذا كلّه إنّما يعبّر عندي عن إحباط عقلي على مستوى المنظور القريب، ولكنّه بأيّ شكلٍ من الأشكال لا ينبغي أن نسمح له بأنّ يخلق في داخلنا إحباطاً نفسيّاً؛ لأنّ الإحباط العقلي هو وعيٌ بالواقع ومحتملاته ومستقبليّاته، أمّا الإحباط النفسي فليس سوى سقوط في هذا الواقع واستسلام له، وهو ما لا يرضاه الله لنا، فعلينا أن نعمل في كلّ الظروف، لا أن ننتظر الظروف لكي نعمل فيها، وإذا أخصلنا النيّة لله تعالى وأخذنا بالأسباب فإنّ الله سبحانه سوف يكون معنا إن شاء الله







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق