الخطاب العقلاني في الحكاية الحيوانية
كتبه: إدريس هاني
حرر في: 2013/07/11
التعليقات: 0 - القراءات: 4084

ليته كان في وسعنا الإطناب في سيرة هذا العظيم والإلمام بحدود هذا البحر الذي يبدو عند الغوص في أعماقه بعيد الشطآن. لكن هيهات أن يبلغ الباحث مراده في الإحاطة بمفردة يسيرة من جملة مفردات تجري لمستقرّ لها في هذا الفلك البهائيّ الدّوّار. إنّه بهاء الدّين كما سارت بكنيته الركبان. حيث وافقت جلال نبوغه المحيّر لمن كتبوا عن سيرته المقرونة عند أهل التراجم بأسرار، تفرّد بها في السلوك والعرفان

رسالة «التّديّن والنفاق بلسان القطّ والفأر» للشيخ البهائي: نموذجاً

مقدّمة

حاله (الشيخ البهائي) في الفقه والعلم والفضل، والتحقيق والتدقيق، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصنيف، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحّراً، جامعاً كاملاً.

الحرّ العاملي: أمل الآمل

ذكرنا في مناسبات عديدة أنّ جبل عامل هو حقيقة تاريخية وثقافية أكثر مما هو حقيقة جغرافية. إنّه بمعيار الجغرافيا لن يضارع الهيمالايا (6654 متراً فوق سطح البحر) ولا حتى كليمنجارو (5895 متراً فوق سطح البحر) في ارتفاعهما الشّاهق وما يخلّفانه من دهشة لدى الرّائي. لكنّه في معيار الثّقافة هو جبل داجن ناطق وشاهد وعالم. ولو كنت أملك من الوقت والمزاج ما يسمح بافتراض حوار بين الجبال على ما سلك البهائي على لسان القطّ والفأر، أو نظراؤه القدامى والمحدثون على السواء في استنطاق الحيوان والنبات والجماد، لجعلت جبل عامل ناطقا، وجعلته ملكا في ممالك الجبال وأنزلته منزلة حكيم الجبال وأشعرها؛ أديب الجبال وجبل الأدباء، شهيد الجبال وجبل الشهداء. لقد احتفل التاريخ إذن بهذا الجبل قبل أن تحتفل به الجغرافيا. ففي الجغرافيا الرمزية يبدو جبل عامل هو الأكثر ارتفاعاً في العالم. يستمدّ الجبل هنا مغزاه الثقافي والتاريخي من رموز علمية يذكّرك بعضها ببعض كما ينسيك بعضها في بعض. فما أن تذكر عالماً حتى تنساب الأسماء أمامك في هذا المشترك العاملي جغرافيةً وتاريخاً، انسياباً رضيًّا. ينتسبون للمكان والتاريخ نفسيهما. إنّ الخيمياء العاملي الذي يحدّد المشترك يصفّهم أمامك صفًّا كما يصبّهم في روعك صبًّا، من الشيخ الحر العاملي إلى المحقّق الثّاني الشيخ علي بن الحسين الكركي العاملي، إلى البهائي وأبيه، إلى الشهيد الأول أبو عبدالله محمد بن مكي العاملي، إلى الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي، إلى ابنه الشيخ حسن صاحب المعالم، إلى سبطه السيد محمد صاحب المدارك، وأخيراً وليس آخراً إلى السيد شرف الدين العاملي والسيد محسن الأمين، ولا تكاد تنتهي المجموعة العاملية؛ لأنها من صنف المجموعات الممتدّة إلى اللّانهاية. هو جبل العلماء والشهداء والصّلحاء، وأيضاً جبل الأنبياء، حيث لا تزال مزاراتهم شاهدة من مشهد سجد من ولد يعقوب إلى مشهد هارون إلى مشهد النّبي جليل إلى مشهد النبي عازر إلى مشهد إدريس والقائمة تطول. لكن ما أن يستغرقك بحر من تلك البحور بعيدة الآماد عديمة الشّطآن، حتى يتيه بك الحال فلا تكاد ترى عامليًّا يفري فري نظيره. فتخال أنّك تتسلّق عامل كلّه قبل أن تفيق على عامل آخر. فالكل يذكر في الكلّ، والكلّ ينسيك في الكل. فعامل عوامل بعدد أنفاس علمائها العاملين. والعامليون عالمون وعاملون. لقد جمعوا بين الفضيلتين؛ فلا أحد أمكنه أن يجمع بين مداد العلماء الغزير ودماء الشّهداء الزّكيّة، كما جمع بينهما العلماء العامليون، حيث كان بهم الجبل شهيداً وشاهداً. التأكيد هنا على الجبل هو من باب القيمة التي يحظى بها المكان حينما تهتزّ صورة الزّمان، أو لنقل على لسان غاستون باشلار: إنّ «المكان هنا هو كل شيء حيث يعجز الزمان عن تسريع الذّاكرة»!

من هو هذا العبقري، إذن؟

هو محمد بن حسين بن عبد الصّمد بن عزّ الدّين الحارثي العاملي الهمداني. والمعروف تداولاً ببهاء الدين العاملي (953 - 1031هـ/ 1547 - 1622م). تعكس سيرته الشخصية والعلمية نباهة عالم قلّ له مثيل في زمانه. هو عالم لبناني الولادة، ولد ببعلبّك وفيها تلقّى دروسه الأولى قبل أن يهاجر إلى أصفهان. فهو إيرانيّ النشأة والعلم. طاف في عدد من البلدان واستزاد فيها من طلب العلم وتعزّزت فيها معرفته بالشعوب والثّقافات. زار الجزيرة العربية ومصر والشّام. وقرّبه منه الشّاه عبّاس حيث عيّنه في منصب رئيس العلماء. لم تكن السلطة هواه، لكنّه قبل ذلك الموقع تحت إلحاح من الشّاه عبّاس. براعته في المنقول لا تقلّ عن براعته في المعقول. بل يكاد المعقول يغطّي على سائر نشاطه العلمي. بقي على دأبه ذاك في العلم والبحث والاكتشاف إلى أنّ توفّاه الله عام 1031هجري موافق لعام 1622 ميلادي. من أهمّ شيوخه أبوه الشيخ حسين بن عبد الصّمد والمحقّق الكركي وعبدالله اليزدي. أمّا تلامذته فقد كانوا على كثرة وشموخ؛ يكفيه فخراً أن يكون من بين تلامذته كوكبة من العلماء والحكماء ممن نبغوا في مجالات معرفية شتّى، من صدر المتألّهين الشيرازي إلى الفيض الكاشاني إلى المجلسي الأوّل.

ﷺ الخطاب النقدي والتربوي

«التربية هي الحياة». جون ديوي

ليته كان في وسعنا الإطناب في سيرة هذا العظيم والإلمام بحدود هذا البحر الذي يبدو عند الغوص في أعماقه بعيد الشطآن. لكن هيهات أن يبلغ الباحث مراده في الإحاطة بمفردة يسيرة من جملة مفردات تجري لمستقرّ لها في هذا الفلك البهائيّ الدّوّار. إنّه بهاء الدّين كما سارت بكنيته الركبان. حيث وافقت جلال نبوغه المحيّر لمن كتبوا عن سيرته المقرونة عند أهل التراجم بأسرار، تفرّد بها في السلوك والعرفان، كما في الفقه والاستنباط، كما في الأدب والشّعر، كما في الفلك والحساب، كما في الجغرافيا والهندسة. لا تكاد تذكر مدينة أصفهان المشهورة بـ: (نيم جهان)، أي نصف العالم، حتى تتحدّث عن عجائب الدّنيا. وهي لا زالت شاهدة على ابتكاراته الهندسية وأسراره الفيزيائية التي أذهلت العلماء بمن فيهم المعاصرين. لقد صمّم ميدان تصوير العالم الذي يضم مسجد شاه عبّاس الكبير ومسجد لطف الله وقصر عالي قابو. ففي أصفهان يجري حديث لا ينقطع عن قضية الترجيع السباعي للصدى تحت قبّة الصّدى، والمنارتين التي صمّمها الشيخ البهائي والتي ما أن تحرك واحدة منهما حتى تتحرك الثّانية، وحكاية الشمعة التي تسخّن مياه الحمام من دون وقود ومن دون انقطاع ومعالم أخرى تجعل حقًّا من أصفهان أعجوبة الدّنيا. كل هذا ليس من شأننا في هذه المحاولة التي ترمي الوقوف اليسير عند مضمون رسالته التربوية الموسومة بـ: «التدين والنفاق، على لسان القطّ والفأر». إننا أمام علم كبير اهتدى في زمن مبكّر إلى القيمة التربوية للعلم. وذلك حينما أدرك من ناحية، جمود الطرائق البيداغوجية التقليدية التي تروم التعقيد والتّلقي الجامد للمطالب. لقد غيّر أسلوب اللغة واختار أنماطاً للتّعلّم تختلف عن تلك التي سارت بها عادة التعليم عند القوم. إنّ هذا الموقف هو في حدّ ذاته موقف نقديّ. فالتربية لا توجد في زاوية من حياتنا دون أخرى. إنّ التربية -بالأحرى وبتعبير جون ديوي- هي الحياة. لذا تستطيع أن تتأكّد من الحضور التربوي في أعمال البهائي من خلال إصراره على إعادة شرح صعائب المتون بما تيسّر من الألفاظ وبما يحقّق بُلغة الطّالب. وعند التأمّل في حقل التربية يتأكّد بالملموس أنه لا يوجد نصّ ليس له صلة مباشرة أو غير مباشرة، قريبة أو بعيدة، من مجال التربية. والعلم نفسه لا ينمو إلَّا بالتّعلّم والتعليم.وكما في النّبوي: «زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه». فالخطاب التربوي يكاد يجد له أثراً حتى في تغريد الطيور وزقزقة العصافير. إنّه يحتوي الخطاب والرموز؛ يكفي أن يوجد مرسل ورسالة ورسول ليتشكّل الخطاب التربوي. وتأتي اللغة والرموز في سلّم أولويات الفكر التربوي. فليس كلّ لغة هي سواء في أداء رسالة التربية، ولا كلّ رمز هو سواء في أداء هذه المهمّة. إنّ للتربية لغتها الأثيرة ورموزها التي يقتضيها فعل التربية والتّعلّم ويفرضها المتلقّي قبل المخاطب. على هذا الأساس نستطيع الوقوف على ملامح البعد التربوي في تراث بهاء الدين العاملي. أحد أبرز مظاهر هذا البعد، يتجلّى في طبيعة اللغة الواصفة التي يتوسّلها في تبليغ المراد. فلقد طوّع الصناعات من خلال التقريب اللفظي وكسر هيبة اللغة، ليجعل أصعب الصنائع تنطق بأسهل الألفاظ. إن عبقرية التطويع المطلبي والتسهيل اللغوي والتقريب اللفظي هي عبقرية تربوية بامتياز. فقد يكون طلب السّهل جنوحاً يعكس بساطة المحتوى. لكن حينما يصبح الأمر له صلة بتبسيط الصعائب ومعاقرة السّهل الممتنع، نكون أمام عبقرية حقيقية؛ إذ إنّ وجهاً من وجوه العبقرية أن تقبض على العمق وتملك الصعود بمحتواه إلى السّطح. فالتربية هي آلة الوصل بين العمق والسّطح، بين المطلب الصّعب والمتلقّي البسيط. هكذا تعدّدت مواهب البهائي وغطّت فنوناً جمّة، كما استوعبت أعماله وشروحه التبسيطية ذات الأبعاد التربوية علوم المعقول والمنقول. نستطيع تكوين فكرة سريعة عن هذا التّوسّع الفنّي والشّمول العلمي في المنقول من خلال قائمة أعماله التي شرح بها ولخّص متوناً في الفقه والأصول والتفسير والعقائد؛ كتباً عُرفت بتبسيط المطلب وتهذيب لغة التّعلّم، مثل كتاب زبدة الأصول، والجامع العبّاسي في فقه الإمامية، وكتاب تفسير الحبل المتين في مزايا القرآن المبين، وكتاب حاشية على أنوار التنزيل، وكتاب العروة الوثقى والصراط المستقيم، وكتاب مفتاح الفلاح وشرح الأربعين حديثاً، وشرح الصحيفة السّجادية وحديقة السّالكين إلخ. كما ألّف في اللغة والبلاغة والأدب كتباً مثل التهذيب في النّحو، والفوائد الصّمدية في علم العربية، وكتاب أسرار البلاغة وتهذيب البيان، والكشكول، والمخلاة، وديواناً شعريًّا، ومنظومة بعنوان رياض الأرواح. كما ألّف في المعقول كتباً في علم الحساب والفلك والجغرافيا، أشهرها كتاب خلاصة الحساب، وكتاب تشريح الأفلاك، ورسالة في الملخّص في الهيئة والصفيحة في الأسطرلاب، ورسالة في تضاريس الأرض، ورسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض إلخ. هل يبقى شكّ أنّنا عاجزون عن إحصاء مهاراته التي تفنّن فيها على نحو استغراقي، وهل بقي شكّ في أن يُنعت شيخنا البهائي في الوقت نفسه بأنّه الفقيه والأصولي والمحدّث واللّغوي والأديب والشّاعر والفلكي والرياضي والجغرافي والفيلسوف والعرفاني. لم تقف محاولات الشيخ بهاء الدين العاملي عند حدّ من حدود العلم، فإنّ مظهراً من مظاهر عبقريته أنه تعاطى علوماً كثيرة بإتقان. واجتمعت فيه ضروب الاختصاصات لا تكاد تدري أيّها حقيق به على تشعّبها وبعدها عن بعضها. وفي كلّها كان بهاء الدين العاملي عبقريّ زمانه كما لو أنّه غائص فيها لا يألو جهداً ولا يعرف لها حقلاً منافساً في الانهمام والانشغال. من الفقه وأصوله إلى الكلام والفلسفة إلى الأدب والعرفان إلى الهندسة والفلك كما تشير آثاره. إنّ البعد الشّمولي لثقافة بهاء الدين العاملي تجعل منه علماً تربويًّا، متعدّد الأبعاد ومنفتحاً على ضروب المعارف بلا حذر. وقد قدّم تلك المعارف على اختلافها وتعقيدها في لغة واحدة من حيث السهولة والتقريب والانسيابية. ومع هذا لم يكن الشرح والتحشية هي الممارسة الأثيرة للشيخ البهائي كهروب من جلال الإبداع ومتاعبه. فلقد كان مجتهداً في المعقول والمنقول سواء بسواء. وقد قدّم للإنسانية إبداعات علمية جليلة. وترك وراءه أسراراً لم نجد لرموزها فكّاكاً. لقد استطاع اكتشاف الجذر الحقيقي للمعادلات الجبرية استناداً إلى طريقة الخطأين الخوارزمية قبل أن يستقلّ بطريقة كفّتي الميزان. وكانت له آراء فلكية استخدمها في تحديد القبلة ورصد الأهلّة، كما كانت له آراء في الحساب استعملها في قضية الدّين من مسائل التركة، كما لا يخفى على مترجميه. كما هام في أمّهات مسائل عصره الفيزيائية والكيميائية والرّياضية، مثل إشكالية الاتصال والانفصال، أو الجزء الذي لا يتجزّأ، أو استحالة فكرة اللاّنهاية. وقد لا حظوا عليه تردّداً بين القول بالاتصال ونفيه كما في فقرات متنوّعة من الكشكول. وقد تراءى عن حقّ أنّ قيمة هذا الاهتمام ليس في مدى صحة رأيه أو خطئه نظراً للتحوّل الجذري في بنية العلوم الطبيعية، بل تكمن أهميته في أنّها قضية شغلت ذهن البهائي طويلاً. لكنّنا نضيف هنا أنّ العلم بما أنّه قديماً كان قد خضع للتجريد النّظري وليس إلى الاختبار الكامل، فقد كان من الطبيعي أن يواجه استحقاق تساوي الأدلّة. وهذا ما يعكس تردّد البهائي بخصوص إشكالية المتصل والمنفصل. فتردّده حولها في ضوء المعطيات العلمية لعصره مظهر من مظاهر قوّة التفكير وخطورته عند الشيخ البهائي.وهذا عموماً مهمّ لاستيعاب موضوعنا، لكّنه ليس بالتّأكيد همّنا في هذه المعالجة، بل همّنا هنا، المائز الصّافي والفارد في هذا الخطاب. إذا كان الخطاب التربوي يأتي في الدرجة الثانية عند أصحاب الأفكار الكبرى، فإن همّه يتنزل عند البهائي منزلة الأولوي. ففي سائر آثاره وأعماله نلاحظ تلطيفاً للمطلب وتبسيطاً للغة وإصراراً على إنجاز تواصل سمح مع المتلقّي.هذا يعني أن البهائي كان دائماً يفترض متلقياً ليس بالضرورة من أهل الاختصاص. وهذا يؤكّد أنّه مارس العلم والتعليم من بُعده التّربوي. إنّ التربية في الحقيقة هي إرادة التّبليغ مع افتراض واقع المتعلّم. وقد وضعتنا رسالة «التّديّن والنفاق على لسان القطّ والفأر» أمام هذه الحقيقة؛ فهي بسيطة في لغتها سهلة الهضم في تناولها، تربوية في غايتها، زاخرة بالقيم والأفكار وضرب المناظرة والاحتجاج، والأهم من ذلك أنّها على بساطتها وشكلها الأدبي لا يزهد في قراءتها الكبار قبل الصّغار. فهي رسالة تربوية لكلّ الأعمار.

ﷺ الحكاية التربوية

اعتمد بهاء الدين العاملي الحكاية أسلوباً تربويًّا. وتكاد تجد أمثلة وحكم من رسالة التّديّن والنفاق أو الكشكول أو المخلاة، ذات معاني تربوية بالغة القيمة والتأثير. وهو في هذا لم يجترح بدعاً في الممارسة التربوية. فلقد مارس قدماؤنا الحكي ليس من باب الاستمتاع، بل من باب التربية. هكذا يحدّثنا ابن المقفّع وهو رائد في هذا الفنّ ومؤسّس له في الثّقافة العربية، حينما يتحدّث في الأدب الكبير والأدب الصّغير عن الكلام بالأمثال: «إذا جاء الكلام مثالاً، كان ذلك أوضح للمنطق وأبين في المعنى وآنق للسّمع وأوسع لشعوب الحديث».لقد كان لابن المقفّع دور بارز في إقحام هذا الفنّ في دنيا الأدب العربي. فكليلة ودمنة من الفنون الحكائية والتربوية التي استدخلها ابن المقفع من المجال الثقافي الفارسي إلى المجال الثقافي العربي وبه اكتملت اللحمة الثّقافية وتصاهرت الثقافتان وامتزج بعضها ببعض. لكن ثمة أموراً سهّلت دخول هذا اللون الثّقافي إلى الأدب العربي. فلا شيء كان يقف أمام فعل الاقتباس والمقابسة ما لم يكن يشكّل خطراً مباشراً على السّلطة الزّمنية يومها. كما كان هذا اللون من الأدب يشكل تنفيساً مقصوداً لمن يريد معالجة فساد السّلطة، كما تُغضي هذه الأخيرة عنه لما يشكّله هذا الأسلوب من متعة وإلهاء وتعويض وتنفيس يكفي المصلح عناء المباشرة والاحتجاج المباشر ضدّ السلطان. وهنا تكمن أهمية الحكاية الحيوانية كشكل من أشكال النّقد السياسي. لهذا السّبب تحديداً كان ابن المقفّع قد قضى على يد الخليفة المنصور بسبب ما كان قد أورده في «الهاشمية» من انتقاد لسياسته كما يرى البعض. وقد اعتبر طه حسين سبب قتله «رسالة الصحابة» ـصحابة الخليفة وحاشيتهـ التي كتبها ابن المقفع للمنصور، وهي حسب طه حسين «فيها ما يكاد يكون برنامج ثورة». وأيًّا كان الأمر، فهذا يسلّط الضّوء على شخصية ابن المقفع السّياسية والثورية. مما يؤكّد على المحتوى السياسي والثّوري لحكاياته الحيوانية. وبأنّ القتل كان نصيبه بمجرّد ما انتقل إلى المباشرة في النّقد السياسي.

ﷺ الفرق بين الحكاية والخرافة

لا يتعلّق الأمر عند استنطاق الحيوان، بالخرافة بالمعنى القدحي والهجين للعبارة. الحكاية كما نتحدّث عنها هنا بمدلولها الحديث، لها صلة وصل بالواقع وتدور مداره لكنها تعتمد اللاّمباشرة في التّواصل معه. بهذا لا قيمة للحكاية إن هي استغنت عن الواقع ولم تتغذّ على قضاياه. تحتمل الحكاية الصواب كما تحتمل الخطأ، بالقدر الذي تحتملهما الأفكار والفلسفات. الكذب في الحكاية من هذا الوجه ليس من ضروراتها. وإن حصل فهو من جهة المحتوى لا من جهة الوقائع الحكائية. فالقارئ في الحكاية لا يهتم بالوقائع التي لا يراها موضوعاً للصواب والخطأ، بل ينظر في المحتوى الفكري والمخزون القيمي للحكاية. لكنّ الكذب في الخرافة بالمعنى الشّائع، ضرورة. تعتمد الحكاية على الخيال كما تفعل الخرافة، لكن الهدف بينهما أنّ غاية الحكاية هو الواقع بينما غاية الخرافة هو اللاّواقع. اللاّواقع وسيلة الحكاية إلى الواقع، بينما اللاّواقع هو وسيلة الخرافة للهروب من الواقع. تستغني الخرافة عن الواقع وتسعى إلى التغليط. ومع أنّ اليوتوبيا هي صناعة أثيرة للخيال إلَّا أنّ غايتها الواقع. فاللاّواقعية في اليوتوبيا لا تحجب كون مدارها وغايتها هو الواقع. الخيال لا يكذب. وهو كما في نظر ابن عربي معصوم. لأنّه غير مسؤول عن الحكم. فالخطأ والصواب لهما صلة بالحكم لا بالخيال. من هنا نسب ابن الأعرابي الخطأ للعقل لا للخيال لجهة اختصاصه بالحكم. وهو أمر لا نروم تحقيقه هنا، ولكن لنقل على سبيل الإجمال: إن العقل هنا بالمعنى الشائع، العقل بوصفه فعلاً وليس جوهراً. وهكذا نظر القوم إلى العقل. لنقل العقل كتجربة وليس كملكة. فالعقل في ذاته معصوم لا يخطئ. وهو أرقى من الخيال عند التحقيق. تطورت الحكاية إذن وهي تعكس دور الرّواية في الأدب الحديث. فالرّواية اليوم فنّ لصيق بالواقع لا ينفكّ عنه. وهي وسيط تربوي وتثقيفي بامتياز. وفي الأدب الحديث لم يعد مقبولاً أن يقال عن الرّواية بأنّها خرافة مهما أوغلت في الخيال. إن عالم الرواية بقدر ما هو عالم متخيّل قائم بذاته، هو على صلة بالواقع: صلة تربوية. لقد اعتبرنا رسالة «التّديّن والنفاق على لسان القطّ والفأر» للشيخ البهائي، رسالة تربوية من حيث تضمّنها قيماً تربوية تهدف إلى إصلاح الفكر وتغيير أنماط التفكير والسلوك في المعرفة والمجتمع على أسس عقلانية صارمة. فهي رسالة إصلاحية تستهدف بالنقد العلمي أشكال الغلو في السلوك والاعتقاد. هي رسالة لا زالت راهنية. فبقدر ما سيظلّ التّديّن ظاهرة اجتماعية سيلازمها النفاق كظاهرة (سوسيو-دينية) أيضاً. إنّ نهاية النّفاق هي نهاية الدّين نفسه. فكل مجتمع وكل جيل يكشف عن أشكال من التّدين وأشكال من النفاق. والصّراع هاهنا قائم ومستمر وفي جولات لا تقف عند حدّ. رسالة التّديّن والنّفاق تعالج أدواء الفكر كما تعالج أدواء التّدين والسلوك الاجتماعي. وهي من أهمّ تراث الحكاية الحيوانية في الأدب الإسلامي. أقول كذلك، لأنّها غير قابلة لغير ذلك التّصنيف. فهي ليست عربية لأنّها ألفت بالفارسي ومتحت من رموز الأدب الفارسي. لكنّها عربية من حيث عروبة صاحبها ومخياله الثّقافي. لقد ساهمت الحكاية الحيوانية في تشكيل ثقافتنا القديمة والحديثة على قدر سواء. فهي من الآداب المؤسّسة لكثير من تصوّراتنا والرافدة لعديد من صور مخيالنا. إنّنا مدينون لها بتصورنا القديم/ الحديث عن قيم وصفات اختصت بها حيوانات دون أخرى، كالتّسلّط للأسد والمكر للثعلب والوفاء للكلب والصّراع الأبدي والصراع الأزلي بين القطّ والفأر. إنّها صور ندين بها في واقعنا وفي خيالنا، وهكذا في سائر العصور، دون أن نستند في ذلك على دليل مشبع قاطع مقنع سوى ما تناقل بالتّعلّم والعدوى من هذا التراث الحكائي الذي لازم التطوّر الفكري للبشرية، وستظل كذلك ساكنة مخيالنا البشري. وهو سرّ العلاقة العميقة بين الحكاية الحيوانية والإنسان؛ علاقة مخيالة وتربوية بامتياز. وسيكون من جمال المعنى الحديث عن المفارقة في رسالة التّديّن والنّفاق للشيخ بهاء الدّين العاملي. مفارقات تفرضها قوّة الإيحاء التي تتركه آثار الحكاية كما يمكن أن يستكمل نصّها مخيال مجبول على إبداع الصّور. هنا المفارقة ليست معرّة ما دام أنّ الحكاية جاءت على منطق الحياة بتناقضاتها المعيشة. إنّنا قد لا نلتفت أولاً إلى كيف أمكن للحكاية الحيوانية أن تنتج خطاباً عقلانيًّا. كما قد لا نلتفت ثانياً إلى أنّ محور هذه الحكاية/ الخرافة -تسامحا- هو محاربة الخرافة؛ كيف نحارب الخرافة بخرافة، أو كيف نواجه بجمالية الخرافة جهل الخرافة. كما لا نلتفت ثالثاً إلى أنّ الشيخ البهائي وهو ينكر بلسان القطّ طالب العلم على الفأر مدّعي التّصوف، اعتقاده بالكرامات المنسوبة لكثير من الصوفية كما في خراسان والعراق بالحجج العقلية والنقلية الصّارمة، سيكون هو نفسه قد حظيّ بنصيب من تلك الخصائص والكرامات المنسوبة إليه وتحدّث عنه مترجموه. كما نقل بعضها الشيخ عباس القمّي في «الكنى والألقاب» عن قاضي أصفهان معزّ الدّين بخصوص رؤيته حول كتاب البهائي «مفتاح الفلاح»، أو كالتي ذكرها المجلسي الأوّل في «روضة المتّقين» في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه بخصوص كتابة هذا الكتاب. وهو ما يؤكّد أنّ البهائي لم يكن خصيماً للتّصوف وإنّما كان مصلحاً ومجدّداً للمعرفة والسلوك. إنّها بالتّالي مفارقات لا تخلّ بالمعنى والغاية المتوخاة من الحكاية، بل هي عنصر مؤثّث لعالمها الذي لا نراه قائماً بذاته في ظواهرية الخيّال الخلَّاق الذي أقامته الفلسفات الأولى في برزخ بين عالم المادة والعقل، بل هو عالم قائم فينا ومعنا لا يجاورنا ولا ينفك عنّا بل عالم نهرب فيه تارة ونمارس فيه غواية التّحدّي ونختبر فيه جرأة القول؛ هو لون من الإقامة في واقع بأقنعة تسهّل عملية التّدريب على العقل. إن الحكاية الحيوانية كما في رسالة «التّديّن والنفاق» تنقلنا إلى ظواهر إنسانية بلسان الحيوان، تماماً كما نقلتنا كليلة ودمنة إلى ظواهر سياسية بشرية بلسان الحيوان. المائز هنا، أن حكاية البهائي ذات نفس تربوي يتّجه إلى الوعي وأنماط التفكير والسلوك، ولم تحشر نفسها في رسالة سياسية بين الحاكم والمحكوم. أو لعلّه أدرك أن أدواء السياسية نفسها لا تشذّ عن أدواء الفكر. لكن أيًّا كان الأمر، فإنّ الحكاية الحيوانية البهائية هي رسالة في تجديد السياسة الفكرية بعد أن ظلّ همّ الحكاية الحيوانية قبله وبعده، رسالة غايتها تجديد الفكرة السياسية.

ﷺ لماذا التّدين والنّفاق؟

إنّ اختيار الحكاية الحيوانية ليس جزافاً هاهنا. فما من معاقر لها إلّا وهو يدرك لها آماداً استراتيجية. وكما ألمح لافونتين، وهو رائد الحكاية في العصر الحديث، بأنّ لهذه الأخيرة قواماً ينهض على جانبين: جسد وروح. فبينما يؤدّي الجسد دور الحكي تتولّى الرّوح دور المعنى. هذا هو واقع اللغة عموماً. لكن في الحكاية هناك تفويت للمباشرة إلى عالم الحيوان. ليست اللاّمباشرة هنا قضية مجاز لغوي فحسب، بل هي أيضاً مجاز مادّي يعبر بالنصوص والشخوص من مجتمع الإنسان إلى مجتمع الحيوان. فالبعد التعويضي هنا متحقّق. أي يمكن محاكمة الرذيلة بمجاز ساخر إذا ما تعذّر تغييرها بالقوّة. وبتعبير لافونتين في حكاياته أنه سعى للسخرية من الرذيلة إذ لم يكن في مقدوره مواجهتها بذراعيّ هرقل.وفي مرّات كثيرة جاءت الحكاية الحيوانية لتبارز الإنسان. فهي تتحدّث حديثاً افتراضيًّا لكنّه يحاكي واقع الإنسان، وأحياناً واقع الحيوان نفسه حين نستدخل مشكلة البيئة اليوم. فالحكاية الحيوانية متجدّدة متطورة وإن حافظت على صورتها الحيوانية. ولم يمنع لافونتين على الرّغم من نقله عن السّلف الكثير من حكاياته أن يمنح الحكاية الحيوانية قواماً وموضوعات جديدة. فقد أخذ حوالي عشرين حكاية من التراث القديم ومنه الفارسي وضمّنها القسم الثّاني من حكاياته. إنّ استنطاق الحيوانات هو أسلوب تربوي لا يزال راهنيًّا. ففي عصرنا نطقت الحيوانات بلغتنا ومفاهيمنا وأيديولوجياتنا وحماقاتنا. ليس من قبيل الاستغراب أن ينطق غراب جورج أورويل في «مزرعة الحيوانات» بلغة اشتراكية تتعلّق بالإنتاج وحقّ الحيوانات في امتلاك فائض القيمة. يقول الغراب الذي تأخّر عن الموعد فيما هو ظلّ نائماً في حلم سيحكيه لرفاقه، محرّضاً إيّاهم على قتل الإنسان والخلاص من عبوديته: «الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستهلك دون أن ينتج. لا يعطي حليباً، ولا يبيض بيضاً، وهو أضعف من أن يدفع المحراث وأطول من أن يصطاد أرنباً (...) ومع ذلك ها هو هذا الأخير المتسلّط على سائر الحيوانات». ثم يقول: «أليس ذلك يا رفاق أوضح كمياه الصخر؟ كل الشرور في حياتنا هي بسبب الإنسان: طاغيتنا».

فالحكاية الحيوانية هنا ليست ملهاة للإضحاك، ولا تراجيديا للأسى، هي حكاية تربوية جادّة مع شائبة من السّخرية. إنّ متعة القول هنا متوفّرة بقوّة الإمتاع التي يجود بها قلم الأديب. هكذا نظر البهائي للأدب كفنّ لا يتميّز عن سائر الفنون. فقلم الأديب يحرّك المشاعر ويداعب العقل مثلما يفعل الموسيقي تماماً. فانظر تجده البهائي نفسه في الكشكول يورد مقارنة بين مزمارين: أحدهما مزمار المعنى وهو القلم، والآخر هو مزمار المغنى المعروف. فيقول على سبيل التشبيه: «من كلام بعض الأدباء: لو أنصف أهل العقول، لعلموا أنّ القلم مزمار المعاني كما أنّ أخاه في النّسب مزمار المغاني. فهذا يأتي ببدائع الحكم كما يأتي ذاك بغرائب النّغم. وكلاهما شيء واحد في الإطراب، غير أنّ هذا يلعب بالسماع وهذا يولع بالألباب. وأقسم بالله ما سمعت شيئاً من طيّب الأدب إلَّا جلب لبّي وأخذ بمجامع قلبي».

كان من شأن فعل استنطاق الحيوانات في العرف الإسلامي، أن يترك ردود فعل ونفور من الجمهور أو الفقهاء. لكن معاقرة بعض الفقهاء لهذا الفنّ صكّ عبور إلى عالمه. والشيخ البهائي هنا هو أديب الفقهاء وفقيه الأدباء. وما تبيين البهائي لمغزى حكايته في متن الكتاب إلّا تأكيد على مدى شرعيتها التي قد تدخل في باب وظيفة الحدّ الأدنى من تمثّل واجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فإذا ما تعذّر تغيير المنكر بالقوّة فباللسان فإن تعذّر فبالقلب. وهنا يتمّ التغيير باللسان لكن بتقنية اللاّمباشرة والحكاية. لقد وجد أهل المشرق العربي، وبتأثير مباشر من الثّقافة الفارسية التي استدخلها ابن المقفّع، في الحكاية الحيوانية وسيطاً مناسباً لتمرير الكلام غير المباح. ومثل هذا عزّ في بلاد المغرب الإسلامي لأسباب غير مستقرأة حتّى الآن، لكن وجدت أن هذا الفنّ يندر إن لم أزعم أنّه يغيب تماماً من الممارسة الأدبية في المغرب الإسلامي. ولكن وجه من وجوه السّبب قوّة المحافظة في هذا الأدب والأخذ بالاحتياط في التّصوير الفنّي، وهو ما أبعد أدبهم عن المجون والخمريات والغزل ورمى به في المديح والرثاء والبكاء على الأطلال ووصف الطبيعة. وفي الحكاية اهتدوا إلى فن إجراء الكلام غير المباح على لسان «الهدرازة» والصبيان ومن لم يكونوا على قدر المسؤولية ومن أهل الرّشد؛ وهو ما يتطلّب دراسة مقارنة وافية.

وليس اختيار مجتمع الحيوانات مجرّد مجاز ساخر، بل هو مجتمع إن أضيفت له خاصية الإنسان المفقودة في السّلوك الغالب على الإنسان الغافل -النّطق- نطق كما كان ينبغي أن ينطق الإنسان، مما يعني أنّ نعمة النطق عند الإنسان لا تؤدّي غرضها كما ينبغي بسبب اختيارات الإنسان اللاّعقلانية. تعود الحكاية رمزيًّا بالإنسان إلى أصل ما يميّزه عن الحيوان، ثم تخضع بواسطة الخيال إلى أنسنة المشهد الحيواني لتجعل منه فرجة تعكس حقيقة الإنسان وتناقضاته في واقعه. هنا يستعير الحيوان خاصية النطق من الإنسان ليؤدّي دور الملهاة. فالنّاطقية هي قوام العقل الذي به يتميّز الإنسان. فإذا ما نطق الحيوان كان عاقلاً وجاء بحديث العقلاء. فلا فكاك بين النطق والعقل.

ﷺ الحكاية الحيوانية كمشترك إنساني

لم يكن فعل استنطاق الحيوان بدعاً في الممارسة الأدبية العربية ولا في سائر الثّقافات. فالحكاية الحيوانية قديمة في التراث الإنساني عرفتها مختلف الحضارات. لذا اختلفوا في هويّة مبتكرها الأول؛ هل هو إيزوب في القرن 6 قبل الميلاد أو وزير سليمان أو لقمان الحكيم.وثمة من يعود بها إلى ما قبل القرن الثاني عشر قبل الميلاد حيث تم اكتشاف حكاية السبع والفأر مسطورة على ورق البردي في مصر.لكن ثمّة من لم يعر أهمّية لهذا الأمر، حيث تعتبر الحكاية الحيوانية فن طبيعي من بين سائر الفنون الأدبية، لا أهمية لنسبته لشخص أو أمّة. فهو أقرب إلى الطبيعة الفطرية للإنسان المنجذبة كما عند الطفل بحديث الحيوان، بعد أن أدركنا أنّ البشرية مرّت من مرحلة شبيهة بطفولة الإنسان؛ «يغريه تصور الحيوان ينطق كما ينطق الإنسان/ ويفكّر مثلما يفكّر». لقد كان ابن المقفع هو أوّل من أدخل هذا الفن إلى الثقافة العربية. وسواء أكان هو من وضع كتاب كليلة ودمنة أو أنّه نقله إلى العربية وكان كلامه لا يبرح مقدمة الكتاب كما أشار ابن خلّكان في الوفيات، فإنه لا خلاف على أنّه هو من كان له فضل إدخال هذا الفن إلى الثّقافة العربية بصورته الكاملة وإن لم يكن هو أوّل من أنطق الحيوان. وقريب من الصّواب ما أضافه عبد اللطيف حمزة في اشتغاله على ابن المقفّع، بأنّه يحتمل أيضاً أن يكون هذا الأخير قد حفظ من تلك الحكايات التي راجت في الهند ومن ثمة في فارس، الكثير، ثم قام فجمع هذا الشّتات وألّف كتاباً خاصًّا حول هذه القصص. ومرّة أخرى أحسن الباحث نفسه لمّا هوّن من أهمّية ما رامه بونتي حينما استدلّ على الأصل الهندي لحكايات ابن المقفع الحيوانية، بناء على النظرية البوذية الهندية في تناسخ الأرواح. وذلك بإيراد أمثلة نقيضة من القرآن نفسه. وقد شهدت الثقافة العربية منذئذ اهتماماً كبيراً بهذا الفنّ. وكان لإخوان الصفا أيضاً نصيب من استنطاق الحيوان في رسائلهم للأغراض التربوية والإصلاحية نفسها. سيكون ذلك مثيراً أكثر للانتباه إن سلّمنا بما ذهب إليه جولدزهير من أنّ اسم إخوان الصّفا هو نفسه مقتبس من كتاب كليلة ودمنة في مفتتح باب الحمامة المطوّقة. بل ثمّة من ذهب أبعد من ذلك، ليتحدّث عن وجود الحكاية الحيوانية عند العرب قبل ورود ابن المقفّع. ودليلهم على ذلك ما راج من حكايات وأمثال في الثّقافة العربية، نظيرة حكاية «أكلت يوم أكل الثّور الأبيض». بينما ذهب آخرون أبعد من ذلك كثيراً، حينما تحدّثوا عن أنّ العرب الآراميين قد تعرّفوا إلى كليلة ودمنة المنقول إلى السريانية سنة (570م) ثم حفظته الذاكرة الشعبية حتى صدر الإسلام. ويمكن أن نضيف إلى ذلك قطعاً للشّك، أنّ فعل استنطاق الحيوان لم يكن نابعاً من عقيدة إحيائية قديمة مختصة بثقافات الشّرق الأقصى، بل نجد لذلك نظائر تأسيسية في القرآن الكريم. فلقد بدا واضحاً مدى تناسب هذا الأسلوب التربوي مع طريقة القرآن الكريم، الذي اعتمد القصّ والحكاية أسلوباً أثيراً في التّربية والتّعلّم. فلقد جاء القرآن زاخراً بكلّ صنوف الكنايات والإشارات، وقد جاءت تعاليمه في قالب فنّي غنيّ بالمجازات واعتماد القصص والاعتبار. مع أنّ القرآن كرّم الإنسان على سائر المخلوقات التي سلّطه عليها إلَّا أنّه تفضيل لا يخلو من مسؤولية. فلقد نفى بهذا أي اعتقاد على سبيل مبدأ المشاركة، ولكنّه أشار إلى أنّه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم. هكذا وقبل أن يجري الكلام على لسان الحيوان في كليلة ودمنة، نطق النمل والهدهد في القرآن.وتضعنا مملكة النبيّ العظيم سليمان عليه السلام أمام أقاصيص يستوي فيها الإنسان والحيوان من حيث المسؤولية والمنطق. فلقد تحدّث الهدهد كإنسان وليس كحيوان. فالهدهد ينقل الأخبار ويتملّكه الفضول لمعرفة أسرار الملك، ويميّز بين محاسن السّلطة وقبائح النّظم. ولقد تعجّب كإنسان من أن تحكم المرأة، ويكون حكمها قائماً قويًّا. وكانت من أعظم معجزات النّبيّ سليمان أن أُلهم منطق الطير والحيوان، وتسلّطه على الإنسان والجان والحيوان والجماد. قال تعالى:

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.

إن مملكة سليمان تعطي صورة واضحة عن حقيقة منطق الحيوانات. وقد تعددت الأمثال عن الحيوان في القرآن إلى حدّ تقوّل بعض المعارضين للتعاليم، فما كان إلَّا أن أكّد القرآن على قيمة الأمثال الحيوانية باحتجاج يؤكّد على أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، حينما قال تعالى:

﴿إن اللهَ لَا يَسْتَحى أن يَضَربَ مَثلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوقَهَا فأما الَّذيَنَ امَنُوا فَيَعْلمُونَ اَنَّهُ اْلَحُق مِنْ رَبّهِم وأما الَّذيَن كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أراد اللهُ بِهذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهدِى بِه كَثيراً وَمَا يُضِلُّ ِبِه إلا الفَاسِقيَن.

ومع ذلك نلاحظ أنّ رسالة التّدين والنفاق للشيخ البهائي تنتمي رسميًّا وبامتياز إلى الأدب الفارسي. وهي من هذا المنطق تبعث الرّغبة عند الباحث إلى الالتفات إلى مجمل ما ألّفه العرب بالفارسية بعد أن أدركنا ما ألّفه أهل فارس بالعربية. فهي وإن كان مؤلّفها هو الشيخ البهائي، فقد كان هذا الأخير مزدوج الثّقافة. وكان أن كتبها في بلاد فارس وليس في البلاد العربية. كما ألّفها صاحبها باللغة الفارسية. فيما كانت كلّ رموزها الثّقافية فارسية بامتياز. فالفأر أو القط في حوارهما يستحضران تباعاً أمثلة تنتمي إلى التاريخ والجغرافيا الفارسيين، كما لم يفتأ أحدهما تلو الآخر يحيل إلى شعراء فارس العظام من أمثال حافظ وسعدي وفردوسي. حيث نجد بين الفينة والأخرى أمثلة على ذلك كما تظهر العبارات التّالية:

- قال الفأر: جاء في «كلستان» الشيخ سعدي شعر يقول:

سمعت أن الكريم يوم الحشر يشفع للأشقياء بحسنة الأتقياء.

- قال الفأر: قرأت في كتاب «نكارستان» هذه الحكاية: «إنّ عيّاراً ظالماً سيئ السيرة إلخ.

- قال الفأر: أيها القط (...) كنت منذ سنوات خلت مجاوراً في مقام «الشيخ سعدي» عليه الرحمة.

- قال الفأر: أيها الملك أنت أطلعتني على أمور كثيرة، أما «خواجة حافظ» عليه الرحمة، فقد قال في ديوانه كلاماً جميلاً.

- قال الفأر: أنت لا تذكر لي المعنى الحقيقي، وإنما في غزل «حافظ» كلام حول التوبة واللّاتوبة.

- وقال الفأر:(...) وقد قال الشيخ سعدي في كلستان:

القط أسد حين يقبض على الفأر

ولكنه فأر في حضرة الأسد.

- وقد قرأت في الشاهنامة.

- ثم قال القط: أيها الفأر، أقرأت ديوان خواجة حافظ؟

قال الفأر: بلى كلما أردت الخروج من المنزل آخذ فألاً من ديوان حافظ، وأقرأ قليلاً من مقام (الراست) والـ(بنجكاه) وبعدها أخرج!

هذه وكثير منها لم نذكره لا تمثل شاهداً على أن الحكاية تستلهم من تراث فارس فحسب، بل هي تعكس عاداتهم وطريقة احتفائهم بتلك الرموز. ولفارس تراث في الأدب لا يخفى على الأدباء العرب. ويورد الجاحظ من حديث أهل التسوية في البيان والتبيين ما يؤكّد على براعة أهل فارس في القول والبلاغة. فيذكر على لسانهم: «وقد علمنا أنّ أخطب النّاس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس... إلخ» ثم يقول: «وقالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة ويعرف الغريب ويتبحّر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والألفاظ الكريمة والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها (...) فمن قرأ هذه الكتب وعرف غور تلك العقول وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة وأين تكاملت تلك الصناعة».

يكون الشيخ البهائي من خلال حكاية «التدين والنفاق بلسان القط والفأر» قد أحيا رسوم فارس في الآداب، ونسج على منوال ابن المقفّع في كليلة ودمنة، لكنّه منح حكايته ملمحاً يُقرّبها إلى الواقع أكثر من الخيال: يكاد المطّلع عليها يدرك أن القط والفأر في حكاية البهائي ليسا سوى قناعين رفيعين جدًّا تكاد تظهر وتنفضح من ورائهما صورة الرذيلة والنفاق بطعمهما البشريين.

ﷺ التّديّن والنّفاق، هل هما حيوانيان؟

الإنسان كائن متألّه. والدين عنده ليس معطى على نحو الدّين الطّبيعي. وليس للفطرة هنا سوى جانب ما يختصّ بالقابلية للتديّن. ولقد أُلهم البشر النّجدين وله أن يختار ما شاء بالقدرة والاختيار مسلكاً من مسالكهما على حدة أم سلك بينهما مسلكاً مذبذباً أو تطوّح بينهما. لهذا السبب تحديداً كان النّفاق بشريًّا. فتعريف الإنسان بالعقل من حيث هو يتنزّل عند الكثير من الحدثاء منزلة الدّماغ المادي، لا يكون التعريف جامعاً مانعاً. ذلك لأنّ شيئاً من هذا متوفّر في الحيوان. ولكن المقصود هنا من العقل ما يعبد به الرحمن. وعليه كان التعريف الأضبط للإنسان: أنّه كائن متألّه ومتديّن. والتديّن اختيار وليس حتمية جبرية. فليس النفاق شأناً للحيوان، لأنّه ليس متديّناً وإن علم تسبيحه. لكن نفاق الإنسان كان قد استدعى هذا الاستنطاق التراجيدي والسّاخر احتجاجاً على انهيار القيم في سائر الأزمنة. وكان ابن مرزبان قد وصف أخلاق أهل زمانه بالانهيار القيمي الموسوم بخسة أخلاق الناس ولؤم طباعهم حتى صاروا كما قال أبي ذرّ الغفاري: كان الناس ورقاً لا شوك فيه وأصبحوا شوكاً لا ورق فيه. وقد اهتم عدد من الأعلام بحكايات ووصف الحيوان كما فعل الدميري في الحيوان وكذا الجاحظ في الحيوان، حيث هام في وصف بعضها بما يشبه أخلاق الأناسي كالكلاب. ومن ثمة جاءت محاولة أبي بكر بن المرزبان صريحة في التمدّح بالكلاب والهيام بأخلاقها والتهوين من أخلاق الأناسي، في كتابه الموسوم: «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» أو حسب بعض النسخ: «تفضيل الكلاب على أكثر من لبس الثياب». حيث يورد فيه قول الشّاعر:

ذهب النّاس وانقضت دولة المجد

فكلّ إلَّا القليل كلاب

إنّ من لم يكن على النّاس ذئباً

أكلته في ذا الزمان الذئاب

غير أنّ الوجوه في صور النا

س وأبدانهم عليها الثياب

فابن مرزبان هنا لم يكن بصدد التّأليف عن سمات الكلاب وخصائصها كما فعل الجاحظ في الحيوان، أو كما فعل السيوطي في استقراء أسمائها للتّبري من معرّة النّعمان، بل جعل ذلك مطيّة لهجاء أخلاق النّاس. فهو يقول: «سألتني -أعزّك الله- أن أجمع لك ما جاء في فضل الكلب على شرار الإخوان ومحمود خصاله في السّر والإعلان، فقد جمعت ما فيه كفاية». لقد شحّ زمانه من الأخلاق الحميدة حتى أورد على سبيل المبالغة قول بعضهم: «أن ليس في الزمان سوى خنازير، فإن وجدتم كلباً فتمسكوا به فإنه خير من ناس هذا الزمان. قال الشّاعر:

اشدد يديك بكلب إن ظفرت به

فأكثر الناس قد صاروا خنازير

ليس التديّن هنا له معنى يقابل النّفاق. لقد حرصت الحكاية أن تتحدّث عن النّفاق باعتباره ممارسة تسلك على سبيل التّديّن المغشوش. فالنفاق لا يمارس خارج التّديّن بل يستجدي منه صوره ومقولاته. إن النفاق هنا يؤدّي معنى الطّفيلية الدّينية. وتكمن خطورته في أنّه لا يأتيك عارياً من التّديّن بل يجعلك تظهر أمام تمثّله المغشوش ذاك على شكّ من تديّنك إن كنت من أهل الدّين. التدّين والنفاق من حيث الصورة والتعبير لا ينفكّان. فالنفاق إن تعرّى من لغة الدين ومظاهره افتضح أمره. لا يتمظهر النّفاق خارج الدّين، بل هو ينبت داخل التّديّن مثل الطفيليات. ليس للنفاق مظهر خاص به، لكنه يرعى كالفيروس على التّديّن فيستعير من الدين مظاهره ورموزه. جاء الدّين ليحارب مظاهر الفساد والجريمة في الاعتقاد والاجتماع، ووضع موازين وأصولاً لعلاج الاختلال الروحي والنفسي والاجتماعي والحضاري. لكنّه فضح لعبة النّفاق دون أن يضع وسائل لمواجهته سوى الحيلة والنباهة والحيطة. ومع أنّ الدّين نبّه لمعضلة النّفاق ووجه النّظر إلى أنّ أهل النفاق مخبوئين وراء فلتات ألسنتهم، وجعل سيماء المؤمنين غير سيماء المنافقين حيث يعرفون في لحن القول، إلَّا أنّه ظلّ متّهماً كما لو أنّ الدين هو المسؤول عن النّفاق وليس الإنسان. إن النفاق يجري في الجسد الاجتماعي كما يجري الشيطان في عروق الأفراد. فالمنافقين هم شياطين المجتمع. ومع ذلك لا بدّ للنفاق من فضيحة تتوقّف على صلاح الجماعة وحذرها من عدوها، ألا وهو النّفاق. فليس حول المدينة النبوية وحدها وجد منافقون كثير بل حول كل مدينة ستجد منهم نصيباً يزيد أو يكثر. وحينما يطغى الفساد ويعلن عن نفسه يتحوّل النّفاق إلى كفر بواح ويخرج من وراء حجابه. التّديّن الصحيح يفضح النفاق. وحينما تسود سيماء الإيمان تنفضح سيماء المنافقين. هنا لا مجال للبحث عن دين لا يحيط به نفاق. فالنفاق يلازم الدين ويتربّص به. إن النفاق ينتصر متى صدّق الأغبياء أنّ الدّين يصنع المنافقين، بل لأنّه يقمعهم كانوا يحتلّون مواقع متقدّمة في التّمظهر الدّيني. فالنفاق ليس حقيقة نابعة من روح الدّين بل هي حقيقة سوسيو-دينية. وحيث كان الإنسان ولا زال في عالم الإمكان يملك أن يكون إنساناً متى شاء أو كالأنعام متى شاء، كان يملك لغةً وصوراً ما بالقوة. فبقدر ما يملك الإنسان أن يتمثّل لغة الأنعام وهو في طور إنسانيته، يملك أن يتمثّل صور مقامات الكمّل من أهل الدّين وإن لم يكن من أهلها. فهذا يتيحه وضعه في الإمكان وأنّه إنسان بالقوة. فالحركة التكاملية للنفس الإنسانية لا مستقرّ لها في هذا التخارج المتردّد بين مقام الإنسانية ومقام الحيوانية. ففي المجتمع الإنساني تتعايش الجريمة المرفوضة اجتماعيًّا مع الفضيلة بفضل لعبة الإخفاء والتدليس والنّفاق. إن خراب المجتمع يبدأ من تجذّر النفاق ورسوخه والتّستّر عليه وتمكينه من أهل الفضيلة عبر التغلغل في مؤسسات صناعة ورعاية أمور الدّين والدّنيا. النفاق هو أساس خراب العمران.

ﷺ القيمة التربوية لحكاية القط والفأر

على الرّغم من محاولات جون جاك روسو التقليل من أهمية حكايات لافونتين ومدى جدواها التربوي بالنسبة للطفل، إلَّا أنّ ذلك لم يكن ليقنع التربويين الحدثاء في الاستغناء عن أسلوب الحكاية التربوية انطلاقاً من عالم الحيوانات. فالرسوم المتحرّكة وأفلام الكارتون والقصص التربوية تفيض بهذه الصّور في كل جيل. مؤكّدة نجاعتها ومدى تحقيقها لغرض المتعة والتّعلّم عند الأطفال، وهي عنوان الثورة التربوية في العصر الحديث. ولا يزال القط والفأر عنواناً بارزاً لأنواع الرسوم المتحرّكة التي شكّلت عنواناً لوحدة الثقافة في أرجاء المعمورة. ولا زال للقط والفأر جولات ومغامرات لا تكاد تنتهي في حكايات ميكي ماوس بوول ديزني المعاصرة. إن لتحيين القول في «التديّن والنفاق بلسان القط والفأر» لبهاء الدين العاملي قيمة تربوية تصل الماضي بالحاضر وتعزّز وحدة الخيال واستمراريته بين الأجيال؛ الخيال كأسلوب للتربية. من أجل تنمية استراتيجيا تربوية قوامها: التربية على الخيال والخيال من أجل التربية. فالمطلوب النّظر إلى هذه الحكاية على أساس الاعتبار لما تتضمّنه من معاني كبيرة. حيث يؤكّد صاحبها على أنّ «الغاية أن ينظر القرّاء بكامل التدبّر والتّفكّر لتشعّ في خواطرهم أنوار هذه المعاني». كما يؤكد البهائي على أن هذا الحوار بين القطّ والفأر يهدف إلى غايات تربوية لمّا وضّح سبب اختياره لهما كمتحاورين، قائلا: «أيّها الأعزّاء، لا تظنوا أنّ حوار الفأر والقط بلا جدوى! الفأر هو نفسكم الأمّارة بالسوء، التي تريد أن تتخلّص بالحيلة والخداع من سلطة العقل، وأن تفسد صاحبها باقتدائها بالشيطان وبعد ذلك تسخر من العقل وتهزأ منه وتضيّع عليه نعمة الاختيار الصحيح».

هنا نحن أمام رؤية فلسفية عميقة للدّين والنّفس والعقل والصّلة الرّابطة بينهما. أصل الغواية وآثار الضّلال وبؤس الاختيار. إنها تمنح رؤية وافية لانسدادات النّفس وانطوائها داخل دائرة السّوء. الدّائرة المغلقة على النّفس العصيّة على الانفتاح على الصراط المستقيم، أي وحده الخطّ المنفتح على الله. تبدأ الحكاية من النّفس الأمّارة بالسّوء. وخطورتها أنّها هي الأقرب إلى الإنسان غير منفكّة عنه إلَّا إذا ما استعصم بوازع من الدين والعقل. لكنّها بصنوف الحيل تراوغ لكي تفلت من رقابة العقل وسلطته. ثم حينئذ تقدّم صاحبها وجبة سائغة للشيطان. يصبح العقل والمعقول موضوع سخرية بعدئذ ثم بفعل مراكمة اللاّمعقول يفقد صاحبها البوصلة في طريق الضلال المجهول، فلا تبقى لديه حتى نعمة الاختيار، وأحياناً يحسب أنه يحسن صنعاً. يمكننا أيضاً اعتبار حكاية بهاء الدين العاملي عن التّديّن والنّفاق، تغطية حوارية لمراحل الغواية والإضلال التي تقوم بها النفس الأمّارة بالسّوء ونهاياتها السّيّئة. فما دام الأمر يتعلّق بحجاج داخلي بين النفس وقواها، فهذا يعني أن شعبة النّفاق تتربّص بالنفوس طرًّا لا تستثني أحداً. وبأنّ النفاق شعبة يتعيّن مقاومتها بالرياضة والمجاهدة والتربية. ففي كلّ النفوس لا غرو من وجود كثير أو قليل من النّفاق. يحارب المتديّن في نفسه غواية الكفر، لكنّ ما أن يدخل مشهد التّديّن حتى يهجم عليه النفاق بعد أن يكون التديّن لديه قد اكتسب قيمة سوسيو-دينية. ففي هذه الحكاية التي هي أصدق حكاية وأهمها، نقف ليس على توجيه تربوي ذي طبيعة وعظية تفصل بين المخاطِب والمخاطَب، بل هو عمل تربوي يقدّم خلاصة آراء وأفكار بهاء الدين العاملي في قضايا مختلفة تهمّ العلم والمجتمع والسّلطة والدّين. إنّ مجتمع البهائي بلا شكّ كان قد عرف تحولات ومظاهر وممارسات لم تكن محلّ رضا بهاء الدين كعالم ومصلح. ففي كلّ عصر وكلّ جيل يوجد دائماً شذوذ وانحراف وانزلاقات أخلاقية وأخرى تحريفية في صميم التّديّن. وحصر الحديث في التدين والنفاق هو إجمال لما يحدث في أبعاد مختلفة من سلوك الإنسان. سيكتشف قارئ الحكاية المذكورة أنّ القطّ هنا هو قوّة المخيّلة التي تلغي سلطان العقل بينما الفأر هو النّفس الأمارة بالسوء، فهو عنوان الرذيلة واللاّعقل والالتباس. يعني ألَّا يكتفي الأمر هنا عند تقسيم المهام بين قيمتين على طرفي نقيض، بل ندرك من خلال هذا التقسيم الإجمالي أنّ الرذيلة هي نتيجة حتمية للّاعقل. بينما اللّاعقل واللاّمعقول لا يقف صامتاً أمام خطاب العقل والمعقول. بل يحاجج ويسخر ويغالط ولا يصمت. في حوار القط والفأر نجد حجاجاً ساخناً بين المعقول واللاّمعقول. وحينما يستغرق الحوار كل هذه المساحة، فهذا يعني أنّ اللامعقول ليس مهزوماً بمجرّد أن ينبري له العقل، بل يحاول جهده أن يغالط ضمن مستويات حجاجية ذات وظيفة تضليلية. إن للاّمعقول إذن لغةً واصفةً ومنطقاً خادعاً وأسلوباً للإقناع والسخرية. ينطق الفأر كما ينطق القط في موضوعات مشتركة، هذا يحاجج فيها بالباطل وذاك يبرهن فيها على الصّواب الرّاجح. إن حكاية القط والفأر هي حكاية علاقة صدام وتدافع دائم ومستمر بين الحق والباطل.. العلم والجهل.. الدين والنفاق.. المروءة والرذيلة.. الحرّية والاستبداد... تتأكد فيها الغلبة للباطل متى أمكن الجهل أن يمكر بقوّة الخيال للتّفلّت من العقل.

تصلح هذه الحكاية إذن لغرضين:

غرض تقديم تفصيل كافٍ يعكس مجمل فكر البهائي في مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والمعرفية. وغرض آخر كونها تصلح برنامجاً تربويًّا تمكّن الإنسان من نسج علاقة مختلفة مع الله والإنسان وعالم المعرفة.

يتجلّى الروح النقدي في فكر البهائي من خلال الحكاية المذكورة. وهذا يعني أننا أمام فكر تجديدي وخلّاق وتربوي. فلا تربية من دون فكر نقدي. ولا إبداع من دون نقد. فلقد أظهرت الحكاية وجهة نظر البهائي في قضايا صعبة المداولة. لقد كان للقط والفأر في حكاية البهائي جولات في موضوعات ومسائل عدّة. نستطيع أن نبوّبها تحت سقف عنوان افتراضي يقرّب المطلب ويسفر عن العبرة: حينما يضعف سلطان العقل. في أولى تلك الجولات التي أردفها البهائي في خاتمتها بتوضيح المغزى، نجد حجاجاً بالغ الذكاء بين القط والفأر. كان الفأر قد بذل وسعه لإقناع القطّ بحديث المروءة والتسامح والصفح عساه يفسح له طريقاً إلى كوخه. وكان القط من جهته قد بذل وسعه لكيلا يقع في خداع الفأر وتخريجاته الفقهية ومكره. استدل الواحد على الآخر بالفقه والتّصوّف وعلوم كثيرة. ظهر تفوّق القط العلمي وعارض كل حجج الفأر بالبرهان. لكن شيئاً ما مكّن الفأر من القطّ في نهاية المطاف؛ إنّه الطّمع والشّهوة التي سرحت به في سماء الخيال بعد أن نجح الفأر في إقناعه بوجبة من لحم العصفور لم يملك معها القط أمره فأذعن للفأر الماكر وأفلته من بين يديه.الفكرة المحورية هنا لا تحجب التفاصيل التربوية التي تضمّنتها المناظرة. وهي تفيض بالمعاني والعبر في مسائل شتّى. فالقيمة الأخرى للحكاية من حيث الشّكل تؤكّد على القيمة المنطقية للمناظرة. فما جرى بين القطّ والفأر يعكس أشكالاً وضرورباً من المناقضات والمفارقات التي يستند إليها عادة أهل الحجاج. فالحكاية تقدّم قيمة أخرى حول كيفية تدبير الأدلّة وتميزها بين شواهد الجهل وشواهد العلم. وشواهد الجهل تأخذ شكل البرهان وهي أبعد ما تكون عنه. فهي أدلّة مغالطة تقوم على الأقيسة الخاطئة وعلى السفسطة. فمهما هام الفأر في صناعة المغالطة، تصدّى القطّ له بالأدلة المفحمة. فلا مجال في حكاية البهائي لتساوي الأدلّة، فالعقل بطبعه يقول بالترجيح والحسم وتفكيك مغالطات المحاجج الجاهل. ولا يقرأ الشيخ البهائي قراءة تجزيئية. فعند القراءة الشمولية للبهائي ندرك خطأ ما بدا غرائبيًّا في آرائه. فهو كما فعل في حكاية «التّديّن والنّفاق» ينتصر في النّهاية للفقهاء والعلماء. كما ينتصر للمصادر المقرّرة في الاعتقادات والشرائع، فلا يرى فيما عداها إلَّا التباساً. فالقطّ الضّالع في الفقه عادة ما يلفت إلى بضاعة الفأر المزجاة في مجال العلم. فقطّ البهائي كان قد لازم طالباً للعلم قرّبه منه بعد أن أبلى القط بلاء حسناً في تخليص الطالب من أثر الفأر الذي أتلف أغراضه. ومنه تعلّم «بعض الكلمات في الأصول والفروع». وهو لهذا يلفت نظر الفأر إلى سبب قول القطط «ميّو، ميو» بالتشديد والمد. يقول القط للفأر: «وحفظت إلى ذلك الكثير من المسائل الشّرعية، والآن أنا ماهر في الدّرس والبحث ومجمّل بالصّلاح والاستقامة وأوقن أن معاقبة أمثالك عبادة». هذا بينما كان الفأر يلوذ بالشّعر والتراث والأهواء وآراء الطرق الصّوفية التي جعل منها البهائي موضوعاً لرسالته التوجيهية تلك. وكثيراً ما استشكل القطّ على أسلوب الفأر وعيّره بالجهل والفسوق. وفي جولة من جولات الحجاج قال له القطّ: «أنا أنقل كلام القرآن الكريم وأذكر لك الأحاديث النبوية الشريفة وأنت تورد كلام حافظ وأقواله؟». هذا ليس حديثاً عابراً بل هو واقع لعلّه لفت نظر البهائي في المجتمع الفارسي. فقد بدا أنّ جمهور العلماء والفقهاء كانوا قد واجهوا ظواهر من هذا القبيل. فلقد بلغ الاهتمام بشعر حافظ ونظرائه ما فاق الاهتمام بأصول العقيدة والتشريع. وكما سيجيب الفأر، فإنّ القط لم يذكر له المعنى الحقيقي، حيث في غزل الشّاعر حافظ كلام حول التوبة واللّاتوبة. فالفأر يتجرّأ على القط بل يثير حفيظته حينما يتّهمه بالمعصية ويطلب منه التّوبة بالغزل الذي اعتبره مبطلاً للصّوم فقهيًّا لكنه فعله خوفاً من طروّ الملل إلى خاطر القطّ. فهو يؤكّد للقطّ بأنه أحقر من أن يقدّم له النصيحة لكنه الآن يفعل ذلك من باب الواجب والضروري بناء على التكليف في النهوض بفريضة الأمر بالمعروف. فيقول له: «إن التّصوّف والزّهد من خصائص المتديّنين والفقهاء، وأنا لا أرى ذلك فيك». لكن سرعان ما استعاد القطّ توازنه ولاذ بالحيطة والحذر خشية أن يفلت منه الفأر. فالفأر هنا يمارس الخداع بمعسول الكلام، وكان لا بد للقط من أن يخدعه بالأدلّة والأمثال. يقول القط: «وأتصرف بحيطة وحذر، وإن لم أستطع ترويضه فلا هو صوفي ولا أنا طالب علم، سأسيطر عليه بالحجة مستنداً إلى الأدلة الشّرعية، وإن لم يفدني هذا فسأورد أقوال المتصوّفة وأقبض عليه». أما صاحب الحكاية فقد علّق على هذا الحديث الخاص بين القط ونفسه: «ثمّ إن القطّ قرّر أوّلاً أن يتواضع ويعظ نفسه». وحينما اشتد الحديث بينهما وأظهر الفأر ما أظهر من استفزاز في طيّ الكلام المعسول، طلب القطّ من الفأر أن يسمعه كلاماً ذا مضمون حقيقي وليس مجرد كلام معسول لا طائلة منه «كأنّ لا فرق بين قولك وبولك». ما كان من القطّ إلا أن يجيب ساخر: «أيّها القط، لو لم تكن فاقد العقل لما أفلتّني من يدك».

يبدو موقف الشيخ البهائي من خلال الحكاية المذكورة قاسياً من أهل الصوفيّة. وهذا عند التحقيق ليس موقفاً من التّصوف بل موقف إصلاحي للتّصوف. فلقد كان البهائي من أهل السلوك والعرفان كما تحكي سيرته وأقوله والحكم الإشارات التي تضمّنتها الكثير من أعماله التربوية والروحية. فإذا كان النفاق يرعى في حقل التّديّن، فهو يبلغ غايته كلّما بدت حيل التّلبس بمظاهر التّزاهد -وليس التّزهّد- طاغية على أهل الطريقة. لقد كان المجتمع الصّفوي غاصًّا بتعدّدية منقطعة النّظير في التعبيرات الدّينية. وكان الفقهاء أكثر تجلّداً في مقارعة أهل الطرقية. وكان كلّ فريق لا يألو جهداً في فضح غريمه متى ما بدا له اعورار في السلوك وشطط في التّسلّط على الخلق بغير حقّ. ولقد كان لهذا النزاع فائدة جليلة إن نحن نظرنا إليها من جهة ما وفّرته من أفكار وملاحظات على كل طرف على حدة. كان أحرى أن يفيد الفقيه من نقد أهل السلوك والعرفان، حتى لا نكون على فقه جامد من غير روح. فلقد التفت أبو حامد الغزّالي إلى فقهاء زمانه فألفاهم قد تجمّدت صناعتهم وفقدت الرّوح وماتت روح الدّين مع يباس الأحكام الصناعية، فكان أن ألّف كتابه الشهير: إحياء علوم الدّين. كما كان أحرى بالمتصوّف أن يفيد من نقد أهل الفقه والصناعة، حتى لا يتحوّل السلوك إلى مأوى للخرافة والنّفاق. فلا أحد أكثر إدراكاً لنقائص أهل الطريقة كالفقهاء، ولا لنقائص الفقهاء كأهل العرفان. ولا نجاة من هذا أو ذاك إلَّا بالجمع بينهما حيث كان ولا زال الجمع بينهما أحمد. وكانت تلك هي طريقة الشّيخ البهائي، طريقة الاعتدال والتّوسّط والبعد عن الغلو وطلب الدليل في كل معرفة وسلوك؛ أي كيف تكون فقيهاً سالكاً، أو سالكاً فقيهاً.. عالماً زاهداً. لذا حارب بنزعته الأصولية وميوله للتحقيق التسامح في تكريس الاعتقادات الزّائفة من دون دليل، أو اعتماد أدلّة ضعيفة. فلقد انتقد الغلوّ حيثما كان، في الفقه المجرّد عن السلوك أو السلوك المجرّد عن الفقه أو الاعتقاد القائم على النزعة الأخبارية لا الأصولية وهلم جرّا. فإذا كان علماء السّنة قد حاربوا أشكالاً غالية من التّصوّف تحت عنوان التّصوّف السّني المناهض للبدع والخرافات، فقد كان علماء الشيعة قد حاربوا أشكالاً غالية من التّصوّف تحت عنوان السلوك القائم على التحقيق الأصولي في الأخبار ومراعاة القواعد العقلية والآراء المسندة بأدلة المعقول والمنقول. إن خطاب العقل والمعقول طاغٍ في الحكاية. فهي كما قلنا حكاية تربوية. ونضيف قيداً آخر أنّها حكاية تربوية على التفكير المعقول والاختيارات العقلانية. ففي «التّديّن والنّفاق» يوجد انتصار واضح للعقل والمعقول الدّيني. وقد هاجم البهائي الصّوفية لأنها مأوى الخرافة. ومع ذلك هو يحتفظ بنصيب من النّقد لحرفية الفقهاء الذين لم يأخذوا بأسباب العرفان القلبي. هو ينتقد حرفية العلماء وظاهريتهم كما ينتقد خرافة الصّوفية وجهلهم. وفي هذا تأكيد على أن مراد الشيخ البهائي ليس إقصاء العرفان ولا تغليب الفقه، بل هو باحث عن التوازن وكمال العلم الذي يجمع بين قوّة النّظر وصفاء القلب: قوّة المعرفة وعمق العرفان. ليس الشيخ البهائي وحده من هجا التصوف والطرق في عصره. فلقد فعل ذلك نظراء له كان لهم باع كبير في العرفان. لقد انحرف التّصوف في عصور مختلفة وتحوّل من مجال للتربية على التّدين إلى ممارسة لا تقي صاحبها من زلّة النّفاق. لا سيما بعد أن خرج من العمق ووقف عند السّطح وانحصر همّه في مظاهر سلوكية وطقوس بلا روح. هكذا يستدرج القط الفأر بسؤال عن التّصوف، فما كان أسرع من الفأر حين ردّ بأنه بارع فيه حتى أنه يستطيع أن يدور ثلاثين أو أربعين دورة إن كان غيره لا يقدر سوى على واحدة. هنا تتحدّد من خلال حديث القط والفأر جغرافيا التّصوف المقصود كمثال: المولوية، باعتبارها طريقة تقوم على الرّقص والدوران. وقد كان ذلك مما طغى على المجال التركي العثماني مثلما طغت أشكال أخرى منه في المجال الإيراني الصّفوي. وليس المقصود هنا طريقة دون أخرى، ولكن الغاية تتعلّق بسائر الطّرق التي تكاثر حولها من لم يأخذوا بعمق رسالة التربية الروحية للتصوف. فالقط يجيب الفأر: «أتعلم عن التصوف الرقص والدوران فقط، أم أنك تعرف أموراً أخرى؟». من جهته يزايد الفأر على القطّ بورعه وصوفيته ويدعو القط إلى التّصوف ومعرفته. في حين يتشبّث القط بأنّ جهله للتصوف لا يعني أنه جاهل. ويردّ على الفأر بأن طلبة العلم اعتادوا القناعة ولا يشكون الجوع وإن ألمّ بهم، بخلاف ما فعل الفأر حينما شكا له الجوع وحدّثه عن سلوك الصوفية في الولائم وكيف أنهم حينما يدعون يأكلون إلى أن تمتلئ بطونهم، كما لو كانوا يأكلون ليس لإطفاء جوعة سابقة بل كأنما يريدون إطفاء جوعة مقبلة. وذلك حينما يقول الفأر: «أنا أيضاً من أهل التّصوّف، وتلك الجماعة لا تقصّر في أكل «نعمة الله» في جميع الحالات، في أثناء السلوك أو الاعتكاف يأكلون الحلوى وأحياناً خبز الشعير والخل، وإذا كانوا في ضيافة أحد في المساء يأكلون إلى الحدّ الذي تبقى فيه بطونهم مليئة إلى اليوم التّالي».تبدو القيمة الفلسفية لهذا النقاش بين القط والفأر لا حدود لها. ففي الظاهر يتّهم القط الفأر بأنّ معرفته ببعض المعلومات عن التّصوف لا قيمة لها إذا لم يكن هو نفسه قد بلغ ذلك المقام. من جهته، يؤكّد الفأر للقط بأنّه متصوف وأن القط طالب علم؛ «وطالب العلم والمتصوف لا يلتقيان». كما يستكثر عليه معرفة بعض حقائق التّصوف، ضارباً له مثلاً بالحلوى التي لا نعرفها إلَّا بتذوّقها. إذا نسينا هنا القط والفأر، وأمعنا النّظر في محتوى الخطاب، سنجد أنّنا أمام تبادل أحكام بين منطق المعرفة ومنطق العرفان. نعم، في مقدور مدّعي الصوفية إن قصر به الاهتمام بظواهرها كما اتَّهم القط الفأر، أن يدرك بعض الأفكار والآراء عن الصوفية دون أن يكون قد حقق ذلك الوصول والترقي في المقامات الروحية. وهؤلاء ليس لهم منها سوى المعلومات التي قد يستعملونها لاستغلال المجتمع. وهو درب من الدروب المؤدّية للنفاق. ولم يكن الفأر من ناحية النّظر مخطئاً حينما استكثر على القط معرفة حقائق التّصوف إن هو اكتفى بالنّظر من بعيد ولم يسلك فيه مسلكاً تجريبيًّا. فحقائق العرفان ليست كحقائق المعرفة تكتفي بالنظر والبرهان، بل هي حقائق تكشف وتذاق. من هنا فلا مجال لأن يلتقي طالب العلم والمتصوف، كما لا يلتقي طريق الكشف والبرهان. ويبدو أن الفأر هنا يتحدّث عن واقع الخصومة بينهما. وقد بدت تلك أزمةً عميقةً في الفكر الديني والفلسفي عززت القطيعة بين العرفان والبرهان. وهو ما يعطينا فكرة عن أهمية المحاولة الصدّرائية للجمع بين الكشف والبحث، والعرفان والبرهان في مزاعم الحكمة المتعالية. إذا كانت المعرفة حضورية عند أهل الكشف، فهي مكتسبة عند أهل النّظر والبحث. ومن هنا تبدو محنة طلبها كبيرة. فالذين يعتقدون بهذه الخرافات -في نظر الشيخ البهائي على لسان القطّ من الصوفية- لا عقل لهم ولا شعور، بينما المطلوب الكثير من التعب والمعانات مع علماء الدّين لتعلّم مسألة عقلية واحدة؛ «هؤلاء الذين أصبحوا علماء، تعذّبوا كثيراً في طريق الوصول». وواضح هنا أن المراد ليس صميم الإشكال بين طريقين لتحصيل المعرفة. بل وجب التنبيه هنا إلى أنّ هذا النقاش يجري بين عالم دين وبين دعيّ صوفي. وهو نقاش بين الحقيقة والزّيف.. بين التدين والنفاق. وإلَّا، فالنقاش الحقيقي بين أهل المعرفة وأهل العرفان عند التحقّق والتحقيق أعمق من ذلك بكثير. فقد يصحّ من أدعياء الصّوفية أنّ طريقهم للمعرفة خرافي لا دليل عليه من معقول ومنقول. لكن أهل السلوك الحقيقيين هم مثل أهل العلم، في عناء وتعب لتحصيل المقامات والمعرفة. ثمة لحظات بلغ فيها النقاش المعرفي ذروته. وهو حوار بين نسقين معرفيين في غاية الاختلاف. القطّ ينتصر لطريق طلّاب العلم الذين اختاروا مسار البرهان. والفأر يزعم أنّه سلك طريق أهل التّصوف، وهو طريق أهل الرياضة والكشف. لذا يحتج الفأر على القط الذي يتحدّث هنا لغة العقل البرهاني، عن عدم إدراكه كنه الحقائق وجوهرها. طالب العلم ممثلاً في القطّ لا يفتأ هو الآخر يسخر من الصوفي ممثّلاً في الفأر. فطالب العلم يرى في المتصوف أحمقَ خرافيًّا لا يأخذ بأسباب المعرفة والتّفقّه. يخاطب القط الفأر: «أيها الفأر، المعرفة دون تعقّل وفهم، مثلها كمثل صبغ الأحمق لحيته بالزّرنيخ». كان القط إذن يضع حدًّا بين مزاعم الفأر الصوفي وأمثلته، وبين حقائق العرفان الحقيقية. يبدو أن القط هنا ليس بصدد انتقاد مبدأ العرفان والسلوك، ولكنه بصدد طلب الدليل فيما يتم تداوله من أفكار وخرافات لا ينهض بها دليل من عقل أو شرع. ومثال واحد مما ردّ به القطّ على الفأر فيما زعمه الفأر من أنّ من كرامات الصوفية في خراسان أنّ شجرة الفستق تنبت فوق قبورهم. فالبهائي هنا يلوذ بالعلم والمعرفة والعقل، ويستعمل مهارته العلمية وينطقها عن طريق القطّ حينما ردّ على الفأر بأنّ مزاعمك حول صوفية خراسان خرافية وغير صحيحة من منظور العلم. فهو يعتبر أن من جهل وغباء الفأر أنه لا يعلم بأنّ الفستق شجر ينبت بكثرة في خرسان. وكان لو كان صحيحاً ما زعم الفأر أن هذا من كرامات شيوخ خراسان، أن ينبت على قبورهم شجر لا يناسب خراسان. أما عن سبب تكاثر أشجار الفستق، فالبهائي على لسان القطّ يرجع ذلك إلى قانون طبيعي، حيث «الطيور تنقل اللقاح في مناقيرها وتوصله إلى الأطراف فينبت شجر كثير على هذا المنوال، وهذا الأمر ممكن بالنسبة لأيّ شجرة أخرى تحمل حبًّا يمكن أن تنقله الطيور». إن البهائي على لسان القطّ يسخر من الصوفية ويعتبر أن حكاية أدعيائهم لا تختلف عن حكاية الثعلب مقطوع الذّنب؛ ذلك الثّعلب الماكر الذي بسبب خوفه ومكره انتهى إلى أن قطع ذنبه لينجو من الغرق حسب قصة طويلة سردها القطّ على الفأر، فيحاول أن يتظاهر بالحج بعد أن رمى بنفسه في الصبغ النيلي، وجعل ذلك علامة التّوبة. حكاية الثعلب صدّقها الأغبياء والجهلة بينما أثارت سخرية وتندّر أهل العلم. إن القط يتّهم الصوفية بالخرافة والعناد والتّعصّب. فالفأر لا يذعن لأدلّة القطّ، بل يعاند كأنّه لم يسمع عنها ولم يرها. لهذا لا زال القطّ يعاتبه: «أيها الفأر إلى متى ستتحدث بمثل هذه الألفاظ الجوفاء البعيدة عن العقل والمنطق والتّأمل؟». لا بدّ من إعمال العقل فيما نرى ونسمع وعدم التسليم بذلك من دون نظر أو مساءلة أهل النّظر. فالتدقيق هنا واجب والتأمل فريضة في المسموع والمرئي، والسؤال واجب في حقّ من قصر عن الاجتهاد. كان الشيخ البهائي -وعلى لسان القط- يكشف عن زيف ما كان يروج في زمانه من خرافات تخالف المعقول والمنقول من أحوال مشايخ التّصوّف. فهو ينسب لهم الكثير من مظاهر الفساد الفكري والخلقي وامتهان السحر والشعوذة وتناول الحشيش. لم يكن هذا موقفاً مبدئيًّا من أصل التّصوف بل هو موقف مما آلت إليه طرائق الصّوفية. لذا وبعد أن يفنّد الشيخ البهائي كل هذه الخرافات والمزاعم الصوفية، يعطي صورة أخرى عن التّصوف النقي والمشروع، حيث حدّده في التّصوف الذي يقوم على المعقول الصحيح والمنقول المعتبر. فالتّصوف في نظر الشيخ البهائي على لسان القطّ هو مشتق من الصّوف، وهم من أهل التحقيق، وصاد التصوف صبر، وواوه وفاء، وفاؤه فقر وفاقة، وهم كما قال عنهم كثيرون أهل استقامة وطيب سريرة وطهر وصلاح وصحة معتقد. وأدلتهم في ذلك ليست من قبيل الخداع والمكر بل لها صلة بدليل من الله ورسول. فالتصوف ليس نهج دين خاص وادعاء معرفة غير مسنودة بدليل شرعي ولا ببرهان عقلي ومبنية على التقليد والهوى. فالصوفي «يجب أن يكون صالحاً، ومن ليست هذه حاله، أي من لا يتطابق عنده الاسم والمسمى، يكون بلا فائدة وبلا ثمرة، كأن يُسمَّى الحدَّاد طبيباً ويسمى الخياط صائغاً، ولا فائدة من إطلاق اسم على غير صاحبه سوى الكذب على الذّات وعلى الآخرين. ولكن إذا سُمّي شخص صالح صوفيًّا فلا شكّ أنّ إطلاقه ذا الاسم عليه صحيح ولا عيب فيه (...) وكلما ترك الصوفي التقليد والعناد، وعمل بوحي الشرع الشريف، وكان صادقاً في سلوكه؛ سيكون صوفيًّا حقيقيًّا، أما إذا كانت مطالبه وسلوكه تقليداً ورياءً وكيداً وخداعاً وتسمَّى أو سُمِّي بالصوفي، فإنّ ذلك شبيه بأن يُسمّي المجرم نفسه طاهراً». وبسبب هذا التّواسط في تصحيح وجهة التّصوف نسبه كثيرون إلى التّصوف مثل فعل اللاهيجاني مستقرئاً آراء البهائي في نظم مثنوي، وكما فعل الميرزا عبدالله أفندي في كتاب «رياض العلماء». بينما نفى ذلك عنه كثيرون وخالفوا صاحب كتاب رياض العلماء مثل الشيخ يوسف البحراني والتنكابني والسيد حسن الصّدر والسيد محسن الأمين. وكما أوفى ذلك السيد حسن الصدر في ترجمة والد الشيخ البهائي، فإنّ عادة علماء الدولة الصفوية كانوا قد جالسوا وزراءها الذين لم يكونوا يدركون غير الطريقة والحقيقة، فلما آنسوا بالعلماء ومنهم الشيخ البهائي، تأثّروا بالشريعة واستملحوها. لم تكن طريقة العلماء منفّرة بل لم يكونوا يتناولون الصوفية بسوء حتى اعتقد البعض أنهم على مذهبهم في الاعتقاد. وإنّما فعلوا ذلك لأسباب تربوية «وصاروا لا يذكرون أحداً من الصوفية بسوء بل يثنون عليهم حتّى جروهم إلى العمل بالسنن والأحكام أوّلاً بأوّل، حتّى عادت دولة متشرعة مربية للفقهاء والمحدّثين».

لقد انتصر القطّ إذن على الفأر حينما عاد العقل ليسيطر على الموقف. لكن بعد عذاب مرير يعكس التّحدّي الذي يفرضه الخيال على الغريزة مما يمكّنها من النفس بعيداً عن العقل. انتصر القط على الفأر، فانتصر بذلك العقل على الخرافة، والوعي على الغفلة، والعلم على الجهل. لحظة سقوط الفأر هنا في الحكاية البهائية هي السقوط الحتمي للأهواء والانتصار الحتمي للعقل والوعي والعلم. هذا يعني أن العالم يتطور باتجاه الرّشد العقلي والعلمي وليس العكس. فحركة التاريخ هي حركة في اتجاه العقل.

ﷺ في الختام

إنّ لرسالة «التدين والنفاق» غرض لا يشذّ عن غرض الحكاية الحيوانية، من حيث هي أيضاً رسالة مشفّرة للحاكم. وإن لم تكن حكاية البهائي جعلت من السياسة موضوعها، فلأنّ صلته بالشاه عبّاس كانت وثيقة. كما كان ملوك الدّولة الصّفوية قد قرّبوا العلماء وأكرموهم ومنحوهم مواقع متقدّمة في الدّولة وشاركوهم في المشورة. فمهما قيل في أحوال الدّولة الصّفوية، فإنّ ما تفرّدت به هذه الدّولة عن نظائرها بما فيها الدّولة العثمانية، أنّها قرّبت العلماء وجعلت مشروع بناء الدّولة تحت رعاية العلماء. وفي مثل هكذا أوضاع، لم يكن همّ البهائي أن يكتب حكاية حيوانية ذات أهداف سياسية كما فعل ابن المقفّع، بل إن الشيخ البهائي كان صاحب حظوة ورأي مسموع في حضرة الشّاه عبّاس كما كان نظراء له كثيرون. ولكنه حمل على عاتقه مهمّة إصلاح المجتمع وتنوير الفكر وتهذيب السلوك الديني للفقهاء والصوفية وعامة المجتمع. لم تدرس هذه الرسالة من الجانب السياسي على الرّغم من أنّ الفأر عادة ما ينعت القطّ بالملك. فهو يجسّد بهذا المعنى مكر الشّعب مقابل مكر الملك. قد يبدو الطابع الفلسفي طاغياً على حكاية التدين والنفاق، حيث المراد الجدّي من الملك هنا هو حكومة العقل على الغرائز والأهواء كما يؤكّد عليها البهائي نفسه في إيضاح الغرض منها، لكن الحكاية قابلة أن تُقرأ قراءة سياسية أيضاً، وهو ما لم نرد المضيّ فيه لتطلّبه جهداً خاصًّا مضافاً. تتميز حكاية «التدين والنفاق» عن سائر الحكايات الأخرى أنّها أكثر واقعية وأكثر مباشرة في تناول قضاياها بسهل ممتنع وعقلانية صارمة. إنّ حكاية «التدين والنفاق» وإن جاءت على نمط الحكايات الموسومة بالخرافية إلَّا أنها جاءت لمحاربة الخرافة في الفكر الديني والشعبي. فهي تستهدف المجتمع أكثر مما تستهدف السلطة. ولكنها أيضاً تدرك مدى سلطة المجتمع وأساطيره المؤسسة ومدى سلطان العقل في قابليته لمقاومة كل قوى النّفس إن هو قاوم وتجلّد، وتدارك واستدرك.صحيح أن مصير الفأر في حكاية «التّديّن والنفاق»، سيّئة، بعد أن لقي مصرعه ووقع فريسة سائغة للقطّ. لكن من بدء التّحرّش الغريزي بالفأر حتى التهامه، كان الحوار شيّقاً وباعثاً للفضول؛ لقد كان حواراً مفعماً بأفكار واعتقادات وتصورات وألوان من المكر، يعكس الحياة بتناقضاتها. إنها ميدان لخطاب المعقول واللامعقول. وبينهما تتصرّف الغريزة وتجد لها مكاناً معقولاً في جغرافيا الحياة كما تجد لها خطاباً معقولاً قد يجد فيه المكر بلغته وقد لا يجد. فالحياة في النهاية ما هي إلَّا مجال لمكر الليل والنهار بين العقل والهوى، بين العلم والجهل؛ هما أوّل باب يفتتح به العلاّمة المجلسي ابن تلميذ من تلامذة البهائي، مدوّنته الحديثية، حيث فيها ندرك أنّ أوّل ما خلق الله العقل: به يثيب وبه يعاقب.





 رسالة «التّديّن والنفاق بلسان القطّ والفأر» للشيخ البهائي: نموذجاً

مقدّمة

حاله (الشيخ البهائي) في الفقه والعلم والفضل، والتحقيق والتدقيق، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصنيف، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحّراً، جامعاً كاملاً.

الحرّ العاملي: أمل الآمل

ذكرنا في مناسبات عديدة أنّ جبل عامل هو حقيقة تاريخية وثقافية أكثر مما هو حقيقة جغرافية. إنّه بمعيار الجغرافيا لن يضارع الهيمالايا (6654 متراً فوق سطح البحر) ولا حتى كليمنجارو (5895 متراً فوق سطح البحر) في ارتفاعهما الشّاهق وما يخلّفانه من دهشة لدى الرّائي. لكنّه في معيار الثّقافة هو جبل داجن ناطق وشاهد وعالم. ولو كنت أملك من الوقت والمزاج ما يسمح بافتراض حوار بين الجبال على ما سلك البهائي على لسان القطّ والفأر، أو نظراؤه القدامى والمحدثون على السواء في استنطاق الحيوان والنبات والجماد، لجعلت جبل عامل ناطقا، وجعلته ملكا في ممالك الجبال وأنزلته منزلة حكيم الجبال وأشعرها؛ أديب الجبال وجبل الأدباء، شهيد الجبال وجبل الشهداء. لقد احتفل التاريخ إذن بهذا الجبل قبل أن تحتفل به الجغرافيا. ففي الجغرافيا الرمزية يبدو جبل عامل هو الأكثر ارتفاعاً في العالم. يستمدّ الجبل هنا مغزاه الثقافي والتاريخي من رموز علمية يذكّرك بعضها ببعض كما ينسيك بعضها في بعض. فما أن تذكر عالماً حتى تنساب الأسماء أمامك في هذا المشترك العاملي جغرافيةً وتاريخاً، انسياباً رضيًّا. ينتسبون للمكان والتاريخ نفسيهما. إنّ الخيمياء العاملي الذي يحدّد المشترك يصفّهم أمامك صفًّا كما يصبّهم في روعك صبًّا، من الشيخ الحر العاملي إلى المحقّق الثّاني الشيخ علي بن الحسين الكركي العاملي، إلى البهائي وأبيه، إلى الشهيد الأول أبو عبدالله محمد بن مكي العاملي، إلى الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي، إلى ابنه الشيخ حسن صاحب المعالم، إلى سبطه السيد محمد صاحب المدارك، وأخيراً وليس آخراً إلى السيد شرف الدين العاملي والسيد محسن الأمين، ولا تكاد تنتهي المجموعة العاملية؛ لأنها من صنف المجموعات الممتدّة إلى اللّانهاية. هو جبل العلماء والشهداء والصّلحاء، وأيضاً جبل الأنبياء، حيث لا تزال مزاراتهم شاهدة من مشهد سجد من ولد يعقوب إلى مشهد هارون إلى مشهد النّبي جليل إلى مشهد النبي عازر إلى مشهد إدريس والقائمة تطول. لكن ما أن يستغرقك بحر من تلك البحور بعيدة الآماد عديمة الشّطآن، حتى يتيه بك الحال فلا تكاد ترى عامليًّا يفري فري نظيره. فتخال أنّك تتسلّق عامل كلّه قبل أن تفيق على عامل آخر. فالكل يذكر في الكلّ، والكلّ ينسيك في الكل. فعامل عوامل بعدد أنفاس علمائها العاملين. والعامليون عالمون وعاملون. لقد جمعوا بين الفضيلتين؛ فلا أحد أمكنه أن يجمع بين مداد العلماء الغزير ودماء الشّهداء الزّكيّة، كما جمع بينهما العلماء العامليون، حيث كان بهم الجبل شهيداً وشاهداً. التأكيد هنا على الجبل هو من باب القيمة التي يحظى بها المكان حينما تهتزّ صورة الزّمان، أو لنقل على لسان غاستون باشلار: إنّ «المكان هنا هو كل شيء حيث يعجز الزمان عن تسريع الذّاكرة»!

من هو هذا العبقري، إذن؟

هو محمد بن حسين بن عبد الصّمد بن عزّ الدّين الحارثي العاملي الهمداني. والمعروف تداولاً ببهاء الدين العاملي (953 - 1031هـ/ 1547 - 1622م). تعكس سيرته الشخصية والعلمية نباهة عالم قلّ له مثيل في زمانه. هو عالم لبناني الولادة، ولد ببعلبّك وفيها تلقّى دروسه الأولى قبل أن يهاجر إلى أصفهان. فهو إيرانيّ النشأة والعلم. طاف في عدد من البلدان واستزاد فيها من طلب العلم وتعزّزت فيها معرفته بالشعوب والثّقافات. زار الجزيرة العربية ومصر والشّام. وقرّبه منه الشّاه عبّاس حيث عيّنه في منصب رئيس العلماء. لم تكن السلطة هواه، لكنّه قبل ذلك الموقع تحت إلحاح من الشّاه عبّاس. براعته في المنقول لا تقلّ عن براعته في المعقول. بل يكاد المعقول يغطّي على سائر نشاطه العلمي. بقي على دأبه ذاك في العلم والبحث والاكتشاف إلى أنّ توفّاه الله عام 1031هجري موافق لعام 1622 ميلادي. من أهمّ شيوخه أبوه الشيخ حسين بن عبد الصّمد والمحقّق الكركي وعبدالله اليزدي. أمّا تلامذته فقد كانوا على كثرة وشموخ؛ يكفيه فخراً أن يكون من بين تلامذته كوكبة من العلماء والحكماء ممن نبغوا في مجالات معرفية شتّى، من صدر المتألّهين الشيرازي إلى الفيض الكاشاني إلى المجلسي الأوّل.

ﷺ الخطاب النقدي والتربوي

«التربية هي الحياة». جون ديوي

ليته كان في وسعنا الإطناب في سيرة هذا العظيم والإلمام بحدود هذا البحر الذي يبدو عند الغوص في أعماقه بعيد الشطآن. لكن هيهات أن يبلغ الباحث مراده في الإحاطة بمفردة يسيرة من جملة مفردات تجري لمستقرّ لها في هذا الفلك البهائيّ الدّوّار. إنّه بهاء الدّين كما سارت بكنيته الركبان. حيث وافقت جلال نبوغه المحيّر لمن كتبوا عن سيرته المقرونة عند أهل التراجم بأسرار، تفرّد بها في السلوك والعرفان، كما في الفقه والاستنباط، كما في الأدب والشّعر، كما في الفلك والحساب، كما في الجغرافيا والهندسة. لا تكاد تذكر مدينة أصفهان المشهورة بـ: (نيم جهان)، أي نصف العالم، حتى تتحدّث عن عجائب الدّنيا. وهي لا زالت شاهدة على ابتكاراته الهندسية وأسراره الفيزيائية التي أذهلت العلماء بمن فيهم المعاصرين. لقد صمّم ميدان تصوير العالم الذي يضم مسجد شاه عبّاس الكبير ومسجد لطف الله وقصر عالي قابو. ففي أصفهان يجري حديث لا ينقطع عن قضية الترجيع السباعي للصدى تحت قبّة الصّدى، والمنارتين التي صمّمها الشيخ البهائي والتي ما أن تحرك واحدة منهما حتى تتحرك الثّانية، وحكاية الشمعة التي تسخّن مياه الحمام من دون وقود ومن دون انقطاع ومعالم أخرى تجعل حقًّا من أصفهان أعجوبة الدّنيا. كل هذا ليس من شأننا في هذه المحاولة التي ترمي الوقوف اليسير عند مضمون رسالته التربوية الموسومة بـ: «التدين والنفاق، على لسان القطّ والفأر». إننا أمام علم كبير اهتدى في زمن مبكّر إلى القيمة التربوية للعلم. وذلك حينما أدرك من ناحية، جمود الطرائق البيداغوجية التقليدية التي تروم التعقيد والتّلقي الجامد للمطالب. لقد غيّر أسلوب اللغة واختار أنماطاً للتّعلّم تختلف عن تلك التي سارت بها عادة التعليم عند القوم. إنّ هذا الموقف هو في حدّ ذاته موقف نقديّ. فالتربية لا توجد في زاوية من حياتنا دون أخرى. إنّ التربية -بالأحرى وبتعبير جون ديوي- هي الحياة. لذا تستطيع أن تتأكّد من الحضور التربوي في أعمال البهائي من خلال إصراره على إعادة شرح صعائب المتون بما تيسّر من الألفاظ وبما يحقّق بُلغة الطّالب. وعند التأمّل في حقل التربية يتأكّد بالملموس أنه لا يوجد نصّ ليس له صلة مباشرة أو غير مباشرة، قريبة أو بعيدة، من مجال التربية. والعلم نفسه لا ينمو إلَّا بالتّعلّم والتعليم.وكما في النّبوي: «زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه». فالخطاب التربوي يكاد يجد له أثراً حتى في تغريد الطيور وزقزقة العصافير. إنّه يحتوي الخطاب والرموز؛ يكفي أن يوجد مرسل ورسالة ورسول ليتشكّل الخطاب التربوي. وتأتي اللغة والرموز في سلّم أولويات الفكر التربوي. فليس كلّ لغة هي سواء في أداء رسالة التربية، ولا كلّ رمز هو سواء في أداء هذه المهمّة. إنّ للتربية لغتها الأثيرة ورموزها التي يقتضيها فعل التربية والتّعلّم ويفرضها المتلقّي قبل المخاطب. على هذا الأساس نستطيع الوقوف على ملامح البعد التربوي في تراث بهاء الدين العاملي. أحد أبرز مظاهر هذا البعد، يتجلّى في طبيعة اللغة الواصفة التي يتوسّلها في تبليغ المراد. فلقد طوّع الصناعات من خلال التقريب اللفظي وكسر هيبة اللغة، ليجعل أصعب الصنائع تنطق بأسهل الألفاظ. إن عبقرية التطويع المطلبي والتسهيل اللغوي والتقريب اللفظي هي عبقرية تربوية بامتياز. فقد يكون طلب السّهل جنوحاً يعكس بساطة المحتوى. لكن حينما يصبح الأمر له صلة بتبسيط الصعائب ومعاقرة السّهل الممتنع، نكون أمام عبقرية حقيقية؛ إذ إنّ وجهاً من وجوه العبقرية أن تقبض على العمق وتملك الصعود بمحتواه إلى السّطح. فالتربية هي آلة الوصل بين العمق والسّطح، بين المطلب الصّعب والمتلقّي البسيط. هكذا تعدّدت مواهب البهائي وغطّت فنوناً جمّة، كما استوعبت أعماله وشروحه التبسيطية ذات الأبعاد التربوية علوم المعقول والمنقول. نستطيع تكوين فكرة سريعة عن هذا التّوسّع الفنّي والشّمول العلمي في المنقول من خلال قائمة أعماله التي شرح بها ولخّص متوناً في الفقه والأصول والتفسير والعقائد؛ كتباً عُرفت بتبسيط المطلب وتهذيب لغة التّعلّم، مثل كتاب زبدة الأصول، والجامع العبّاسي في فقه الإمامية، وكتاب تفسير الحبل المتين في مزايا القرآن المبين، وكتاب حاشية على أنوار التنزيل، وكتاب العروة الوثقى والصراط المستقيم، وكتاب مفتاح الفلاح وشرح الأربعين حديثاً، وشرح الصحيفة السّجادية وحديقة السّالكين إلخ. كما ألّف في اللغة والبلاغة والأدب كتباً مثل التهذيب في النّحو، والفوائد الصّمدية في علم العربية، وكتاب أسرار البلاغة وتهذيب البيان، والكشكول، والمخلاة، وديواناً شعريًّا، ومنظومة بعنوان رياض الأرواح. كما ألّف في المعقول كتباً في علم الحساب والفلك والجغرافيا، أشهرها كتاب خلاصة الحساب، وكتاب تشريح الأفلاك، ورسالة في الملخّص في الهيئة والصفيحة في الأسطرلاب، ورسالة في تضاريس الأرض، ورسالة في نسبة أعظم الجبال إلى قطر الأرض إلخ. هل يبقى شكّ أنّنا عاجزون عن إحصاء مهاراته التي تفنّن فيها على نحو استغراقي، وهل بقي شكّ في أن يُنعت شيخنا البهائي في الوقت نفسه بأنّه الفقيه والأصولي والمحدّث واللّغوي والأديب والشّاعر والفلكي والرياضي والجغرافي والفيلسوف والعرفاني. لم تقف محاولات الشيخ بهاء الدين العاملي عند حدّ من حدود العلم، فإنّ مظهراً من مظاهر عبقريته أنه تعاطى علوماً كثيرة بإتقان. واجتمعت فيه ضروب الاختصاصات لا تكاد تدري أيّها حقيق به على تشعّبها وبعدها عن بعضها. وفي كلّها كان بهاء الدين العاملي عبقريّ زمانه كما لو أنّه غائص فيها لا يألو جهداً ولا يعرف لها حقلاً منافساً في الانهمام والانشغال. من الفقه وأصوله إلى الكلام والفلسفة إلى الأدب والعرفان إلى الهندسة والفلك كما تشير آثاره. إنّ البعد الشّمولي لثقافة بهاء الدين العاملي تجعل منه علماً تربويًّا، متعدّد الأبعاد ومنفتحاً على ضروب المعارف بلا حذر. وقد قدّم تلك المعارف على اختلافها وتعقيدها في لغة واحدة من حيث السهولة والتقريب والانسيابية. ومع هذا لم يكن الشرح والتحشية هي الممارسة الأثيرة للشيخ البهائي كهروب من جلال الإبداع ومتاعبه. فلقد كان مجتهداً في المعقول والمنقول سواء بسواء. وقد قدّم للإنسانية إبداعات علمية جليلة. وترك وراءه أسراراً لم نجد لرموزها فكّاكاً. لقد استطاع اكتشاف الجذر الحقيقي للمعادلات الجبرية استناداً إلى طريقة الخطأين الخوارزمية قبل أن يستقلّ بطريقة كفّتي الميزان. وكانت له آراء فلكية استخدمها في تحديد القبلة ورصد الأهلّة، كما كانت له آراء في الحساب استعملها في قضية الدّين من مسائل التركة، كما لا يخفى على مترجميه. كما هام في أمّهات مسائل عصره الفيزيائية والكيميائية والرّياضية، مثل إشكالية الاتصال والانفصال، أو الجزء الذي لا يتجزّأ، أو استحالة فكرة اللاّنهاية. وقد لا حظوا عليه تردّداً بين القول بالاتصال ونفيه كما في فقرات متنوّعة من الكشكول. وقد تراءى عن حقّ أنّ قيمة هذا الاهتمام ليس في مدى صحة رأيه أو خطئه نظراً للتحوّل الجذري في بنية العلوم الطبيعية، بل تكمن أهميته في أنّها قضية شغلت ذهن البهائي طويلاً. لكنّنا نضيف هنا أنّ العلم بما أنّه قديماً كان قد خضع للتجريد النّظري وليس إلى الاختبار الكامل، فقد كان من الطبيعي أن يواجه استحقاق تساوي الأدلّة. وهذا ما يعكس تردّد البهائي بخصوص إشكالية المتصل والمنفصل. فتردّده حولها في ضوء المعطيات العلمية لعصره مظهر من مظاهر قوّة التفكير وخطورته عند الشيخ البهائي.وهذا عموماً مهمّ لاستيعاب موضوعنا، لكّنه ليس بالتّأكيد همّنا في هذه المعالجة، بل همّنا هنا، المائز الصّافي والفارد في هذا الخطاب. إذا كان الخطاب التربوي يأتي في الدرجة الثانية عند أصحاب الأفكار الكبرى، فإن همّه يتنزل عند البهائي منزلة الأولوي. ففي سائر آثاره وأعماله نلاحظ تلطيفاً للمطلب وتبسيطاً للغة وإصراراً على إنجاز تواصل سمح مع المتلقّي.هذا يعني أن البهائي كان دائماً يفترض متلقياً ليس بالضرورة من أهل الاختصاص. وهذا يؤكّد أنّه مارس العلم والتعليم من بُعده التّربوي. إنّ التربية في الحقيقة هي إرادة التّبليغ مع افتراض واقع المتعلّم. وقد وضعتنا رسالة «التّديّن والنفاق على لسان القطّ والفأر» أمام هذه الحقيقة؛ فهي بسيطة في لغتها سهلة الهضم في تناولها، تربوية في غايتها، زاخرة بالقيم والأفكار وضرب المناظرة والاحتجاج، والأهم من ذلك أنّها على بساطتها وشكلها الأدبي لا يزهد في قراءتها الكبار قبل الصّغار. فهي رسالة تربوية لكلّ الأعمار.

ﷺ الحكاية التربوية

اعتمد بهاء الدين العاملي الحكاية أسلوباً تربويًّا. وتكاد تجد أمثلة وحكم من رسالة التّديّن والنفاق أو الكشكول أو المخلاة، ذات معاني تربوية بالغة القيمة والتأثير. وهو في هذا لم يجترح بدعاً في الممارسة التربوية. فلقد مارس قدماؤنا الحكي ليس من باب الاستمتاع، بل من باب التربية. هكذا يحدّثنا ابن المقفّع وهو رائد في هذا الفنّ ومؤسّس له في الثّقافة العربية، حينما يتحدّث في الأدب الكبير والأدب الصّغير عن الكلام بالأمثال: «إذا جاء الكلام مثالاً، كان ذلك أوضح للمنطق وأبين في المعنى وآنق للسّمع وأوسع لشعوب الحديث».لقد كان لابن المقفّع دور بارز في إقحام هذا الفنّ في دنيا الأدب العربي. فكليلة ودمنة من الفنون الحكائية والتربوية التي استدخلها ابن المقفع من المجال الثقافي الفارسي إلى المجال الثقافي العربي وبه اكتملت اللحمة الثّقافية وتصاهرت الثقافتان وامتزج بعضها ببعض. لكن ثمة أموراً سهّلت دخول هذا اللون الثّقافي إلى الأدب العربي. فلا شيء كان يقف أمام فعل الاقتباس والمقابسة ما لم يكن يشكّل خطراً مباشراً على السّلطة الزّمنية يومها. كما كان هذا اللون من الأدب يشكل تنفيساً مقصوداً لمن يريد معالجة فساد السّلطة، كما تُغضي هذه الأخيرة عنه لما يشكّله هذا الأسلوب من متعة وإلهاء وتعويض وتنفيس يكفي المصلح عناء المباشرة والاحتجاج المباشر ضدّ السلطان. وهنا تكمن أهمية الحكاية الحيوانية كشكل من أشكال النّقد السياسي. لهذا السّبب تحديداً كان ابن المقفّع قد قضى على يد الخليفة المنصور بسبب ما كان قد أورده في «الهاشمية» من انتقاد لسياسته كما يرى البعض. وقد اعتبر طه حسين سبب قتله «رسالة الصحابة» ـصحابة الخليفة وحاشيتهـ التي كتبها ابن المقفع للمنصور، وهي حسب طه حسين «فيها ما يكاد يكون برنامج ثورة». وأيًّا كان الأمر، فهذا يسلّط الضّوء على شخصية ابن المقفع السّياسية والثورية. مما يؤكّد على المحتوى السياسي والثّوري لحكاياته الحيوانية. وبأنّ القتل كان نصيبه بمجرّد ما انتقل إلى المباشرة في النّقد السياسي.

ﷺ الفرق بين الحكاية والخرافة

لا يتعلّق الأمر عند استنطاق الحيوان، بالخرافة بالمعنى القدحي والهجين للعبارة. الحكاية كما نتحدّث عنها هنا بمدلولها الحديث، لها صلة وصل بالواقع وتدور مداره لكنها تعتمد اللاّمباشرة في التّواصل معه. بهذا لا قيمة للحكاية إن هي استغنت عن الواقع ولم تتغذّ على قضاياه. تحتمل الحكاية الصواب كما تحتمل الخطأ، بالقدر الذي تحتملهما الأفكار والفلسفات. الكذب في الحكاية من هذا الوجه ليس من ضروراتها. وإن حصل فهو من جهة المحتوى لا من جهة الوقائع الحكائية. فالقارئ في الحكاية لا يهتم بالوقائع التي لا يراها موضوعاً للصواب والخطأ، بل ينظر في المحتوى الفكري والمخزون القيمي للحكاية. لكنّ الكذب في الخرافة بالمعنى الشّائع، ضرورة. تعتمد الحكاية على الخيال كما تفعل الخرافة، لكن الهدف بينهما أنّ غاية الحكاية هو الواقع بينما غاية الخرافة هو اللاّواقع. اللاّواقع وسيلة الحكاية إلى الواقع، بينما اللاّواقع هو وسيلة الخرافة للهروب من الواقع. تستغني الخرافة عن الواقع وتسعى إلى التغليط. ومع أنّ اليوتوبيا هي صناعة أثيرة للخيال إلَّا أنّ غايتها الواقع. فاللاّواقعية في اليوتوبيا لا تحجب كون مدارها وغايتها هو الواقع. الخيال لا يكذب. وهو كما في نظر ابن عربي معصوم. لأنّه غير مسؤول عن الحكم. فالخطأ والصواب لهما صلة بالحكم لا بالخيال. من هنا نسب ابن الأعرابي الخطأ للعقل لا للخيال لجهة اختصاصه بالحكم. وهو أمر لا نروم تحقيقه هنا، ولكن لنقل على سبيل الإجمال: إن العقل هنا بالمعنى الشائع، العقل بوصفه فعلاً وليس جوهراً. وهكذا نظر القوم إلى العقل. لنقل العقل كتجربة وليس كملكة. فالعقل في ذاته معصوم لا يخطئ. وهو أرقى من الخيال عند التحقيق. تطورت الحكاية إذن وهي تعكس دور الرّواية في الأدب الحديث. فالرّواية اليوم فنّ لصيق بالواقع لا ينفكّ عنه. وهي وسيط تربوي وتثقيفي بامتياز. وفي الأدب الحديث لم يعد مقبولاً أن يقال عن الرّواية بأنّها خرافة مهما أوغلت في الخيال. إن عالم الرواية بقدر ما هو عالم متخيّل قائم بذاته، هو على صلة بالواقع: صلة تربوية. لقد اعتبرنا رسالة «التّديّن والنفاق على لسان القطّ والفأر» للشيخ البهائي، رسالة تربوية من حيث تضمّنها قيماً تربوية تهدف إلى إصلاح الفكر وتغيير أنماط التفكير والسلوك في المعرفة والمجتمع على أسس عقلانية صارمة. فهي رسالة إصلاحية تستهدف بالنقد العلمي أشكال الغلو في السلوك والاعتقاد. هي رسالة لا زالت راهنية. فبقدر ما سيظلّ التّديّن ظاهرة اجتماعية سيلازمها النفاق كظاهرة (سوسيو-دينية) أيضاً. إنّ نهاية النّفاق هي نهاية الدّين نفسه. فكل مجتمع وكل جيل يكشف عن أشكال من التّدين وأشكال من النفاق. والصّراع هاهنا قائم ومستمر وفي جولات لا تقف عند حدّ. رسالة التّديّن والنّفاق تعالج أدواء الفكر كما تعالج أدواء التّدين والسلوك الاجتماعي. وهي من أهمّ تراث الحكاية الحيوانية في الأدب الإسلامي. أقول كذلك، لأنّها غير قابلة لغير ذلك التّصنيف. فهي ليست عربية لأنّها ألفت بالفارسي ومتحت من رموز الأدب الفارسي. لكنّها عربية من حيث عروبة صاحبها ومخياله الثّقافي. لقد ساهمت الحكاية الحيوانية في تشكيل ثقافتنا القديمة والحديثة على قدر سواء. فهي من الآداب المؤسّسة لكثير من تصوّراتنا والرافدة لعديد من صور مخيالنا. إنّنا مدينون لها بتصورنا القديم/ الحديث عن قيم وصفات اختصت بها حيوانات دون أخرى، كالتّسلّط للأسد والمكر للثعلب والوفاء للكلب والصّراع الأبدي والصراع الأزلي بين القطّ والفأر. إنّها صور ندين بها في واقعنا وفي خيالنا، وهكذا في سائر العصور، دون أن نستند في ذلك على دليل مشبع قاطع مقنع سوى ما تناقل بالتّعلّم والعدوى من هذا التراث الحكائي الذي لازم التطوّر الفكري للبشرية، وستظل كذلك ساكنة مخيالنا البشري. وهو سرّ العلاقة العميقة بين الحكاية الحيوانية والإنسان؛ علاقة مخيالة وتربوية بامتياز. وسيكون من جمال المعنى الحديث عن المفارقة في رسالة التّديّن والنّفاق للشيخ بهاء الدّين العاملي. مفارقات تفرضها قوّة الإيحاء التي تتركه آثار الحكاية كما يمكن أن يستكمل نصّها مخيال مجبول على إبداع الصّور. هنا المفارقة ليست معرّة ما دام أنّ الحكاية جاءت على منطق الحياة بتناقضاتها المعيشة. إنّنا قد لا نلتفت أولاً إلى كيف أمكن للحكاية الحيوانية أن تنتج خطاباً عقلانيًّا. كما قد لا نلتفت ثانياً إلى أنّ محور هذه الحكاية/ الخرافة -تسامحا- هو محاربة الخرافة؛ كيف نحارب الخرافة بخرافة، أو كيف نواجه بجمالية الخرافة جهل الخرافة. كما لا نلتفت ثالثاً إلى أنّ الشيخ البهائي وهو ينكر بلسان القطّ طالب العلم على الفأر مدّعي التّصوف، اعتقاده بالكرامات المنسوبة لكثير من الصوفية كما في خراسان والعراق بالحجج العقلية والنقلية الصّارمة، سيكون هو نفسه قد حظيّ بنصيب من تلك الخصائص والكرامات المنسوبة إليه وتحدّث عنه مترجموه. كما نقل بعضها الشيخ عباس القمّي في «الكنى والألقاب» عن قاضي أصفهان معزّ الدّين بخصوص رؤيته حول كتاب البهائي «مفتاح الفلاح»، أو كالتي ذكرها المجلسي الأوّل في «روضة المتّقين» في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه بخصوص كتابة هذا الكتاب. وهو ما يؤكّد أنّ البهائي لم يكن خصيماً للتّصوف وإنّما كان مصلحاً ومجدّداً للمعرفة والسلوك. إنّها بالتّالي مفارقات لا تخلّ بالمعنى والغاية المتوخاة من الحكاية، بل هي عنصر مؤثّث لعالمها الذي لا نراه قائماً بذاته في ظواهرية الخيّال الخلَّاق الذي أقامته الفلسفات الأولى في برزخ بين عالم المادة والعقل، بل هو عالم قائم فينا ومعنا لا يجاورنا ولا ينفك عنّا بل عالم نهرب فيه تارة ونمارس فيه غواية التّحدّي ونختبر فيه جرأة القول؛ هو لون من الإقامة في واقع بأقنعة تسهّل عملية التّدريب على العقل. إن الحكاية الحيوانية كما في رسالة «التّديّن والنفاق» تنقلنا إلى ظواهر إنسانية بلسان الحيوان، تماماً كما نقلتنا كليلة ودمنة إلى ظواهر سياسية بشرية بلسان الحيوان. المائز هنا، أن حكاية البهائي ذات نفس تربوي يتّجه إلى الوعي وأنماط التفكير والسلوك، ولم تحشر نفسها في رسالة سياسية بين الحاكم والمحكوم. أو لعلّه أدرك أن أدواء السياسية نفسها لا تشذّ عن أدواء الفكر. لكن أيًّا كان الأمر، فإنّ الحكاية الحيوانية البهائية هي رسالة في تجديد السياسة الفكرية بعد أن ظلّ همّ الحكاية الحيوانية قبله وبعده، رسالة غايتها تجديد الفكرة السياسية.

ﷺ لماذا التّدين والنّفاق؟

إنّ اختيار الحكاية الحيوانية ليس جزافاً هاهنا. فما من معاقر لها إلّا وهو يدرك لها آماداً استراتيجية. وكما ألمح لافونتين، وهو رائد الحكاية في العصر الحديث، بأنّ لهذه الأخيرة قواماً ينهض على جانبين: جسد وروح. فبينما يؤدّي الجسد دور الحكي تتولّى الرّوح دور المعنى. هذا هو واقع اللغة عموماً. لكن في الحكاية هناك تفويت للمباشرة إلى عالم الحيوان. ليست اللاّمباشرة هنا قضية مجاز لغوي فحسب، بل هي أيضاً مجاز مادّي يعبر بالنصوص والشخوص من مجتمع الإنسان إلى مجتمع الحيوان. فالبعد التعويضي هنا متحقّق. أي يمكن محاكمة الرذيلة بمجاز ساخر إذا ما تعذّر تغييرها بالقوّة. وبتعبير لافونتين في حكاياته أنه سعى للسخرية من الرذيلة إذ لم يكن في مقدوره مواجهتها بذراعيّ هرقل.وفي مرّات كثيرة جاءت الحكاية الحيوانية لتبارز الإنسان. فهي تتحدّث حديثاً افتراضيًّا لكنّه يحاكي واقع الإنسان، وأحياناً واقع الحيوان نفسه حين نستدخل مشكلة البيئة اليوم. فالحكاية الحيوانية متجدّدة متطورة وإن حافظت على صورتها الحيوانية. ولم يمنع لافونتين على الرّغم من نقله عن السّلف الكثير من حكاياته أن يمنح الحكاية الحيوانية قواماً وموضوعات جديدة. فقد أخذ حوالي عشرين حكاية من التراث القديم ومنه الفارسي وضمّنها القسم الثّاني من حكاياته. إنّ استنطاق الحيوانات هو أسلوب تربوي لا يزال راهنيًّا. ففي عصرنا نطقت الحيوانات بلغتنا ومفاهيمنا وأيديولوجياتنا وحماقاتنا. ليس من قبيل الاستغراب أن ينطق غراب جورج أورويل في «مزرعة الحيوانات» بلغة اشتراكية تتعلّق بالإنتاج وحقّ الحيوانات في امتلاك فائض القيمة. يقول الغراب الذي تأخّر عن الموعد فيما هو ظلّ نائماً في حلم سيحكيه لرفاقه، محرّضاً إيّاهم على قتل الإنسان والخلاص من عبوديته: «الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يستهلك دون أن ينتج. لا يعطي حليباً، ولا يبيض بيضاً، وهو أضعف من أن يدفع المحراث وأطول من أن يصطاد أرنباً (...) ومع ذلك ها هو هذا الأخير المتسلّط على سائر الحيوانات». ثم يقول: «أليس ذلك يا رفاق أوضح كمياه الصخر؟ كل الشرور في حياتنا هي بسبب الإنسان: طاغيتنا».

فالحكاية الحيوانية هنا ليست ملهاة للإضحاك، ولا تراجيديا للأسى، هي حكاية تربوية جادّة مع شائبة من السّخرية. إنّ متعة القول هنا متوفّرة بقوّة الإمتاع التي يجود بها قلم الأديب. هكذا نظر البهائي للأدب كفنّ لا يتميّز عن سائر الفنون. فقلم الأديب يحرّك المشاعر ويداعب العقل مثلما يفعل الموسيقي تماماً. فانظر تجده البهائي نفسه في الكشكول يورد مقارنة بين مزمارين: أحدهما مزمار المعنى وهو القلم، والآخر هو مزمار المغنى المعروف. فيقول على سبيل التشبيه: «من كلام بعض الأدباء: لو أنصف أهل العقول، لعلموا أنّ القلم مزمار المعاني كما أنّ أخاه في النّسب مزمار المغاني. فهذا يأتي ببدائع الحكم كما يأتي ذاك بغرائب النّغم. وكلاهما شيء واحد في الإطراب، غير أنّ هذا يلعب بالسماع وهذا يولع بالألباب. وأقسم بالله ما سمعت شيئاً من طيّب الأدب إلَّا جلب لبّي وأخذ بمجامع قلبي».

كان من شأن فعل استنطاق الحيوانات في العرف الإسلامي، أن يترك ردود فعل ونفور من الجمهور أو الفقهاء. لكن معاقرة بعض الفقهاء لهذا الفنّ صكّ عبور إلى عالمه. والشيخ البهائي هنا هو أديب الفقهاء وفقيه الأدباء. وما تبيين البهائي لمغزى حكايته في متن الكتاب إلّا تأكيد على مدى شرعيتها التي قد تدخل في باب وظيفة الحدّ الأدنى من تمثّل واجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فإذا ما تعذّر تغيير المنكر بالقوّة فباللسان فإن تعذّر فبالقلب. وهنا يتمّ التغيير باللسان لكن بتقنية اللاّمباشرة والحكاية. لقد وجد أهل المشرق العربي، وبتأثير مباشر من الثّقافة الفارسية التي استدخلها ابن المقفّع، في الحكاية الحيوانية وسيطاً مناسباً لتمرير الكلام غير المباح. ومثل هذا عزّ في بلاد المغرب الإسلامي لأسباب غير مستقرأة حتّى الآن، لكن وجدت أن هذا الفنّ يندر إن لم أزعم أنّه يغيب تماماً من الممارسة الأدبية في المغرب الإسلامي. ولكن وجه من وجوه السّبب قوّة المحافظة في هذا الأدب والأخذ بالاحتياط في التّصوير الفنّي، وهو ما أبعد أدبهم عن المجون والخمريات والغزل ورمى به في المديح والرثاء والبكاء على الأطلال ووصف الطبيعة. وفي الحكاية اهتدوا إلى فن إجراء الكلام غير المباح على لسان «الهدرازة» والصبيان ومن لم يكونوا على قدر المسؤولية ومن أهل الرّشد؛ وهو ما يتطلّب دراسة مقارنة وافية.

وليس اختيار مجتمع الحيوانات مجرّد مجاز ساخر، بل هو مجتمع إن أضيفت له خاصية الإنسان المفقودة في السّلوك الغالب على الإنسان الغافل -النّطق- نطق كما كان ينبغي أن ينطق الإنسان، مما يعني أنّ نعمة النطق عند الإنسان لا تؤدّي غرضها كما ينبغي بسبب اختيارات الإنسان اللاّعقلانية. تعود الحكاية رمزيًّا بالإنسان إلى أصل ما يميّزه عن الحيوان، ثم تخضع بواسطة الخيال إلى أنسنة المشهد الحيواني لتجعل منه فرجة تعكس حقيقة الإنسان وتناقضاته في واقعه. هنا يستعير الحيوان خاصية النطق من الإنسان ليؤدّي دور الملهاة. فالنّاطقية هي قوام العقل الذي به يتميّز الإنسان. فإذا ما نطق الحيوان كان عاقلاً وجاء بحديث العقلاء. فلا فكاك بين النطق والعقل.

ﷺ الحكاية الحيوانية كمشترك إنساني

لم يكن فعل استنطاق الحيوان بدعاً في الممارسة الأدبية العربية ولا في سائر الثّقافات. فالحكاية الحيوانية قديمة في التراث الإنساني عرفتها مختلف الحضارات. لذا اختلفوا في هويّة مبتكرها الأول؛ هل هو إيزوب في القرن 6 قبل الميلاد أو وزير سليمان أو لقمان الحكيم.وثمة من يعود بها إلى ما قبل القرن الثاني عشر قبل الميلاد حيث تم اكتشاف حكاية السبع والفأر مسطورة على ورق البردي في مصر.لكن ثمّة من لم يعر أهمّية لهذا الأمر، حيث تعتبر الحكاية الحيوانية فن طبيعي من بين سائر الفنون الأدبية، لا أهمية لنسبته لشخص أو أمّة. فهو أقرب إلى الطبيعة الفطرية للإنسان المنجذبة كما عند الطفل بحديث الحيوان، بعد أن أدركنا أنّ البشرية مرّت من مرحلة شبيهة بطفولة الإنسان؛ «يغريه تصور الحيوان ينطق كما ينطق الإنسان/ ويفكّر مثلما يفكّر». لقد كان ابن المقفع هو أوّل من أدخل هذا الفن إلى الثقافة العربية. وسواء أكان هو من وضع كتاب كليلة ودمنة أو أنّه نقله إلى العربية وكان كلامه لا يبرح مقدمة الكتاب كما أشار ابن خلّكان في الوفيات، فإنه لا خلاف على أنّه هو من كان له فضل إدخال هذا الفن إلى الثّقافة العربية بصورته الكاملة وإن لم يكن هو أوّل من أنطق الحيوان. وقريب من الصّواب ما أضافه عبد اللطيف حمزة في اشتغاله على ابن المقفّع، بأنّه يحتمل أيضاً أن يكون هذا الأخير قد حفظ من تلك الحكايات التي راجت في الهند ومن ثمة في فارس، الكثير، ثم قام فجمع هذا الشّتات وألّف كتاباً خاصًّا حول هذه القصص. ومرّة أخرى أحسن الباحث نفسه لمّا هوّن من أهمّية ما رامه بونتي حينما استدلّ على الأصل الهندي لحكايات ابن المقفع الحيوانية، بناء على النظرية البوذية الهندية في تناسخ الأرواح. وذلك بإيراد أمثلة نقيضة من القرآن نفسه. وقد شهدت الثقافة العربية منذئذ اهتماماً كبيراً بهذا الفنّ. وكان لإخوان الصفا أيضاً نصيب من استنطاق الحيوان في رسائلهم للأغراض التربوية والإصلاحية نفسها. سيكون ذلك مثيراً أكثر للانتباه إن سلّمنا بما ذهب إليه جولدزهير من أنّ اسم إخوان الصّفا هو نفسه مقتبس من كتاب كليلة ودمنة في مفتتح باب الحمامة المطوّقة. بل ثمّة من ذهب أبعد من ذلك، ليتحدّث عن وجود الحكاية الحيوانية عند العرب قبل ورود ابن المقفّع. ودليلهم على ذلك ما راج من حكايات وأمثال في الثّقافة العربية، نظيرة حكاية «أكلت يوم أكل الثّور الأبيض». بينما ذهب آخرون أبعد من ذلك كثيراً، حينما تحدّثوا عن أنّ العرب الآراميين قد تعرّفوا إلى كليلة ودمنة المنقول إلى السريانية سنة (570م) ثم حفظته الذاكرة الشعبية حتى صدر الإسلام. ويمكن أن نضيف إلى ذلك قطعاً للشّك، أنّ فعل استنطاق الحيوان لم يكن نابعاً من عقيدة إحيائية قديمة مختصة بثقافات الشّرق الأقصى، بل نجد لذلك نظائر تأسيسية في القرآن الكريم. فلقد بدا واضحاً مدى تناسب هذا الأسلوب التربوي مع طريقة القرآن الكريم، الذي اعتمد القصّ والحكاية أسلوباً أثيراً في التّربية والتّعلّم. فلقد جاء القرآن زاخراً بكلّ صنوف الكنايات والإشارات، وقد جاءت تعاليمه في قالب فنّي غنيّ بالمجازات واعتماد القصص والاعتبار. مع أنّ القرآن كرّم الإنسان على سائر المخلوقات التي سلّطه عليها إلَّا أنّه تفضيل لا يخلو من مسؤولية. فلقد نفى بهذا أي اعتقاد على سبيل مبدأ المشاركة، ولكنّه أشار إلى أنّه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم. هكذا وقبل أن يجري الكلام على لسان الحيوان في كليلة ودمنة، نطق النمل والهدهد في القرآن.وتضعنا مملكة النبيّ العظيم سليمان عليه السلام أمام أقاصيص يستوي فيها الإنسان والحيوان من حيث المسؤولية والمنطق. فلقد تحدّث الهدهد كإنسان وليس كحيوان. فالهدهد ينقل الأخبار ويتملّكه الفضول لمعرفة أسرار الملك، ويميّز بين محاسن السّلطة وقبائح النّظم. ولقد تعجّب كإنسان من أن تحكم المرأة، ويكون حكمها قائماً قويًّا. وكانت من أعظم معجزات النّبيّ سليمان أن أُلهم منطق الطير والحيوان، وتسلّطه على الإنسان والجان والحيوان والجماد. قال تعالى:

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.

إن مملكة سليمان تعطي صورة واضحة عن حقيقة منطق الحيوانات. وقد تعددت الأمثال عن الحيوان في القرآن إلى حدّ تقوّل بعض المعارضين للتعاليم، فما كان إلَّا أن أكّد القرآن على قيمة الأمثال الحيوانية باحتجاج يؤكّد على أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، حينما قال تعالى:

﴿إن اللهَ لَا يَسْتَحى أن يَضَربَ مَثلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوقَهَا فأما الَّذيَنَ امَنُوا فَيَعْلمُونَ اَنَّهُ اْلَحُق مِنْ رَبّهِم وأما الَّذيَن كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أراد اللهُ بِهذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهدِى بِه كَثيراً وَمَا يُضِلُّ ِبِه إلا الفَاسِقيَن.

ومع ذلك نلاحظ أنّ رسالة التّدين والنفاق للشيخ البهائي تنتمي رسميًّا وبامتياز إلى الأدب الفارسي. وهي من هذا المنطق تبعث الرّغبة عند الباحث إلى الالتفات إلى مجمل ما ألّفه العرب بالفارسية بعد أن أدركنا ما ألّفه أهل فارس بالعربية. فهي وإن كان مؤلّفها هو الشيخ البهائي، فقد كان هذا الأخير مزدوج الثّقافة. وكان أن كتبها في بلاد فارس وليس في البلاد العربية. كما ألّفها صاحبها باللغة الفارسية. فيما كانت كلّ رموزها الثّقافية فارسية بامتياز. فالفأر أو القط في حوارهما يستحضران تباعاً أمثلة تنتمي إلى التاريخ والجغرافيا الفارسيين، كما لم يفتأ أحدهما تلو الآخر يحيل إلى شعراء فارس العظام من أمثال حافظ وسعدي وفردوسي. حيث نجد بين الفينة والأخرى أمثلة على ذلك كما تظهر العبارات التّالية:

- قال الفأر: جاء في «كلستان» الشيخ سعدي شعر يقول:

سمعت أن الكريم يوم الحشر يشفع للأشقياء بحسنة الأتقياء.

- قال الفأر: قرأت في كتاب «نكارستان» هذه الحكاية: «إنّ عيّاراً ظالماً سيئ السيرة إلخ.

- قال الفأر: أيها القط (...) كنت منذ سنوات خلت مجاوراً في مقام «الشيخ سعدي» عليه الرحمة.

- قال الفأر: أيها الملك أنت أطلعتني على أمور كثيرة، أما «خواجة حافظ» عليه الرحمة، فقد قال في ديوانه كلاماً جميلاً.

- قال الفأر: أنت لا تذكر لي المعنى الحقيقي، وإنما في غزل «حافظ» كلام حول التوبة واللّاتوبة.

- وقال الفأر:(...) وقد قال الشيخ سعدي في كلستان:

القط أسد حين يقبض على الفأر

ولكنه فأر في حضرة الأسد.

- وقد قرأت في الشاهنامة.

- ثم قال القط: أيها الفأر، أقرأت ديوان خواجة حافظ؟

قال الفأر: بلى كلما أردت الخروج من المنزل آخذ فألاً من ديوان حافظ، وأقرأ قليلاً من مقام (الراست) والـ(بنجكاه) وبعدها أخرج!

هذه وكثير منها لم نذكره لا تمثل شاهداً على أن الحكاية تستلهم من تراث فارس فحسب، بل هي تعكس عاداتهم وطريقة احتفائهم بتلك الرموز. ولفارس تراث في الأدب لا يخفى على الأدباء العرب. ويورد الجاحظ من حديث أهل التسوية في البيان والتبيين ما يؤكّد على براعة أهل فارس في القول والبلاغة. فيذكر على لسانهم: «وقد علمنا أنّ أخطب النّاس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس... إلخ» ثم يقول: «وقالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة ويعرف الغريب ويتبحّر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات والألفاظ الكريمة والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها وألفاظها ومعانيها (...) فمن قرأ هذه الكتب وعرف غور تلك العقول وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة وأين تكاملت تلك الصناعة».

يكون الشيخ البهائي من خلال حكاية «التدين والنفاق بلسان القط والفأر» قد أحيا رسوم فارس في الآداب، ونسج على منوال ابن المقفّع في كليلة ودمنة، لكنّه منح حكايته ملمحاً يُقرّبها إلى الواقع أكثر من الخيال: يكاد المطّلع عليها يدرك أن القط والفأر في حكاية البهائي ليسا سوى قناعين رفيعين جدًّا تكاد تظهر وتنفضح من ورائهما صورة الرذيلة والنفاق بطعمهما البشريين.

ﷺ التّديّن والنّفاق، هل هما حيوانيان؟

الإنسان كائن متألّه. والدين عنده ليس معطى على نحو الدّين الطّبيعي. وليس للفطرة هنا سوى جانب ما يختصّ بالقابلية للتديّن. ولقد أُلهم البشر النّجدين وله أن يختار ما شاء بالقدرة والاختيار مسلكاً من مسالكهما على حدة أم سلك بينهما مسلكاً مذبذباً أو تطوّح بينهما. لهذا السبب تحديداً كان النّفاق بشريًّا. فتعريف الإنسان بالعقل من حيث هو يتنزّل عند الكثير من الحدثاء منزلة الدّماغ المادي، لا يكون التعريف جامعاً مانعاً. ذلك لأنّ شيئاً من هذا متوفّر في الحيوان. ولكن المقصود هنا من العقل ما يعبد به الرحمن. وعليه كان التعريف الأضبط للإنسان: أنّه كائن متألّه ومتديّن. والتديّن اختيار وليس حتمية جبرية. فليس النفاق شأناً للحيوان، لأنّه ليس متديّناً وإن علم تسبيحه. لكن نفاق الإنسان كان قد استدعى هذا الاستنطاق التراجيدي والسّاخر احتجاجاً على انهيار القيم في سائر الأزمنة. وكان ابن مرزبان قد وصف أخلاق أهل زمانه بالانهيار القيمي الموسوم بخسة أخلاق الناس ولؤم طباعهم حتى صاروا كما قال أبي ذرّ الغفاري: كان الناس ورقاً لا شوك فيه وأصبحوا شوكاً لا ورق فيه. وقد اهتم عدد من الأعلام بحكايات ووصف الحيوان كما فعل الدميري في الحيوان وكذا الجاحظ في الحيوان، حيث هام في وصف بعضها بما يشبه أخلاق الأناسي كالكلاب. ومن ثمة جاءت محاولة أبي بكر بن المرزبان صريحة في التمدّح بالكلاب والهيام بأخلاقها والتهوين من أخلاق الأناسي، في كتابه الموسوم: «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» أو حسب بعض النسخ: «تفضيل الكلاب على أكثر من لبس الثياب». حيث يورد فيه قول الشّاعر:

ذهب النّاس وانقضت دولة المجد

فكلّ إلَّا القليل كلاب

إنّ من لم يكن على النّاس ذئباً

أكلته في ذا الزمان الذئاب

غير أنّ الوجوه في صور النا

س وأبدانهم عليها الثياب

فابن مرزبان هنا لم يكن بصدد التّأليف عن سمات الكلاب وخصائصها كما فعل الجاحظ في الحيوان، أو كما فعل السيوطي في استقراء أسمائها للتّبري من معرّة النّعمان، بل جعل ذلك مطيّة لهجاء أخلاق النّاس. فهو يقول: «سألتني -أعزّك الله- أن أجمع لك ما جاء في فضل الكلب على شرار الإخوان ومحمود خصاله في السّر والإعلان، فقد جمعت ما فيه كفاية». لقد شحّ زمانه من الأخلاق الحميدة حتى أورد على سبيل المبالغة قول بعضهم: «أن ليس في الزمان سوى خنازير، فإن وجدتم كلباً فتمسكوا به فإنه خير من ناس هذا الزمان. قال الشّاعر:

اشدد يديك بكلب إن ظفرت به

فأكثر الناس قد صاروا خنازير

ليس التديّن هنا له معنى يقابل النّفاق. لقد حرصت الحكاية أن تتحدّث عن النّفاق باعتباره ممارسة تسلك على سبيل التّديّن المغشوش. فالنفاق لا يمارس خارج التّديّن بل يستجدي منه صوره ومقولاته. إن النفاق هنا يؤدّي معنى الطّفيلية الدّينية. وتكمن خطورته في أنّه لا يأتيك عارياً من التّديّن بل يجعلك تظهر أمام تمثّله المغشوش ذاك على شكّ من تديّنك إن كنت من أهل الدّين. التدّين والنفاق من حيث الصورة والتعبير لا ينفكّان. فالنفاق إن تعرّى من لغة الدين ومظاهره افتضح أمره. لا يتمظهر النّفاق خارج الدّين، بل هو ينبت داخل التّديّن مثل الطفيليات. ليس للنفاق مظهر خاص به، لكنه يرعى كالفيروس على التّديّن فيستعير من الدين مظاهره ورموزه. جاء الدّين ليحارب مظاهر الفساد والجريمة في الاعتقاد والاجتماع، ووضع موازين وأصولاً لعلاج الاختلال الروحي والنفسي والاجتماعي والحضاري. لكنّه فضح لعبة النّفاق دون أن يضع وسائل لمواجهته سوى الحيلة والنباهة والحيطة. ومع أنّ الدّين نبّه لمعضلة النّفاق ووجه النّظر إلى أنّ أهل النفاق مخبوئين وراء فلتات ألسنتهم، وجعل سيماء المؤمنين غير سيماء المنافقين حيث يعرفون في لحن القول، إلَّا أنّه ظلّ متّهماً كما لو أنّ الدين هو المسؤول عن النّفاق وليس الإنسان. إن النفاق يجري في الجسد الاجتماعي كما يجري الشيطان في عروق الأفراد. فالمنافقين هم شياطين المجتمع. ومع ذلك لا بدّ للنفاق من فضيحة تتوقّف على صلاح الجماعة وحذرها من عدوها، ألا وهو النّفاق. فليس حول المدينة النبوية وحدها وجد منافقون كثير بل حول كل مدينة ستجد منهم نصيباً يزيد أو يكثر. وحينما يطغى الفساد ويعلن عن نفسه يتحوّل النّفاق إلى كفر بواح ويخرج من وراء حجابه. التّديّن الصحيح يفضح النفاق. وحينما تسود سيماء الإيمان تنفضح سيماء المنافقين. هنا لا مجال للبحث عن دين لا يحيط به نفاق. فالنفاق يلازم الدين ويتربّص به. إن النفاق ينتصر متى صدّق الأغبياء أنّ الدّين يصنع المنافقين، بل لأنّه يقمعهم كانوا يحتلّون مواقع متقدّمة في التّمظهر الدّيني. فالنفاق ليس حقيقة نابعة من روح الدّين بل هي حقيقة سوسيو-دينية. وحيث كان الإنسان ولا زال في عالم الإمكان يملك أن يكون إنساناً متى شاء أو كالأنعام متى شاء، كان يملك لغةً وصوراً ما بالقوة. فبقدر ما يملك الإنسان أن يتمثّل لغة الأنعام وهو في طور إنسانيته، يملك أن يتمثّل صور مقامات الكمّل من أهل الدّين وإن لم يكن من أهلها. فهذا يتيحه وضعه في الإمكان وأنّه إنسان بالقوة. فالحركة التكاملية للنفس الإنسانية لا مستقرّ لها في هذا التخارج المتردّد بين مقام الإنسانية ومقام الحيوانية. ففي المجتمع الإنساني تتعايش الجريمة المرفوضة اجتماعيًّا مع الفضيلة بفضل لعبة الإخفاء والتدليس والنّفاق. إن خراب المجتمع يبدأ من تجذّر النفاق ورسوخه والتّستّر عليه وتمكينه من أهل الفضيلة عبر التغلغل في مؤسسات صناعة ورعاية أمور الدّين والدّنيا. النفاق هو أساس خراب العمران.

ﷺ القيمة التربوية لحكاية القط والفأر

على الرّغم من محاولات جون جاك روسو التقليل من أهمية حكايات لافونتين ومدى جدواها التربوي بالنسبة للطفل، إلَّا أنّ ذلك لم يكن ليقنع التربويين الحدثاء في الاستغناء عن أسلوب الحكاية التربوية انطلاقاً من عالم الحيوانات. فالرسوم المتحرّكة وأفلام الكارتون والقصص التربوية تفيض بهذه الصّور في كل جيل. مؤكّدة نجاعتها ومدى تحقيقها لغرض المتعة والتّعلّم عند الأطفال، وهي عنوان الثورة التربوية في العصر الحديث. ولا يزال القط والفأر عنواناً بارزاً لأنواع الرسوم المتحرّكة التي شكّلت عنواناً لوحدة الثقافة في أرجاء المعمورة. ولا زال للقط والفأر جولات ومغامرات لا تكاد تنتهي في حكايات ميكي ماوس بوول ديزني المعاصرة. إن لتحيين القول في «التديّن والنفاق بلسان القط والفأر» لبهاء الدين العاملي قيمة تربوية تصل الماضي بالحاضر وتعزّز وحدة الخيال واستمراريته بين الأجيال؛ الخيال كأسلوب للتربية. من أجل تنمية استراتيجيا تربوية قوامها: التربية على الخيال والخيال من أجل التربية. فالمطلوب النّظر إلى هذه الحكاية على أساس الاعتبار لما تتضمّنه من معاني كبيرة. حيث يؤكّد صاحبها على أنّ «الغاية أن ينظر القرّاء بكامل التدبّر والتّفكّر لتشعّ في خواطرهم أنوار هذه المعاني». كما يؤكد البهائي على أن هذا الحوار بين القطّ والفأر يهدف إلى غايات تربوية لمّا وضّح سبب اختياره لهما كمتحاورين، قائلا: «أيّها الأعزّاء، لا تظنوا أنّ حوار الفأر والقط بلا جدوى! الفأر هو نفسكم الأمّارة بالسوء، التي تريد أن تتخلّص بالحيلة والخداع من سلطة العقل، وأن تفسد صاحبها باقتدائها بالشيطان وبعد ذلك تسخر من العقل وتهزأ منه وتضيّع عليه نعمة الاختيار الصحيح».

هنا نحن أمام رؤية فلسفية عميقة للدّين والنّفس والعقل والصّلة الرّابطة بينهما. أصل الغواية وآثار الضّلال وبؤس الاختيار. إنها تمنح رؤية وافية لانسدادات النّفس وانطوائها داخل دائرة السّوء. الدّائرة المغلقة على النّفس العصيّة على الانفتاح على الصراط المستقيم، أي وحده الخطّ المنفتح على الله. تبدأ الحكاية من النّفس الأمّارة بالسّوء. وخطورتها أنّها هي الأقرب إلى الإنسان غير منفكّة عنه إلَّا إذا ما استعصم بوازع من الدين والعقل. لكنّها بصنوف الحيل تراوغ لكي تفلت من رقابة العقل وسلطته. ثم حينئذ تقدّم صاحبها وجبة سائغة للشيطان. يصبح العقل والمعقول موضوع سخرية بعدئذ ثم بفعل مراكمة اللاّمعقول يفقد صاحبها البوصلة في طريق الضلال المجهول، فلا تبقى لديه حتى نعمة الاختيار، وأحياناً يحسب أنه يحسن صنعاً. يمكننا أيضاً اعتبار حكاية بهاء الدين العاملي عن التّديّن والنّفاق، تغطية حوارية لمراحل الغواية والإضلال التي تقوم بها النفس الأمّارة بالسّوء ونهاياتها السّيّئة. فما دام الأمر يتعلّق بحجاج داخلي بين النفس وقواها، فهذا يعني أن شعبة النّفاق تتربّص بالنفوس طرًّا لا تستثني أحداً. وبأنّ النفاق شعبة يتعيّن مقاومتها بالرياضة والمجاهدة والتربية. ففي كلّ النفوس لا غرو من وجود كثير أو قليل من النّفاق. يحارب المتديّن في نفسه غواية الكفر، لكنّ ما أن يدخل مشهد التّديّن حتى يهجم عليه النفاق بعد أن يكون التديّن لديه قد اكتسب قيمة سوسيو-دينية. ففي هذه الحكاية التي هي أصدق حكاية وأهمها، نقف ليس على توجيه تربوي ذي طبيعة وعظية تفصل بين المخاطِب والمخاطَب، بل هو عمل تربوي يقدّم خلاصة آراء وأفكار بهاء الدين العاملي في قضايا مختلفة تهمّ العلم والمجتمع والسّلطة والدّين. إنّ مجتمع البهائي بلا شكّ كان قد عرف تحولات ومظاهر وممارسات لم تكن محلّ رضا بهاء الدين كعالم ومصلح. ففي كلّ عصر وكلّ جيل يوجد دائماً شذوذ وانحراف وانزلاقات أخلاقية وأخرى تحريفية في صميم التّديّن. وحصر الحديث في التدين والنفاق هو إجمال لما يحدث في أبعاد مختلفة من سلوك الإنسان. سيكتشف قارئ الحكاية المذكورة أنّ القطّ هنا هو قوّة المخيّلة التي تلغي سلطان العقل بينما الفأر هو النّفس الأمارة بالسوء، فهو عنوان الرذيلة واللاّعقل والالتباس. يعني ألَّا يكتفي الأمر هنا عند تقسيم المهام بين قيمتين على طرفي نقيض، بل ندرك من خلال هذا التقسيم الإجمالي أنّ الرذيلة هي نتيجة حتمية للّاعقل. بينما اللّاعقل واللاّمعقول لا يقف صامتاً أمام خطاب العقل والمعقول. بل يحاجج ويسخر ويغالط ولا يصمت. في حوار القط والفأر نجد حجاجاً ساخناً بين المعقول واللاّمعقول. وحينما يستغرق الحوار كل هذه المساحة، فهذا يعني أنّ اللامعقول ليس مهزوماً بمجرّد أن ينبري له العقل، بل يحاول جهده أن يغالط ضمن مستويات حجاجية ذات وظيفة تضليلية. إن للاّمعقول إذن لغةً واصفةً ومنطقاً خادعاً وأسلوباً للإقناع والسخرية. ينطق الفأر كما ينطق القط في موضوعات مشتركة، هذا يحاجج فيها بالباطل وذاك يبرهن فيها على الصّواب الرّاجح. إن حكاية القط والفأر هي حكاية علاقة صدام وتدافع دائم ومستمر بين الحق والباطل.. العلم والجهل.. الدين والنفاق.. المروءة والرذيلة.. الحرّية والاستبداد... تتأكد فيها الغلبة للباطل متى أمكن الجهل أن يمكر بقوّة الخيال للتّفلّت من العقل.

تصلح هذه الحكاية إذن لغرضين:

غرض تقديم تفصيل كافٍ يعكس مجمل فكر البهائي في مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والمعرفية. وغرض آخر كونها تصلح برنامجاً تربويًّا تمكّن الإنسان من نسج علاقة مختلفة مع الله والإنسان وعالم المعرفة.

يتجلّى الروح النقدي في فكر البهائي من خلال الحكاية المذكورة. وهذا يعني أننا أمام فكر تجديدي وخلّاق وتربوي. فلا تربية من دون فكر نقدي. ولا إبداع من دون نقد. فلقد أظهرت الحكاية وجهة نظر البهائي في قضايا صعبة المداولة. لقد كان للقط والفأر في حكاية البهائي جولات في موضوعات ومسائل عدّة. نستطيع أن نبوّبها تحت سقف عنوان افتراضي يقرّب المطلب ويسفر عن العبرة: حينما يضعف سلطان العقل. في أولى تلك الجولات التي أردفها البهائي في خاتمتها بتوضيح المغزى، نجد حجاجاً بالغ الذكاء بين القط والفأر. كان الفأر قد بذل وسعه لإقناع القطّ بحديث المروءة والتسامح والصفح عساه يفسح له طريقاً إلى كوخه. وكان القط من جهته قد بذل وسعه لكيلا يقع في خداع الفأر وتخريجاته الفقهية ومكره. استدل الواحد على الآخر بالفقه والتّصوّف وعلوم كثيرة. ظهر تفوّق القط العلمي وعارض كل حجج الفأر بالبرهان. لكن شيئاً ما مكّن الفأر من القطّ في نهاية المطاف؛ إنّه الطّمع والشّهوة التي سرحت به في سماء الخيال بعد أن نجح الفأر في إقناعه بوجبة من لحم العصفور لم يملك معها القط أمره فأذعن للفأر الماكر وأفلته من بين يديه.الفكرة المحورية هنا لا تحجب التفاصيل التربوية التي تضمّنتها المناظرة. وهي تفيض بالمعاني والعبر في مسائل شتّى. فالقيمة الأخرى للحكاية من حيث الشّكل تؤكّد على القيمة المنطقية للمناظرة. فما جرى بين القطّ والفأر يعكس أشكالاً وضرورباً من المناقضات والمفارقات التي يستند إليها عادة أهل الحجاج. فالحكاية تقدّم قيمة أخرى حول كيفية تدبير الأدلّة وتميزها بين شواهد الجهل وشواهد العلم. وشواهد الجهل تأخذ شكل البرهان وهي أبعد ما تكون عنه. فهي أدلّة مغالطة تقوم على الأقيسة الخاطئة وعلى السفسطة. فمهما هام الفأر في صناعة المغالطة، تصدّى القطّ له بالأدلة المفحمة. فلا مجال في حكاية البهائي لتساوي الأدلّة، فالعقل بطبعه يقول بالترجيح والحسم وتفكيك مغالطات المحاجج الجاهل. ولا يقرأ الشيخ البهائي قراءة تجزيئية. فعند القراءة الشمولية للبهائي ندرك خطأ ما بدا غرائبيًّا في آرائه. فهو كما فعل في حكاية «التّديّن والنّفاق» ينتصر في النّهاية للفقهاء والعلماء. كما ينتصر للمصادر المقرّرة في الاعتقادات والشرائع، فلا يرى فيما عداها إلَّا التباساً. فالقطّ الضّالع في الفقه عادة ما يلفت إلى بضاعة الفأر المزجاة في مجال العلم. فقطّ البهائي كان قد لازم طالباً للعلم قرّبه منه بعد أن أبلى القط بلاء حسناً في تخليص الطالب من أثر الفأر الذي أتلف أغراضه. ومنه تعلّم «بعض الكلمات في الأصول والفروع». وهو لهذا يلفت نظر الفأر إلى سبب قول القطط «ميّو، ميو» بالتشديد والمد. يقول القط للفأر: «وحفظت إلى ذلك الكثير من المسائل الشّرعية، والآن أنا ماهر في الدّرس والبحث ومجمّل بالصّلاح والاستقامة وأوقن أن معاقبة أمثالك عبادة». هذا بينما كان الفأر يلوذ بالشّعر والتراث والأهواء وآراء الطرق الصّوفية التي جعل منها البهائي موضوعاً لرسالته التوجيهية تلك. وكثيراً ما استشكل القطّ على أسلوب الفأر وعيّره بالجهل والفسوق. وفي جولة من جولات الحجاج قال له القطّ: «أنا أنقل كلام القرآن الكريم وأذكر لك الأحاديث النبوية الشريفة وأنت تورد كلام حافظ وأقواله؟». هذا ليس حديثاً عابراً بل هو واقع لعلّه لفت نظر البهائي في المجتمع الفارسي. فقد بدا أنّ جمهور العلماء والفقهاء كانوا قد واجهوا ظواهر من هذا القبيل. فلقد بلغ الاهتمام بشعر حافظ ونظرائه ما فاق الاهتمام بأصول العقيدة والتشريع. وكما سيجيب الفأر، فإنّ القط لم يذكر له المعنى الحقيقي، حيث في غزل الشّاعر حافظ كلام حول التوبة واللّاتوبة. فالفأر يتجرّأ على القط بل يثير حفيظته حينما يتّهمه بالمعصية ويطلب منه التّوبة بالغزل الذي اعتبره مبطلاً للصّوم فقهيًّا لكنه فعله خوفاً من طروّ الملل إلى خاطر القطّ. فهو يؤكّد للقطّ بأنه أحقر من أن يقدّم له النصيحة لكنه الآن يفعل ذلك من باب الواجب والضروري بناء على التكليف في النهوض بفريضة الأمر بالمعروف. فيقول له: «إن التّصوّف والزّهد من خصائص المتديّنين والفقهاء، وأنا لا أرى ذلك فيك». لكن سرعان ما استعاد القطّ توازنه ولاذ بالحيطة والحذر خشية أن يفلت منه الفأر. فالفأر هنا يمارس الخداع بمعسول الكلام، وكان لا بد للقط من أن يخدعه بالأدلّة والأمثال. يقول القط: «وأتصرف بحيطة وحذر، وإن لم أستطع ترويضه فلا هو صوفي ولا أنا طالب علم، سأسيطر عليه بالحجة مستنداً إلى الأدلة الشّرعية، وإن لم يفدني هذا فسأورد أقوال المتصوّفة وأقبض عليه». أما صاحب الحكاية فقد علّق على هذا الحديث الخاص بين القط ونفسه: «ثمّ إن القطّ قرّر أوّلاً أن يتواضع ويعظ نفسه». وحينما اشتد الحديث بينهما وأظهر الفأر ما أظهر من استفزاز في طيّ الكلام المعسول، طلب القطّ من الفأر أن يسمعه كلاماً ذا مضمون حقيقي وليس مجرد كلام معسول لا طائلة منه «كأنّ لا فرق بين قولك وبولك». ما كان من القطّ إلا أن يجيب ساخر: «أيّها القط، لو لم تكن فاقد العقل لما أفلتّني من يدك».

يبدو موقف الشيخ البهائي من خلال الحكاية المذكورة قاسياً من أهل الصوفيّة. وهذا عند التحقيق ليس موقفاً من التّصوف بل موقف إصلاحي للتّصوف. فلقد كان البهائي من أهل السلوك والعرفان كما تحكي سيرته وأقوله والحكم الإشارات التي تضمّنتها الكثير من أعماله التربوية والروحية. فإذا كان النفاق يرعى في حقل التّديّن، فهو يبلغ غايته كلّما بدت حيل التّلبس بمظاهر التّزاهد -وليس التّزهّد- طاغية على أهل الطريقة. لقد كان المجتمع الصّفوي غاصًّا بتعدّدية منقطعة النّظير في التعبيرات الدّينية. وكان الفقهاء أكثر تجلّداً في مقارعة أهل الطرقية. وكان كلّ فريق لا يألو جهداً في فضح غريمه متى ما بدا له اعورار في السلوك وشطط في التّسلّط على الخلق بغير حقّ. ولقد كان لهذا النزاع فائدة جليلة إن نحن نظرنا إليها من جهة ما وفّرته من أفكار وملاحظات على كل طرف على حدة. كان أحرى أن يفيد الفقيه من نقد أهل السلوك والعرفان، حتى لا نكون على فقه جامد من غير روح. فلقد التفت أبو حامد الغزّالي إلى فقهاء زمانه فألفاهم قد تجمّدت صناعتهم وفقدت الرّوح وماتت روح الدّين مع يباس الأحكام الصناعية، فكان أن ألّف كتابه الشهير: إحياء علوم الدّين. كما كان أحرى بالمتصوّف أن يفيد من نقد أهل الفقه والصناعة، حتى لا يتحوّل السلوك إلى مأوى للخرافة والنّفاق. فلا أحد أكثر إدراكاً لنقائص أهل الطريقة كالفقهاء، ولا لنقائص الفقهاء كأهل العرفان. ولا نجاة من هذا أو ذاك إلَّا بالجمع بينهما حيث كان ولا زال الجمع بينهما أحمد. وكانت تلك هي طريقة الشّيخ البهائي، طريقة الاعتدال والتّوسّط والبعد عن الغلو وطلب الدليل في كل معرفة وسلوك؛ أي كيف تكون فقيهاً سالكاً، أو سالكاً فقيهاً.. عالماً زاهداً. لذا حارب بنزعته الأصولية وميوله للتحقيق التسامح في تكريس الاعتقادات الزّائفة من دون دليل، أو اعتماد أدلّة ضعيفة. فلقد انتقد الغلوّ حيثما كان، في الفقه المجرّد عن السلوك أو السلوك المجرّد عن الفقه أو الاعتقاد القائم على النزعة الأخبارية لا الأصولية وهلم جرّا. فإذا كان علماء السّنة قد حاربوا أشكالاً غالية من التّصوّف تحت عنوان التّصوّف السّني المناهض للبدع والخرافات، فقد كان علماء الشيعة قد حاربوا أشكالاً غالية من التّصوّف تحت عنوان السلوك القائم على التحقيق الأصولي في الأخبار ومراعاة القواعد العقلية والآراء المسندة بأدلة المعقول والمنقول. إن خطاب العقل والمعقول طاغٍ في الحكاية. فهي كما قلنا حكاية تربوية. ونضيف قيداً آخر أنّها حكاية تربوية على التفكير المعقول والاختيارات العقلانية. ففي «التّديّن والنّفاق» يوجد انتصار واضح للعقل والمعقول الدّيني. وقد هاجم البهائي الصّوفية لأنها مأوى الخرافة. ومع ذلك هو يحتفظ بنصيب من النّقد لحرفية الفقهاء الذين لم يأخذوا بأسباب العرفان القلبي. هو ينتقد حرفية العلماء وظاهريتهم كما ينتقد خرافة الصّوفية وجهلهم. وفي هذا تأكيد على أن مراد الشيخ البهائي ليس إقصاء العرفان ولا تغليب الفقه، بل هو باحث عن التوازن وكمال العلم الذي يجمع بين قوّة النّظر وصفاء القلب: قوّة المعرفة وعمق العرفان. ليس الشيخ البهائي وحده من هجا التصوف والطرق في عصره. فلقد فعل ذلك نظراء له كان لهم باع كبير في العرفان. لقد انحرف التّصوف في عصور مختلفة وتحوّل من مجال للتربية على التّدين إلى ممارسة لا تقي صاحبها من زلّة النّفاق. لا سيما بعد أن خرج من العمق ووقف عند السّطح وانحصر همّه في مظاهر سلوكية وطقوس بلا روح. هكذا يستدرج القط الفأر بسؤال عن التّصوف، فما كان أسرع من الفأر حين ردّ بأنه بارع فيه حتى أنه يستطيع أن يدور ثلاثين أو أربعين دورة إن كان غيره لا يقدر سوى على واحدة. هنا تتحدّد من خلال حديث القط والفأر جغرافيا التّصوف المقصود كمثال: المولوية، باعتبارها طريقة تقوم على الرّقص والدوران. وقد كان ذلك مما طغى على المجال التركي العثماني مثلما طغت أشكال أخرى منه في المجال الإيراني الصّفوي. وليس المقصود هنا طريقة دون أخرى، ولكن الغاية تتعلّق بسائر الطّرق التي تكاثر حولها من لم يأخذوا بعمق رسالة التربية الروحية للتصوف. فالقط يجيب الفأر: «أتعلم عن التصوف الرقص والدوران فقط، أم أنك تعرف أموراً أخرى؟». من جهته يزايد الفأر على القطّ بورعه وصوفيته ويدعو القط إلى التّصوف ومعرفته. في حين يتشبّث القط بأنّ جهله للتصوف لا يعني أنه جاهل. ويردّ على الفأر بأن طلبة العلم اعتادوا القناعة ولا يشكون الجوع وإن ألمّ بهم، بخلاف ما فعل الفأر حينما شكا له الجوع وحدّثه عن سلوك الصوفية في الولائم وكيف أنهم حينما يدعون يأكلون إلى أن تمتلئ بطونهم، كما لو كانوا يأكلون ليس لإطفاء جوعة سابقة بل كأنما يريدون إطفاء جوعة مقبلة. وذلك حينما يقول الفأر: «أنا أيضاً من أهل التّصوّف، وتلك الجماعة لا تقصّر في أكل «نعمة الله» في جميع الحالات، في أثناء السلوك أو الاعتكاف يأكلون الحلوى وأحياناً خبز الشعير والخل، وإذا كانوا في ضيافة أحد في المساء يأكلون إلى الحدّ الذي تبقى فيه بطونهم مليئة إلى اليوم التّالي».تبدو القيمة الفلسفية لهذا النقاش بين القط والفأر لا حدود لها. ففي الظاهر يتّهم القط الفأر بأنّ معرفته ببعض المعلومات عن التّصوف لا قيمة لها إذا لم يكن هو نفسه قد بلغ ذلك المقام. من جهته، يؤكّد الفأر للقط بأنّه متصوف وأن القط طالب علم؛ «وطالب العلم والمتصوف لا يلتقيان». كما يستكثر عليه معرفة بعض حقائق التّصوف، ضارباً له مثلاً بالحلوى التي لا نعرفها إلَّا بتذوّقها. إذا نسينا هنا القط والفأر، وأمعنا النّظر في محتوى الخطاب، سنجد أنّنا أمام تبادل أحكام بين منطق المعرفة ومنطق العرفان. نعم، في مقدور مدّعي الصوفية إن قصر به الاهتمام بظواهرها كما اتَّهم القط الفأر، أن يدرك بعض الأفكار والآراء عن الصوفية دون أن يكون قد حقق ذلك الوصول والترقي في المقامات الروحية. وهؤلاء ليس لهم منها سوى المعلومات التي قد يستعملونها لاستغلال المجتمع. وهو درب من الدروب المؤدّية للنفاق. ولم يكن الفأر من ناحية النّظر مخطئاً حينما استكثر على القط معرفة حقائق التّصوف إن هو اكتفى بالنّظر من بعيد ولم يسلك فيه مسلكاً تجريبيًّا. فحقائق العرفان ليست كحقائق المعرفة تكتفي بالنظر والبرهان، بل هي حقائق تكشف وتذاق. من هنا فلا مجال لأن يلتقي طالب العلم والمتصوف، كما لا يلتقي طريق الكشف والبرهان. ويبدو أن الفأر هنا يتحدّث عن واقع الخصومة بينهما. وقد بدت تلك أزمةً عميقةً في الفكر الديني والفلسفي عززت القطيعة بين العرفان والبرهان. وهو ما يعطينا فكرة عن أهمية المحاولة الصدّرائية للجمع بين الكشف والبحث، والعرفان والبرهان في مزاعم الحكمة المتعالية. إذا كانت المعرفة حضورية عند أهل الكشف، فهي مكتسبة عند أهل النّظر والبحث. ومن هنا تبدو محنة طلبها كبيرة. فالذين يعتقدون بهذه الخرافات -في نظر الشيخ البهائي على لسان القطّ من الصوفية- لا عقل لهم ولا شعور، بينما المطلوب الكثير من التعب والمعانات مع علماء الدّين لتعلّم مسألة عقلية واحدة؛ «هؤلاء الذين أصبحوا علماء، تعذّبوا كثيراً في طريق الوصول». وواضح هنا أن المراد ليس صميم الإشكال بين طريقين لتحصيل المعرفة. بل وجب التنبيه هنا إلى أنّ هذا النقاش يجري بين عالم دين وبين دعيّ صوفي. وهو نقاش بين الحقيقة والزّيف.. بين التدين والنفاق. وإلَّا، فالنقاش الحقيقي بين أهل المعرفة وأهل العرفان عند التحقّق والتحقيق أعمق من ذلك بكثير. فقد يصحّ من أدعياء الصّوفية أنّ طريقهم للمعرفة خرافي لا دليل عليه من معقول ومنقول. لكن أهل السلوك الحقيقيين هم مثل أهل العلم، في عناء وتعب لتحصيل المقامات والمعرفة. ثمة لحظات بلغ فيها النقاش المعرفي ذروته. وهو حوار بين نسقين معرفيين في غاية الاختلاف. القطّ ينتصر لطريق طلّاب العلم الذين اختاروا مسار البرهان. والفأر يزعم أنّه سلك طريق أهل التّصوف، وهو طريق أهل الرياضة والكشف. لذا يحتج الفأر على القط الذي يتحدّث هنا لغة العقل البرهاني، عن عدم إدراكه كنه الحقائق وجوهرها. طالب العلم ممثلاً في القطّ لا يفتأ هو الآخر يسخر من الصوفي ممثّلاً في الفأر. فطالب العلم يرى في المتصوف أحمقَ خرافيًّا لا يأخذ بأسباب المعرفة والتّفقّه. يخاطب القط الفأر: «أيها الفأر، المعرفة دون تعقّل وفهم، مثلها كمثل صبغ الأحمق لحيته بالزّرنيخ». كان القط إذن يضع حدًّا بين مزاعم الفأر الصوفي وأمثلته، وبين حقائق العرفان الحقيقية. يبدو أن القط هنا ليس بصدد انتقاد مبدأ العرفان والسلوك، ولكنه بصدد طلب الدليل فيما يتم تداوله من أفكار وخرافات لا ينهض بها دليل من عقل أو شرع. ومثال واحد مما ردّ به القطّ على الفأر فيما زعمه الفأر من أنّ من كرامات الصوفية في خراسان أنّ شجرة الفستق تنبت فوق قبورهم. فالبهائي هنا يلوذ بالعلم والمعرفة والعقل، ويستعمل مهارته العلمية وينطقها عن طريق القطّ حينما ردّ على الفأر بأنّ مزاعمك حول صوفية خراسان خرافية وغير صحيحة من منظور العلم. فهو يعتبر أن من جهل وغباء الفأر أنه لا يعلم بأنّ الفستق شجر ينبت بكثرة في خرسان. وكان لو كان صحيحاً ما زعم الفأر أن هذا من كرامات شيوخ خراسان، أن ينبت على قبورهم شجر لا يناسب خراسان. أما عن سبب تكاثر أشجار الفستق، فالبهائي على لسان القطّ يرجع ذلك إلى قانون طبيعي، حيث «الطيور تنقل اللقاح في مناقيرها وتوصله إلى الأطراف فينبت شجر كثير على هذا المنوال، وهذا الأمر ممكن بالنسبة لأيّ شجرة أخرى تحمل حبًّا يمكن أن تنقله الطيور». إن البهائي على لسان القطّ يسخر من الصوفية ويعتبر أن حكاية أدعيائهم لا تختلف عن حكاية الثعلب مقطوع الذّنب؛ ذلك الثّعلب الماكر الذي بسبب خوفه ومكره انتهى إلى أن قطع ذنبه لينجو من الغرق حسب قصة طويلة سردها القطّ على الفأر، فيحاول أن يتظاهر بالحج بعد أن رمى بنفسه في الصبغ النيلي، وجعل ذلك علامة التّوبة. حكاية الثعلب صدّقها الأغبياء والجهلة بينما أثارت سخرية وتندّر أهل العلم. إن القط يتّهم الصوفية بالخرافة والعناد والتّعصّب. فالفأر لا يذعن لأدلّة القطّ، بل يعاند كأنّه لم يسمع عنها ولم يرها. لهذا لا زال القطّ يعاتبه: «أيها الفأر إلى متى ستتحدث بمثل هذه الألفاظ الجوفاء البعيدة عن العقل والمنطق والتّأمل؟». لا بدّ من إعمال العقل فيما نرى ونسمع وعدم التسليم بذلك من دون نظر أو مساءلة أهل النّظر. فالتدقيق هنا واجب والتأمل فريضة في المسموع والمرئي، والسؤال واجب في حقّ من قصر عن الاجتهاد. كان الشيخ البهائي -وعلى لسان القط- يكشف عن زيف ما كان يروج في زمانه من خرافات تخالف المعقول والمنقول من أحوال مشايخ التّصوّف. فهو ينسب لهم الكثير من مظاهر الفساد الفكري والخلقي وامتهان السحر والشعوذة وتناول الحشيش. لم يكن هذا موقفاً مبدئيًّا من أصل التّصوف بل هو موقف مما آلت إليه طرائق الصّوفية. لذا وبعد أن يفنّد الشيخ البهائي كل هذه الخرافات والمزاعم الصوفية، يعطي صورة أخرى عن التّصوف النقي والمشروع، حيث حدّده في التّصوف الذي يقوم على المعقول الصحيح والمنقول المعتبر. فالتّصوف في نظر الشيخ البهائي على لسان القطّ هو مشتق من الصّوف، وهم من أهل التحقيق، وصاد التصوف صبر، وواوه وفاء، وفاؤه فقر وفاقة، وهم كما قال عنهم كثيرون أهل استقامة وطيب سريرة وطهر وصلاح وصحة معتقد. وأدلتهم في ذلك ليست من قبيل الخداع والمكر بل لها صلة بدليل من الله ورسول. فالتصوف ليس نهج دين خاص وادعاء معرفة غير مسنودة بدليل شرعي ولا ببرهان عقلي ومبنية على التقليد والهوى. فالصوفي «يجب أن يكون صالحاً، ومن ليست هذه حاله، أي من لا يتطابق عنده الاسم والمسمى، يكون بلا فائدة وبلا ثمرة، كأن يُسمَّى الحدَّاد طبيباً ويسمى الخياط صائغاً، ولا فائدة من إطلاق اسم على غير صاحبه سوى الكذب على الذّات وعلى الآخرين. ولكن إذا سُمّي شخص صالح صوفيًّا فلا شكّ أنّ إطلاقه ذا الاسم عليه صحيح ولا عيب فيه (...) وكلما ترك الصوفي التقليد والعناد، وعمل بوحي الشرع الشريف، وكان صادقاً في سلوكه؛ سيكون صوفيًّا حقيقيًّا، أما إذا كانت مطالبه وسلوكه تقليداً ورياءً وكيداً وخداعاً وتسمَّى أو سُمِّي بالصوفي، فإنّ ذلك شبيه بأن يُسمّي المجرم نفسه طاهراً». وبسبب هذا التّواسط في تصحيح وجهة التّصوف نسبه كثيرون إلى التّصوف مثل فعل اللاهيجاني مستقرئاً آراء البهائي في نظم مثنوي، وكما فعل الميرزا عبدالله أفندي في كتاب «رياض العلماء». بينما نفى ذلك عنه كثيرون وخالفوا صاحب كتاب رياض العلماء مثل الشيخ يوسف البحراني والتنكابني والسيد حسن الصّدر والسيد محسن الأمين. وكما أوفى ذلك السيد حسن الصدر في ترجمة والد الشيخ البهائي، فإنّ عادة علماء الدولة الصفوية كانوا قد جالسوا وزراءها الذين لم يكونوا يدركون غير الطريقة والحقيقة، فلما آنسوا بالعلماء ومنهم الشيخ البهائي، تأثّروا بالشريعة واستملحوها. لم تكن طريقة العلماء منفّرة بل لم يكونوا يتناولون الصوفية بسوء حتى اعتقد البعض أنهم على مذهبهم في الاعتقاد. وإنّما فعلوا ذلك لأسباب تربوية «وصاروا لا يذكرون أحداً من الصوفية بسوء بل يثنون عليهم حتّى جروهم إلى العمل بالسنن والأحكام أوّلاً بأوّل، حتّى عادت دولة متشرعة مربية للفقهاء والمحدّثين».

لقد انتصر القطّ إذن على الفأر حينما عاد العقل ليسيطر على الموقف. لكن بعد عذاب مرير يعكس التّحدّي الذي يفرضه الخيال على الغريزة مما يمكّنها من النفس بعيداً عن العقل. انتصر القط على الفأر، فانتصر بذلك العقل على الخرافة، والوعي على الغفلة، والعلم على الجهل. لحظة سقوط الفأر هنا في الحكاية البهائية هي السقوط الحتمي للأهواء والانتصار الحتمي للعقل والوعي والعلم. هذا يعني أن العالم يتطور باتجاه الرّشد العقلي والعلمي وليس العكس. فحركة التاريخ هي حركة في اتجاه العقل.

ﷺ في الختام

إنّ لرسالة «التدين والنفاق» غرض لا يشذّ عن غرض الحكاية الحيوانية، من حيث هي أيضاً رسالة مشفّرة للحاكم. وإن لم تكن حكاية البهائي جعلت من السياسة موضوعها، فلأنّ صلته بالشاه عبّاس كانت وثيقة. كما كان ملوك الدّولة الصّفوية قد قرّبوا العلماء وأكرموهم ومنحوهم مواقع متقدّمة في الدّولة وشاركوهم في المشورة. فمهما قيل في أحوال الدّولة الصّفوية، فإنّ ما تفرّدت به هذه الدّولة عن نظائرها بما فيها الدّولة العثمانية، أنّها قرّبت العلماء وجعلت مشروع بناء الدّولة تحت رعاية العلماء. وفي مثل هكذا أوضاع، لم يكن همّ البهائي أن يكتب حكاية حيوانية ذات أهداف سياسية كما فعل ابن المقفّع، بل إن الشيخ البهائي كان صاحب حظوة ورأي مسموع في حضرة الشّاه عبّاس كما كان نظراء له كثيرون. ولكنه حمل على عاتقه مهمّة إصلاح المجتمع وتنوير الفكر وتهذيب السلوك الديني للفقهاء والصوفية وعامة المجتمع. لم تدرس هذه الرسالة من الجانب السياسي على الرّغم من أنّ الفأر عادة ما ينعت القطّ بالملك. فهو يجسّد بهذا المعنى مكر الشّعب مقابل مكر الملك. قد يبدو الطابع الفلسفي طاغياً على حكاية التدين والنفاق، حيث المراد الجدّي من الملك هنا هو حكومة العقل على الغرائز والأهواء كما يؤكّد عليها البهائي نفسه في إيضاح الغرض منها، لكن الحكاية قابلة أن تُقرأ قراءة سياسية أيضاً، وهو ما لم نرد المضيّ فيه لتطلّبه جهداً خاصًّا مضافاً. تتميز حكاية «التدين والنفاق» عن سائر الحكايات الأخرى أنّها أكثر واقعية وأكثر مباشرة في تناول قضاياها بسهل ممتنع وعقلانية صارمة. إنّ حكاية «التدين والنفاق» وإن جاءت على نمط الحكايات الموسومة بالخرافية إلَّا أنها جاءت لمحاربة الخرافة في الفكر الديني والشعبي. فهي تستهدف المجتمع أكثر مما تستهدف السلطة. ولكنها أيضاً تدرك مدى سلطة المجتمع وأساطيره المؤسسة ومدى سلطان العقل في قابليته لمقاومة كل قوى النّفس إن هو قاوم وتجلّد، وتدارك واستدرك.صحيح أن مصير الفأر في حكاية «التّديّن والنفاق»، سيّئة، بعد أن لقي مصرعه ووقع فريسة سائغة للقطّ. لكن من بدء التّحرّش الغريزي بالفأر حتى التهامه، كان الحوار شيّقاً وباعثاً للفضول؛ لقد كان حواراً مفعماً بأفكار واعتقادات وتصورات وألوان من المكر، يعكس الحياة بتناقضاتها. إنها ميدان لخطاب المعقول واللامعقول. وبينهما تتصرّف الغريزة وتجد لها مكاناً معقولاً في جغرافيا الحياة كما تجد لها خطاباً معقولاً قد يجد فيه المكر بلغته وقد لا يجد. فالحياة في النهاية ما هي إلَّا مجال لمكر الليل والنهار بين العقل والهوى، بين العلم والجهل؛ هما أوّل باب يفتتح به العلاّمة المجلسي ابن تلميذ من تلامذة البهائي، مدوّنته الحديثية، حيث فيها ندرك أنّ أوّل ما خلق الله العقل: به يثيب وبه يعاقب.










التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق