دور التنشئة الاجتماعية في نشر قيم التسامح
أناس المشيشي- أستاذ باحث بالكلية المتعددة التخصصات، الرشيدية جامعة مولا ي اسماعيل – مكناس -
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2013/04/05
التعليقات: 0 - القراءات: 19932

قبل أن نتناول بالدراسة والتحليل طبيعة العلاقة ببن التنشئة الاجتماعية والتسامح، لا بد من تحديد مفهوم كل منهما.تستعصي محاولات تعريف التنشئة الاجتماعية على الحصر، وتتباين بتباين النظريات المطروحة في هذا الميدان. وتنطلق تعريفات التنشئة الاجتماعية من مبدأ مشترك يتمثل في عملية دمج ثقافة الأفراد في المجتمع ودمج الأفراد في ثقافة المجتمع. وتتباين هذه التعريفات عندما يتعلق الأمر بعمليات التنشئة الاجتماعية ومراحلها ووظائفها.

وفي مجال هذا التباين، ينظر الفلاسفة إلى التنشئة الاجتماعية بوصفها عملية تحويل الإنسان الفرد إلى كائن اجتماعي في مسار النشوء النوعي البيولوجي. بينما يرى علماء الاجتماع أنها عملية يتم فيها التواصل الاجتماعي والثقافي لحياة الناس الاجتماعية. ويركز علماء النفس على الجوانب النفسية والقابليات الأساسية للتعلم عند الأطفال والناشئة، التي تمكنهم من تشرب القيم والمعايير الثقافية القائمة في المجتمع. وعلى خلاف ذلك ينظر التربويون إلى التنشئة الاجتماعية بوصفها عمليات تهييئ الأجيال الجديدة للقيام بالوظائف الأساسية في الحياة الاجتماعية.
يمكن تعريف التنشئة الاجتماعية على أنها منظومة العمليات التي يعتمدها المجتمع في نقل ثقافته بما تنطوي عليه من مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد إلى أفراده، وهناك من يمزج بين مفهومي التنشئة الاجتماعية ومفهوم التنشئة الثقافية حيث ينشأ الفرد داخل إطار الثقافة ويغرس القيم الثقافية للمحيط الذي ينتمي إليه، فتنتقل إليه الخبرات من جيل الآباء إلى جيل الأبناء.

إذاً عملية التنشئة الاجتماعية هي عملية تعلم وتعليم وتربية، وتقوم على التفاعل الاجتماعي إلى إكساب الإنسان في جميع مراحل نموه سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة حتى يتمكن من مسايره جماعته والتوافق الاجتماعي معها وتكسبه الطابع الاجتماعي وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية العامة". ويفترض أن التنشئة تتأثر مباشرة بعوامل من داخل أحد الأبوين (شخصيته) ومن الطفل نفسه (الصفات الفردية للطفل) ومن البيئة الاجتماعية التي تتداخل فيها العلاقة بين الأبوين والطفل لاسيما العلاقة الزوجية ، وشبكات العمل الاجتماعي ، والتجارب الوظيفية للآباء. مرورا بالشارع أو الأصحاب وصولا إلى المدرسة بمفهمومها الواسع ( من المدرسة في المرحلة الابتدائية وصولا إلى الجامعة )، فعلى الرغم من أن عملية التنشئة الاجتماعية تشتد في مرحلة الطفولة، فمن الخطأ الاعتقاد في أنها عملية تتوقف عند هذه المرحلة، إنما تستمر هذه العملية في مرحلة المراهقة، وحتى في مرحلة البلوغ . وتلقى دراسة جين بياجيه الضوء على الدور الذي تلعبه البيئة الخارجية على الأسرة مثل جماعة اللعب وأثره على الطفل. إذ تمد جماعات اللعب الطفل بأول فرصة لدمج معايير السلوك الاجتماعي بفضل نموذج العلاقات الشخصية المتبادلة المميزة لمثل هذه المواقف ، ذلك لأن علاقة الطفل بالآخرين في نطاق الأسرة عبارة عن علاقة تبعية ودونية، ولكن في نطاق جماعة اللعب تصطبغ هذه العلاقات بطابع التعاون والمساواة، ويعتبر امتثال الطفل في محيط الأسرة امتثالاً خارجياً وعادة ما ينظم من خلال سلطة البالغين. ولكن الامتثال في محيط جماعة اللعب، على خلاف ذلك، يتحقق داخلياً عن القرار الحر للطفل بأن يطيع قواعد اللعب . فجماعة الأقران هي المحطة الثانية التي يتعلم منها الإنسان بعد الأسرة والمدرسة والتي تسمي بثقافة الأطفال.
وسنحاول تعريف التسامح من خلال إعلان المبادئ بشأن التسامح الذي اعتمدته الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة المجتمعة في باريس في الدورة الثامنة والعشرين للمؤتمر العام في الفترة من 25 أكتوبر إلي 16نوفمبر 1995، فهذه الوثيقة كما يشير إلى ذلك عنوانها تعلن أن التسامح هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى السلم، ويتكون من ديباجة وستة فصول غنية بالتعاريف، بالمناهج التي يجب اتباعها من أجل تطبيق مبدأ التسامح في مجتمعنا و التجمعات المعاصرة. وعرفت المادة الأولى من الإعلان التسامح ب :
- إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر و الضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب،
-إن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شئ اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.
- إن التسامح مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية (بما في ذلك التعددية الثقافية) والديمقراطية وحكم القانون. وهو ينطوي علي نبذ الدوغماتية والاستبدادية ويثبت المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
- لا تتعارض ممارسة التسامح مع احترام حقوق الإنسان، ولذلك فهي لا تعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها. بل تعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهي تعني أيضا أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض علي الغير." فمن خلال هذه المادة يتضح ثراء المفهوم مما يجعل من الصعب تحديده في تعريف جامع مانع.
فإلى أي حد ساهمت التنشئة الاجتماعية بمختلف قنواتها في زرع قيم التسامح في الوطن العربي، ونبذ ثقافة الإرهاب و الكراهية ؟، وإلى أي حد ساهمت التنشئة الاجتماعية في قبول التنوع الثقافي وقبول الآخر بعض النظر عن قناعاته الفكرية وانتمائه العقدي؟.
وبتعبير آخر هل ساهمت قنوات التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة وإعلام في ترسيخ قيم التسامح في الوطن العربي والتنوع الثقافي ؟ ام أن هذه القنوات ساهمت في تعميق هوة الاختلاف وزرع بوادر الفرقة ونبذ الآخر؟.

I. دور الأسرة في ترسيخ ثقافة التسامح ونبذ الكراهية

تعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل ويتفاعل مع أفرادها، وبالتالي فهي تؤثر على النمو الشخصي في مراحله الأولى سابقة بذلك أي جماعة أخرى حيث تعد المسؤولة عن بناء الشخصية الاجتماعية والثقافية للفرد، بل أن تأثيرها ينفذ إلى أعماق شخصية الفرد ويمسها في مجموعها.

وإذا كانت الأسرة هي النواة الأولى لعملية التنشئة الاجتماعية والتي تتولى تنشئة أطفالها أو أفرادها في مراحلهم العمرية المختلفة، فإن نمط العلاقات الإنسانية القائم داخل هذه الأسرة هو الذي يحدد طبيعة القيم التي سيتشبع بها الفرد، من تعلم للتسلط و الاتكالية والعجز والاعتماد على الآخرين، وسهولة الانقياد لضعف الشخصية، أو على طرف النقيض من ذلك من تعلم لقيم النقاش والحوار والتسامح وقبول الآخر، وقوة الشخصية والقدرة على الابتكار والإبداع، مما يجعل التساؤل مشروعا حول الدور الذي لعبته الأسرة في الوطن العربي في تقبل الآخر وعدم التسلط على أفكاره وقبول قيم التسامح.

1. دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية :
يجمع الباحثون في مختلف الميادين على أهمية الدور الذي تلعبه الأسرة في حياة الناشئة والأطفال، وهم بذلك ينطلقون من الأهمية الخاصة لمرحلة الطفولة على المستوى البيولوجي والنفسي والاجتماعي. وتؤثر الأسرة على بناء شخصية الطفل بفضل عاملين أساسيين هما : النمو الكبير الذي يحققه الطفل خلال سنواته الأولى جسدياً ونفسياً، ثم قضاء الطفل لمعظم وقته خلال سنواته الأولى في عملية التعليم .
ويشير بلوم في هذا الصدد أن الطفل يكتسب 33% من معارفه وخبراته ومهاراته في السادسة من العمر، ويحقق 75% من خبراته في الثالثة عشرة من عمره. ويصل هذا للاكتساب إلى أتمه في الثامنة عشرة من العمر. ويشير علماء البيولوجيا أيضاً أن دماغ الطفل يصل إلى 90% من وزنه في السنة الخامسة من العمر، وإلى أن 95% من وزنه في العاشرة من العمر، ويؤكد غلين دومان أن 89% من حجم الدماغ الطبيعي ينمو خلال السنوات الخمس الأولى. وهذا من شأنه أن يؤكد أهمية مرحلة الطفولة المبكرة في حياة الإنسان على المستوى البيولوجي ومن المعروف أن نمو الدماغ أثناء الطفولة يترافق بزيادة مرموقة في القدرات العقلية عند الأطفال. ويرجع فرويد، كما هو معروف، الأمراض النفسية من مخاوف وإضطرابات، وعقد نفسية إلى مرحلة الطفولة المبكرة, وإلى الخبرات النفسية القاسية التي يعيشها الطفل في هذه المرحلة، فإذا وجد الطفل خلال هذه المرحلة في كنف الأسرة، فإن للأسرة دوراً حاسماً في تحديد شخصية الطفل، وتحديد مستوى نمائه وتكامله على مختلف المستويات الانفعالية والمعرفية والجسدية والاجتماعية.
حيث يلاحظ زازو في هذا السياق Zazo: ان الطفل يكون في غضون السنوات الثلاث الأولى من عمره قد حقق ما يلي:
- يكون قد أنجز الجانب الأساسي من تراثه الو راثي،
- اكتسب الوقوف على قدميه،
- اكتسب اللغة،
- تكونت لديه خصائص انفعالية متنوعة.
2. قصور الأسرة على زرع قيم التسامح والحوار في الوطن العربي
تشتمل الأسرة، بحكم بنيتها ووظائفها على نسق من العلاقات التي تقوم بين أفرادها. وتعد العلاقة القائمة بين الأبوين المحور الأساسي لنسق العلاقات التي تقوم بين أفراد الأسرة، والمنطلق الأساسي لعملية التنشئة الاجتماعية. حيث تعكس العلاقة الأبوية ما يسمى "بالجو العاطفي" للأسرة والذي يؤثر تأثيراً كبيراً على عملية نمو الأطفال نفسيا ومعرفيا. وتمثل العلاقة الأبوية نمطا سلوكيا لأفراد الأسرة. وهذا يعني أن الطفل يكتسب أنماطه السلوكية من خلال تمثل هذه العلاقات السلوكية القائمة بين أبويه.
فالأطفال، كما هو معروف، يتقمصون شخصية آبائهم، ويتمثلون سلوكهم، كنموذج تربوي بشكل شعوري أو لا شعوري، ويتحدد النمط السلوكي داخل الأسرة بتصورات الدور والمواقف، وسلوك الدور الذي يقوم به أفراد الأسرة.
ويلاحظ أن الأسرة تتضمن منظومة من الأدوار: كدور الأب، ودور الأم، ودور الزوجة، ودور الأخ، ودور الأخت، ودور المربية، وكل دور من هذه الأدوار تجري وفق تصورات قائمة في ثقافة المجتمع العامة أو في ثقافاته الفرعية. وتشكل هذه الأدوار منظومة العلاقات التي تسود في وسط الأسرة. والتي تشكل بدورها محور التفاعل الاجتماعي والتربوي داخل الأسرة. وتتباين العلاقات القائمة في إطار الأسرة الواحدة من حيث درجة الحرية، ودرجة الشدة. ويتمثل التصلب التربوي في استخدام الشدة و العنف في العلاقات الأسرية كالضرب، والشجار، والعقاب الشديد، والاستهتار والظلم، وغياب المرونة في إطار التعامل الأسري.
إن الحياة الاجتماعية العربية مبنية في إطار سلسلة مترابطة من علاقات التسلط والرضوخ ، بين الأب والأبناء ، الأخوة والأخوات ، الكبير والصغير ، الرئيس والمرؤوس .. وهكذا إلى أن تصل إلى العلاقة بين الحاكم والمحكومين.
إن علاقات التسلط والرضوخ المنتشرة في الحياة الاجتماعية العربية وروح الإذعان والاتكالية تنعكس في نهاية المطاف على الحياة السياسية ذاتها فيصبح من الطبيعي للإنسان العربي أن يتقبل أي نظام تسلطي ، حيث أن هذا هو ما تعود عليه طيلة حياته . ويصبح عنده إحساس بالعجز وعدم القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات ، حيث أنه قد تعود على وجود من يتخذ له القرارات في جميع جوانب حياته الأخرى ولذا فإنه يتقبل وجود من يتخذ له القرارات بالنيابة عنه في المجال السياسي، ويبدو هذا بوضوح في روح الإذعان والاتكالية السائدة في الثقافة السياسية العربية، روح الإذعان للسلطة والإحساس بعدم القدرة على تغييرها ، روح الاتكالية على الغير (الطبيعة والبطل المنقذ ) لتخليص المواطن العربي من عسف السلطة وتسلطها . إن روح الاتكالية هذه تنعكس بجلاء في كثير من الأمثال الشعبية العربية التي تعبر عن إحساس المواطن العربي بالكره تجاه رموز السلطة المختلفة وعلى إتكاله على قوى خارجية لتخليصه منها كذلك تنعكس روح الإتكاليه هذه من خلال اعتماد المواطن العربي على البطل الأسطوري وعلى الزعيم المنقذ لتخليصه من الاستعباد والسيطرة ، ولذا تنتشر في الثقافة السياسية العربية ظاهرة الاعتماد على الشخصية الملهمة للزعيم البطل لإنقاذ المواطن مما يعيش فيه من تعسف وظلم وتسلط.
أما التسامح فيتمثل بالمرونة، والرقة، والحرية، واحترام الآخر، والتكافؤ والعدل والمساواة. ويطلق على الجانب الأول من العلاقات علاقات التسلط والقوة، وعلى الجانب الآخر العلاقات الديمقراطية. ويكاد يجمع المربون اليوم بأن أسلوب الشدة لا يتوافق مع متطلبات النمو النفسي والانفعالي عند الأطفال، بل يؤدي في جملة ما يؤديه، إلى تكوين مركبات وعقد النقص، والضعف، والإحساس بالقصور، وإلى تنمية الروح الاستلابية الانهزامية عند الطفل. وعندما تلجأ الأسرة إلى أسلوب الشدة فإنها تمارس دوراً سلبياً يتناقض مع مبدأ خفض التوتر النفسي الدائم عند الأطفال. ويؤدي أسلوب الشدة، في جملة ما يؤديه أيضا، إلى تحقيق مبدأ الاغتراب النفسي الانفعالي عند الأطفال.
ولقد بينت الدراسات الجارية في هذا الميدان أن العلاقات الديمقراطية المتكاملة التي توجد داخل الأسرة تؤدي إلى تحقيق التوازن التربوي والتكامل النفسي في شخص الأطفال: كالجرأة، والثقة بالنفس، والميل إلى المبادرة، والروح النقدية، والإحساس بالمسؤولية، والقدرة على التكيف الاجتماعي، كما حث الإسلام على العلاقة المتبادلة بين الأب والأبناء كما قال : علي بن أبي طالب (علموا أبناءكم غير ما تعلمتم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم).
ومن الدراسات التي أجريت في هذا المجال دراسة " بلودوين التي تناول فيها أثر المعاملة الديمقراطية المنزلية على سلوك 17 طفلاً، حيث وجد أن ديمقراطية البيت تخرج أطفالاً نشيطين هجوميين، غير هيابين، مخططين، فضوليين خوارج ميالين إلى التزعم، وعلى خلاف ذلك وجد أن الأطفال الذين يأتون من أسر متسلطة ميالون إلى الهدوء، غير هجوميين، محدودي الفضول قليلي الأصالة ، وضعاف الخيال". كما تتفق نتائج دراسات عديدة على أن الأطفال الذين ينتمون لأسر ديمقراطية يتميزون عن الأطفال الذين ينتمون لأسر متسلطة بأنهم:
- أكبر اعتماداً على الذات وميلاً إلى الاستقلال وروح المبادرة.
- أكثر قدرة على الانهماك في نشاط عقلي تحت ظروف صعبة.أكثر تعاوناً مع الأطفال الآخرين
- .أكثر اتصافاً بالود وأقل اتصافاً بالسلوك العدواني .
- أكثر تلقائية وأصالة وابتكاراً.

كما أن الأسرة تلعب دورا أساسيا ومركزيا في نشر قيم التسامح والأمن الفكري وذلك من خلال:
- التربية الفكرية الصالحة للأبناء، من خلال ترسيخ مبادئ الوسطية والاعتدال في معتقداتهم وأفعالهم وأقوالهم، وتنمية روح الانتماء والمواطنة لديهم في مراحل نموهم المختلفة.
- تحصين الأبناء ضد التأثُّر بدعاة الانحراف الفكري، وفي مواجهة ما يُبث من انحرافات فكرية وعقدية عبر وسائل الإعلام، ومراقبتهم للتعرف على توجهاتهم الفكرية من أجل تهذيبها في مرحلة مبكرة.
- تثقيف الأبناء أمنياً ليدركوا أهمية استتباب الأمن باعتباره مطلباً وحاجة إنسانية أولية، وتعريفهم بأخطار التكفير والإرهاب على الأمن الوطني بكل مقوماته.
- التعاون مع المؤسسات الدينية والتعليمية والأمنية، لتحقيق الأمن الفكري وفق الأهداف التي تنسجم مع الثوابت الدينية والوطنية.
- تثقيف الأبناء سياسياً وتعريفهم بالضوابط الشرعية التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، وتوعيتهم بحقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم.

II. دور المدرسة في احترام التعدد الثقافي كمؤشر للتسامح
يعتبر التسامح في المجتمعات المتعددة الثقافة، قيمة مركزية بالنسبة لاختيار الهوية والانتماء الثقافي، غير أنه في بعض المجتمعات، يرفض الأهل، في الإطار الاجتماعي أن يندمج أطفالهم في وسط ثقافي متنوع، مما يجعل التساؤل مشروعا خول مدى احترام التعدد الثقافي في المدرسة عندما تحاول المدرسة التنشئة على قيم المواطنة والتعدد الثقافي؟ وإلى أي حد تساهم المدرسة في اختيار المشروع المجتمعي ؟.
1. المدرسة والتعدد الثقافي
إن القيم الأساسية في الأنظمة الديمقراطية تكون موضوع توافق، خصوصا تلك المرتبطة بحقوق الإنسان، باعتبارها لبنة أساسية في المجتمع، فالتأكيد على احترام تعليم القيم المشتركة يجب تأكيده لدى الأجيال الجديدة، فمن الآن فصاعدا يجب الأخذ بعين الاعتبار التعدد الذي يميز المجتمعات العربية التي تعرف هجرة ( دول الخليج على سبيل المثال، أو التعدد الثقافي و الإثني واللغوي (دول شمال إفريقيا)، مما يجعل التساؤل حول مدى ملائمة الأنظمة التربوية التي نتبناها مشروعا ، وكيف يمكن أن تصبح هذه القيم أساس توافق اجتماعي، وهل يمكن أن يؤدي هذا التعدد إلى منظومة تربوية تحترم تعدد انتماء الأطفال؟.
يعتبر التسامح القيمة الأساس التي يجب مراعاتها وتعلمها في المدرسة، الأمر الذي يدعو إلى نوع من التفكير في مبادئ جديد لمضمون العملية التربوية، تأخذ بعين الاعتبار التعدد الثقافي واللغوي والعرقي. وتدفع الفاعل السياسي إلى التفكير النقدي وإرساء ثقافة الحوار.
ومن وجهة نظر الطفل فالسؤال الذي يطرح هو إلى أي خد يستطيع الآباء تربية أبناؤهم وفقا لمعتقداتهم وقيمهم مع احترام حقهم في الحفاظ على الاختيار كالحق في اختيار نمط حياة جيد كيفما كان.
إن تهييء الطفل إلى قبول التعدد والاختلاف وسيلة أساسية في المناهج التعليمية ليقبل التسامح، ومن هذه الزاوية حرصت النصوص الدولية على تكريس هذا المبدأ، حيث الفقرة الأولى من المادة 13 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل على أن : " من حق الطفل حرية التعبير، يحتوي هذا الحق على تلقي الأجوبة والمعلومات والأفكار كيفما كان نوعها، دون أخذ بعين الاعتبار الحدود، كتابة أو شفاهيا أو مطبوعة أو فنيا أو عبر أي وسيلة من اختيار الطفل" ، وتبعا لذلك فالدول التي تعترف بحق الطفل يجب عليها تدريجيا ضمان هذا الحق على أساس التساوي في الحظوظ"
إن البحث عن العيش المشترك في ظل تعددية يبقى رهانا صعبا، على اعتبار أن الجميع يجب أن يجد ضالته، في حين أنه من المستحيل معرفة كيف يمكن لوجهة نظر فلسفية أو دينية أن تجد نصيبها في ظل هذه التعددية. وما هو السبيل لشخص ينتمي إلى أقلية إثنية أو دينية أو عرقية أن يجد حقه العادل من الحديث و الدراسة و الكلام.
ويمكن أن نخلص في سياق هذه الاختلافات بين أصحاب النوايا الحسنة إلى مجال مشترك، ففي العائلة الواحدة توزيع الحصص لا يثير مشاكل وجدالات غير منتهية، وتبعا لذلك فليس من الضرورة أن يتم تدريس جميع الديانات وجميع وجهات النظر الفلسفية والدينية، فالتعددية بهذا المعنى تبقى مجردة وغير قابلة للتطبيق في المدرسة ، ويبقى أن يتم إعطاء أهمية كبرى لوجهات النظر الكبرى الأكثر تمثيلية، مع إعطاء حق التعبير لوجهات النظر الأخرى، فإذا وجدت في مدرسة أقلية مسيحية وأغلبية مسلمة يحب يجب إعطاء حق التعبير للأقلية المسيحية ، والعكس صحيح، حتى يتم قبول الآخر. كما إذا وجدت أقلية أمازيغية وأغلبية عربية، فيجب أن تجد هذه الأقلية هويتها في البرامج التعليمية، غير أن الإشكال الذي يمكن طرحة على هذا المستوى، هل يمكن تصور تعددية في المدرسة لتربية الأطفال الأصغر سنا، يوصي أصحاب هذا الرأي بأن التعددية يجب أن تكون للمراهقين والراشدين، أما التعددية للأطفال فستكون هادمة من شانها أن تؤدي إلى جيل بدون انتماء أو هوية.

2. أي دور للمدرسة في اختيار مشروع المجتمع

إن وجود مدرسة متنوعة ومتعددة لا تحل المشكل السوسيو السياسي المرتبط بالتعليم، فيمكن للتعددية أن تسمح بتطوير سياسة مدرسية تسمح بتجاوز التقاسمات الدينية والاجتماعية، لكن يمكن أن تثير كذلك تقاسمات بين الطبقات الاجتماعية ذات القيم المتنوعة، فبالرغم من أن هذه القيم تتأسس على تعددية فلسفية ودينية بعيدا عن مدارس نخبوية أو متطرفة، و ليس بالضرورة أن تقرر الدولة شكل خاصا لهذه المدارس، حيث تراجع دورها مع انتهاء مرحلة الدولة التدخلية، لتترك المجال للمبادرات الفردية لنصل إلى تصور نيوليبرالي للمدرسة، ويقتصر دور الدولة على تحديد السياسات العامة، لكن سياسة مدرسية يعني بالضرورة أن المدرسة مشكل سياسي من الصعب تجاوزه، وتبني أي سياسة يعني الحد من الحريات الفردية، وفي مجتمع مليء باللامساواة، يهدف إلى الدفاع عن جميع الحريات الفردية، ينتهي بالانتصار لفائدة فئة أو أقلية في تجاذب بين القوة والضعف.
إن المشاكل التي يطرحها تهيئ الأطفال إلى التعدد، باعتباره أساسيا لتعلم التسامح، ليس فقط باعتباره مفتاح أي علاقة مع الآخر مستقبلا، ولكن من أجل التكوين الشخصي والتكوين على المواطنة، هي متشابهة عندما تحاول المدرسة تطوير الحس النقدي لدى الطفل، وبتعبير اخر محاولة تعليم الطفل قيم الديمقراطية و احترام الاخر بالرغم من أنه يشكل أقلية.
فالمدرسة هي مجال للاختيار وتقوية الحس النقدي والإبداعي لدى الطفل، وليس لتعلم جميع الأفكار والنظريات حتى في المجتمعات الديمقراطية، ففي ظل هذه الأخيرة فأن التعبير السائد بأن جميع الاراء تحترم غير صحيحة، فما يتم هو التعبير عن الاراء والأفكار والدفاع عنها والتصويت لها أو ضدها ، فالجميع يتمتع بنفس الضمانات الحمائية، غير أنه لا يعني هذا أن جميع الأفكار يتم احترامها إذا كان المقصود هنا قبول الآراء بدون نقدها أو رفضها. ففي الديمقراطية جميع الأشخاص يتم احترامهم على قدم المساواة ولكن ليس جميع الآراء.
إن المشروع المجتمعي الذي يجب أن تراهن عليه المدرسة هو مشروع يهدف إلى ترسيخ حق الاختلاف في الناشئة ، وليس اختلاف الحقوق، وهذه النظرة للتسامح تتطلب تعلم نسبية قبول بعض الثقافات والمعتقدات، فيمكن ممارستها والتعايش معها شريطة أن لا تتعارض مع القوانين أو حقوق الإنسان، وأن تكون لدى الناشئة القدرة على قبول رفض الآخر لأفكارهم ومعتقداتهم. فأن يكون الإنسان متسامحا يعني القدرة على العيش مع الذين ننتقدهم ومع الذين ينتقدوننا .



III. تأثير وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية

إن دور المؤسسة الإعلامية لا يقلّ قيمة عن دور المؤسسة التربوية في التنشئة الاجتماعية للفرد، إلى جانب المؤسسة العائلية. كما أن الوقت الذي يقضيه الطفل أو الشاب في تعامله مع وسائل الإعلام لا يقلّ أهمية عن الوقت الذي يقضيه في المدرسة. وتساهم وسائل الإعلام في ضمان ديمقراطية المعرفة مثلما ترنو إليه المدرسة العصريّة بل إنّ الوسائل الإعلامية السمعيّة البصريّة تؤدي وظيفة ثقافيّة وتربويّة حتى بالنسبة إلى من يجهل الكتابة والقراءة ولمن لم يتعلّم في المدرسة، كما أن التعلّم عبر وسائل الإعلام يقوم في جوهره على ترابط عضوي بين التعلّم والترويح عن النفس. فإلى أي حد يساهم الإعلام في ترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر؟
إن وسائل الإعلام تعتبر من المصادر الأساسية للمعلومة، والتي يبني عليها الفرد مواقفه، وتقوم عليها اتجاهات الجماعات حيال الأحداث الجارية، سواء بالقبول أو الرفض، حيث تتولى وسائل الإعلام الدور الملموس في تشكيل موقف الجمهور المتلقي من القضايا المطروحة على الساحة المحلية والدولية. ولا يتوقف تغيير الاتجاه والموقف على القضايا العامّة أو الأحداث المثارة، بل يمتد إلى القيم وأنماط السلوك، فقد يحدث أن يتقبل المجتمع قيماً كانت مرفوضة قبل أن تحملها الرسالة الإعلامية، أو يرفض قيماً كانت سائدة ومقبولة مستبدلاً بها قيماً جديدة.
إن الإعلام هو عامل مؤثر في عملية التحول من خلال ما يقدمه من معلومات قد تكون إيجابية( المطلب الأول) أوسلبية على المستقبل للمادة الإعلامية( المطلب الثاني)
1. التأثير الإيجابي لوسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية
جاءت ثورة الاتصال لتجعل من وسائل الإعلام شريكاً فاعلاً يسهم بقدر كبير في عملية التنشئة الاجتماعية والعملية التربوية، بجانب الأسرة والمدرسة والنادي والمسجد ومراكز التوجيه والتوعية، وتظهر فاعلية وسائل الإعلام في قدرتها على التحرك، حيث يوجد المستقبِل أو الجمهور المستهدف في بيته أو مكتبه أو أي مكان يتجه إليه، تخاطب الكبير والصغير والمرأة والرجل، واحتلت لنفسها مكاناً في كافة ميادين الفكر والتأثير، من ثقافة وترويح وتسلية وتوجيه، وفق أساليب مستحدثة وتقنيات عالية، مما يجعل الإنسان يُسلم عقله وعاطفته لجاذبية الوسيلة الإعلامية وبرامجها، لتقوم بدور الأب والمعلم، بل وأحياناً بدور الإفتاء والإرشاد، دون أن يدرك المتلقي أن ما تحمله الرسائل الإعلامية اليوم مشحون بقيم صاحب الرسالة يسعى لإحلالها محل القيم القائمة إذا كانت هذه القيم القائمة تتعارض مع أهدافه ومراجعه
تشير الدراسات العلمية في هذا الصدد إلى أن أجهزة الإعلام تلقي بظلالها على الطفل المعاصر إيجاباً أو سلباً، حتى أنه يصعب عليه أن يفلت من آثارها، فهي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم وتحاصره من مختلف الجهات، وبمختلف اللغات، ليلاً ونهاراً...وتحاول أن ترسم له طريقاً جديداً لحياته، وأسلوباً معاصراً لنشاطه وعلاقاته، ومن ثم فهي قادرة على الإسهام بفاعلية في تثقيفه وتعليمه، وتوجيهه، والأخذ بيده إلى آفاق الحياة الرحبة.
وتأتي وسائل الإعلام المعاصرة في مقدمة قنوات الاتصال التي ترفد الطفل بالأفكار والمعلومات والأنباء وتحقق له التسلية والمتعة، ولو لم يَسْعَ الطفل إلى وسائل الإعلام فإن هذه الوسائل سوف تسعى هي إليه لتقدم له ما يدور حوله من أحداث، وما أفرزته الأدمغة البشرية من اكتشافات ومعارف، لاسيما بعد أن فرضت التقنيات المعاصرة وثورة المعلومات نفسها عليه، فأصبح طفل اليوم أسيراً لهذه الوسائل تحاصره في كل وقت وفي كل زمان، فلا يستطيع الفكاك منها أو الحياة بدونها.
فالتلفزيون له آثاراً إيجابية لعل من أبرزها دوره في زيادة مدركات المشاهد خاصة الأطفال أو الشباب حيث يتعرف هؤلاء على كم كبير من المعلومات و الأفكار و الآراء مما يوسع من إدراكهم ، فالفضائيات تقدم كثيراً من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها بل استخدامها في العملية التربوية ، هذا إضافة إلى أن مشاهدة التلفزيون تزيد من قدرة الأطفال على التذكر و الاستيعاب و تنمي لديهم الخيال و الابتكار كما تسهم في بناء شخصيتهم من خلال إعطائهم حرية الاختيار و الرقابة ا لذاتية و تعزز لديهم الاستقلالية و القدرة على إبداء الرأي و الرغبة في الحوار من خلال محاكاة ما يقدم في التلفزيون .
أما تأثيره الإيجابي على المؤسسة التعليمية فإنه يختصر لها كثيراً مما تقدمه ، فالبرامج التعليمية والتربوية التي تقدمها بعض الفضائيات يمكن أن تكون مصدراً معرفياً جيداً للعاملين و المؤسسة التعليمية ، كما يمكن الاستفادة من المادة العلمية في العملية التعليمية و اعتبار بعض البرامج العلمية و التربوية مرجعاً مفيداً للأساتذة و الطلبة على السواء ، لكن ذلك كله مرتبط بحسن استخدام ما تقدمه الفضائيات ، و بحسن التوجيه لمتلقي الرسالة الإعلامية.
2. التأثير السلبي لوسائل الإعلام على التنشئة الاجتماعية
إن واقع الإعلام العربي أصبح غير قادر على إعطاء الصورة الحقيقية للمجتمع وتقاليده وأعرافه وخصوصيته وتعدده الثقافي واللغوي والديني، فالغزو الإعلامي وهذا الفيض الهائل من برامج الإعلام الوافدة يسانده إعلام داخلي يسير على نهجه ويقتفي آثاره. وسيكون ذلك سبباً من أسباب العديد من المظاهر السالبة في المجتمع بما يعززه من سلوك خاطئ نشير إلى بعض مظاهره:
أ/ سلوك منحرف لدى الأطفال والشباب والمراهقين؛ حيث توصلت بعض الدراسات إلى أن المشاهدة المتكررة لأفلام العنف والعدوان تقود إلى السلوك العدواني ولا شك أنه قد تكون هناك أسباب أخرى لمثل هذا السلوك ولكن المشاهدة والمداومة على مثل هذه الأفلام يعزز وينمي الدوافع الأخرى للانحراف.
ب/ التأثير على تكوين الصورة الذهنية لدى المشاهدين؛ حيث أن لوسائل الإعلام ـ المرئية بصفة خاصة ـ دورها الواضح في تكوين الصورة الذهنية عند الأفراد عن الدول والمواقف والأحداث، بل تؤثر على الطريقة التي يدرك بها الناس الأمور وطريقة التفكير، وبهذا فإن البرامج المنحرفة إنما تقود إلى تصورات منحرفة عن الحياة والمجتمع وعن الأشخاص والقيادات والموجهين.
ج/ إن التركيز على أفلام العنف وأحداث الإجرام إنما تقود المراهقين من الشباب وغيرهم إلى تطبيع علاقاتهم بالسلوك الإجرامي، على اعتبار أنه أمر ميسور واعتيادي، وبالتالي فإن من يقوم عليه ليس شاذاً، بل قد يكون مغامراً بطلاً يستحق الإعجاب.
د/ دخول الأطفال عالم الكبار قبل الأوان دون أن تتوفر لهم الخبرة المطلوبة؛ فقد أثبتت الدراسات أن برامج التلفاز تتيح للأطفال أساليب للتعامل ما كانوا يدركونها أو يمارسونها مثل عمليات الهروب خارج الحدود، المخدرات، القتل والاعتداء، أساليب التحايل والكذب، فيعيش الطفل عالماً غير عالمه وعمراً غير عمره.
هـ/ بروز النزعة الاستهلاكية في المجتمع، على حساب الاجتهاد الإنتاجي نتيجة لإعلانات التلفاز ومظاهر الترف والبذخ، وتعويد الناس على عادات السلوك الشرائي، والتطلع إلى ما هو فوق القدرات المالية والاقتصادية.
و/ ضعف العلاقات مع الجماعات الأولية: الأسرة، المدرسة، الدولة، لانعزال وحصر المشاهد مع واقع جديد، بما يضعف فرص التعامل الاجتماعي والأسري.
ز/ تنمية الروح السلبية في التلقي والتعليم واكتساب المهارات عن طريق الممارسة؛ حيث يتعود المشاهد سهولة التحصيل دون ممارسة أو جهد أو تجربة للمعلومة أو المهارات، مكتفياً بما يقدمه الجهاز الإعلامي من حلول أو نتائج.

خاتمة عامة
إن الدراسة التحليلية لطبيعة العلاقة بين قنوات التنشئة الاجتماعية تتفاوت من حيث درجة مساهمتها في زرع قيم التسامح ونبذ ثقافة الكراهية والعنف ورفض الآخر، فدور الأسرة بالرغم من أهميته إلا أنه الثقافة السائدة داخل الأسر العربية والإسلامية تميزت بالتسلط والخضوع، الأمر الذي أدى روح الإذعان والاتكالية والإحساس بالعجز وعدم القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات ، حيث تعود الطفل على وجود من يتخذ له القرارات في جميع جوانب حياته الأخرى، وإلى تكوين مركبات وعقد النقص، والضعف، والإحساس بالقصور، وإلى تنمية الروح الاستلابية الانهزامية عند الطفل ويؤدي إلى الاغتراب النفسي الانفعالي وسهولة الانقياد وراء الأفكار الهدامة والمتطرفة التي ترتكز على نوع من الخضوع لتعليمات وأوامر أمير الجماعة، غير أن طبيعة الحياة الاجتماعية داخل الأسرة بدأت تختلف، وذلك بالانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، مما أدى إلى الاهتمام أكثر بمحاولة أن تسود ثقافة الحوار داخل الأسرة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابا على زرع الجرأة والثقة بالنفس والميل إلى المبادرة والروح النقدية والإحساس بالمسؤولية والقدرة على التكيف الاجتماعي مما يحمله ذلك من قيم التسامح وقبول الاخر، وبالرغم من النظريات الحديثة التي تدعو إلى التسامح والحوار داخل الأسرة ، فإن الإسلام كان سباقا من هذه النظريات الحديثة في التربية، من خلال هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما المدرسة في البلدان العربية والإسلامية، فبالرغم من المجهودات التي تبذلها من أجل ترسيخ قيم التسامح، إلا أن البرامج التعليمية المتبعة ما زالت تعتمد على الحفظ والتلقين بدل تنمية ملكة الإبداع والابتكار مما أدى إلى عقل أكاديمي مأزوم وثقافة جامعية مأزومة مكرسة للحرفية والتلقين منخرطة في دوامة صراعات فكرية أو مذهبية أو سياسية أو تدبيرية هامشية، فإذا كان الحال كذلك فكيف يمكن لهذه المدرسة أن تساهم في تشييد عقلاني وحداثي لبنية أو منظومة متكاملة من القيم والأعراف من شأنها أن تساهم في تطوير ثقافة مكرسة لقيم العقل والعلم و البحث العلمي والمواطنة ؟ وما الذي يفسر ارتفاع الأمية في الدول الإسلامية والعربية، ألا يشكل ذلك هدما لاستقرار الدولة باعتبار أن الفئة العريضة من الأميين وأشباه الأميين هم الفريسة السهلة للتطرف الديني والغزو الثقافي الأجنبي، والإنسان المحروم من نور المعرفة يعجز عن بتاء شخصية مواطنة إيجابية تخدم الصالح العام.
كما أن المدرسة في البلدان العربية ما زالت تبحث عن نموذج لمشروع مجتمعي لتراهن عليه. إن المشروع المجتمعي الذي يجب أن تراهن عليه المدرسة هو مشروع يهدف إلى ترسيخ حق الاختلاف في الناشئة ، وليس اختلاف الحقوق، وهذه النظرة للتسامح تتطلب تعلم نسبية قبول بعض الثقافات والمعتقدات، فيمكن ممارستها والتعايش معها شريطة أن لا تتعارض مع القوانين أو حقوق الإنسان، وأن تكون لدى الناشئة القدرة على قبول الآخر بغض النظر عن أفكاره ومعتقداته.
أما وسائل الإعلام، فأمام عدم مواكبة التطور الإعلامي العربي لنظيره الغربي، وأمام الثورة التكنولوجية، فإن ذلك انعكس على مجموع القيم التي تشكل سدا منيعا للناشئة ضد قيم الابتذال والاغتراب، فالعلاقة بين التربية والإعلام هي إحدى الإشكاليات التي ما زالت ميداناً للدراسة و البحث من قبل المتخصصين ، و ستبقى كذلك لطبيعة كل واحد منهما ، و لذا فلا بد من إعداد الدراسات و البحوث التي تجسّر العلاقة بينهما و تربط المؤسسات التربوية بالمؤسسات الإعلامية بما يحقق الأهداف المرجوة لبناء الشخصية الإنسانية السوية و إيجاد برامج مشتركة بين المؤسسات التربوية و المؤسسات الإعلامية سيرسخ الجانب الإيجابي فيما تقدمه وسائل الإعلام ، و سيمكن المجتمع من الاستفادة من هذه الوسائل لما يخدم قيم التسامح وقبول الآخر مع الحفاظ على منظومة قيمنا ومعتقداتنا.












التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق