بعض من إشكالية الثورات العربية
ميدل ايست أونلاين بقلم: د.سليم نزال
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2013/01/06
التعليقات: 0 - القراءات: 2099

إشكالية الثورات الكبرى انها لا تملك بوليصة تأمين لنجاحها. وهو أمر لا يمكن حصوله ولا يمكن لاحد تقديم ضمانات بنجاحه.

مثلما لم يكن احد يتوقع حصول الثورات العربية لم يكن احد يتوقع انتشارها السريع في سائر الاقطار بما فيها الاقطار التي كان من الصعب توقع حصول ثورة فيها.

ومع بداية الحراك التونسي الذي بات ينظر له كحامل للشعلة الاولى للثورة العربية كان من غير اليسير معرفه السيناريوات المحتملة للثورات الاخرى فيما عدا بعض الكتابات المحدودة التي طرحت السؤال الاساس في تلك المرحلة الا وهو امكانية تعميم التونسة على المنطقة العربية.

وتعميم التونسة او التجربة التونسية كان يفهم في حينه، انتفاضة محدودة الزمن، بخسائر محدودة من الناحية البشرية وتكاليف محدودة لناحية الخسائر الاقتصادية وموقف محايد للجيش ورحيل راس السلطة. ثم نهاية سعيدة او بالحد الادنى نهاية تنسجم بهذا القدر او ذاك مع الامال والتوقعات.

لكن ما ان امتد لهيب الثورات من بلاد المغرب الى المشرق حتى بدأنا نرى سيناريوهات متعددة تبعاً لظروف كل بلد من جهة بالمعنى العام والتفصيلي للكلمة بما في ذلك تفجير التناقضات الثقافية التي تم كبتها على فترات طويلة من قبل الحكم المركزي من جهة ومن جهة ثانية ازدياد لحجم التدخلات الاجنبية التي كانت قد أخذت على حين غرة في المرحلة التونسية وبدأت بالتدخل بعدما ادركت خطورة التحولات الجارية.

وإذا ما اردنا تقديم اطار نظري عام للمجتمعات يمكن القول باختصار انه يوجد ثلاثه انواع من الدول.

الاول الدولة القوية والمجتمع القوي وهذا يفترض ان يكون الامر المثالي.

الثاني الدولة القوية والمجتمع الضعيف وهذه هي السمة العامة لمجتمعات الاستبداد.

والثالث وهي الصفة التي تنطبق حسب رأيي على دول الثورات العربية وهي دولة ضعيفة ومجتمع قوى.

ومعنى هذا ان الصراع سيستمر لوقت ما بين المجتمع القوى الناهض والمتحفز للتغيير والدولة الضعيفة وبقايا النظام السابق حتى استكمال مشروع التغيير الشامل وهي عملية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة لكن اهميتها انها تساهم في اضفاء الحيوية على المجتمع الامر الذي يساهم في التوجه تدريجياً نحو الشكل المثالي اي دولة قوية ومجتمع قوي.

وما نراه في مصر من مناقشات للدستور على مستوى الافراد والجماعات يدل على اتساع آفاق عملية التغيير.

انها اول مرة نرى صراعاً بهذا الشكل على دستور مصر. لا احد كان يهتم بأمر الدساتير في المراحل السابقة لان الجميع كانوا يعرفون انها كانت شكليات لا اكثر ولا اقل. الآن نرى المواطنين يناقشون ماذا اعطى لهم الدستور من حقوق وما به من نواقص. نرى نقله مهمة من مناقشه الدستور من مستوى المختصين داخل الغرف المغلقة ليصل الى مستوى المواطنين العاديين واول مرة نسمع فيها المواطنين يشيرون للمادة الفلانية او تلك في الدستور. فلم يحصل من قبل في تاريح منطقتنا ان حصلت نقاشات عامة حول الدستور بهذا الشكل الواسع الذي سيساهم بالضرورة في تعميق الوعي العام بحقوق المواطن بعدما كان الدستور في ايام انظمة الاستبداد امراً شكلياً لا يلتفت اليه احد.

والشكل الثالث اي نموذج مجتمع قوي ودولة ضعيفة يعنينا ايضاً في هذا التحليل لاجل الاضاءة على بعض الاشكاليات الموجودة في الثورات العربية خاصة التي لم تستكمل بعد.

اشكالية الثورات الكبرى انها لا تملك بوليصة تأمين لنجاحها. وهو امر لا يمكن حصوله ولا يمكن لاحد تقديم ضمانات بالنجاح هذا اذا استبعدنا بالطبع مقولة الحتميات الماركسية العامة والتي تفتقر في رأيي للعلمية. من طبيعة التغييرات الكبرى انها قد تطيح بأسس الدولة وحتى المجتمع احياناً. وقد تقود لاستئصال جذور النظام السابق وتقدم مؤشرات نحو بناء مجتمع جديد يتجاوز مرحلة الاستبداد. وقد تؤدي الى نتائج اكثر كارثية على البلاد مما فعله النظام الذي قامت الثورة لاجل تغييره. ولذا فان نتائجها ليست مضمونة باتجاه التغيير الذي تسعى له القوى التي تناضل لاجل التعددية ودولة المواطنه الحديثة. وتزداد الخطورة اكثر عندما لا تكون قوى التغيير الديموقراطي هي القوة الاساسية التي تقود مشروع الثورة. لانها ستكون مضطرة الى اقامة تحالفات مباشرة او غير مباشرة مع قوى تسعى للتغيير لكن وفق اجندات مختلفة بل قد تكون متصادمة مع اجندة قوى التغيير الديموقراطي. عندها يصبح من السهل دخول قوى تريد تغيير الستاتوس كو لكنها لا تؤمن بالديموقراطية وبالتعددية ولا بمنطق تداول السلطة والدولة الحديثة.

وهذه اشكالية صعبة امام قوى التغيير الديموقراطي وعبء اضافي يضاف الى اعبائها الصعبة الأخرى. على كل حال من وجهة نظري هناك علاقة ما بين طبيعة النظم الاستبدادية والفاسدة والقوى المقاومة لها.

فكلما كانت هذه القوى استبدادية وفاسدة اكثر قد تنتج معارضات قد تكون متماهية الى حد ما مع النظام الذي تحاربه. اي انها تحارب الاستبداد العلماني او الخليط من العلمانية والعائلية لكن لاجل استبدال الاستبداد العلماني بالدولة الشمولية الدينية.

لكن اعتقد انه متى بدأ الحراك الاجتماعى الواسع النطاق وتحرر المجتمع من ثقافة الخوف واللامبالاة صار من الصعوبة بمكان لاي قوى استبداد من اى نوع ان تجد لها ارضاً صلبة كما كان في السابق. وهنا يبدأ فعلاً دور قوى التغيير الديموقراطي.

د.سليم نزال

باحث في الفكر والتاريخ







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق