الإيمان والتجربة الدينية محور العدد الجديد لمجلة قضايا إسلامية معاصرة
مراجعة: منتظر ناصر
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2013/02/11
التعليقات: 0 - القراءات: 2612

وكما عودتنا هذه المجلة، فإن كل عدد منها يمثل مرجعا هاما لواحدة من الإشكاليات العميقة في التفكير الديني.

صدر العدد 51-52 من مجلة قضايا إسلامية معاصرة "صيف وخريف 2012"، وكما عودتنا هذه المجلة، فإن كل عدد منها يمثل مرجعا هاما لواحدة من الإشكاليات العميقة في التفكير الديني. تناول محورها "الإيمان والتجربة الدينية"، وشارك فيه مجموعة من الباحثين الجادين في فلسفة الدين، واستوعب 400 صفحة.
أجاب محمد مجتهد شبستري في كلمة التحرير عن سؤال هام مفاده: كيف يمكن التحدث عن الإيمان في العالم المعاصر؟ أشار الى ان التحدث عن الله يتطلب أرضية من التعاطف والتفاهم والتضامن. ومثل هذه الأرضية لا تتحقق إلاّ في مناخ تسوده المحبة والصميمية. مناخ النزاعات الإيديولوجية، والصراعات السياسية، والخصومات والصراعات الشخصية والحزبية والفئوية غير مناسب للتحدث عن الله. فضاء فهم الحديث عن الله هو التفاهم والتعاطف والتآلف. ويشهد التاريخ ان التحدث عن الله له سبل متعددة ومتنوعة، ولا بد أن تبقى هذه السبل مفتوحة على الدوام. ان التحدث عن الله في عالمنا الحاضر عملية تستوجب كثيراً من المعارف والمعلومات، فهي تستلزم المعرفة بالماضي التاريخي للإنسان، والإطلاع على تاريخ الإلهيات والأديان، والتحولات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية التي شهدتها المجتمعات الغربية والشرقية طيلة القرون الثلاثة الأخيرة. بالإمكان اليوم الاستعانة بكثير من العلوم والمعطيات البشرية للتحدث عن الله. فمثلاً يتسنى استخدام الانثروبولوجيا الفلسفية المعاصرة، وهي حصيلة المزاوجة بين العلوم التجريبية والاجتماعية حول الإنسان، لغرض تعريف الواقع الوجودي للإنسان ومظان ضعفه ونقصه وتوحده وضيق تخوم عقلانيته، وتعريف الإنسان لنفسه كما يلاحظ في التاريخ، وجعل هذه المعرفة للذات تمهيداً ومقدمة لمعرفة الله. وهذا ما فعله لفيف من المتألهين المعروفين في القرن العشرين. ومن هذه النماذج المشروع الهائل الذي أنجزه المتأله البروتستانتي الكبير من ألمانيا "بول تيليش". فبالإضافة إلى كتبه المختلفة، وضع هذا اللاهوتي كتاباً مسهباً مشهوراً من ثلاثة مجلدات بعنوان: Systematiche Theologie "اللاهوت المنتظم" قدم فيه بحوثاً تفصيلية حول الإنسان وتعريفه لنفسه مستعينا بالانثروبولوجيا الفلسفية والعلوم الإنسانية. الجهود معمقة من هذا القبيل تساعد على التحدث عن الله، وبهذا المعنى يجوز القول: إن الحديث عن الله ازداد سهولة ويسراً.
نشرت المجلة ثلاثة حوارات، الأول لمصطفى ملكيان تناول فيه: "الإيمان والتجربة الدينية
والنمــط الجديـــد للحيــــاة"، وخلص الى ان مفردة "الايمان" ومترادفاتها في اللغات المختلفة، وكذلك المفردات القريبة المعنى منها، ذات دلالات متنوعة ومتباينة جداً في التقاليد الدينية المختلفة كالإسلام والمسيحية والأديان الرومية والأديان اليونانية، والديانة البوذية والهندوسية. وحتى في نطاق الديانة الواحدة هناك أنساق مختلفة لفهم ظاهرة الايمان. لهذا السبب تتعدد أيضاً وجهات النظر بخصوص متعلّق الايمان وموضوعه، فالبعض يرى متعلق الايمان القضايا والأحكام، والبعض يراه الإنسان والبشرية، والبعض يقرر أن متعلق الايمان الموجودات اللاإنسانية، والبعض يراه القيم.
اما "التجربة الدينية" فهي مصطلح يستعمل في حقول: الإلهيات، وفلسفة الدين، وعلم نفس الدين، وظاهريات الدين، لثلاثة صنوف من الظواهر على الأقل: الأول نوع من المعرفة المباشرة غير الاستنتاجية، تشبه المعرفة الحسية. معرفة بالله أو بشيء مفارق ومتعالٍ(The Transcendent) أو حالة مطلقة (The Absolute) أو أمر جنائني (The Numinous). لا يتمخض هذا النوع من المعرفة عن استدلال أو استنباط، وبالتالي فهو ليس معرفة غيبية للباري عزوجل، بل هو معرفة حضورية شهودية.
الصنف الثاني نوع من الظواهر النفسية والمعنوية تتجلّى للإنسان عبر تأملاته في ذاته. ويعتبرها المؤمنون والمتدينون حصيلة المعرفة والميل الذاتي الفطري للانسان نحو الله. المؤمنون والمتدينون يعتبرون النزعات والطموحات والآمال والتطلعات والشهود الروحانية والمعنوية لدى البشر، وشعور الانسان بالارتباط بشيء غير مرئي، كلها حالات لا تقبل التبيين ولا الإيضاح. الإدعاء هو أن هذه الظواهر النفسية والمعنوية لا تقبل التفسير إلاّ بافتراض موجود ما فوق البشر تطلق عليه أسماء متعددة منها "الله"، وهذا هو سر تسمية هذا النوع من الظواهر بـ "التجربة الدينية". الصنف الثالث هو مشاهدة يد الله وتأثيره المباشر دون وسائط في الحوادث الخارقة والمعاجز والكشوف وكرامات الأولياء واستجابة الدعاء.كل ما في الأمر أن هذه المعرفة تكون تارةً معرفة بالله ذاته (النوع الأول)، وتارةً بالظواهر النفسية والروحانية (النوع الثاني)، وتارةً ثالثة بالتأثير المباشر لله في بعض الحوادث (النوع الثالث). أمّا صفة "الدينية" الملحقة بهذه التجارب فمردّها الى كونها تشهد بالصحة لبعض القضايا الواردة في النصوص المقدسة للأديان المختلفة.
كذلك تضمن العدد حوارا "لم ينشر من قبل" مع الراحل محمد أبوالقاسم حاج حمد، شرح فيه معنى المصطلح الذي صاغه "حاكمية الكتاب"، ومضمونه المقابل لل"حاكمية الإلهية"، لدى المودودي وتبعا له سيد قطب، وكيف تفضي الى ثيوقراطية. بينما حاكمية الكتاب تكون فيها "الدولة علمانية، والمجتمع مسلما". يقول حاج حمد: "اعتبرت العلمانية شكلا من أشكال حاكمية الكتاب لرفضها الثيوقراطية واللاهوتية كموقف "فولتير. إن العلمانية هي شكل من أشكال التعبير عن مجتمع مدني في حاكمية الكتاب، ومن هنا وقع الترابط، لكني لا أقع في إشكالية خير الدين التونسي، رحمه الله، فأقول مثله: الديموقراطية هي الشورى الآن. فالديموقراطية ضمن النسق الغربي هي تقنين الصراع وليس إلغاءه، في حين أن الشورى الإسلامية، إن قُدّر لها أن تطبق كما أراد القرآن، هي لإلغاء الصراع.
في الحوار الثالث تحدث داريوش شايغان عن مسار ومآلات تجربته الفكرية في أوروبا، وخبرته الخاصة بالأديان الشرقية، وتفاعله مع ميراثها الروحي والمعنوي والرمزي. وضعت المجلة عنوانا لافتا للحوار: "غربة زائر شرقي في الغرب".
اما باب "دراسات"، فاستوعب عشر دراسات، معظمها عالج مفهوم "الإيمان"، وطبيعة "التجربة الدينية"، وأنماط تجلي الإيمان عبر التجارب الدينية المتنوعة، في مختلف الأديان وخارجها. فقد حلل علي شيرواني مضمون التجربة الدينية، وما يشي بدلالتها مثل: الخبرة الدينية، الحالة الدينية، والواقعة الدينية، التي هي مصطلحات متعددة لجأ إليها المترجمون عند ترجمتهم للمصطلح الإنجليزي (Religious experience). لكن يبدو التعبير بالتجربة الدينية أكثر شيوعا، وإن كان التعبير بالخبرة الدينية أو الشعور الديني في الكثير من الموارد أدق في إفادة المعنى المراد من هذا المصطلح. فإن كل نوع من الشعور والحال والمشاهدة والانكشاف الشخصي، الذي يربط المرء بنحو من الأنحاء بالعالم غير المرئي، وبما وراء الطبيعة، والقوى الغيبية المهيمنة على الإنسان وغيره من موجودات عالم المادة، وتشد انتباه الإنسان إليها، يسمى تجربة دينية. في ضوء هذا المعنى العام فإن التجربة الدينية تستوعب حتى التجارب الاستبصارية التي يعيشها المؤمنون على المستوى الشخصي أيضا، فإنهم إثر مشاهدتهم لبعض الأحداث المتعارفة في حياتهم، يحصلون على بصائر منبهة بشأن الأبعاد غير المادية في ذواتهم، وكذلك ارتباط ونسبة الكائن الغيبي بهذا العالم. أما التجربة الدينية بالمعنى الأخص فهي تلك التجربة التي يبدو فيها أن الله قد أظهر نفسه إلى الإنسان، وتجلى له بنحو من الأنحاء، وهي التجربة التي يتصور فيها الفرد أن متعلقها هو الله، أو تجلي الإله في فعل أو كائن مرتبط به بشكل من الأشكال. بعبارة أخرى: يمكن القول بأن التجربة الدينية بمعناها الخاص عبارة عن نوع من ظهور أو تجلي الله على الشخص الذي يعيش تلك التجربة.
ودرس محمد مجتهد شبستري طبيعة العلاقة بين "الإيمان والتجربة الدينية والحرية"، فاستعرض وناقش نظريات محيي الدين بن عربي والغزالي وتيليش وتيرل وغيرهم، وأخيرا محمد إقبال الذي يرى ان أساس المعرفة الدينية إنما هو "تجربة دينية". المعرفة الدينية هي تفسير لتجربة دينية، وما براهين إثبات الله إلا أدوات فلسفية لكليات التجربة الدينية. وهو يؤكد ان الإيمان ليس عقيدة انفعالية بقضية أو جملة من القضايا، إنما الإيمان طمأنينة حية تتأتى بفضل تجربة خاصة. من وجهة نظره ان التجربة الدينية للفرد المسلم عبارة عن "خلق الصفات الإلهية في الإنسان". والأهم من ذلك ان إقبال يعتبر "النبوة" ضرباً من الوعي الذاتي الباطني والتجربة الدينية. فهو يقول: "النبوة نوع من الوعي الذاتي الباطني تميل فيه تجربة الاتحاد بالواقع إلى الفيضان عن حدودها. يُثار النبي بواسطة هذه التجربة، وبفضل إثارته هذه يكشف عن مسارات حياتية جديدة".
تناولت نعيمة بور محمدي حقيقة "الإيمان عند كيركيغارد"، المستوحى من فلسفته الوجودية. وخلصت الى ان كيركيغارد ينبذ الإيمان الرسمي في عصره، كما يرفض الإيمان القائم على البرهنة والاستدلال. وإن حقيقة الإيمان أنفسية وجدانية باطنية. وهي مرتبطة بالإرادة والحركة والشغف والتجديد. ومعنى ان الإيمان حقيقة أنفسية وليست حقيقة آفاقية، هو أنه إرادة وليس معرفة، فلا يمكن البرهان والإستدلال العقلي في مجال الإيمان، بل أن المحاججات المنطقية والعقلية تفضي الى ذبول الإيمان ونضوبه.
في بحث آخر موسع تناول قاسم كاكائي: " التجربة الدينية والتجربة العرفانية وملاك فهمهمــــا عنـــد إبن عربــي"، فلاحظ ان "التجربة الدينية" هي نحو من الإدراك الذي لا هو عقلي ولا حسي، ويحتوي مع ذلك على خاصية معرفية تحكي عن الواقع. من وجهة نظر ابن عربي هو الإدراك المرتبط بـ "الخيال" الذي نحصل عليه من خلال "الكشف". مع ان ابن عربي لا ينشد الكشف من أجل إثبات أصل الدين، وإنما للتوصل إلى البطون الأعمق التي يشتمل عليها الدين. وهو يرى أن التجربة العرفانية من أعمق أنواع التجارب الدينية، وهي عبارة عن إدراك "الاتحاد" بين الحق والخلق". وقد قدم عناصر عديدة لتمييز الإدراك الخيالي من الإدراك الحسي، والتجربة العرفانية من التجربة الدينية، والمكاشفة الحقيقية من المكاشفة الزائفة.
وفي بحث مقارن بين فلسفة كيركيغارد ومذهب الأشاعرة، اشترك فيه محسن جوادي وتلميذته نعيمة بور محمدي، وتناولا فيه "العقـــــل واللاهــــوت النظـــري"، خلصا الى أن اللاهوت عند كيركيغارد يتخطّى عتبة العقل، أي أنه يتخطّى التعقل بل يفوق العقل. لا نصيب للعقل في اللاهوت النظري عند كيركيغارد، فلا هو بالشرط الضروري عنده ولا هو بالشرط الكافي. بينما اللاهوت الأشعري متمسك بالعقل. الإيمان الأشعري يغدو مبررا ومعقولا من خلال الدليل الذي يهتدى إليه بأمر الشرع وهديه. أما عند الأشاعرة فهو شرط ضروري وإن لم يكن كافيا؛ إذ يفتقر إلى الشرع. يأتي الشرع لكي يتدارك عجز العقل.
كما أوضح مدير تحرير المجلة محمد حسين الرفاعي في بحثه "الإبستيمـــولوجيــــا تفكير في المعرفة العلمية الحديثة"، بأن الفرق بين العالم في حقل العلم، والإبستيمولوجي(العالِم في حقل الإبستيمولوجيا)، لا يعود إلى الإختلاف بين شخص وآخر، إنما يقوم الإختلاف على كيفية إستخدام العقل، مِن قِبَلِ موقع معرفي يختلف عن موقع معرفي آخر. إنه موقع من يرى الحركة في عالَم العلم من الخارج... إنه بمثابة الفرق بين رؤية المدينة من قبل الطائر المحلق فوقها، من الخارج، وبين رؤية المدينة من قبل الفاعل المجتمعي المتفاعل مع الفاعلين المجتمعيين الآخرين، من داخل المدينة. بمعنى ان العلم يقع في موقع الشيء تجاه الإبستيمولوجيا، ويستحيل التعرف إليه، والتعريف به، ودراسته، والتفكير به، إلا من الخارج، ولأنَّ الشيء ينتظر من يراه ويسلط الضوء عليه، فإنه دائماً وأبداً ينتظر الباحث الذي يدرسه ليعيه.. يدرس الباحث: الإبستيمولوجيّ الشيءَ: العلم، من الخارج.. تسمي هذه الدراسة، والتفكير بالشيء، ممارسة إبستيمولوجية.
وفي باب "نقد العدد الماضي" قدّم محمد حسين الرفاعي تحليلا إبستيمولوجيا ل"فكرة النقد"، وهي محاولة تخطت فعل النقد الى تشريح نمط وطبيعة التفكير النقدي، وحسب تعبيره "وعي النقد بذاته"، بمعنى أن اللحظة المعرفية التي تنتمي ممارسة النقد إليها، هي لحظة يتجاوزها أتم التجاوز، وعي النقد بذاته؛ فإنَّ لحظة وعي النقد بذاته لا تحضر، ويستحيل أن تحضر، في لحظة الممارسة. فالباحث، من حيث كونه ذاتاً، لابد أن يضع "المجتمعي"، من حيث هو صفة المجتمع، خارج "الذاتي" العائد إلى ذاته. انما يكون الباحث ذاتاً تمارس الإنتاج المعرفي، في تلك اللحظة المعرفية التي تتخلَّصُ فيها الذات من "المجتمعي" الذي تتضمَّنه، قبل أن يتخلَّصُ من هذا الأخير مُتَضَمَّناً في "الذاتي".
تضمن العدد مجموعة نصوص أخرى، وكما عودتنا قضايا إسلامية معاصرة، فكل عدد منها يمثل مرجعا هاما لواحدة من الإشكاليات الراهنة في التفكير الديني.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق