العدل بين الخطاب القرآني و التراث التفسيري
الرازي والقرطبي أنموذجين
كتبه: الدكتور احميده النيفر
حرر في: 2010/07/12
التعليقات: 0 - القراءات: 8243

يورد د. محمد أحمد خلف الله في مبحث له عن (العدل) نشرته الموسوعة الفلسفية العربية(1) ما يفيد أن هذه المادة ظلت في استعمالها القرآني ثم في ما أثبته المفسرون قريبة من معناها اللغوي الذي يدل على المساواة. ما حض عليه الإسلام من قيمة العدل، استقر، حسب (خلف الله)، على الدلالة المعهودة فلم ينضف إلى معنى المماثلة بُعدٌ آخر مختلف عمّا استُمِد من الحياة البدوية، حياة الضعن حيث كانت الأمتعة تُقسَم عند الترحّل لتكون متساوية على جنبي البعير(2). ما انضاف بعد قرون من أبعاد جديدة في استعمال هذه القيمة في أكثر من موضع لم يمكّن رجال الفكر من وضع تعريف للعدل أشد وضوحا وأجمع دلالة. لقد استقرت عمومية هذا اللفظ لدى المفسرين والمفكرين لكون الاستعمال القرآني للعدل كان عامّا باستثناء موضعين اثنين لا يغيّران جوهريا وجهة المفهوم: سياق الأمانات والفصل بين المتنازعين وسياق الحياة الزوجية.

على هذا فإن " خلف الله" يقرّ ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده في تفسير المنار حين قال إن " العدل من المعاني الدقيقة التي يشتبه الحد الأوسط فيها بما يقاربه من طرفي الإفراط والتفريط ولا يسهل الوقوف على حدّه والإحاطة بجزئياته المتعلّقة بوجدانات النفس كالحب والكره فيما أطلق من اشتراط العدل، اقتضى ذلك الإطلاق أن يفكر أهل الدين والورع والحرص على إقامة حدود الله وأحكامه في ماهية العدل وجزئياته ويتبينوها."(3)
ما يخلص إليه " خلف الله" في مبحثه الذي ركزه على الاستعمال القرآني ثم على ما تواضع عليه الفكر العربي الإسلامي بعد ذلك يمكن تلخيصه في أربع نقاط:
- إذا كان الإسلام يدعو إلى المجتمع العادل فإن الاستعمال القرآني و ما اثبته عموم المفسرين لم يتجاوز بالعدل معناه العام وهو : إعطاء كل ذي حق حقه وإيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه.
- هذا الطابع العام غير المتخصص الذي لم يلاحظ مختلفَ أنماط العدل وتجلياته يتيح المجال لأولي الأمر من أهل الحل والعقد ورجال الشورى أن يختاروا الصيغة أو الصيغ التي تلائم المجتمعات تحقيقا لقيمة العدل بما يحايث واقعهم و يستجيب لمستجداته.
- لا مجال لاستبعاد المفهوم التاريخي عند تمثل قيمة العدل في مختلف الأوضاع مراعاةً لسنة التطوّر. مؤدى هذا أن حكما شرعيا ما أُقيم تحقيقا للعدل في سياق تاريخي يمكن في سياق آخر مغاير إيقاف العمل به لأنه لم يعد محققا لتلك القيمة (حكم الغنائم وما يأخذه المقاتلون منها)(4).
- لا تمييز في التشريع الإسلامي عند إقامة العدل بين المسلمين كما لا يجوز التفريق بين عموم الناس لاعتبارات الجنس أو اللغة أو الدين تحقيقا لذات القيمة.
أهم ما يمكن أن يلاحظ في مبحث العدل للدكتور "خلف الله" والذي نشره في ثمانينات القرن الماضي أنّه جاء مؤكدا لما كان قد أذاعه من قبل في رسالته عن "الفنّ القصصيّ في القرآن الكريم" التي نوقشت سنة 1947و هو في ذلك لا يختلف عن منهج أستاذه " أمين الخولي" رائد المدرسة الحديثة للتفسير(5). أقيمت هذه المدرسة على أساس منهجي أطلق عليه الخولي اسم "التفسير البياني للقرآن" غير أنّه يختلف عما وُضع من تفاسير اعتنت في الماضي بالإعجاز البلاغي للقرآن بمنطق دَعَوِيٍّ وتراثيٍّ غايته الدفاع عن الإسلام والرد على خصومه.
كان مقصد "خلف الله" وهو يتابع خطوات أستاذه هو بيان خطل المناهج التفسيرية ذات الوجهة المذهبيّة والتوظيفات الدعَوِيّة. ما عمل على تجنبه المنهج البياني التجديدي هو الإقلاع عمّا ساد عند عموم المفسرين من توظيف معارفهم ورُؤاهم على النص القرآني قصد استخراج ما يدعمون به أفقهم الفكريّ والمذهبي.
كيف يكون المفسّر قارئا متفهّما للنص حريصا على معناه ومقصده و ليس متسلّطا عليه متعسّفا معه وكيف يكون الخطاب القرآني حيّا في المقاربة التفسيرية؟ ذلك كان الهاجس الفكري والمنهجي الذي صاحب أعمال الخولي و تلميذه خلف الله.
ما نسعى إليه في هذا الدراسة ينطلق من محاولة تقويم ما أثبته خلف الله في مبحثه عن العدل في النص القرآني بالاحتكام إلى ذات المنهج البياني الذي اعتمدته المدرسة الحديثة للتفسير ودعمه بمواصلة تحليل قيمة العدل في الخطاب القرآني باعتماد منهج تفسيري أحدث وأشمل في الدراسات القرآنية هو المنهج الدلالي. غاية ما نقوم به في الأثناء من مقارنة نرصد بها أبرز ما ميّز عمل مفسرين كبيرين هما الفخر الرازي ( تـ 606هـ ) والقرطبي ( تـ 671هـ)في ذات الموضوع هو إحكام التقويم منهجيا وفكريا.

من التفسير التجزيئي إلى التفسير الموضوعي

تميّز القرن الرابع عشر هجري الذي وافقت بدايته سنة 1883 م بظهور بوادر مشروع نهضة سياسية و اجتماعية في البلاد العربية الإسلامية تلت حملة نابليون على مصر ثم قيام الجيوش الفرنسية باحتلال الجزائر. واكب هذا بروزُ تجربة "التنظيمات" في الدولة العثمانية ومحاولات الإصلاح في مصر في عهد محمد علي باشا و في تونس في دولة المشير أحمد باشا باي وكذلك في المغرب مع محمد الرابع وحسن الأول. لكن أهمية هذا القرن تتجاوز هذا المجال لكونها شهدت تحقق تطور واضح شمل البناء الفكري الذي ما كان للمشروع السياسي الاجتماعي أن يتجسد ويتواصل في البلاد العربية الإسلامية لولاه. لو حرصنا على متابعة مسيرة هذا التوجّه الفكري في نموّه المتدرج لتبينت جملة من الأسئلة الكبرى التي سعت إلى تحريك الأنساق المعرفية المتوارثة التي لم تقع مراجعتها طوال قرون.
من أبرز تلك الأسئلة وأكثرها إلحاحا ما كان متعلقا بالتراث التفسيري والقاعدة المنهجية التي ينبغي اعتمادها في التعامل مع النص القرآني. شرع جمال الدين الأفغاني: (تـ 1314/1897) في هذا المسعى حين حدّد موقفا واضحا من التراث التفسيري قائلا: "القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أمّا ما تراكم عليه وتجمّع حوله من آراء الرجال واستنباطهم ونظريّاتهم فينبغي أن لا نعوّل عليه".
تحدد الوعي التاريخي عند الأفغاني بجملة من العناصر كان من أهمّها لزوم مراجعة المنظومة الفكرية والمنهجية التي يعتمدها المسلمون في قراءة تراثهم التفسيري للقرآن الكريم. لذلك لم يتردد في القول في أسلوبه المميّز: "القرآن، القرآن! وإنّي لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون عن الفقر المُدقع... وكيف لا أقول وا أسفاه! وإذا نهض أحدٌ لتفسير القرآن، فلا أراه إلاّ يهيم بباء البسملة ويغوص ولا يخرج من مخرج حرف الصاد في الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوّة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيويّة والأخرويّة."(6)
ما رسّخه مرور قرن من الزمن على مقولة أشهر مؤسسي التوجه الإصلاحي هو تأكد هذا النهج عند عدد متزايد من علماء المسلمين ومفكريهم بما حقق الارتباط الوثيق بين خلاص المسلمين من حالة الانهيار المهدد لكيانهم وبين الحاجة المتأكدة لإجراء تغيير في التقاليد الثقافية، أي بالتلازم بين عنصر التغيّر الاجتماعيّ وبين النزعة العقليّة في الإسلام التي تستدعي من بين ما تستدعي أسلوبا جديدا في تفسير القرآن الكريم.
هذا ما انتهى إليه مثلا فضل الرحمن (تــ 1409/1988)(7) في رؤيته التجديدية للبناء الثقافي والفكري في العالم الإسلامي المعاصر. لقد صدّر كتابه " الإسلام وضرورة التحديث " بفكرة محورية تجعل الأسئلة الإشكالية الكبرى المتعلّقة بالحرية وبإنسيّة المشروع الثقافي في الإسلام مندغمة مع أولوية البحث في المنهج القرآني. في ذلك يقول إن " التغيير الاجتماعيّ [ في العالم الإسلامي ] موصول بأسلوب تفسير القرآن و تعثّرات الحاضر وعدم نجاعة الأدوات الفكريّة المعتَمدة إنّما ترجع إلى الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه(8).
باحث معاصر آخر يشتغل من الداخل الثقافي، هو طه عبد الرحمن،(9) لا يختلف مع هذه الوجهة فيعلن في أحدث مؤلفاته أنه" لا دخول للمسلمين إلى الحداثة إلا بحصول قراءة جديدة للقرآن الكريم ذلك أن القرآن هو سرّ وجود الأمة المسلمة وسر صُنعها للتاريخ"(10). مثل هذا التوجه الحديث، رغم نموّه البطيء، يعتبر أهمّ ما ميّز الحركة الداخلية للأفكار في العالم الإسلامي طوال القرن المنصرم. شكّل هذا التوجّه المتنامي بإنتاجه المتراوح بين دراسات تطبيقية جزئية غالبا وأخرى تنظيرية ضغطا على الأوساط المحافظة التي قبلت بإمكان تجاوز " التفسير التجزيئي " والقبول بــ"التفسير الموضوعي". موازة لهذا القبول حرص التيار المحافظ على التأكيد أنّ هذا الأخير وإن لم يظهر كمصطلح متميز إلاّ في القرن الرابع عشر فإنّ لبناته كانت موجودة مـنــذ عهد النبوة وما بعده.
لكن المعالجة الحديثة ظلّت تطوّر دراساتها القرآنية في وجهة نَحت بالتفسير الموضوعي منحى مختلفا عمّا اعتمد في القديم مما كان يعرف بتفسير القرآن بالقرآن أو جمع آيات الأحكام أو كتب الأشباه والنظائر. لقد اتضح من الدراسات البحثية العديدة أن ولوج باب التفسير الموضوعي يفضي إلى ضرورات منهجية وحاجة إلى إجابات تتطلب عُدّة معرفية لا يمكن أن يتوفر عليها المفسّر التجزيئي وهو يتابع المقاطع القرآنية آية آية وفقا لتسلسلها في المصحف. لا يعني هذا أن المفسرين القدامى كانوا في إعراض كامل عن بقية الآيات التي وردت فيها المسألة المبحوثة لكن استعانتهم تلك تظل محكومة بمدلول الآية التي ينشغل بتفسيرها المفسر بدرجة أولى. أما التفسير الموضوعي فهو يتجاوز مجرد جمع الآيات التي ذكر فيها الموضوع المدروس مع الاستفادة من آيات أخرى لإيضاح ما هو بصدد تفسيره من آي القرآن، إنه أكثر من ذلك إذ يضع المفسرَ إزاء المعجم القرآني بكامله للبحث في الوحدة الجامعة التي تنتظم جانبا من جوانب ذلك المعجم. ما يسمح بهذا التوجه هو الاعتقاد أن بين المدلولات القرآنية روابط عضوية يمكن التوصل إليها بدراسة قضية بعينها وهو توجه يقتضي الإقرار بأمرين أساسيين هما: 1- الاعتقاد أن وراء مجاميع الموضوعات القرآنية نظرية توحّدها وتربط بين مختلف مجالاتها و هو ما يمكن أن نطلق عليه : الخطاب القرآني الجامع. 2- تحديد مثل هذا الموقف النظري العام للقرآن الكريم يتطلب ضرورة التوصل إلى منهجية مناسبة تسمح باستخراج جانب من الخطاب القرآني المتعلق بالموضوع المدروس وما يرتبط به من خصوصيات وتفريعات.
لعل أفضل مثال يمكن تقديمه عن هذا الجدل الذي يتيحه التفسير الموضوعي بين دلالة مسألة جزئية مدروسة في أكثر من سياق وبين الرؤية العامة للخطاب القرآني ما سجله " أمين الخولي" ( تـ 1386/ 1966) ، أحد روّاد المدرسة الحديـثة في التفسير من أسئلة تبادرت إليه وهو يتابع موضوعا محددا في كامل الخطاب القرآني. كان في بعض دروسه التي ألقاها بمناسبة شهر رمضان يتطرّق إلى جملة مسائل من قبيل معنى كلمة "أُنزل" الواردة في قوله تعالى "شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن" (11). فما هو الإنزال الذي تمّ للقرآن في شهر رمضان؟ يجيب "الخولي" بعد استعراض جملة من أقوال القدامى ملاحظا أنّك: " لا تجد من هذه الأقوال التي دار حولها المفسّرون جميعا في فهم الآية رأيا ترتاح إليه...لقد قصروا النزول على المعنى المادي في الانتقال والهبوط وليس هذا كلّ معنى الكلمة، وليس هذا كلّ ما استعمل فيه القرآن هذه الكلمة ...لقد استعملها في حسّيات ليس فيها انتقال ولا هبوط إذ يقول: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد" (12). ثم يتساءل كيف أُنزل القرآن في شهر رمضان مع أنّه إنّما نزل مفرّقا في عشرين سنة أو أكثر عند المناسبات وليس في شهر رمضان فقط "(13). ما يقترحه بعد ذلك من فهم لموضوع الإنزال يغاير أقوال المفسّرين المختلفة في الموضوع وذلك بمراعاة الخطاب القرآني العام من جهة فيما يتصل بالمسألة وفي صلة الموضوع من جهة أخرى بعبادة الصوم وما تتطلبه من رياضة نفسية. الإنزال على ذلك هو تقريب القرآن للناس كي يدركوا أنه نعمة وهداية بما يجعل إنزال القرآن في رمضان هو تيسيره و جعله أُنسا للناس بحيث يدركون خيره فيقبلون عليه مرتاضين بالصوم آنسين به(14).
يقدم لنا هذا المثال نوع الآفاق التي تنكشف من الدرس الموضوعي حين يختار الباحث مسألة من مسائل القرآن للنظر فيها والعمل على تحليل دلالاتها بعد استحضار ما انتهى إليه المفسرون القدامى. تنحسر من وراء هذا المسعى بعض التساؤلات التي يمكن أن تكون قد طرحت على المفسرين القدامى لكن المفسر الحديث يجد نفسه غير مقبل عليها وغير راض عنها. ذلك أن ما قُدّم من إجابات في عصور سابقة لا يساعد، موضوعيا، على إبانة كلام الله بالكشف عن مرامي خطابه لكون تلك الإجابات لا تراعي الأفق الثقافي والمعرفي للقارئ في سياق تاريخي مغاير لما عرفه القدامى. قدسية النص القرآني وتعاليه عند هذا التوجّه في التفسير يعنيان أن فهم النصّ القرآني لا بد أن يكون متجددا وهو لا يكون كذلك إلاّ إذا ظل موصولا بنفس الإنسان وأفقه أيا كانت درجة تطوّره ومبلغ علمه. بذلك فإن الكشف عن المعنى القرآني لا يتوقّف فهو مستمر وذلك بالتفاعل مع طاقات الإنسان و فاعليّة واقعه الفكريّ والاجتماعيّ.
يحق لنا أن نسأل في هذا المستوى عن المصدر الذي يتيح للمفسر الحديث المعتمد المسلك الموضوعي أن يقدّر أن ما سجله القدامى في خصوص المسألة المدروسة غير مطمئن؟
يتحدد الجواب من خلال المنهج الذي كنّا ألمعنا إليه منذ قليل. ذلك أن ما يدفع إلى تجاوز عدة إجابات كان حولها نوع من الاتفاق في القديم هو اختلاف المنهج أي اختلاف طبيعة النظام الفكري والنسق الثقافي الذي تأسس عليه فهم القدامى للمسألة بالمقارنة مع ما أصبح لدى الدارسين المحدثين. ما يعتمده هؤلاء في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم هو تركيب بين جملة من المعارف بعضها قديم والآخر حديث في تفاعل مع المدلولات القرآنية و ما يؤلف بينها من تصوّر خاص وما ينتظم كل ذلك من نظرة قرآنية شاملة .
لقد نمت المدونة التفسيرية منذ القرن الثالث الهجري حتى القرن العاشر في اتجاهات متقاربة لكونها اعتمدت منهجيّة محدّدة قد لا يقع التصريح بها لكنّها تظلّ قائمة بشكل واع في أذهان كافة المفسّرين القدامى. فسواء تعلّق الأمر بالتفاسير القائمة على الأثر أو الرأي أو ما سُمّي بالتفاسير الفقهية أو الاعتزاليّة أو الإشاريّة فإنّها -لاعتنائها بمدلولات القرآن - لا يمكنها التوصّل إلى ذلك إلاّ بعُدّة معرفية صيغت ببنية فكرية كلامية تنافح عن الدين ضد الخصوم و رؤية مثالية للحقيقة لا تربط بين فهمها لها وبين وعي المفسر ومقتضيات اللحظة التاريخية. ذلك كلّه كان حصيلة تقارب مفردات المنهج الثلاث التي تحقق التوازن الداخلي لأية مبادرة تفسيرية: معارف المفسر وبناؤه الفكري ثم رؤيته للحقيقة ضمن زاوية السيرورة التاريخية للفكر الإنساني أو بتجاهل لها.
لا غرابة بعد ذلك إن آلت التفاسير القديمة ـ على تنوّعها المذهبيّ ـ باعتمادها على إطار معرفيّ ثابت إلى إعادة إنتاج نفس الأفهام للأسئلة التي لا بد أن يطرحها المفسر الحديث من خلال معالجته الموضوعية للقرآن الكريم. هذا التباين في التكوين المعرفي والأفق الفكري والرؤية للعالم يجعل إقرار ما نصّت عليه التفاسير القديمة ذات المنحى التجزيئي أمرا متعذرا لا يرى فيه المفسر الموضوعي سوى صدى لإطار معرفيّ مختلف قدّم المدلولات القرآنيّة في محاورها الكبرى وفق ذات البناء وذات الرؤية وكأنّه وقع الإقرار بالتوصّل الأمثل لمعنى كلام الله تعالى.

موقع العدل بين التوحيد والتكليف

غاية ما قصدنا إليه في الفقرة السابقة من تأطير تأريخي عام هو تحديد لبعض التساؤلات المنهجية المطروحة على الدراسات القرآنية في الفضاء العربي الإسلامي. هذه التساؤلات تكشف لنا من جهة طبيعة التطوّر الحديث الذي شمل "علم التفسير " وما عنته تلك التساؤلات من ضرورة إعادة النظر في القواعد المنهجية وما يرتبط بها من "مسلمّات علمية ". اهتمامنا بالسؤال المنهجي في المقاربات التفسيرية الحديثة يرتبط من جهة أخرى بالتحديات الفكرية والحضارية التي يواجهها الفكر الإسلامي المعاصر من قبل دارسين غربيين. لقد تنوّعت اهتمامات هؤلاء الباحثين إذ اتجه بعضهم إلى مراجعة قضية تاريخية القرآن ونشأته بينما اهتم آخرون بلغته وتشريعاته وركز صنف ثالث عنايته على بنيته وخطابه و قدرته على التجدد. لكن هذه الأبحاث على تنوع مقارباتها تلتقي في مقولة مشتركة هي ضرورة اعتماد مناهج تحليلية جديدة تختلف نوعيا عما ساد لدى قدماء المستشرقين الغربيين. لقد ثابر عموم المستشرقين المعاصرين طوال العقود الثلاثة الأخيرة في التأكيد على ضرورة القطع مع المناهج الفيلولوجية والتاريخانية القديمة بتوخي مناهج بحثية جديدة. تكثّف هذا المسعى في السنوات الأخيرة خاصة لتفسير ظاهرة العنف الدموي السياسي المنسوب إلى المسلمين و الذي ألحق أضرارا بمناطق مختلفة من العالم من أبرزها العالم الإسلامي ذاته.
ما وقع إنجازه من قِبَل هؤلاء الباحثين المراجعين للمقولات الاستشراقية القديمة سواء أوقع الاعتماد فيه على مناهج أنتروبولوجية أم ألسنية إنما كان يصدر عن ثروة معرفية معاصرة و أطروحات تفكيكية لا مناص من إتقان التصرف في أصولها النظرية حتى يتأتّى نقد النتائج التي توصلت إليها. إن إهمالها من جانب الباحثين المسلمين بأية حجة إنما هو إعراض عن تحدي المعرفة الذي لا غنى عنه اليوم. هذا التحدي الذي يتطلب تمكّنا علميّا للخروج من حالة التهميش في هذا المجال خاصة بما يعنيه من عدم نجاعة دراسات قرآنية متقدمة دون اعتماد فيها على مناهج بحثية متطورة.
إنّه تحدي النديّة الذي تكون غايته الأولى بلوغ درجة المساهمة في إنتاج المعرفة. هو تحدٍ يجعل الباحثين المسلمين يتعاملون مع أساليب البحث المعتمدة لدى الغربيين بغَضّ النظر عن النتائج التي وقع التوصل إليها، إذ المناهج ليست مؤدية بالضرورة إلى نفس النتائج التي انتهى إليها الآخرون. من هذه الناحية الأولى يتبيّن أن " المعركة" الدائرة الآن هي معركة مناهج وأنه لا قِبَل للباحث المسلم المعاصر في الدراسات القرآنية أن يُعرِض عن مستلزمات هذا التحدي العلمي.
من جهة ثانية فإن ما توصّل إليه الباحثون الغربيون المراجعون بالغ الخطورة لأنه لا يرتبط بقضايا نظرية وتاريخية عامة أو مواقف تتعلق بالإيمان والكفر فقط بل لأنه يضع جملة اقتراحات عملية وخيارات إستراتيجية لتمثّل الحضور الإسلامي في العالم وكيفية التعامل معه. من هنا أصبحت لأعمال أولئك الباحثين المتخصصين مصداقية بالغة الأثر على أصحاب القرار في الدوائر الغربية الأولى فضلا عن تأثيرها الأكيد على جانب من النخب العربية الإسلامية المفكرة والحاكمة.
حين يعلن هؤلاء المستشرقون الجدد مثلا أنه بناء على جملة من الأبحاث الجديدة المتصلة بخصوصيات المجتمعات المسلمة المختلفة فإنّه لا يوجد إسلام معاصر واحد إنما هي تقاليد مختلفة من قطر إلى آخر ورموز عامة، حين يعلنون ذلك فإنهم يكونون بصدد "تسويغ" مشاريع غربية تعمل على ضرورة درء "فوضى الإسلام" عن العالم المتمدن (15). إزاء أطروحة كهذه تعتمد آليات المبحث الاجتماعي الأنتروبولوجي وتنتهي إلى أن "وحدة الإسلام هي وحدة رمزية" وأنّه دين لا يحمل طبيعة توحيدية يقدّم آخرون من مدخل ألسني معالجة مختلفة علمية لكنها لا تختلف من حيث نتائجها عن الأطروحة السابقة.
ذلك ما فعله باحثون يشتغلون على البنية القرآنية بأدوات علمية تفكك النص وتخضعه للتحليل والدرس اللساني لينتهوا من ذلك إلى أنه لا يمكن الاطمئنان للنصوص المؤسسة للإسلام لأنها لا تمثل حقائق ولا صورة عن الحقيقة التاريخية. لا تتردد مثل هذه الأطروحة الثانية في القول بأن النص القرآني وكذلك السنة النبويّة إنما وُضعا في فترات تالية لبناء دولة الأمبروطورية العربية أي بعد ما يقارب القرنين من الزمن لذلك جاءا معبّرين عن مصالح ذلك العصر وعقليته. مثل هذا التعامل مع النصوص المؤسسة للإسلام هو في جانب منه قياس على التعامل الذي سلّط على النص المقدّس بعهديه باعتباره نصوصا ظهرت تالية للفترات حياة رسل الله الذين تنسب إليهم. هذا التوجه المنكر لأصالة النصوص المؤسسة للإسلام وقيمتها التاريخية لا يرى فيها خطابا واحدا أو رؤية تصورية متجانسة للكون والإنسان بقدر ما هي في نظره شراذم وقطع مأخوذة عن اليهودية أو المسيحية ركبت مع نصوص أخرى استجابة لاعتبارات سياسية لاحقة بما يؤدي إلى نتائج خطيرة كالقول بأنّ أساس حضارة المسلمين هي قوّة الدولة وضعف الثقافة والمجتمع(16).
أمام هذه الرؤى والنتائج المتذرعة بالمناهج العلمية التي لم تعد تأبه بالتراث الإسلامي هل من المستغرب تأسّي باحثين ونخب من بني جلدتنا متتلمذين على المستشرقين الجدد لا يتحرجون في اعتماد تلك المباحث وتأكيد أن حضارة الإسلام انقرضت وأنّه لا مستقبل للمسلمين؟
هل يكون من المجدي الاستخفاف بهذا المساعي التشكيكية في الجذور التاريخية والحضارية للشرق المستفيدة من الآلة العلمية قصد الاستيلاء الرمزي على العالم الإسلامي لاستباحته بعد ذلك؟
ما لا مفرّ من إقراره هو ضرورة خوض معركة المناهج بما يسمح للباحثين المسلمين في الدراسات القرآنية استيعاب المعارف الجديدة والخروج من طور التهميش تطلّعا إلى طور الإضافة التي لا يمكن أن تتم إلا بالمشاركة في صناعة العلوم.
ما سنتولى بحثه فيما يلي من هذا العمل هو تمثّل هذا التحدي المنهجي من خلال إجراء عمل تطبيقي يتعلّق بموضوع العدل في الخطاب القرآني. في هذا سنأخذ بعين الاعتبار ما انتهى إليه الدكتور خلف الله في مبحثه عن ذات الموضوع وما حدده أستاذه أمين الخولي من خصائص لمنهجه التجديدي في التفسير. لكننا نضيف إلى ذلك المقاربة الدلالية التي تدرس التعابير البارزة أو المفتاحية في اللغة القرآنية ضمن حقول تشترك فيها مع عبارات أخرى تتشارك فيما بينها في إيضاح مفهوم أوسع يقدّم تفسيرا للعالم يميّز الخطاب القرآني العام.
يرد الجذر "ع د ل" في القرآن الكريم بمشتقاته ضمن استعمالات مختلفة تصدر من الدلالة الأولية للجذر وهي "المكافئ" لتكسبها معنى مرادفا هو "المستقيم"، ما جعل العِدل من الناس هو المَرضِيُّ قولُه أما العادل فهو جائز الشهادة(17). ذلك يتيح القول إن الدلالة المشتركة للعدل وثيقة الصلة بمفهوم الاستقامة أو "ما قام في النفوس أنه مستقيم" فهو مفهوم أخلاقي يتصل بأكثر من مجال.
لكن ما يلاحظ بخصوص نسبة الاستعمال أن العدل لا يعدّ، إحصائيا، من العبارات الأكثر ورودا في القرآن ذلك أن الجذر بمشتقاته المختلفة ورد في 24 آية فقط. مع ذلك فإن وروده جاء متقاربا بين الآيات المكية، 12 مرة ومثلها آيات مدنية مع فارق واضح بين استعمال بالمعنى المجمل للعدل في الآيات المكية و هو الحرص على الحكم الصائب مثل:" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى"ِ ( 18) و بين استعمال تفريعي أكثر تحديدا يتصل مرة بمسؤولية أولي الأمر: و" أُمرت لأعدل بينكم"(19) أو في الأقضية والمحاسبة" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"(20) وفي أكثر من مرة في العلاقات الأسرية والمعاشرة العائلية" فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة "(21).
إلى جانب هذا فإن استعمال العدل لم يتمحض للسياق الأخلاقي العام وما يتصل به من آليات تنظيم المجتمع بل نجده أيضا في المكي والمدني مفهوما موصولا بالذات الإلهية وما يرتبط بها من أسس الاعتقاد:" وتمَّتْ كلمتُ ربّك صدقا وعدلاً لا مُبَدِّلِ لكلماته وهو السّميع العليم" (22)و قوله " فلا تَتَّبِعوا الهوى أَن تَعْدِلُواْ وإن تلْووا أو تُعْرِضوا فإنّ اللّهَ كان بِما تعملون خبِيرا" (23).
من هذه الملاحظة الأولى يظهر أن قيمة العدل في الاستعمال القرآني لا تقتصر على كونها قيمة أخلاقية عامة تفضي إلى جملة من القضايا الإجرائية في السياسة والمنازعات المختلفة بل هي أيضا قيمة مرتبطة بالاعتقاد والتصوّر. من هذا التناسب بين الخُلقي السلوكي وبين الماورائي الإيماني يتضح أن هذا البعد الثاني هو الذي تتأسس عليه الآداب والحقوق ونظام المعاملات الاجتماعية. هذا ما يتيح لنا القول بوجود رؤية قرآنية تتأسس شرعية العدل فيها في المجال الإنساني على قاعدة عقدية هي التوحيد. من ثم يصبح العدل مطلبا أخلاقيا واجتماعيا يقتضيه ما يتجلّى من مستلزماته من قيم الاستقامة والانتظام والمساواة المتحققة في عالم الكائنات وما ينتظر الناس في عالَم الغيب. هذا ما يجعل العدل، إذا نظرنا إليه على اعتباره قضية قرآنية، جزءا رئيسيا أو "عبارة مفتاحية"، حسب المنهج الدلالي، في هذا الحيّز الخاص الذي يحتل فيه مفهومُ استخلاف الإنسان في الأرض المركزَ. مع هذا الحقل الدلالي الذي يتضمن خصوصا نظرية التكليف يصبح العدل أفضل تعبير عنها. بذلك يستمدّ كامل الحقل شرعيته من القاعدة العقدية التي تجعل الله هو مصدر العدل والتكليف وهو ما تكشفه حقول دلالية أخرى متقاربة مع حقل الاستخلاف و متعلقة بنظام الكون والتوحيد.
ما يبرزه هذا النسيج المفاهيمي القرآني هو أن العدل ليس ضرورة اجتماعية وإجراء يحقق التوازن والتكافؤ فقط بل إنّه ضرورة وجودية و كونية بالنظر إلى العلاقة الدلالية التي تفرضها من جهة نظرية التكليف ومقتضيات الحقل الصميمي للتوحيد من جهة ثانية. هذا الحقل الذي تتجاوز دلالته مجرد نفي الشرك و مجرد الإيمان بالله الواحد بل على أنّ التوحيد رؤية للعالم بمختلف مظاهره و تباين عوامله بصفته نسقا موّحدا يملك غاية واحدة و يصدر عن إرادة متجانسة.
على هذا تصبح الصياغة القرآنية المؤكدة بحرف التوكيد والمصدّرة باسمه تعالى في آية " إنّ الله يأمر بالعدل" (24) دالة على أن العدل لا يمكن أن يؤسس للحكم الصائب القائم على التقدير الحسي أو المعنوي إلاّ لكون الله الواحد الأحد هو مصدره ومصدر كل الأنساق الضابطة للكائنات التي تنتظم الوجود بما يحويه من تعدد وتركيب ونموّ.
هذا ما جعل الفخر الرازي ( تـ 606هـ /1209) وهو من أوائل من بحث مسألة " التناسب في القرآن" يقرر أن هذه الآية جامعة لما " يتصل بالتكليف فرضا ونفلا وما يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا" مستشهدا في ذلك برواية عن ابن مسعود يقول فيها عن هذه الآية: هي " أجمع آية في القرآن للخير والشر " (25). ما يورده الرازي في كتابه "شرح الأسماء الحسنى" ينبّه على الرابطة التأسيسية بين العدل قيمةً اجتماعية والأساس العقدي الذي تنهض عليه إذ يقرر أن الأمة اتفقت على إطلاق اسم العدل على الله تعالى على اعتبار أن المصدر: العدل يقوم مقام الاسم: العادل أي هو الذي يقوّم و منه تتحقق الاستقامة في الأمور(26).


بناء على هذا النظام المفاهيميّ الذي يتخلل النسيج القرآني، تتضح نتيجتان:
الأولى أن العدل قرآنيا منظور إليه من الزاوية الدلالية له وظيفة بارزة في صياغة نظرة قرآنية إلى العالم. هو مفهوم لم يقع ابتكاره مع نزول القرآن إذ كان متداولا بمعنى المساواة التي تدرك بالحاسة أساسا. ما جدّ مع الاستعمال القرآني هو التغيير في البنية الدلالية للعدل بوضعه في منظومة مفاهيمية مختلفة جوهريا عما تعرفه مجتمعات عشائرية رابطة الدم والولاء للقبيلة فيها هي الأساس. هذا التغيير أضاف إلى فضاء العدل قيمة جديدة جعلت للمسلمين حقوقا بعضهم على بعض بما يستلزم التضامن و التراحم والتناصح ثم زادت على ذلك بعدا ثانيا للعدل في التعامل مع الأمم الأخرى (27). قام أساس هذا التحوّل الدلالي على تغيير تصوّري في رؤية العالم والكون من حالة التشظي الفاقد للغائية إلى النظرة التوحيدية الهادفة التي ترى أن الكائنات جليلها وحقيرها منظوية كلّها في نظام مُحكم مما يجعل التعدد غير مناقض للوحدة وأن التنوّع من مقتضيات التوحيد.
الثانية
مؤدى هذا التغيير في البنية الدلالية هو ضرورة الانتباه إلى ما يسمى "المعنى السياقي" الذي ينتظم حقلا دلاليا كاملا بمختلف المفردات التي تترادف لتؤلف مع بعضها النظام المفهومي الجديد.
هذا يؤدي إلى أن ضبط مفهوم العدل قرآنيا لا ينبغي أن يقتصر على الآيات الأربع والعشرين التي استعمل فيها ذلك الجذر باشتقاقاته بحدّ ذاتها بل لا بد أن تضاف إليها عبارات أخرى تتكاتف في إضاءة البناء العامّ و المتكامل الذي تتنزل فيه.
في هذا يمكن أن نذكر على الأقل أربعة جذور تتضافر مع العدل لتجعل منه ضرورة عمرانية إنسانية وكونية. هناك أوّلا الجذر" ق س ط" المستعمل في القرآن بمشتقات متعددة (28)من أهمّها "المقسط" وهو من أسماء الله والقسطاس وهو الميزان (29). إلى جانبه نجد الجذر "و ز ن" الذي كان يستعمل في المعنى الوضعي لتقدير الثقل والخفة فأصبح الميزان معه رمزا للعدل و الشورى وغائية الحياة الدنيا:"والوزن يومئذ الحق" (30). ثم يأتي ثالثا الجذر "ق د ر " الذي يضيء المجال الكوني لحقل العدل الدلالي: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (31) وقوله: "هو الّذي جعل الشّمْسَ ضِيَاء والقَمَرَ نورا وَقَدَّرَهُ منازِلَ لتعْلموا عَدَدَ السّنِينَ وَالحسابَ ما خلقَ اللّهُ ذلك إِلاَّ بِالْحَقِّ " (32). أخيرا نجد الجذر "ح ق ق" المستعمل بنسبة عالية في القرآن بما يقارب الـ 260 مرة تشمل مجالات مختلفة من المال و الملك إلى القوانين المرعية أو الأمر المقضي وصولا للتعبير عن الصدق أو العدل (33). هذا مع بقاء دلالة المطابقة والثبات حاضرة كمعنى الابتدائي للجذر(34).
من هذا النسيج المفاهيمي يتبيّن أن العدل ليس قيمة اجتماعية تعمل من أجل إعطاء الحق إلى صاحبه فحسب إنما هو مدخل لفتح آفاق أرحب أمام الأفراد والجماعات يتمكنون به من الارتقاء الإنساني غير المحدود ضمن منظومة كونية متجانسة.

إشكالية الخطاب القرآني بين الرازي والقرطبي

أشرنا في الفقرات السابقة إلى الإشكالية التي اخترنا أن نعتمدها لبحث موضوع العدل في النص القرآني لدى أنموذجين من المفسرين القدامى هما الفخر الرازي في تفسيره الكبير والقرطبي صاحب الجامع لأحكام القرآن.
يمكن صياغة تلك الإشكالية على النحو التالي: إذا كان القرن الرابع عشر الهجري قد تميز ببروز مشروع نهضة سياسية و اجتماعية في البلاد العربية الإسلامية فإن أهم حامل لهذه المبادرة التاريخية هي نمو الوعي بضرورة مراجعة المنظومة الفكرية التي يعتمدها المسلمون في التعامل مع تراثهم. لكن معضلة هذا المشروع التحديثي ظلّت دون أساس منهجي محدد خاصة في مجال تفسير القرآن الكريم. بعبارة موجزة يمكن القول إن إشكالية القرن الماضي كانت في أساسها عجزا عن تجديد البناء المنهجي الذي يُحْكِم العلاقة بين المفسّر والنص القرآني.
لا ينبغي أن نفهم من هذا أنّه لم يقع التفطن لأولوية هذه القضية فلقد ذكرنا أن أكثر من مسعى قد ظهر مع باحثين مسلمين من أهمهم " أمين الخولي" الذي اهتم بالخاصية التاريخية اللغوية للقرآن و "عائشة عبد الرحمن" التي درست التنظيم الداخلي للنص القرآني ومحمد أحمد خلف الله الذي ركّز عمله على العلاقة بين الخطاب القرآني والبيئة الثقافية العربية(35). أشرنا أيضا إلى أن أكثر هؤلاء وضوحا في التعبير عن " الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه " كان فضل الرحمن، الباحث الباكستاني (36) الذي حدّد منطلقين لمعالجة العلاقة الإشكالية بين المفسر والنص القرآني. لقد أثبت أوّلا أن الوحي والخطاب القرآني قد تحوّلا كلاهما عند المسلمين اليوم إلى نص أي إلى مرجعية توحيدية لذلك فإن الذي يسعى إلى تغيير تلك المجتمعات والنهوض بها دون الاعتماد على القرآن كمرجع وذاكرة وهوية جماعية سيُسقط إمكانية أساسية في عملية النهوض.
ثم فسّر ثانيا تعثر الجهود العديدة في التعامل مع النص القرآني منذ عقود راجع إلى أننا نقرأ النص على أنه متعال لا ينحصر في زمان أو مكان أو أننا نقرأه في اتجاه مناقض أي على أنه لا ينفك مرتبطا بالقرن السابع في الجزيرة العربية.
ما عمل على إرسائه فضل الرحمن خاصة هو القول بأن الرأيين السابقين في طبيعة القرآن ليسا بالضرورة متعارضين وأن قدسية القرآن و تعاليه لا ينفيان محايثة جوانب منه لسياق تاريخي محدد. معنى ذلك إننا إذا قلنا إن القرآن يظل دوما صالحا للتطبيق فعلينا أن ننظر كيف تمّ اعتماد خطابه و تفسير تعاليمه لتناسب الظروف المتغيرة في العصور الأولى للإسلام. ذلك يحقق استيعابا للدلالة العامة للنص وإدراكا لتطبيقاتها المختلفة ووعيا بالظروف التاريخية التي صاحبتها ثم هو فوق كل ذلك ومن ثم ينجز تحقيبا للوعي وقدرة على المساهمة في مشاغل المجتمع وتفاعلاته المستجدة.
هو ذات الرأي الذي اعتمده محمد إقبال من قبل حين رأى في النص القرآني مستويين متكاملين: مبادئ عامة شاملة و تنظيم لجماعة معيّنَة يتخذ منها نواة وأنموذجا لبناء شريعة عالمية(37). هناك بنية للنص قاعدتُها مبادئ تقوم عليها الحياة اجتماعية للبشر جميعا يقع تنزيلها على حالات واقعيّة في ضوء العادات المميزة للجماعة التي يتوجه إليها النص. من تفاعل تلك المبادئ بالبعد الخصوصي التاريخي والتطبيقات التي يستلزمها يمكن إبراز البعد العالمي الإنساني في النص القرآني، إنّه البعد الذي تحتاجه الإنسانيّة في حياتها الاجتماعية بصفة ثابتة. ذلك ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح " الخطاب القرآني " الذي يميز بين ما هو مقصود لذاته أو غائية النص وقدرته على التوجه إلى كل الأوساط في كل الأوضاع وفي كل الأزمنة و بين ما لا يمكن أن يُفرَض بحرفيته على الأجيال المقبلة و البيئات المختلفة.
ما نرمي إليه في ما بقي من هذه الدراسة يبحث في مفهوم العدل كما تناوله مفسران قديمان للقرآن وكما هو معروض في النص القرآني. هذا الجانب هو في حقيقته تبيان تطبيقي للعلاقة الإشكالية بين المفسر والنص القرآني ومزيد من إضاءة معضلة المنهج في الدراسات التفسيرية للقرآن الكريم.
كيف فسر الرازي والقرطبي "العدل" في مختلف الآيات القرآنية باختلاف سياقاتها؟ كيف تدبّرا هذه القيمة في تساوقها مع عبارات أخرى كالقسط والحق؟ ما هي طبيعة الخلفية الثقافية والمعرفية التي اعتمداها في تفسيرهما وإلى أي حدّ كانت عاملا مساعدا أو مانعا من بلورة العدل كمفهوم قرآني خاص ؟
للإجابة ينبغي التذكير أوّلا أن التقارب الزمني الجامع بين الرازي المتوفى سنة 606 /1209 و القرطبي المتوفى سنة 671/1273 يقابله تباعد مكاني بين الرجلين. لقد ولد الأول وعاش في الطرف الشرقي من العالم الإسلامي (طبرستان وهراة) بينما يعد الثاني مغربيا إذ ولد وعاش بالأندلس ليستقر بعدها بمصر. يضاف إلى ذلك أن اهتمام العالمين بتفسير القرآن جاء عبر تخصص علمي واهتمامات معرفية مختلفة بين الرجلين إذ كان الأول أصوليا متكلما مناظرا بينما كان الثاني فقيها معتنيا باللغة والبلاغة والقراءات مع ميل واضح إلى الزهد.
من هذه الناحية فإن الباحث في التفسيرين يدرك أن التشابه الذي يتبادر للباحث في أسلوبهما لم يمنع من التباين الواضح في المصادر العلمية والغزارة المعرفية التي تتوفر لدى صاحب مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير مقارنة بما يحيل عليه مؤلف الجامع لأحكام القرآن. لا مجال للمقارنة من ناحية المضمون المعرفي بين الأثرين: كان الرازي مستوعبا في تكوينه وطريقة تحليله للفلسفة الأرسطية مع دراية كاملة بأساليب الحجاج الاعتزالي والرد عليها مما أتاح له أن يحدث في علم الكلام وفي التفسير اتجاها جديدا أثر فيمن جاء بعده مثل البيضاوي (تـ 685/1286)صاحب طوالع الأنوار وعضد الدين الإيجي ( تـ 752/1355) صاحب المواقف.
هذا بينما كان القرطبي يعكس الغنى الثقافي والمعرفي الأندلسي عامة ولمدينة قرطبة خاصة في العناية بميادين اللغة والفقه والحديث و القراءات والبلاغة والأدب والزهد. ندرك هذا من آثاره التي تبرز خصوصيته الفكرية، فإلى جانب تفسيره نجد له: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ، التذكار في أفضل الأذكار، الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة(38).
غير أن هذا التمايز في التكوين العلمي للمفسرين لم يؤد إلى تغيير جوهري في منهج العمل التفسيري عندهما. التفسير عند كلا الرجلين هو شرح الآيات القرآنية مقطعا مقطعا بل آية آية مع تدقيق خاص في الجوانب اللغوية والبلاغية وإيراد ما يمكن أن يساعد على الفهم من الآثار النبوية واختلاف القراءات إن وجد اختلاف. إلى جانب الشرح والتعليق فإن التفسيرين يلتزمان بالتبسّط في إثارة جملة المسائل العقدية أو الفقهية المتصلة بالآية المدروسة إلى ما يصل أحيانا إلى حد إثارة البلبلة حين تتعدد أوجه النظر في الجزئية دون التوصل إلى إدراك الدافع إلى كل تلك الإطالة. هذا ما جعل التفسيرين أقرب إلى الأسلوب الموسوعي الذي يعكس درجة تطوّر العلوم في القرن السابع الهجري وحرص المفسرين على استيفائهما معرفيا كل جوانب البحث التي تثار في الآية مجال الدرس. مثل هذا الإسهاب كان قدرا مشتركا لكنه كان أشد عند الرازي لذلك قيل في تفسيره بشيء من المبالغة " : " فيه كل شيء إلا التفسير ".
ندرك هذا الجانب الجامع بين الرجلين في تفسيرهما مثلا للآية 283 من سورة البقرة التي ورد فيها أمر بوجوب توثيق الدَين :"وليكتب بينكم كاتب بالعدل". يقول الرازي "إن في الآية مسائل أولّها في كيفية النظم وفيه وجهان أحدهما متصل بالإنفاق المذكور من قبل وهو أمر يوجب تنقيص المال والثاني وهو الامتناع عن الربا وهو أيضا سبب لتنقيص المال. يسأل المفسر عن التناسب النظمي بين الترهيب من الكسب الحرام ثم ما تلاه من ندب إلى ضرورة توثيق الديون فيبيّن أن في التوثيق حفظا للمال الحلال فالتناسب في التلازم بين الأمرين إذ لا تكمل القدرة على الإنفاق في سبيل الله و ترك الربا وملازمة التقوى إلا عند حصول المال وصيانته من الضياع والبوار أي عند التوثيق والضبط. يواصل إثر ذلك في شرح الجانب النظمي من الآية فيذكر قول القفّال بأن "ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار وفي هذه الآية بسط شديد" إذ ورد أولا "فاكتبوه "و ثانيا " كاتب بالعدل " وثالثا "كما علمّه الله " فكان هذا كالتكرار لقوله" كاتب بالعدل" لأن العدل هو ما علّمه الله ثم قال رابعا " فليكتب " وهذا إعادة الأمر الأول "فاكتبوه "وخامسا" الذي عليه الحق" وفي قوله " بالعدل " كفاية عن قوله" الذي عليه الحق" لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يُملى عليه و سادسا " وليتق ربه" وهذا تأكيد لما سبق وسابعا " ولا يبخس" فهذا كالمستفاد من قوله" فليتق الله" وثامنا " ولا تسأموا أن تكتبوه " وهو تأكيد لما مضى ثم تاسعا " ذلكم أقسط" وهذه مبالغة في الوصية لحفظ المال الحلال. ما يهدف إليه الرازي من هذا التفصيل هو إبراز وجه من وجوه النظم مناسب لما سبق من الحث "على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال". ثم يواصل مع الوجه الثاني وقول بعض المفسرين أن المقصود بالدَين هو السَلم(39).
أما القرطبي فيذكر أن في ذات الآية اثنتين وخمسين مسألة أولها ما روي عن سعيد بن المسيّب بأن أحدث القرآن عهدا بالعرش آيةُ الدَين و قول ابن عباس عنها إنها نزلت في السلم لينتقل منها إلى تعريف علماء المالكية لبيع السلم. عند المسألة الحادية عشرة يبحث القرطبي مسألة كاتب بالعدل فيذكر ما قاله عطاء وغيره عن وجوب الكتابة وما رواه الشعبي عند حالة تعذّر وجود كاتب سوى واحد ليشرح بعد ذلك معنى " بالعدل" فيذكر أنها تعني "بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل" ثم تتواصل التفاصيل والروايات ليعود ثانية إلى بحث ما ذكره علماء المذهب عن العدالة وأنها " الاعتدال في الأحوال الدينية وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر ظاهر المروءة والأمانة غير مغفل وقيل صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدِّل والمعنى متقارب" (40).
هذه الخصوصية التجميعيّة للمعرفة هي سمة شاملة للتفسيرين وهي تكشف سُنة ثقافية سادت في مشرق العالم الإسلامي ومغربه منذ ذلك العصر خاصة في التراث التفسيري. هي ذات السمة التي أضعفت ملكة التقويم والنقد وإليها يمكن أن نعزو إعراض المفسرَين عن مرامي بعض الآيات المتحدثة عن العدل في ترابطها وفي ما تعنيه تلك العلاقات و الاستعمالات المختلفة للمفهوم في كل مرّة. نجد هذا أوضح عند الرازي الذي لم يتوقف مرة واحدة ليشرح معنى العدل في كامل البنية القرآنية ضمن مقاربة توحيدية للموضوع. أن يحصل هذا منه وهو المهتم في الغالب بترابط المقاطع القرآنية وتساوق دلالاتها في السورة الواحدة أمر يؤكد الأثر البالغ للخصوصبة التجميعية عند مباشرة مسألة قرآنية محددة. نجد ذلك مثلا منذ الآية 48 وهي الأولى التي وردت فيها عبارة العدل من سورة البقرة: " ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل". بعد أن بيّن الرازي العلاقة التي تربط بين هذه الآية وما سبقها من وعيد للمكذبين جاء وصف يوم الحساب بأشد الصفات وأعظمها تهويلا له بأنه مانع لقبول وجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وطرق الفداء وهو معنى العدل هنا. يذهب الرازي بعد ذلك ليسأل عن الترتيب الوارد في هذه الآية الذي جعل الشفاعة تذكر قبل العدل بينما في ذات السورة اعتمدت الآية 123 الترتيب المغاير: " ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة". يستخرج سؤالين من الاختلاف في الترتيب: يجيب عنهما بأن ذلك من مقتضى الحكمة التي تراعي اختلاف أصناف الناس " بين من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس أو العكس"( 41).
يقدّم الرازي بهذه المناسبة تعريفا للعدل يستمده مما هو متواضع عليه في اللغة أي أنه الفدية وأنها من "معادلة الشيء، تقول ما أعدل بفلان أحدا أي لا أرى له نظيرا". ثم يربط هذا السياق بشواهد قرآنية تدعم هذا المعنى كقوله تعالى " فلن يقبل من أحدهم ملأ الأرض ذهبا ولو افتدى به " (42)وقوله" وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها"(43).
هذا السعي من قبل الرازي للبحث على نظائر قرآنية للعبارة التي يتولى شرحها أو لمجمل الآية نجد له شبيها لدى القرطبي وإن بنسبة أقل لكنهما يظلان ضمن الفهم التجزيئي الذي لا يستطيع بلوغ رؤية تركيبية شاملة للموضوع محل الدرس. في هذا تكون المعالجة التجزيئية المتخصصة في تفسير القرطبي أكثر استساغة لأن الهدف الأساس للمفسر وهو جمع لأحكام القرآن وما يتطلبه من إحالة على الآثار و تحرير الأدلة و ذكر ما يساعد على ذلك من مسائل القراءات و الإعراب والناسخ والمنسوخ. هذا في حين أن وجهة الرازي وعلمه كانت أقدر على تجاوز المعالجة التجزيئية. إن اختيار " مفاتيح الغيب" عنوانا لتفسيره واعتماد منهج قائم على الرأي والمعقول وعنايته المؤكدة بتوافق السورة مع غيرها وذكر المناسبة بين الآيات وما يواكب ذلك من الاستنباطات العقلية، كل هذه الاعتبارات كانت يمكن أن تساعد عمل الرازي على التوصل إلى المسلك الدلالي لبعض الكلمات المفاتيح كالعدل من خلال استعمال القرآن الكريم لها.
كيف يمكن أن نفسر بقاء مسعى الرازي، في مستوى الموضوع الذي يشغلنا وهو العدل، ضمن دائرة الدلالة اللفظية للكلمة كما فعل أصحاب كتب الأشباه والنظائر دون أن يتجاوز ذلك إلى بداية لدراسة مصطلحية موضوعية؟
ما يفيدنا به تأمل التفسير الكبير هو أن الرازي ظل في عمله التفسيري متكلما مناظرا بامتياز يسعى في كل مناسبة للمنافحة عن التصور العقدي الأشعري والرد على آراء خصومه خاصة المعتزلة والمجسمة. ساعده على هذا التوجه تأثره الواضح بالفلسفة المشائية في اعتمادها الأسلوب الحجاجي المنطقي وهو ما أذهله عما كان قد اهتم به أحد أعلام الماتريدية، أبو المعين ميمون النسفي، (تـ 508/1114). لقد تجنب النسفي في كتابه" تبصرة الأدلة" الفلسفة المشائية بل تحرّى في عمله الجانب اللغوي البلاغي مقتربا من المنهج الدلالي الذي يقدم في التفسير والعقائد ارتباط الفكر باللغة وتطوّر دلالات الألفاظ.
ما ينبغي أن نسأله اليوم خاصة بعد تطوّر علم الدلالة في العصر الحديث: ماذا يمكن أن يضيفه المنهج الدلالي لو سعينا إلى تطبيقه على التفسير الموضوعي عامة ومفهوم العدل في القرآن الكريم بالخصوص؟
للإجابة نقتصر في خاتمة المطاف على العودة ثانية إلى مفهوم العدل في المعجم القرآني مع ما اشتق من مادته ومحاولة رسم خط ناظم بين دلالاتها في مختلف المواطن.
عند تتبع مادة "ع د ل"اللغوية كما وردت في كامل النص القرآني بمشتقاتها المختلفة ودلالاتها في كل مرة ندرك أنها استعملت في ثلاثة مستويات متدرجة في القيمة والأهمية:
أ- المستوى المادي للعدل وهو المماثلة المعايَنة في القيمة والقدر فيكون المعنى عندئذ الفِدية أو النظير كقوله تعالى: "وإن تعدل كل عدل" (44) كما تكون بمعنى الشريك المساوي كقوله" الذين كفروا بربهم يعدلون" (45) وفي نفس الحقل تكون بمعنى التوازن والاعتدال "فسواك فعدلك" (46).
ب- المستوى المعنوي للمساواة وهو الذي يُدرَك بالبصيرة انطلاقا من الأحكام في المنازعات وما يستدعيه من احتياط وأمانة في التقويم: " يحكم به ذوا عدل"( 47)، "فإن فاءت فأصلحوا بينهم بالعدل"(48)، إلى المجال التقديري الأدق وهو المتعلق بالزوجة وما يعتمل في ذلك المجال من ميول وأهواء تقتضي منتهى الاحتراز عن أية إساءة أو جور: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"(49).
ج – مستوى الفضل والإضافة الذي يتجاوز فيه العدل مجال المساواة الشكلية أو المماثلة القانونية الاجتماعية لينفتح على أفق أرحب. في هذا المقام تتغير الموازين بصورة كلية بحيث تكون الحسنة بعشر أمثالها بما يستلزم درجة إيمانية يكون العدل فيها قرين الإحسان: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (50) الذي يقتضي الزيادة على القدر الواجب والذي يقتضي درجة عالية من الثقة في الاعتقاد " تمت كلمة ربك صدقا وعدلا (51). هو ذات المستوى الذي لا يجعل بُغضَ قوم دافعا إلى معاملتهم بالجور:"ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قوم ٍعلى أَلاَّ تعدلوا اعدِلوا هو أقربُ للتَّقْوى"(52).
مثل هذه القراءة لحقل العدل الدلالي في اتساعه وتصاعده يكسب مفهوم العدل دلالة متنامية لها دينامية متميزة تكشف جانبا من الخطاب القرآني الصالح لكل العصور. لقد انطلق النص القرآني بالعدل في مستواه الأول من المعنى العربي الأولي المتداول( الفدية والمساواة) ليجعله مطلبا أساسيا لمؤسسات المجتمع في مستوى ثانٍ ( إسناد الحق إلى ذويه بالقسط) ثم ليبلغ به مرحلة نهائية تكون بوّابة لنوع من التسامي بالفضل والأريحية التي لا تبنى المدنيات إلا بفضلها.

 حتّى يعود النص حيّا

كان أمين الخولي يؤكّد أنّه على المفسّر المجدّد أن يكفّ عن "استنطاق" النص القرآني أي أن يجعله ينطق بما يريد المفسر أن يجده فيه. مثل هذا التعسف " يُخرج القرآن عن وضعه ويناقض الحكمة الإلهية والغرض من وصله بحياة الدين والدنيا"(53).
لقد حاولنا في إطار عمل تطبيقي على مفهوم العدل في القرآن الكريم أن نبحث في الآفاق العلمية والفكرية التي يتيحها التفسير الموضوعي حين يقترن بالسؤال المنهجي وضرورة تجديده قصد الوصول إلى إبانة الخطاب القرآني.
لقد بدا واضحا من خلال المتابعة التطبيقية المتعلّقة بمفهوم العدل في النص القرآني وفيما سجله كل من الرازي والقرطبي في الموضوع أن الحاجة متأكدة لتجاوز مرحلة إفهام النص بعُدّة معرفيّة صِيغت في بناء فكري كلاميّ وفقهي غايته إقناعيّة وخصوصيّته دفاعيّة. معضلة هذه الرؤية أنها مثالية تتصوّر الحقيقة خارج التاريخ والعالَم لذلك فهي تَـقصُر عن بلوغ فهم أفضل لرسالة القرآن لدى أهل عصره الأوّل، ولدى أهل أزمنة أخرى.
لا غرابة بعد ذلك إن توارى الخطاب القرآني تدريجيا نتيجة مناهج معتمدة لا تعتبر المفسر قارئا لكلام الله ساعيا إلى كشف مراميه. ما حرصنا على القيام به في بحث قضية العدل كان الاستفادة من المنهج الدلالي الذي يحوّل المفسّر إلى "قارئ" متفهّم مما يجعل النصّ "حيّا حاملا للمعنى الذي لا ينضب". أهم نتيجة وقع التوصل إليها هو أن الخطاب القرآني له مقصد أسنى يدعو إليه باعتماده مفهوم العدل يتجاوز المساواة الشكلية المادية التي عرفتها المجتمعات الأخرى كما لا يقف عند حدّ الضابط الاجتماعي والقانوني لمعاقبة الظالم وإرجاع الحقوق لأصحابها. ما يميّز الخطاب القرآني في هذا الموضوع هو إمكان التسامي عن هذين المستوين للعدل بما يجعله مواكبا لمعنى الإحسان بما يقتضيه هذا الأخير من تراحم و تضامن و أخوة إنسانية. إنها مقاربة للخطاب القرآني تجعل للعدل دلالة قرآنية متميزة تتفوق على مجرد المساواة المادية و الاعتبارية لتتخطى بها ذينك المستويين إلى المستوى المتعالي الذي يسمح بممارسة العدل على مستوى إنساني و يضمن تحققه بأكبر قدر فيما دونه من المستويات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) الموسوعة الفلسفية العربية- المفاهيم ط 1 1986 المعهد العربي للإنماء ص 579 إلى ص 582
(2) لم يحصر القرآن الكريم العدل في المساواة لذلك فلم يعتبر المماثلة بين العالم وغير العالم من العدل " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" الزمر 39 /9.
(3) تفسير المنار، ط 3 القاهرة 1368، ج5 ص ص174-179.
(4) يرى المحققون من أهل الأصول أن الظروف المتجددة للوقائع تتطلب أحكاما جديدة، انظر فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مؤسسة الرسالة ط1، 1402/1982.
(5) انظر دراستنا عن النص الديني والتراث الإسلامي: قراءة نقدية، دار الهادي، بيروت ط1 ، 1425/2004 .وكذلك بحثنا عن مفهوم الحرام في الخطاب القرآني :
- Le péché dans le texte coranique: étude linguistique, Participation à un ouvrage collectif du GRIC , Paris 1999.
(6) محمد المخزومي، خاطرات جمال الدين الأفغاني، ط. بيروت 1931، ص99.
(7) باحث باكستانيّ ومدير سابق لمركز الدراسات الإسلامية بإسلام أباد و مدرّس الفكر الإسلامي في قسم لغات الشرق الأدنى بجامعة شيكاغو بالولايات المتّحدة الأمريكية. له عدة مؤلفات بالانجليزية منها : " الإسلام " و " النبوّة في الإسلام : الفلسفة والسلفيّة " وهي من منشورات جامعة شيكاغو. تُرجم له إلى العربية مؤخّرًا كتاب " الإسلام وضرورة التحديث : نحو إحداث تغيير في التقاليد الثقافية، تر. إبراهيم العريس، دار الساقي ط1 ، 1993.
(8) راجع فضل الرحمن، الإسلام وضرورة التحديث.
(9) طه عبد الرحمن أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم العربي الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. ولد بالمغرب وبه درس و نال إجازة في الفلسفة ثم استكمل دراسته بفرنسا بجامعة السوربون، حيث حصل منها على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه برسالة في موضوع "اللغة والفلسفة برسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود، ثم دكتوراه الدولة عن أطروحته "رسالة في الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه". درَّس المنطق في جامعة محمد الخامس بالرباط منذ بداية السبعينيات. حصل على جائزة المغرب للكتاب مرتين، ثم على جائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006. من أهم أعماله: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، اللسان والميزان، أو التكوثر العقلي،فقه الفلسفة.، القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل، سؤال الأخلاق.مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري.
(10)طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية.
(11) سورة البقرة2/185.
(12) سورة الحديد57/25.
(13) ) أمين الخولي، من هدي القرآن،الهيأة المصرية للكتاب، 1978، ص ص126-127. ودائرة المعارف الإسلاميّة فصل: التفسير، مجلّد 5 ص ص 348-374.
(14) ، المرجع السابق ص.128.
(15) إرنست غيلنّر، مجتمع مسلم، ترجمة أبو بكر أحمد باقادر، مراجعة رضوان السيد، دار المدار الإسلامي ط1 بيروت 2005 .
(16) انظر أعمال جون وانسبورو ( John Wansbrough) وباتريشيا كرون ( Patricia Crone) ومايكل كوك ( Michael Cook)
(17) تاج العروس ج8 ص 9
(18) الأنعام 6/152
(19) الشورى42/ 15.
(20) النساء 4/58.
(21) النساء 4/3.
(22) الأنعام 6/115.
(23) النساء 4/ 135.
(24) النحل16/ 90.
(25) انظر الرازي التفسير الكبير، الجزء 20 ط1- المطبعة البهية مصر 1357/- 1938-ص 100.
(26) يذكر الرازي بخصوص العدل أن الأمة اتفقت على إطلاق هذا الاسم على الله وهو مصدر عدل يعدل وهذا المصدر أقيم مقام الاسم فالعدل أقيم مقام العادل كالرب مقام الراب والبر مقام البار والرضا مقام الراضي ..يقال عدلت الشيء أعدله عدلا إذا قوّمته ومنه الاعتدال في الأمور وهو الاستقامة فيها ..ذكر أصحابنا تفسيرين لهذا الاسم أحدهما بمعنى المعتدل وهذا مجاز وحقيقته كونه سبحانه منزها عن النقائص الحاصلة في طرفي الإفراط والتفريط وجانبي التشبيه والتعطيل ومعنى أنه عدل في أفعاله أي أنه لا يظلم ولا يجور
واعلم أن المعتزلة تمسكوا بهذا الاسم وأبرقوا وأرعدوا وقالوا إذا كان يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه أبدا سرمدا فكيف يحصل العدل وأي معنى للجور فوق هذا وكما أن اسم الحكم متمسك أهل الجبر فاسم العدل متمسك أهل القدر.
وأصحابنا يعارضون الخلق والإرادة ...أما المشائخ فقالوا العدل هو الذي له أن يفعل ما يريد وحكمه ماض في العبيد.
أما حظ العبد من هذا الاسم فهو أن يحترز من طرفي الإفراط والتفريط- في أفعال الشهوة: العفة بين الفجور والجمود- في أفعال الغضب : الشجاعة بين التهور والجبن و الحكمة العملية بين الدهاء والبله وإذا اجتمعت هذه الأوساط كان مجموعها هو العدالة وهو المراد بقوله" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس البقرة 143- راجع الرازي، لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات للرازي أو شرح أسماء الله الحسنى للرازي، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد ، دار الكتب العربي بيروت ط1-1404-1984 ص ص 252-253.
(27) المائدة 5/8
(28) استعمل هذا الجذر أكثر من 20 مرة، انظر البقرة2/282، آل عمران3/10، النساء 4/3، ويذهب اللغويون أن الكلمة معرّبة وأصلها من اللغة الرومية.
(29) الإسراء 17 /35.
(30) الأعراف 7/8.
(31) الرعد12/ 8
(32) يونس10 /5
(33) انظر تاج العروس ج 6 ص .
(34) دلالة المطابقة والثبات حاضرة من المعنى الابتدائي للجذر الموجود في اللغات السامية فهو الحفر في الخشب والمعدن كأن الحق هو الثابت في الواقع. ويناقضه الباطل ( الزمر 39/ 69و 75 و الأنعام6/ 151 والفرقان 25/68و ص 38/ 26.
(35) انظر دراستنا "الإنسان والقرآن وجها لوجه ، قراءة في مناهج المفسرين المعاصرين ؛ دار الفكر بيروت 2000و أيضا بحثنا عن الفكر الاجتماعي في الكتابات الإسلامية الحديثة، ، مجلة المسلم المعاصر، السنة 12 عدد47.
(36) انظر الهامش 7.
(37) محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام ترجمة عباس محمود القاهرة لجنة التأليف والترجمة والنشر ط2. القاهرة ص197
(38) أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ، دار إحياء التراث العربي بيروت ط2 1372/1952
(39) الرازي ج7 –ص 115- 119-125.
(40) الرازي ج 3/ص384 ص 396 .
(41) الرازي ج3 ص 55 إلى 66.
(42) آل عمران 3/91
(43) الأنعام6/70
(44) الأنعام 6/70..
(45) الأنعام 6/1.
(46) الانفطار 82/8.
(47) المائدة 5/95 .
(48) الحجرات49/10.
(49) النساء 4/3
(50) النحل 16/90
(51) الأنعام 6/115.
(52) المائدة 5/8
(53) أمين الخولي ، مناهج تجديد النحو والبلاغة والتفسير والأدب، دار المعرفة،القاهرة ط.1 -1961ص 302.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


الدكتور احميده النيفر
مواليد تونس 1942 متخصص في الدراسات الإسلامية، دكتوراة دولة في العلوم الإسلامية، أستاذ التعليم العالي بالمعهد الأعلى لأصول الدين بجامعة الزيتونة.


ارسل لصديق