نظرية البطون وبنية الخطاب القرآني : نظرية السيد فضل اللَّـه أنموذجاً
كتبه: حيدر حب الله
حرر في: 2013/09/15
التعليقات: 0 - القراءات: 4009

تمهيد:

حازت نظرية بطون القرآن الكريم عبر التاريخ على أهميّةٍ كبيرة في الوعي واللاوعي الإسلاميين، وشكّلت منطلقاً لمشاريع فكرية كبرى، وتأخذ هذه النظرية أهميّتها في سياق افتراض بناء الخطاب القرآني على لغة غير عرفية، سواء انضمّت إليها اللغة العرفية العقلائية أم انفرد النص القرآني بلغة غير عقلائية ولا عرفية، أي لغة ما فوق الاثنين معاً.

وبنية الخطاب القرآني تظلّ مسألةً بالغة الأهمية، من حيث إنّها هل هي بنية رمزية أم بنية عرفية جرى فيها المتكلّم على وفق القوانين العقلائية في التفاهم والتفهيم والمحاورة، أم لغة خاصّة لا تتصل بأيّ من هذه اللغات المطروحة في الدراسات اللغوية والأدبية واللسانية والهرمنوطيقيّة، من هنا تأخذ نظرية البطون دوراً أساسيًّا في محاولة اكتشاف بنية النصّ القرآني؛ لأنّ بعض تفاسير مفهوم البطون -كما سنرى بحول الله سبحانه- تربط النص القرآني بإشارات غير معتادة في الحياة البشرية في مجال التفهيم والتفاهم، وهذا ما يؤسّس لبُنية خاصّة في هذا النص، تجعلنا لا نقف عند الحدود الطبيعية العادية في التفسير، الأمر الذي يترك أثراً في عملية تفسيرنا للقرآن الكريم عامّة.

وتترك نظرية البطون تأثيراً أيضاً في علاقة القرآن الكريم بالحديث الشريف، فإنّ في الروايات والأحاديث الكثير من الكلام في القرآن بطريقة تفسير باطني قد يكون غير مألوف في أحيان كثيرة، وهذا ما يجعل فتح أفق البطون بمعانيها المتعدّدة مؤثراً في الموقف من هذه الأحاديث المتداولة في كتب المسلمين.

ولكي ندرس هذه النظرية عند السيد محمد حسين فضل الله، نتعرّض -أولاً- لأدلّتها ومستندها بوصفها مبدأً، وهل حقًّا هناك ما يُثبت وجود بطون للقرآن تتناهى أو لا تتناهى بصرف النظر عن الهوية التفصيليّة لهذه البطون؟ ثم ننطلق -ثانياً- لتحليلها ونطرح النظريات في تفسير البطن القرآني على تقدير وجوده، مستعرضين في هذا السياق نظرية السيد فضل الله، فالبحث يقع في مرحلتين، لكن قبل ذلك لابد من تحليل مقولة البطن القرآني ومحتملاتها من حيث الجذر اللغوي:

ما معنى البطن أو باطن الشيء؟

يتحدّث اللغويّون عن البطن أو الباطن في كتبهم اللغوية، فيقول الفراهيدي: «البطن في كلّ شيء خلاف الظهر، كبطن الأرض وظهرها، وكالباطن والظاهر، وكالبطانة والظهارة، يعني: باطن الثوب وظاهره... وبطانة الرجل: وليجته من القوم الذين يداخلهم ويداخلونه في دخلة أمرهم.. وبطانته: سريرته. وكذلك يقال: أهل بطانته».

ويقول ابن السكيت: «البطن: بطن الإنسان وغيره. والبطن من بطون العرب: دون القبيلة. والبطن: الغامض من الأرض».

إلى غيرها من كلمات اللغويين التي لا نطيل بذكرها.

والذي يفهم من المعنى اللغوي لكلمتي: «بطن وباطن» هو الشيء الذي فيه قدر من الخفاء بحيث لا يكون ظاهراً جليًّا، فهناك خفاء وستر وحاجة لفعل شيء كي يكشفه، وعندما نضيف كلمة البطن إلى القرآن الكريم فإنّ المعنى اللغوي والعرفي سيعطينا مفاداً عامًّا وهو أنّ القرآن يحوي معاني لا تظهر للناس بمجرّد قراءته بتمامها، بل قد تحتاج بعض المعاني إلى تأمّل وتدبر ومقاربة ومقارنة بين نصوصه وآياته الشريفة، وليس في المعنى اللغوي أيّ مضمون لكلمة الباطن يتعدّى هذا الإطار العام للمفهوم الذي شرحناه، وهذه النتيجة يجب أن ترافقنا في غير موضع من هذا البحث؛ لأنها في غاية الفائدة في هذا السياق، كما سيظهر قريباً بعون الله.

المرحلة الأولى: مستندات نظرية البطون القرآنية

تتعدّد المستندات الأساسية لنظرية البطون القرآنية، وبعضها عقليّ عقلاني، وبعضها الآخر نصّي يرجع إلى مجموعة من الأدلّة النقلية، ونعرض سريعاً للأدلّة العقلية العقلانية؛ لأنّ قسماً منها يرجع إلى موضوعات تعرّضنا لها في محلّه بالتفصيل، ثم نجعل التركيز على المعطيات النقلية.

أولاً: المستندات العقلية العقلانية لنظرية البطون القرآنية

تتعدّد الأدلة العقلية العقلانية لنظرية البطون القرآنية، ونذكر أهم ما يمكن إثارته هنا، كما يلي:

1- الإعجاز القرآني وطاقة الانفتاح على البطون والمدلولات، وقفة تأمّل

يمكن أن يمثل الإعجاز القرآني أحد المنطلقات الأساسية لتأصيل فكرة البطون القرآنية؛ وذلك أنّه إذا بنينا على أنّ القرآن معجزةٌ في بيانه، فهذا معناه أنه يحتوي علوماً كثيرة استبطنت في نصوص مختصرة، ولا يمكن ذلك إلَّا بوجود بطون لهذه النصوص تقدر على حمل هذه المعاني الكثيرة، ليتحقّق الإعجاز القرآني. وهذا معناه من ناحية أخرى أنّه عندما يكون النص معجزاً يظلّ مفتوحاً على قدرة تحمّل أكبر من النصوص الطبيعية؛ لهذا يستدعي الإعجاز نفسه استبطانَ النص لما يفوق قدرة تحمّله العادية، ومن ثمّ لا يمكن تحقّق ذلك إلَّا بفرض البطون؛ لأنّ الظهورات لا تستطيع محاكاة هذا الوضع.

لكنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ الإعجاز اللفظي لا يساوي -بالضرورة- كثرة المعاني حتى يفرض للنصّ ظاهرٌ وباطن، بل يمكن أن يكون التركيب اللفظي استثنائيًّا مع كون المعاني محدودة وظاهرة، ولا برهان على عكس ذلك ولا تلازم عليه، وإلَّا فليبرز ذلك بدليل، لا بمجرد افتراض الإعجاز. هذا لو غضضنا الطرف عن دعوى من يرى أنّ الإعجاز القرآني ليس لفظيًّا.

2- ديمومة الاستنباط من القرآن الكريم، مؤشرات نظرية البطون

الدليل الثاني الذي يمكن تقديمه هنا هو أنّ القرآن الكريم ما يزال يُقرأ عبر العصور المختلفة ويظلّ غضًّا طريًّا تستفيد منه الأجيال، وكلّما قرأه المفسّرون والعلماء ازدادوا منه علماً ومعرفة، فهو معين لا ينضب، ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلَّا بفرض بطونٍ له قادرة على حمل هذا المعنى المستديم.

هذا يعني أنّنا نستند إلى التجربة البشرية في قراءة النص الديني؛ فهذه التجربة التاريخية عبر آلاف السنين أكّدت وتؤكّد أنّ النصّ الديني مفتوح على الدوام لتطوّر في القراءة، وأنّ نظامه يشبه نظام الدوائر التي تستوعب الأولى الثانية أو نظام الطبقات التي تتلو كل طبقة منها أخرى مثلَها تقع تحتها وتستتر بها وهكذا، ولهذا وجدنا أن البشر بمرور الزمن كانوا يستخرجون مفاهيم ومعاني من النصوص تبعاً لتطوّر وعيهم، فهذا يؤكّد أن نظام النص الديني المقدّس هو نظام تراكبي مفتوحة دلالاته بعضها فوق بعض، وهذه هي نظرية البطون في الموروث الإسلامي.

وهذا الكلام لا يخلو من التباس وقد عالجناه في موضعه، فإنّ استدامة نصّ في إعطاء معاني أو البقاء حيًّا غضًّا بمرور الأيام أمرٌ رهين بسلسلة متشابكة من العناصر، وليس فقط لفرضية وجود بطون له. كما أنّ تعدّد قراءات البشر للنصوص الدينية ربما يفسّر بأنه إسقاطات المعتقدين بهذا النص لحاجاتهم وثقافاتهم عليه؛ فالتجربة التاريخية كما تحمل تعدّداً طوليًّا في المعاني المستخرجة من النصوص كذلك تحمل تعدّداً عرضيًّا، وإذا كان التعدّد العرضي يستبطن خطأً بعض الاستنتاجات، فبالإمكان أن يكون التعدد الطولي قد ابتُلي أيضاً بذلك، فالتجربة التاريخية لا تدلّ على صحّة الاستنتاجات وإنّما على شرعية تعدّدها من حيث المبدأ.

نعم، عندما يلاحظ المفسّر القرآني في سياق قناعاته، وهو يدخل أعماق العملية التفسيرية ولا ينظر من الخارج كما فعلنا قبل قليل، ويجد كم أنّ هناك من معاني كثيرة صحيحة من وجهة نظره لم يتمّ الالتفات إليها إلَّا بتطوّر العلوم البشريّة، الشاملة للعلوم الدينية والطبيعية والإنسانية، فهذا يؤكّد له أنّ القرآن الكريم له بطون، أي جوانب لا تظهر بسرعة، بل تحتاج إلى تأمّل وحفر وتنقيب كي تبين.

وهذا الذي قلناه يجري على التجربة الشخصيّة العرفانية في فهم القرآن أيضاً، وفقاً لما سوف نشير إليه لاحقاً بعون الله.

3- البناء البلاغي للنص القرآني، والانفتاح على مفهوم البطون

من المعروف بناء النص القرآني على نظم المجاز والاستعارة والتمثيل والقصص والتشبيه والكناية وغير ذلك من فنون البلاغة، وهو بناء يختلف تماماً عن بناء الكتب العلمية العادية الواضحة التي تستنفد دلالتها بعد فترة وجيزة، وهذا البناء اللغوي يفتح النصّ القرآني على دلالات ومعاني مستمرّة عبر الزمن تتبع تطوّر الوعي الإنساني، وهو ما نسمّيه بالبطون.

وهذا الدليل صحيح من حيث كونه يوفّر المناخ لفرضيّة البطون؛ لأنّ اللغة البلاغية التي تنشط فيها حركة الخيال تقدر أكثر من غيرها على احتواء مدلولات سطحية ظاهرة وأخرى باطنية عميقة، فهذا الكلام من أهمّ الأدلّة العقلانيّة على فكرة البطون بهذا المعنى، لكنّه ينتج معنى خاصًّا لنظرية البطون القرآنية، سوف نتوصّل إليه بمعونة عناصر أخرى نهاية هذا البحث بإذن الله سبحانه.

4- ثنائي المحكم والمتشابه، وتكوين مقولة البطون القرآنية

قد يُسْتَنَد هنا لقانون المحكم والمتشابه الوارد في القرآن الكريم، على أساس أنّ المتشابه هو المفتوح الدلالة الحاوي للبطون، ووجود المتشابه في القرآن الكريم مما لا نقاش فيه.

لكنّ الجواب عن هذا الكلام واضح؛ لأنّ المتشابه لا يعبّر عن ذلك، لا لغة ولا عرفاً ولا ضرورة، وإنما المتشابه هو الذي يحتمل بعض المعاني غير المرادة، لا أنه هو الذي يحوي عدّة معاني مرادة، ولعلّ ما أوجب هنا الالتباس هو أنّ المتشابه ينفتح على تعدّد في الوجوه والاحتمالات مما حمل تصوّراً بأنّ هذا التعدّد يفترض أن يحمل معه مفاهيم واضحة ومفاهيم باطنة، مع أنّ مقولة التشابه بدلالاتها اللغوية لا تحمل هذا المعنى، نعم تتحمّل استيعابه لكنّها لا تحكي عنه.

ونتيجة البحث في رصد المعطيات العقلية والعقلانية هنا، أنّ بعض هذه الأدلّة لا ينفع شيئاً، مثل الدليل الأوّل (فكرة الإعجاز)، والدليل الرابع (فكرة المحكم والمتشابه)، فيما الدليل الثالث لا يثبت شيئاً بقدر ما يوفّر المناخ لثبوت البطون القرآنية، وليس هناك سوى برهان التجربة الذاتية للمفسّر بوصفها العنصر الذي يثبت له أنّ القرآن يحوي دلالات متراكبة، وأنّه يكشف عن نفسه بالتجربة لا ببرهان عقلي قبلي.

نعم، الدليل الثاني يتبع في نوعية البطون التي يحكي عنها تجربة المفسّر نفسه ومناهج فهمه البطون من النص القرآني، فلو فهمها بالكشف والشهود بحيث لا تُعرف باللغة والمقاربات الاجتماعية كشف ذلك عن بطون من نوع مختلف عن تلك التي تكون نتيجة تجربة تفسيرية لغوية للمفسّر.

ثانياً: المستندات النقلية النصيّة لنظرية البطون القرآنية

في سياق الأدلّة النصيّة النقلية على نظرية البطون القرآنية، يمكن تارةً الاستناد إلى النص القرآني، وأخرى إلى نصوص الحديث والسنّة الشريفة:

1- المستند القرآني لنظرية البطون، مقولتي: التأويل والبيانية القرآنية

من أهم ما يمكن أن يُسْتَنَد إليه هنا هو ما دلّ على أنّ القرآن فيه تبيان لكل شيء، وقد ورد التصريح بذلك في جملة من الآيات والروايات، فإنّه لا يمكن فهم البيانية التامّة لكل شيء إلَّا بفرض نصّ يحمل بطوناً لا متناهية، تبعاً لكثرة مصاديق عنوان (كلّ شيء).

والجواب عن هذا الكلام هو بما عالجناه مفصّلاً في مباحث حجية السنّة، عند الحديث عن نظرية كفاية القرآن وغيرها، وقد بينّا أنّ الكلية هنا إنما هي بملاحظة طبيعة الكتاب، وأنه كتاب هداية ورشاد ديني، لا مطلقاً، كما أنّها -من جهة أخرى- لا تستدعي الكلية المنطقية بالضرورة، وقد بحثنا ذلك مفصّلاً هناك فلا نعيد.

إلى جانب ذلك، قد يستدلّ بما جاء في القرآن الكريم من أمر التأويل وأنّه لا يعلمه إلَّا الله والراسخون في العلم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ، فإنّ هذه الآية تفرض للقرآن تأويلاً، والتأويل هو اختراق الظاهر القرآني إلى ما هو أعمق، فيثبت بذلك وجود بطون للكتاب العزيز.

لكنّ هذا الكلام فيه مجال طويل للنقاش يحال إلى الأبحاث القرآنيّة؛ فإنّ التأويل لا يمثل مفهوماً ملاصقاً لفكرة البطون، بل قد يراد منه -كما هي نظرية بعض العلماء-المصاديق التي تكون للآيات، وليس في كلمة التأويل، لغةً وعرفاً، دلالة على فرضية الغوص في المعاني، فهذا من المصطلحات الحادثة بعد عصر النزول، وتفصيله في محلّه.

2- المستند الحديثي لنظرية البطون القرآنية

ويظلّ المستند الحديثي من أهم المستندات هنا، بعد أن كانت فكرة المحكم والمتشابه غير دالّة، وتنقسم المعطيات الحديثية إلى قسمين:

القسم الأوّل: الروايات الكثيرة الواردة في تفسير آيات قرآنية بطريقة لا تظهر للعرف وأهل اللغة، فإنّ هذه الروايات الموجودة عند فرق المسلمين تصلح شاهداً على فكرة البطون وإن لم تتحدّث هي بنفسها عن مقولة الظاهر والباطن، وإلا فكيف يمكن فهمها من دون فرض عنصر تمهيدي مثل فكرة البطون. وطرح هذه الروايات جميعها أمرٌ في غاية الصعوبة بعد كثرتها وتنوّعها وتعدّد مصادرها عند المسلمين.

وهذا القسم من الروايات يصلح هنا لإثبات المبدأ فقط؛ لأنّ هذه الروايات يمكن تفسير الكثير منها وفقاً لفرضيات متنوّعة في فكرة البطون، دون حاجة لافتراض انتكاسة في مرجعية اللغة والعرف العقلائي وقواعده في التفاهم والتفهيم، كما سوف نلاحظ لاحقاً بعون الله نهاية هذا البحث.

القسم الثاني: ما جاء في النصوص يتحدث مباشرةً عن فكرة الباطن والظاهر، وأهمّ هذه النصوص في التراث الإسلامي هو ما يلي:

1- ما جاء في رسالة الإمام الصادقعليه السلام إلى أصحابه التي أمرهم بمدارستها: «..فإنّ الله لا يدرك شيء من الخير عنده إلَّا بطاعته واجتناب محارمه التي حرّم الله في ظاهر القرآن وباطنه، فإنّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه وقوله الحق: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ..».

فهذا الخبر يدلّ على وجود ظهر للقرآن وبطن، وكأنّ ظاهر القرآن يعطي الحديث عن ظاهر الإثم، فيما يتحدّث باطنه عن باطن الإثم، كما قد يفهم من الربط الذي جاء في الرواية بين ظهر القرآن وبطنه من جهة وظاهر الإثم وباطنه من جهة ثانية، ولهذا فرضت الرواية أنّ الفقهيّات بعضها يؤخذ من باطن القرآن وليس من ظاهره، وليس فقط الأمور العرفانية أو الفلسفية، وبذلك تثبت نظرية البطون.

ويناقش أولاً: إنّ هذه الرسالة لها عدّة أسانيد، أحدها ضعيف بجهالة حفص المؤذن، وثانيها ضعيف بمحمد بن سنان، وثالثها ضعيف بإسماعيل بن مخلد السراج الذي لا توثيق له إلَّا على تفسير القمي، الذي لم يثبت عندنا، فلا يُستند إلى هذه الرواية الطويلة.

ثانياً: إنّ هذا الخبر يثبت وجود ظاهر للقرآن وباطن، ولا يفيد تعدّد البطون أو الاستغراق فيها، والباطن كما يعني اللامتناهي في الاستغراق، كذلك يعني أيضاً كل ما لم يكن ظاهراً للجميع، بحيث يحتاج إلى تأمل ومقاربات وتحليلات،كما هو المقدار المتيقن من الدلالة اللغوية للكلمة وفقاً لما أسلفناه، فهذا المقدار يفي بحيثية البطن والظهر، وسوف نستفيد منه فيما بعد بعون الله سبحانه.

2- خبر حمران بن أعين، قال: سألت أبا جعفرعليه السلام عن ظهر القرآن وبطنه، فقال: «ظهره الذين نزل فيهم القرآن، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم، يجري فيهم ما نزل في أولئك».

فهذا الخبر يؤكّد وجود ظهر للقرآن وبطن، لكنه يقرّر أنّ المراد بظهر القرآن هو من نزل فيهم، وأنّ بطنه هو تأويله، أي المصاديق الحادثة المستجدّة التي تكون منطَبَقاً للقرآن الكريم، فمفهوم أبي لهب مثلاً ظهره هو أبو لهب عمّ النبي، لكنّ بطنه كلّ الذين يحاربون الدين ويؤذون المؤمنين ويهزؤون بهم إلى يوم القيامة.

وهذا التفسير الذي تقدّمه هذه الرواية، يختلف تماماً عن البطون الدلالية، فهو منسجمٌ انسجاماً تاماً مع بناء النص القرآني على اللغة العرفية، ولا يثبت وجود لغة غير عرفية أو دلالات باطنية للقرآن بالمعنى السائد.

وعلى أية حال، فالخبر ضعيف السند بجهالة محمد بن خالد الأشعري، كما أنه مرسل في تفسير العياشي.

3- خبر عبد الله بن سنان، عن ذريح المحاربي، قال: قلت لأبي عبد اللهعليه السلام: إنّ الله أمرني في كتابه بأمر فأحبّ أن أعمله، قال: «وما ذاك؟» قلت: قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، قال: «﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ لقاء الإمام، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ تلك المناسك»، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد اللهعليه السلام فقلت: جعلت فداك، قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، قال: «أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك، قال: قلت: جعلت فداك، إنّ ذريح المحاربي حدّثني عنك بأنك قلت له: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ لقاء الإمام، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ تلك المناسك، فقال: «صدق ذريح وصدقت، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟!».

فهذا الخبر يدلّ على وجود ظاهر للقرآن وباطن، ويقوم بتفسير الباطن بمعنى الباطن الدلالي؛ لأنّ كلمة قضاء التفث ووفاء النذور تعني بظاهرها ما قاله الإمام الصادق لابن سنان، فيكون المعنى الذي قاله لذريح غير ظاهر من الدلالة فيقوم على إشارة خفيّة.

لكنّ هذا الخبر ضعيف بسهل بن زياد، وبالإرسال في (الفقيه) أيضاً.

4- خبر أبي إسحاق الليثي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقرعليه السلام... ثم قال الباقرعليه السلام: «اقرأ يا أبا إبراهيم هذه الآية»، قلت: يا ابن رسول الله، أيّة آية؟ قال: «قوله تعالى: ﴿قال معاذ الله أن يأخذ [نأخذ] إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون، هو في الظاهر ما تفهمونه، هو والله في الباطن هذا بعينه [يقصد خبر الطينة وأنه يؤخذ ما عند الناصب من خير فيعطى للشيعي]، يا إبراهيم، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكماً ومتشابهاً وناسخاً ومنسوخاً..».

إنّ هذا الخبر واضح في البطن الدلالي؛ فهو يريد أن يدعم فكرة الطينة بهذه الآية التي يدلّ ظاهرها -مهما بالغنا فيه- على أمرٍ مختلف تماماً عن هذا الموضوع، إلَّا إذا قصد مجرّد الاستشهاد بجملة لا من باب أنها مقصودة، باعتبار التشبيه.

والخبر ضعيف جداً بأحمد بن محمد السيّاري الذي ضعّفوه جدًّا.

5 - 7 - خبر عبد الأعلى بن أعين، قال: سمعت أبا عبد اللهعليه السلام يقول: «إني لأعلم ما في السماء، وأعلم ما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان، وأعلم ما يكون، علمت ذلك من كتاب الله، إنّ الله تعالى يقول: (فيه تبيان كلّ شيء)».

فإذا أخذ هذا الخبر على إطلاقه وتفصيله، فلا معنى له إلَّا أنّ القرآن يحتوي ما لا يتناهى من المعلومات، فيكون دالاً على أنّ له بطوناً كثيرة لا نفقهها بلغة العرف العادية القاصرة، وهو يؤيّد فكرة البيانية الشمولية المستوعبة في الكتاب الكريم.

والسند ضعيف بعلي بن إسماعيل الذي لا توثيق له إلَّا على مبنى كامل الزيارة، وليس من المشايخ المباشرين، وهو رأي لا نقول به.

ونحو هذا الخبر رواية حمّاد اللحام، وسندها ضعيف بجهالة حمّاد اللحام نفسه، حيث لا تعرّض له، ومثله خبر جماعة فيهم عبد الأعلى والخثعمي والحرث بن المغيرة، لكنه أيضاً ضعيف بمحمد بن سنان.

8- خبر جابر، عن أبي جعفرعليه السلام أنه قال: «ما يستطيع أحد أن يدّعي أنه جمع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء».

والخبر يؤكّد وجود باطن للقرآن، لكنّ هذا النحو من الباطن لا يؤكّد فكرة البطون التي تتخطّى اللغة العرفية؛ لأنّ العقلاء في تفسيرهم للنصوص قد يتفاوتون في دقّة ملاحظاتهم لما يشير إلى مراد المتكلّم، فيكتشف بعضهم دلالةً تخفى عن آخرين، وهذا يصدق عليه لغةً أنه باطن، بمعنى أنه مستور كما لو كان دلالةً التزامية أو نتيجة مقارنة بين آيات عدّة.

والخبر ضعيف السند بمحمد بن سنان، وكذلك بالمنخل بن جميل الذي ضعّفه النجاشي واتُّهم بالغلو.

9- خبر أبي لبيد البحراني، قال:...فقال لي أبو جعفرعليه السلام: «هذا تفسيرها في ظهر القرآن، أفلا أخبرك بتفسيرها في بطن القرآن؟» قلت: وللقرآن بطنٌ وظهر؟ فقال: «نعم؛ إنّ لكتاب الله ظاهراً وباطناً...».

والخبر يثبت البطن، ويمارس التأويل ليصل إلى التنبؤ في نهايته بسقوط سلطان قومٍ عام 161هـ، ولا أدري من الذين سقط سلطانهم في هذا العام؛ لأنني راجعتُ كتب التاريخ فلم أجد شيئاً مميّزاً في هذه السنة سوى أحداث قلاقل هنا وهناك تقع في كلّ سنة عادةً.

وعلى أيّة حال، فالخبر ضعيفٌ بأبي لبيد البحراني المهمل جدًّا، أو المجهول غير الموثق على تقدير كونه أبا لبيد الهجري.

10- خبر جابر بن يزيد الجعفي، قال: سألت أبا جعفرعليه السلام عن شيء من التفسير، فأجابني، ثم سألته عنه ثانيةً فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك، كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا اليوم، فقال: «يا جابر! إنّ للقرآن بطناً، وللبطن بطناً، وله ظهر، وللظهر ظهر، يا جابر! ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل منصرف (متصرّف) على وجوه».

فهذا الخبر صريح بوجود طبقات ظاهرية؛ لأنه يجعل لظهر القرآن ظهراً أيضاً، وطبقات باطنية؛ لأنّه يجعل لبطنه بطناً، ثم يعقّب ذلك بصعوبة تفسير القرآن للرجال، وهذا كلّه يؤكّد الحالة الباطنية الدلالية في القرآن الكريم.

لكنّ السيد فضل الله حاول تفسير هذه الخبر بشكل مختلف عندما ربطه بتعدّد الأبعاد، فقال: «التدقيق فيه يدلّ على أنّه يريد معالجة الآية في مدلولها لا في كلماتها، فنحن نلاحظ أنّ بعض الآيات قد تنطلق في الحديث عن عدّة جوانب للفكرة، بحيث تتكامل في الخط الواحد الذي تتعدّد آفاقه وجوانبه، فقد تجد للمسألة الواحدة جانباً يتصل بالأخلاق، وجانباً آخر يتصل بالاجتماع، وثالثاً يتصل بالسياسة وهكذا، مما يجعل من الممكن أن يتحدّث عنها الإنسان الباحث من عدّة جوانب، بحيث يبدو الحديث عن كل جانب كما لو كان مدلولاً للآية بشكل مستقلّ، ولعلّ هذا هو مراد الإمام في اتصال الكلام من خلال وحدة مضمونه، وتصرّفه على وجوه من خلال تعدّد جوانبه..» .

وقد نقل هذا الخبر جابر الجعفي المعروف بنزعته الصوفية أو الباطنية، وفي السند محمد بن الفضيل الذي ضعّفه الشيخ الطوسي، وقال بأنه يُرمى بالغلو، وإذا كان غير ابن فضيل الأزدي فهو مجهول. وكذلك بجهالة شريس الوابشي الوارد في السند أيضاً.

11- خبر محمد بن منصور، قال: سألت عبداً صالحاًعليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ فقال: «إنّ القرآن له ظهر وبطن؛ فجميع ما حرّم في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحلّ من الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ».

فهذا الخبر ظاهره إثبات الظهر والبطن، وجعل البطون أشخاصاً في مقابل الظهورات التي هي الحلال والحرام؛ والرواية توافق قول من قال: إنّ الفروض رجال والمحرّمات رجال.

ولكنّنا نلاحظ على الرواية أننا لا نحرز صدورها من المعصوم حتى لو تمّت سنداً؛ لأنّ تنكير «عبداً صالحاً» لا يستفاد منه أنّ المسؤول هو الإمامعليه السلام، فلو عرّف لأمكن جعل لام التعريف للعهد، لكن مع التنكير يمكن أن يكون محمد بن منصور قد سأل عبداً صالحاً متديّناً من الأولياء فأجابه بهذه الأجوبة، ولمّا رأى الحميري أو الكليني تعبير «عبداً صالحاً» ظنّ أنّ المراد العبد الصالح، أي الإمام الكاظم.

ولو راجعنا محمد بن منصور لوجدنا له رواية واحدة فقط عن الإمام الكاظم، وله روايات عدّة عن غيره من الأئمة، فإذا حصل اطمئنان بأنّ المراد من (عبداً صالحاً) هو الإمام الكاظم -مع أنّ روايات ابن منصور قليلة عنه، بل هي قليلة مطلقاً- كان به، وإلَّا فلا يحرز كون النص المذكور رواية أصلاً، ومجرد إضافة «عليه السلام» إليه لا يدلّ على كونه الإمام؛ لعدم إحراز كون الإضافة المذكورة منه، فربما زيدت فيما بعد من قبل النسّاخ أو المحدّثين، وهو رائج معروف.

هذا كلّه بالغض عن أنّ «أبا وهب» الوارد في الرواية أيضاً رجل مجهول، مع الأخذ بعين الاعتبار الطبقة التي فيها.

12- صحيحة الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفرعليه السلام عن هذه الرواية: ما من القرآن آية إلَّا ولها ظهر وبطن، فقال: «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما يجري الشمس والقمر، كما جاء تأويل شيء منه يكون على الأموات كما يكون على الأحياء، قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (و) نحن نعلمه».

هذا الخبر يشبه خبر حمران بن أعين (رقم2) المتقدم؛ لأنه يجعل ظاهر القرآن هو من نزل فيهم، فيما باطنه هو التأويل، أي المصاديق الحادثة فيما بعد، وليس في هذا الخبر دلالة على البطون الدلالية للكلام، كما هو واضح. والرواية تامّة السند.

13- خبر السكوني، عن أبي عبد اللهعليه السلام، عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيها الناس! إنكم في دار هدنة... فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن؛ فإنه شافع مشفع... وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق...».

وهذا الخبر دالّ على أصل وجود الظاهر والباطن، وأنّ الباطن عميق وعلم، مقابل الظاهر فإنه أنيق وحكم، وهو بهذا يميل بنا أكثر لجعل الظاهر والباطن من مقولات الدلالة والألفاظ والمعاني، لا المفهوم والمصداق التنزيلي أو التأويلي.

والرواية تامّة السند على المعروف عند المتأخرين؛ لكنها غير تامة عندنا، ولا أقل لوجود النوفلي في سندها، ولم يثبت توثيقه عندنا وفاقاً لغير واحد من الفقهاء مثل السيد كاظم الحائري.

وقد ورد هذا الخبر أيضاً في نوادر الراوندي (571هـ) بلا سند، ومن الممكن جدًّا أنه أخذه من مثل الكافي وغيره.

وقد جاءت خطبة المخزون لأمير المؤمنينعليه السلام بما يشبه هذه الخطبة النبوية فيما نقلناه، ونقل هذه الخطبة الحسن بن سليمان الحلي (ق9هـ) في مختصر بصائر الدرجات بلا سند، ولم تذكر هذه الخطبة في نهج البلاغة، وإنّما نقلها العلامة المجلسي في بحار الأنوار.

14- خبر إبراهيم بن عمر، قال: قال أبو عبد اللهعليه السلام: «إنّ في القرآن ما مضى، وما يحدث، وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا يحصى، تعرف (يعرف) ذلك الوصاة».

وهذا الخبر يجعل كل اسم في القرآن حمّالاً لوجوه لا تحصى، ويؤكّد أنّ في القرآن كلّ الوقائع والأحداث، وهذا كلّه مما يشرعن البناء التحتي لنظرية البطون المعنائية.

لكنّ هذا الخبر -مضافاً إلى ضعفه بعدم ذكر العياشي للسند فيما وصلنا من تفسيره، وجهالة محمد بن خالد البرقي الوارد في سند بصائر الدرجات على ما درسناه في محلّه- يفيد إلقاء الأسماء التي كانت في القرآن؛ وهو ما يوحي بالتحريف، فيتعارض والأدلّة القطعية عندهم على عدم تحريف القرآن الكريم.

15- خبر بشير الدهان، قال: سمعت أبا عبد اللهعليه السلام يقول: «...ونعلم [أي أهل البيت] كتاب الله، وكتاب الله يحتمل كلّ شيء...»، فإذا قصد بالاحتمال التردّدُ والقيمة الفرضية الذهنية دلّ على علمهم بدلالة القرآن المراد وسط احتمالات؛ فلا يفيد في إبراز فكرة البطون، وإن فسّر الاحتمال بالحمل دلّ عل حمل القرآن كل شيء؛ فإذا أخذ بهذه الكلّية الشمولية صارت بناءً تحتيًّا لنظرية البطون، فالخبر غير واضح دلالةً، فضلاً عن عدم وجود سند له.

16- خبر معلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللهعليه السلام: «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلَّا وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال».

فإنّ وضع أيّ خلاف داخل القرآن على مستوى أصله وحلّه، ثم حصر معرفة ذلك بالإمام وأنّ الناس لا تفهم ذلك، لا يمكن تبريره إلَّا على أساس أنّ للقرآن بطوناً ورموزاً.

لكنّ الخبر ضعيف بالإرسال؛ لأن ثعلبة بن ميمون نقله عمّن حدثه عن معلّى في بعض المصادر، ونقله عن بعض أصحابنا عن الإمام في مصادر أخرى، فهو مرسل لا يعتمد عليه.

17- مرسلة البرقي، عن أبي عبد اللهعليه السلام، في رسالة: «وأما ما سألت من القرآن فذلك أيضاً من خطراتك المتفاوتة؛ لأنّ القرآن ليس على ما ذكرت، وكلّ ما سمعت فمعناه غير ما ذهبت إليه، وإنما القرآن أمثال لقومٍ يعلمون دون غيرهم، ولقوم يتلونه حقّ تلاوته، وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه، وأما غيرهم فما أشدّ إشكاله عليهم، وأبعده من مذاهب قلوبهم، ولذلك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ليس شيء بأبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن، وفي ذلك تحيّر الخلائق أجمعون إلَّا من شاء الله، وإنما أراد الله بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه وصراطه، وأن يعبدوه وينتهوا في قوله إلى طاعة القيّام بكتابه...».

فهذا الخبر يؤسّس لثلاث قواعد هامة جدًّا:

الأولى: قاعدة بناء القرآن على الأمثال، وربما يكون المراد بها ما يشبه نظرية الرمزية التي نتحدّث عنها اليوم.

الثانية: قاعدة تعمية القرآن وتلغيزه، وتعني أنّ القرآن أخفاه الله وجعله ملغّزاً لا يراه الناس ويتحيّرون فيه.

الثالثة: قاعدة حصر مرجعية التفسير والفهم بأهل البيت(عليهم السلام)؛ ولأجل هذه القاعدة كانت القاعدتان المتقدّمتان، كما يفهم من الحديث نفسه.

وهذا كلّه تأسيس لبطون قرآنية؛ لأنّ البطن هو الجانب المخفي، وهذه الروايات تؤسّس للخفاء الشامل في القرآن الكريم.

إلَّا أنّ هذه الرواية لم ترد سوى في محاسن البرقي، وقد رواها عن والده، عن الإمام الصادق، فتكون مبتلاةً بالإرسال حتى لو وثقنا البرقيَّ - الأب، وليس بثابت الوثاقة أيضاً.

18- الخبر المروي عن عليعليه السلام أنه قال: «إنّ كتاب الله على أربعة أشياء: على العبارة والإشارة واللطائف والحقايق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواصّ، واللطائف للأولياء، والحقايق للأنبياء».

ويعدّ هذا الحديث من أهم الأحاديث التي يُستند إليها لفرض طبقات معنائية في القرآن، لكن حتى لو تمت الدلالة، إلَّا أنّ الحديث في جميع المصادر ورد بلا سند إطلاقاً، ولم يذكر في مصادر الحديث الأساسية عند المسلمين أبداً.

19- ما جاء في بعض احتجاجات الإمام علي أنّه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: «ولهذه الآية ظاهر وباطن، فالظاهر قوله: صلّوا عليه، والباطن قوله: وسلّموا تسليماً، أي سلّموا لمن وصاه واستخلفه وفضّله عليكم، وما عهد به إليه، تسليماً، وهذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله إلَّا من لطف حسّه، وصفا ذهنه...».

والخبر مرسل لا سند له، علماً أنني أتحفّظ عن بعض الاحتجاجات الواردة في هذا الكتاب عن متقدّمي الأئمة من أهل البيت، فكيف حفظت هذه الاحتجاجات الطويلة جدًّا في عصر لم يعرف تدويناً؟!

20- المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن».

وقد ذكر المحقّق الإصفهاني في الفصول الغروية أنّ الكثير من الأخبار دلّت على أنّ للقرآن سبعة أبطن أو سبعين بطناً، وذكر العديد من العلماء وجود رواية السبعين، ونُقل وجود رواية السبعمائة ورواية السبعين ألف بطن.

ولكنّي لم أعثر -بعد البحث والتنقيب- على أيّ حديث في المصادر الحديثية السنّية والشيعية يفيد السبعين، وأمّا السبعة فلم أجده سوى في مصدر حديثي شيعي واحد هو عوالي اللآلي كما تقدّم، فهذا الخبر لم أعثر له على قيمة سندية فضلاً عن تواتر واستفاضة وغير ذلك، نعم وجدناه في بعض كتب التفسير والفلسفة والعرفان والفقه، لكن بلا سند إطلاقاً، وأظنّه اشتهر دون أن يكون له مصدر موثوق حديثيًّا، ولعلّ سبب شهرته هم المتصوّفة والعرفاء والفلاسفة وأمثالهم، حيث بنوا عليه ما سموه علم الباطن الذي تنتمي علومهم له.

21- ما رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ليس من القرآن آية إلَّا ولها ظهر وبطن وما من حرف إلَّا وله تأويل ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وفي رواية أخرى: وما منه حرف إلا وله حدّ مطلع على ظهر القرآن وبطنه وتأويله...

والرواية تدل على المفهوم بمعناه اللغوي العام الذي أسلفناه، وهي ضعيفة السند.

22- حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، فقد ذكروا أنّ هناك من فسّره بالبطون السبعة حتى في الوسط الشيعي.

لكنّ هذا الحديث لو بقينا مع صيغته الأولية، لا يدلّ على شيء في بحثنا؛ لأن كلمة: «سبعة أحرف..» غامضة إذا أريد تفسيرها بالبطون السبعة؛ فإنّ كلمة «أحرف» تحتمل وجوهاً ودلالات، لهذا لابدّ من النظر في صيغ هذا الحديث عند الشيعة والسنّة، لنرى هل يتّصل ببحثنا هنا أم أنّ مجاله التفسيري مختلف تماماً عمّا نحن فيه.

أولاً: أما على صعيد المصادر الشيعية، فقد وجدت هذا الحديث في:

أ- بصائر الدرجات للصفار، بسندٍ فيه ترديد بين أن يكون الراوي عن جميل بن دراج هو ابن أبي عمير أو غيره، فيكون مرسلاً عن الإمام الباقرعليه السلام قال: «تفسير القرآن على سبعة أحرف (أوجه)، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعدُ ذلك تعرفه الأئمة».

وهذا الحديث لا يتكلّم عن نزول القرآن على سبعة أحرف، كما ورد في صيغ أخرى له؛ وإنما عن بناء التفسير القرآني على سبعة أحرف أو أوجه حسب اختلاف النسخة التي ورد الحديث فيها، وبتحليل المقطع اللاحق من الرواية نجد أنّ الأوجه السبعة التي يقوم التفسير عليها ليس المراد منها البطون، وإنما ما يقترب من التأويل، أي مصداق الآيات القرآنية، والشاهد على ذلك كلمة «منه ما كان، ومنه ما لم يكن..» فكأنّها تشير إلى مصاديق متعدّدة للآيات، بعضها حصل وبعضها لم يحصل بعدُ، وهذا ما ينسجم مع بعض الروايات التي سبق أن عرضناها.

ب- في الكافي للكليني بسند متصل صحيح على المشهور، لا توقّف لنا فيه إلَّا من ناحية إبراهيم بن هاشم.. قال: قلت للإمام الصادقعليه السلام: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: «كذبوا أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».

هذا الخبر -بصرف النظر عن أيّ أمرٍ آخر فيه يتصل بنظرية الحروف السبعة- ينفي الحروف السبعة؛ وبناءً عليه، فمن يريد الاستدلال برواية الحروف السبعة على وجود بطون سبعة فإنّ هذا الخبر التام سنداً على المشهور يكذّب نظريته؛ لأنه صريح في نفي الحروف السبعة؛ فإذا فسّرنا الحروف باللغات أو اللهجات أو القراءات أو... لم يكن حديث الحروف السبعة دالاً على البطون، وإذا فسّرناه بالبطون كان هذا الخبر الذي يرويه لنا الفضيل بن يسار، مكذِّباً لفكرة البطون السبع كما هو واضح.

ج- الخصال للشيخ الصدوق، وقد أورد فيه روايتين:

الأولى: خبر حماد بن عثمان، قال: قلت لأبي عبد اللهعليه السلام: إنّ الأحاديث تختلف عنكم، قال: فقال: «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه، ثم قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب».

هذا الخبر يؤكّد فكرة الأحرف السبعة، ثم يتحدّث عن أنّ الإمامعليه السلام في رخصة أن يفتي على سبعة وجوه، وهذا ما يضع هذا الحديث أمام هالة من الغموض؛ فماذا يراد من أنّ الإمام يفتي على سبعة وجوه، في جواب يهدف لتبرير اختلاف الأحاديث المرويّة عنهم، فإذا أريد أنّ الإمام من حقّه أن يصدر فتاوى ويخبر عن أحكام متناقضة فهذا مخالفٌ للدين، وظاهر الحديث ليس وجود أحكام متناقضة وإنما إثبات الحقّ للإمام في أن يفتي على سبعة وجوه، ولعلّ المراد ما يوجب اختلاف الفتاوى باختلاف العناوين والموضوعات فيفتي مرّةً بالحرمة لوجه وهو العنوان الأولي، ومرّةً بالوجوب لوجهٍ وهو العنوان الثانوي وهكذا، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق هذا المفهوم على القرآن الكريم؟!

وقد حاول السيد محمد جواد الحسيني العاملي (1226هـ) أن يبرّر هذا الحديث بعد أن أشكل على نفسه بأنّ الأحكام خمسة تكليفاً، فكيف يفتي الإمام على سبعة وجوه، فقال بأنّ المراد ذكر الحكم ببيانات متعدّدة، كأن يطلق تارةً، ويقيّد أخرى، ويشرط ثالثة، وهكذا...

وهذا الكلام -إذا صحّ- لا يعني فرضية البطون، بل هو منسجم مع الظهور، فقد يفصّل المتكلّم تارةً، ويختصر أخرى، ويستخدم أسلوباً ما ثالثة، وهذا فعله القرآن عندما كرّر بعض القصص النبوية مثلاً، وأين هذا من البطون بالمعنى الذي يُعدم اللغة العرفية أو يتخطّاها؟!

فهذا الحديث يحتمل عدّة تفسيرات وليس ظاهراً في فكرة البطون، لا بطون القرآن، ولا بطون السنّة.

هذا كلّه مضافاً لجهالة محمد بن يحيى الصيرفي الوارد في سند هذا الحديث.

الثانية: رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أتاني آتٍ من الله، فقال: إنّ الله عز وجل يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، قلت: يا ربّ وسّع على أمتي، فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا ربّ وسّع على أمتي، فقال: إنّ الله عز وجل يأمرك (أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسّع على أمتي فقال: إن الله يأمرك) أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف».

وهذا الخبر يقترب من موضوع القراءة لا البطون؛ لهذا فالاستدلال به على وجود بطون سبعة فيه صعوبة وتكلّف؛ وسند الخبر ضعيف بعيسى بن عبد الله الهاشمي؛ بل قد نصّ على ضعفه العلامة المجلسي أيضاً.

د- مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، حيث يذكر عن تفسير النقاش كلاماً عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب وابن مسعود يقولان فيه: «...إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها إلَّا وله ظهر وبطن، وأنّ علي بن أبي طالب علم الظاهر والباطن»، وقد نقل الكركي المضمون عينه عن أبي نعيم عن ابن مسعود. ونقل ذلك محمد طاهر القمي في الأربعين عن الثعلبي.

وهذا الخبر يعطي ظهوراً وبطوناً لكلّ حرف، لكنّه خبر لا سند له.

هـ- بحار الأنوار للعلامة المجلسي، حيث ينقل عن رسالة قديمة عن جعفر بن محمدبن قولويه قال: حدّثني سعد الأشعري.. روى مشايخنا، عن أصحابنا، عن أبي عبداللهعليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلّها شاف كاف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل..».

والخبر كما ترى، أما من الناحية السندية فركيك في ضعيف؛ لأنه لم يذكر السند إلى الكتاب، بل صرّح في مطلع كلامه بأنّه وجادة، ثم داخل الكتاب لا سند وإنما إرسال، فلا قيمة لمثل هذه الروايات. وأمّا من الناحية المضمونيّة فإنّ تفسيرها للأحرف السبعة بما عرّفتها به، لا يفيد بطوناً، وإنما تنوّعاً في البيان لا أكثر، كما هو جليّ.

وبهذا ظهر لنا أنّ مصادر الشيعة لم يثبت فيها أيّ رواية سنداً تثبت الأحرف السبعة بمعنى البطون، بل الرواية الصحيحة الوحيدة في هذا المجال -على المشهور- تنفي أصل الأحرف السبعة، ولهذا اشتهر أن الشيعة لا تقول بالأحرف السبعة، حتى عبّر الشيخ الطوسي في التبيان عن رواية الأحرف السبعة هنا بقوله: «وروى المخالفون لنا عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:...»، الأمر الذي يوحي بأنّ رواية الأحرف السبعة لا وجود لها من رأس، فضلاً عن تفسيرها بالبطون، وإنّما أصل وجودها عند أهل السنّة.

ثانياً: وأما على مستوى المصادر السنية، فالحديث مشهور معروف جدًّا في مصادر أهل السنّة فلا حاجة للإطالة بذكر مصادره، تارةً بصيغة تدلّ عل أنّ الأحرف السبعة مرتبطة باللغة والقراءة، وأخرى لا تدلّ على شيء، ولكيلا نطيل نقول: إنّ النقل المشهور إما نزل القرآن على سبعة أحرف، أو مع إضافة «فاقرؤوا ما تيسّر منه»، وفي ثالثة أنّ الرسول كان يستزيد جبريل فيزيده إلى أن بلغ السبعة، وفي بعضها النهي بعد ذلك عن المراء في القرآن، وفي بعضها التذييل بأنّ أيّ قراءة تقرأ يكون القارئ مصيباً فيها أو مجزياً بريء الذمّة؛ وفي بعضها التقييد بألَّا يختم بعذاب فيما يكون رحمة وبالعكس، وفي بعضها أن الأحرف السبعة كلّها شافٍ كافٍ، وفي بعضها بيانها بأنها الزجر والأمر والحلال والحرام والمحكم والمتشابه و..

وقد اختلفوا فيه حدًّا هائلاً زاد -على ما قيل- عن ثلاثين قولاً، حتى قال بعضهم -مثل السيوطي-: إنه من متشابه الحديث الذي لا يُدرى تأويله، وأغلب الآراء مما لا علاقة له بموضوع البطون، ولم نعثر على رواية في مصادر الحديث السنية -غير ما تقدّم-يتمّ فيها تفسير الأحرف السبعة بالبطون، علماً أنّ تفسير كلمة «أحرف» بـ«بطون» وإن كان محتملاً لغةً، لكنّه خلاف الظاهر العرفي ما لم تقم قرينة، ولم نعثر على قرينة واضحة في صيغ هذا الحديث تفيد ذلك، نعم عندما يقول بأنّ لكل حرف حدًّا ومطلعاً يقترب جدًّا من إفادة المعنى، لكنّه لا يطابق بالضرورة البطن بالمعنى السائد، ولا أقلّ من عدم تعيّن التفسير، فإنّ بعض روايات الحروف اتصلت بالمعنى لكنّها فسرته بالزجر والحلال والحرام..، فلا تعيّن من كلمة الأحرف لفكرة البطون بالضرورة؛ وعليه فالصحيح عدم إمكان إثبات البطون بحديث الأحرف السبعة المشهور.

إلى غير ذلك من الروايات المتناثرة ضعيفة السند وغير الواردة في أمّهات مصادر الحديث والتاريخ الإسلامي، مما لا نطيل باستعراضه وتتبّعه، وبعضه ليس برواية وإنما قول صحابي أو تابعي، وقد بحثنا في محلّه وتوصّلنا إلى عدم وجود دليل على حجية قول الصحابي أو التابعي ومذهبهما وسنّتهما.

وكذلك الحال في نصوص عدم حجية ظهورات القرآن، فقد ناقشها الأصوليون المتأخّرون برمّتها وأثبتوا عقمها عن تعطيل الظهور القرآني وعالجناها في موضع آخر، فلتراجع.

ونخلص مما تقدّم في البحث الحديثي إلى النتائج التالية:

1- لم يثبت لنا حتى حديث واحد تام الدلالة والسند يثبت أنّ للقرآن بطوناً أو حتى بطناً واحداً بالمعنى المعروف والمقصود الذي يتعالى عن اللغة العقلائية العرفية.

2- حتى لو تمّ هناك حديث أو حديثان، فلا يحرز أنّ المراد بالبطن، ما زعموه في نظرية بطون القرآن بالمعنى السائد؛ وذلك لوجود المعارض، وهو ما دلّ من الروايات على تفسير البطون بالمصاديق المتتالية عبر الزمن، مثل خبر حمران بن أعين (رقم 2)، ومعتبرة الفضيل بن يسار (رقم 11)، فهذه الروايات تعارض جملة من رواية البطون التي تفيد أصل وجود ظهر وبطن للقرآن؛ لأنّ هاتين الروايتين تفسّران المجمل من كلمتي: ظهر وبطن، في سائر الروايات غير المفسّرة للظاهر والباطن، إلَّا إذا قيل: إنّ البطن يستوعب تمام هذه المعاني معاً.

3- إنّ ضمّ هذه الروايات جميعها إلى بعضها بعضاً لا يفيد هنا في إثبات البطون التي تتعالى عن اللغة العرفية؛ وذلك:

أ- إنّ جملة منها لا تدلّ حتى على فكرة البطون، مثل حديث الأحرف السبعة، وهذا ما يقلّص عدد الروايات.

ب- إنّ جملةً منها فسّرت البطون بالمصاديق، وجملة منها تفيد أصل البطن، وهذان النوعان يجب إخراجهما أيضاً؛ لعدم كفايتهما لوحدهما بعد ضمّهما: ولا أقل من النوع الأوّل، نعم النوع الثاني يثبت أصل فكرة البطن في الجملة.

ج- إن حجم الضعف السندي الموجود في جملة من هذه الروايات يقلّص جدًّا من فرص تحصيل الوثوق، فبعضها في غاية الإرسال، وبعضها فيه من اتهم بالكذب كالسيّاري وغيره، ولا أرى أنها منتشرة في مصادر الحديث الإسلامي، إذا استثنينا حديث الأحرف السبعة غير الدالّ كما قلنا.

د- إنّ وجود تيارات باطنية معروفة في التراث الإسلامي، وتيارات غلوّ في المناخ الشيعي، ووجود بعض الأسماء في الأسانيد المتقدّمة محسوبة على هذه التيارات أو متهمة بالغلو، مثل محمد بن سنان، وجابر بن يزيد الجعفي، وسهل بن زياد، والمنخل بن جميل، ومحمد بن الفضيل، و.. يضعّف أيضاً من حجم الوثوق بصدور هذه الروايات التي لم نرَ فيها أسماء كبار أصحاب الأئمة بشكل فاعل مثل محمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وبريد العجلي، ويونس بن عبد الرحمن، وأبان بن تغلب، وأبي بصير، والفضل بن شاذان وغيرهم.

إنّ هذه العناصر الأربعة تحول -بالنسبة إلينا- دون تحصيل الوثوق بصدور هذا المضمون -البطن الذي يتعالى عن اللغة العرفية والعقلائية- عن النبي وأهل بيته؛ لأن جملتها تجعل العدد قليلاً، والسند ركيكاً، يُتحفظ عليه.

فالصحيح أنه لم يثبت وجود حديث شريف موثوق به يفيد وجود بطن أو بطون للقرآن الكريم بغير معنى المصاديق الجديدة المشمولة للآيات، فضلاً عن ادّعاء التواتر كما فعله بعضهم.

والقدر المتيقن من الأحاديث على تقدير الصدور الإجمالي هو مبدأ وجود بطن، وهو النتيجة التي يمكن الخروج بها ممَّا حلّلناه من معطيات المرحلة الأولى من هذا البحث، لهذا لابدّ من دراسة هذا القدر المتيقن لمعرفة، هل يفيد نظرية البطون المشهورة المستند إليها في الفلسفة والتصوّف والعرفان والتيارات الغنوصية والغالية و... أم لا؟ هذا ما سنبحثه في المرحلة الثانية إن شاء الله تعالى.

المرحلة الثانية: تفسير نظرية البطن القرآني

إذا سلّمنا بأنّ للقرآن بطوناً انطلاقاً من وجود الحديث الشريف في هذا المجال أو انطلاقاً من أيّ دليل متقدّم، عدا اشتمال القرآن على تمام العلوم والمعارف، فهل تعني هذه النظرية ما يُطرح في بعض الأوساط من البطن الذي لا يخضع للظهر ولو من خلال مروره عبره؟ وهل يعني ذلك أنّ ميزان اكتشاف البطن ليس ميزاناً عرفيًّا أيضاً؟ وهل حقًّا لا تعرف اللغة العرفية العامّة شيئاً عن الظهر والبطن؟ وما معنى الظاهر والباطن وفقاً لما تقدّم؟ وهل الظاهر والباطن بعدان معرفيان إيبستميان أم أنّهما بعدان وجوديان أنطولوجيان؟ لنرى في هذا الخضمّ أين تقع نظرية السيد فضل الله وسط هذا السياق كلّه.

للجواب عن هذه الأسئلة نطرح عدة احتمالات وآراء وفرضيات؛ لندرسها ونحاكمها، أهمّها:

1- فرضية المعنى المقصود المقارن للكلام، مقولة الباطن المنفصل

الفرضية الأوّلى التي قد تطرح هنا في معنى الباطن القرآني هي ما ذكره المحقّق محمد كاظم الخراساني (1328هـ)، من احتمال أن يكون المراد بالبطون مجموعة من المعاني أرادها المولى سبحانه حال الكلام دون أن يقصدها من اللفظ، كأن يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ، لكنه حال قوله هذا الذي يريد به وجوب إقامة الصلاة بالمعنى العرفي السائد، ينقدح في ذهنه -بعيداً عن دلالة الألفاظ أو استعمالها في ذلك- معاني ومفاهيم أخرى مثل وجوب الصوم، فهنا لم يستعمل الآية في وجوب الصوم ولم يقصد وجوبَ الصوم من قوله: أقم الصلاة، وإنما خطر في ذهنه إرادة الصوم حال تلفّظه بالنصّ المذكور، فيكون هذا المعنى -أي وجوب الصوم- هو باطن هذه الآية، فيما ظاهرها وجوب الصلاة، فيكون أشبه بتداعي المعاني.

وحيث إنّ الله تعالى يمكن أن يريد آلاف المعاني لحظة استعماله الجملة المذكورة، فتكون هذه المعاني كلّها بطون، ما يفسح المجال لتعدّد البطون إلى اللامتناهي، تبعاً لعدم تناهي علمه سبحانه وذاته و...

وهذا التفسير للبطون وإن كان ممكناً على المستوى الواقعي، غير أنه لا دليل على حصوله في الخارج، والنصوص والأدلّة العقلانية والعقلية المتقدّمة لا تفرضه ولا تعيّنه، يضاف إلى ذلك ما سجّله غير واحد من الأصوليين من أنه بهذه الطريقة لا يصحّ نسبة البطن إلى القرآن، إلَّا على تجوّز يطغى عليه التكلّف الشديد جدًّا؛ فإنّ هذا الباطن -بحسب تفسير الخراساني- لا علاقة عضوية له مع الظاهر، والكلام بناءً عليه ليس فيه باطن وظاهر؛ لأنه لم يستعمل سوى في معنى واحد حسب هذه النظرية، فكيف وصف بأنه باطن الكلام القرآني؟!

يضاف إلى ذلك ما ذكره الميرزا الإيرواني، وتبعه السيد الخوئي، من أنّ ظاهر الروايات الواردة في المقام أنّها بصدد إثبات فضيلة القرآن الكريم وعظمته باشتماله على الظاهر والباطن، فكيف ينسجم هذا التعظيم مع كون القرآن له معنى واحد لا يختلف عن سائر الكلام الملفوظ والمكتوب، غايته أنه حصل في ذهن المتكلّم إرادة معاني ومفاهيم أخرى حال الكلام، فإنّ هذا الأمر يمكن أن يتحقق في أيّ كلام، وما هي ميزة الكلام حينئذٍ لو جامع صدوره انقداح أو خطور هذه المعاني في ذهن المتكلّم؟.

وكلام السيد الخوئي هنا صحيح في أغلب روايات الباب، نعم بعضها -كما يلاحظ- لم تأتِ في سياق بيان عظمة القرآن، وإنما في سياق آخر، فلا تكون مشمولةً لهذا الإشكال.

وأما ما ذكره الفيروزآبادي من أنه لو كان الأمر كما قاله صاحب الكفاية، لما كان هناك معنى لأن تراد هذه المفاهيم حال التلفّظ بالقرآن، بل لأريدت لوحدها... غير دقيق؛ فإنه يمكن إرادتها لوحدها، لكنّ صاحب الكفاية يريد أن يقدّم خصوصية في إرادتها حال الاستعمال القرآني، وهي خصوصية الربط بين الاستعمال والمعنى المنقدح في الذهن، فصحيح أنه لم يسلم له ذلك كما أشرنا في الإشكال، لكنّ هذا لا يعني تساوي الحالين وفقاً لنظريّته.

وعليه، فهذا التفسير للبطون مجرد افتراض لا قيمة له، بل هو خلاف ظاهر بعض الروايات الواردة في الموضوع.

2- فرضية تعدّد المصداق، نظرية البطون التأويليّة

الفرضية الثانية هنا هي ما ذكره بعض العلماء من أنّه يمكن أن يكون المراد من البطون هو المصاديق المتعدّدة للفظ الواحد، بحيث يكون وضوح انتساب بعض المصاديق إلى اللفظ أشدّ من سائرها فيصحّ لأجل ذلك إطلاق الظاهر والباطن عليه، تبعاً لدرجة الظهور والخفاء في الالتحاق بالعنوان الكلي الموجود في اللفظ، من هنا قد لا يفهم البطون كلّها إلَّا الأنبياء والأوصياء؛ لأنّ عقولهم تستطيع الانتباه إلى المصاديق الخفية، وإلَّا فالمعنى واحد من اللفظ.

وهذا التفسير الذي تلوح بذوره مما نسب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود وغيره، تدعمه -كما قلنا سابقاً- مثل رواية حمران بن أعين ومعتبرة الفضيل بن يسار، حيث دلّتا على ذلك، ويصحّ وفق هذا التفسير اعتبار المصداق باطناً؛ لأنّ تطبيق الآية على هذا المورد أو ذاك يظلّ -أحياناً- غير واضح ويسير، تماماً كما هي المهمّات التي يقوم بها المفسرون والفقهاء أحياناً، فيصح إطلاق الظاهر والباطن بملاحظة انطباق الآيات على الموارد والحالات المتجدّدة الحادثة والمصاديق المتنوّعة الطارئة، وهذا هو أحد معاني (التأويل) المطروحة في الاستخدام القرآني لهذه الكلمة.

فهذا التفسير محتمل جدًّا وقريب، وتبعاً لذلك لا يمانع هذا التفسير للبطون عن مرجعية الفهم العرفي العقلائي؛ لأنه لا يبتكر مرجعيةً بديلة لفهم النصّ القرآني، وإنما يعتبر فهم النص مرحلة مسبقة على مرحلة اكتشاف البطون، لها مرجعيّتها المستقلّة؛ لأنّ اكتشاف انطباق الكلّي والعام على المصداق والخاص، ليس من شؤون تفسير النص بل من شؤون تطبيقه.

3- فرضية الدلالات الالتزامية، الانفتاح على المفهوم النسبي للبطون

الفرضية الثالثة من فرضيات تفسير البطون القرآنية، هي ما ذكره العديد من العلماء من أنّ المراد بالظاهر هو المدلول المطابقي للكلام، فيما يراد من الباطن اللوازم التي يكون بعضها عادةً أخفى من بعض، فكلّما زادت درجة الخفاء في اللازم اتسم بأنّه من الباطن، ثم باطن الباطن وهكذا.

وطبقاً لهذه النظرية لا يخرج النصّ القرآني عن قواعد الفهم العرفي والعقلائي؛ لأنّ العرف لا يمانعون من الدلالة الالتزامية، إذ هذه الدلالة تأتي تبعاً للدلالة المطابقية الحاكية عنها، فالترابط العضوي بين الدلالات الالتزامية نفسها وبينها وبين المطابقية لا يسمح للبطون بأن تشكّل مأزقاً لنهج الفهم العقلائي للنصوص.

نعم، يمكن أن يقال: إنَّ لا تناهي الدلالات الالتزامية أمرٌ غير عرفي، الأمر الذي يعني أنّ المتكلم لم يستخدم لغة عرفية؛ لعدم توفر لغة من هذا النوع قادرة على استبطان اللامتناهي -تقريباً- من الدلالات الالتزامية.

وهذا كلام صحيح تام، إلَّا أن يقال: إن عدم وجود هذه الظاهرة في حياة العقلاء ليس لأنّ اللغة تمنع ذلك؛ بل لعدم وجود عقل إنساني يحتوي فكرةً بدلالات التزامية لا نهاية لها، حتى يطلقها في نصّ واحد.

والخلاصة: إنّ تفسير البطون باللوازم المقصودة، ممكن لا مانع منه -لغةً وعقلاً- بجامع الخفاء، فنفي السيد البروجردي لهذا التفسير مع عدم إيضاحه مبرّر النفي، لم نفهم سببه، وكذا دعوى الفيروزآبادي أنه خلاف الظاهر من الروايات.

4- فرضيّة المعنى بالتناسب مع مستوى العقل الإنساني

ذكر السيد حسين البروجردي أنّ المراد من البطون القرآنية أنّ لمعاني الألفاظ القرآنية مراتبَ تُفهم حسب مستوى الإدراك العقلي للإنسان؛ فكلّما ارتفع مستوى الإدراك العقلي استطاع العقل الإنساني أن يرى مرتبةً من مراتب المعنى أرقى وأرفع، ويمثل البروجردي لما يقول بأنّ كلمة الشمس لا يفهم منها العقل العامي إلَّا هذا الجرم السماوي المرئي، أما العقول العالية فإنها تحاول التصرّف في المعنى فتأخذ الصورة مع الالتفات إلى إلغاء المادّة لتعبّر الشمسُ عن حيثية النورية والإضاءة، وهذا ما يتفاوت بحسب تفاوت العقول.

وقد حاول السيد محسن الحكيم وتبعه بعض العلماء تقديم تفسير للبطون يقترب جدًّا من هذه الفرضية ولعل المراد منهما واحد، حيث ذهب إلى احتمال أن يكون المراد أنّ القرآن في العناوين والمقولات التي يطرحها إنما يريد الجامع الكلي، وما ينصرف إلى ذهننا ليس سوى أحد الأفراد البارزة للمعاني وفقاً لمستوياتنا التفسيرية. ومثال ذلك كلمة: الميزان، فإن المراد منها مطلق العنوان الجامع، أي كلّ ما يوزن به مهما كان الوزن والموزون وآلة الوزن، لكن لأنّ الميزان في حياتنا البشرية منصرفٌ إلى الميزان الذي يكون مع الكيل، فسّرنا الآية بذلك، والحال أنّ المعنى المراد هو العام الجامع، ولهذا أمكن تفسير الميزان بالعقل أو بالإمام أو بالدّين أو بما شابه ذلك، فيكون التفسير الآخر هو المعنى الباطن، وهذا أمرٌ لا ينافي الاستعمال الطبيعي للكلام.

ووفقاً لهذا الكلام نقترب كثيراً من فرضية البروجردي والفرضية الثانية، وفي اعتقادي إنّ هذه النظريات الثلاث ترجع إلى روح واحدة أو يمكن صهرها في نظرية واحدة لا غير.

لكن تبقى إشكاليّة واحدة هنا، وهي أنّ خلع الصور الزمنية أو المصداقية للآيات الكريمة أمرٌ لا يتوفر في تمام الحالات بالطريقة التي قدّمها البروجردي والحكيم؛ لأنّ تجريد الشمس من خصوصية الجرمية واعتبار أنّها تستوعب مطلق الإضاءة أمرٌ لا يقبله العرف في كلّ الآيات، حيث قد يجد خصوصيات للصورة المادية أحياناً.

من هنا نرى أنّ هذا التفسير جيّد في الجملة، بمعنى أنه محتمل، ويمكن تطويره بقيامه -بحسب المثال الذي ذكره- على ما نسمّيه بنظرية تجريد النصوص، أي خلع السياقات الحرفية والزمكانية لها، بما يسمح به السياق اللفظي والفهم العرفي، فمثلاً نستفيد من قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ توسعة مفهوم الطعام، فبدل أن يقتصر على الطعام المادي، يتم خلع الصورة المادية عنه، ليشمل الطعام المعنوي، مثل العلم، ولهذا ورد في بعض الروايات في تفسير هذه الآية أنّ المراد منها العلم، ومن هذا القبيل ما يؤخذ على نحو المثالية في النصوص، مثل ما ورد في القرآن حول نساء النبي، إذ بالتجريد نعمّم المفهوم لمطلق من له حيثية خاصّة في المجتمع، ليكون الفعل الحسن منه حاملاً لثوابين وحسنتين، فيما الفعل السيئ حاملاً لسيئتين، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً؛ وكذلك استلهام العبر من الأمثال والقصص القرآني وتوسيع مفهومها وتطوير مقولها.. ذلك كلّه يتبع تطوّر الوعي الإنساني، فهذه النظرية -من حيث المبدأ- ممكنة، وربما أمكننا ضمّها إلى جانب نظرية المصاديق والتطبيقات التي أثارها المحقّق العراقي لتكون من أفضل النظريات في تفسير البطن القرآني بما يتناسب ومنهج الفهم العرفي؛ لأنّ هذا التجريد يفترض أن يخضع لطرائق العقلاء في العبور من اللفظ إلى المعنى، ومن المعنى إلى المغزى الذي هو الرسالة الكامنة خلف النص، وبهذا القدر يمكن فهم المداليل الالتزامية أيضاً إذا لم تخرج عن الحدّ المعقول الإنساني، فهذه الفرضية تنسجم أيضاً مع بناء النص القرآني على اللغة العرفية.

5- فرضية تعدّد البطون بتعدّد النزول

الفرضية الخامسة التي تثار هنا هي ما ذكره بعض العلماء، من أنّ المراد بالبطون أنّ القرآن الكريم نزل نزولات متعدّدة بعدد بطون القرآن إلى جانب النزول المتصل بالظاهر القرآني، فلو كان لكلّ آية سبعون بطناً فهذا معناه أنّ القرآن نزل واحداً وسبعين مرّة، ولو كان له بطن واحد، لنزل مرتين، وهكذا وربما يكون لبعض الآيات عدد أكبر من النزول مقارنةً بآيات أخرى؛ فعندما يقال هذا تفسير بالباطن أي بالنزول الثاني للقرآن، وقد ورد في بعض الآيات والسور أنها نزلت أكثر من مرة، مثل ما قيل عن سورة الحمد.

لكنّ هذا التفسير يعاني من مشاكل -فضلاً عن عدم وجود دليل عليه-، وذلك:

أولاً: إذا أريد أنّ القرآن نزل على مرأى المسلمين مرات عديدة، وأخذنا برواية الباطن أو السبعة والسبعين، فهذا معناه أنّ كل آية نزلت سبعين مرة أو سبع مرات أو مرتين، وهذا لو وقع لتداولته كتب التاريخ والقرآنيات، ولكان لنزوله المكرّر صدى ليكوّن ظاهرةً في النزول القرآني، فيما لا عين ولا أثر لذلك كلّه، سوى في بعض الحالات المحدودة جدًّا والتي يدلّ نقلها بخصوصها على كونها استثناءً وليست قاعدة، وذلك مثل سورة الحمد لو تمت الرواية في نزولها مكيةً ومدنية، وعليه فالتاريخ ينفي هذا الافتراض، إلَّا إذا جعلت القراءات السبع دليلاً، لكنّ إثبات النزول سبع مرات، أو صدور الآيات من النبيّ سبع مرات على سبع قراءات غير صحيح، وتفصيله في محلّه.

ثانياً: لو قُصد بكلّ نزول معنى ظاهر، لكانت كل المعاني ظاهرة، فلماذا عبّر بالظاهر والباطن في الأحاديث؟ إلَّا أن يقال: إنه نزل وقصد باطنه في المرّة الثانية وإن توهموا أنّ المراد ظاهره الأوّل، وهذا أيضاً تحكّم وتكلّف ظاهر، فضلاً عن أنّه لا يبيّن لنا طبيعة العلاقة بين النص والمعنى الباطن المقصود في النزول الثاني.

ثالثاً: إذا قصد أنه نزل مرة واحدة على الملأ، وفي بقية المرات نزل على النبي لوحده، دون أن ينقله النبي مرّةً ثانية للناس؛ فلا أدري ما الفائدة من ذلك؟! فلينطق به الله تعالى في عرشه ألف مرّة، ثم لينزله مرّةً واحدة، وينبئ النبي أنّ هذا النص أردت منه كذا وكذا بلا حاجة لتعدّد النزول؛ وعليه فهذه الفرضية في غاية الضعف.

6- فرضيّة دلالات ذوات الحروف والكلمات في البطون القرآنية

خامس الفرضيات هنا هو ما احتمله السيد البروجردي أيضاً، من أنّ المراد ما «يستفاد من الحروف المقطّعات وغيرها من المركبات، لكن لا من حيث تركيبها، بل ذواتها، والعلم بها مخزون عند أهل البيتعليه السلام».

وهذه الفرضية فيها غموض، فإذا أريد الأحرف المقطّعة الموجودة في مطلع بعض السور القرآنية، فهذا يعني أنّ البطون خاصّة ببعض الآيات لا تبلغ الواحد في المائة من القرآن الكريم، مع أنّ ظاهر بعض النصوص السابقة أنّ لكل آية ظهر وبطن، بل بعضها طبّق الظهر والبطن على بعض الآيات غير الأحرف المقطّعة، مثل رواية أئمة الهدى والجور.

وأما إذا أريد أنّ كلّ آية في القرآن الكريم تنتج من حيث الأحرف المتكوّنة بذاتها -لا من حيث التركيب المفيد للمعاني- البطنَ القرآني، فهذا أشبه شيء بحساب الجمل وأمثال ذلك بحيث تجعل للحروف والكلمات بذواتها أسرار وحقائق، فهذا وإن كان محتملاً غير مستحيل ويتعالى عن نهج اللغة العرفية والعقلائية العامّة في فهم الكلام؛ إلَّا أنّه احتمال صرف لا دليل عليه، ولم تفصح عنه الشواهد العقلانية والنقلية التي قدّمت في هذا المضمار، واستعرضناها فيما تقدّم.

7- فرضية العلامية والإشارية في الدلالات الباطنية

ذكر بعض العلماء والباحثين هنا احتمالاً في تفسير البطن القرآني، وهو أن يكون المراد أن اللفظ مستعمل في معناه بطريقة طبيعية كسائر الاستخدامات العقلائية للغات؛ لكن في الوقت الذي يستعمل فيه في معنى معيّن لا تعدّد فيه ولا بطنية ولا ظهرية له، إلَّا أنه يكون اللفظ كلّه بنفسه علامة ورمزاً وإشارة لشيء آخر، والعلامية والإشاريّة غير الاستعمال، فمن الممكن أن يجعل شيء واحد علامة على أشياء لكنه لا يستعمل فيها استعمالاً دلاليًّا، وذلك مثل أن يضع الإنسان على قميصه خطاباً لزعيم سياسي ممّا يكون إشارةً دالّة على انتمائه السياسي، لا أنّ هذا المقطع من الخطاب مستعمل في انتماء هذا الفرد السياسي.

ولإعطاء مثال آخر، يمكن ذكر حالة أن يستخير الإنسان الله تعالى في القرآن الكريم، فتخرج له آية معينة، فإنّ هذه الآية لا تكون دالّة على وضع المستخير، لكنّها بظهورها عند فتح القرآن تكون بمثابة العلامة المؤشّرة.

هذه الفرضية تنسجم مع اتجاهين فكريّين هما:

1- الاتجاه الصوفي أو الاتجاه الباطني الغنوصي عموماً، حيث يميل العديد من هؤلاء إلى استشعار معنى في الذهن حال قراءة الآيات، وينسب هذا المعنى للباطن القرآني دون أن يقصد أنه يدلّ عليه، كأن يقرأ قصّة موسى وفرعون ويستشعر أو يتمثل فرعون على أنه القلب الطاغي، ويبدأ يتصوّر أحداث القصّة كلّها انطلاقاً من هذا الافتراض...

في هذه الحال سيخرج العارف بقصّة جديدة لكن ليس من الضروري أنّ الألفاظ تدلّ عليها، إنما مبرّر تأليف تفسير باطني للقرآن حينئذٍ هو أنّ العارف ينقل تفاعلاته الباطنية في نسجه قصّةً روحية حال تفاعله مع النص، وإذا حلّلنا هذه الظاهرة الهامة سنجد -تقريباً-أنها تقوم على نظرية موت المؤلّف التي عرفت في الدراسات الأخيرة، إنّ العارف هنا أو الصوفي لا يبحث عن المراد الجدّي الذي قصده المؤلّف، إنما يعتبر النص بمثابة مثير لحالته الروحية ومعين لتكوينها، فيقوم بالربط بين النصّ والصورة، لا لأنّ النص يحكي عن الصورة، بل لأنّ النص يسبّب تكوّنها، فهنا يحصل تداعي فالنص يحرك الصورة لتتكوّن وتتداعى أجزاؤها إلى ذهن القارئ، ولا يقوم بالحكاية عنها، وهذا تماماً ما تقوله نظرية موت المؤلف، أو نظرية الأنا والمتن، طرفان يشكلان البداية والنهاية، فلا يكون المتن وسيلة لشيء أو جسراً، وإنما كينونة قائمة بنفسها.

ومن الممكن جدًّا أن تكون كلّ أو أكثر التفاسير الباطنيّة والصوفية قائمة على هذا، وإن أوحت كلماتهم أنهم يريدون نسبة المعنى للقرآن أو للنصّ الديني.

2- الاتجاه الرمزي الحديث، ويقوده اليوم في العالم الإسلامي مجموعة من المفكّرين من أمثال الدكتور محمد أركون، فهذا الاتجاه يطلّ أيضاً على هذا المعنى الجديد، حيث إنه ينظر للقرآن ونصوصه على أنه إشارات أو محفّزات أو علامات لكي يذهب القارئ خلفها، لا تريد الآيات الحكاية فقط، بل تريد التحريك أو الإشارة لكي نذهب نحن خلف النص ونحلّق لوحدنا أو نوظف لوحدنا أن نفتش لوحدنا عن فكرة ما، فهو فقط يضيء ونحن نذهب ونرى، هو لا يقول لنا، هو فقط يرمي بإشارات ضوئية ونحن ننظر ونكتشف.

وعلى أية حال، فهذه الفرضية في تفسير البطون أيضاً محتملة؛ وتفيد أنّ في القرآن بُنيةً لغوية عقلائية عرفية، وفي الوقت عينه نظام إشاري رمزي، ويبقى فقط إثبات هذه الفرضية، وإثبات أنّ المراد بالبطون هو ذلك بعينه، حيث لم تقدّم أيّ معطيات على هذا الأمر، والأدلّة السابقة -العقلانية والنقلية- لا تفصح بوضوح وتعيُّن عن هذا المعنى.

8- البطون القرآني وثنائية الإخبار والاتعاظ، دائرة القصص القرآني

الفرضية الثامنة هنا هي ما قد يلوح من الشيخ أبي جعفر الطوسي (460هـ) تبنّيه، حيث ينسبه إلى الأخبار الواردة عن الصادقَين B، كما ينسبه إلى أبي عبيدة، والنسبة الأخيرة موجودة في كلمات الزركشي أيضاً، وحصيلة هذه الفرضيّة أنّ الظاهر هو القصص الواردة في أخبار هلاك الأولين والأمم السابقة، فالجانب الإخباري هو الظاهر من الآيات، فيما الجانب الوعظي، أي العظة التي تكون للآخرين عندما يرون حال المتقدّمين، هو الباطن القرآني.

وهذه الفرضية لا تنافي إطلاقاً نظام اللغة العرفية العقلائية؛ لأنّ تحصيل العظة ووجود رسالة من وراء الإخبار بحال الأمم السابقة، ليس بالأمر المتعالي عن بناء الدلالة العرفية؛ فالعرف يستخدمون القصّة للوعظ، بل القرآن شاهد بنفسه على أنه فعل ذلك، بلا حاجة إلى مجيء الروايات أو أقوال العلماء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ؛ وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وقال سبحانه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ و... وهذا كلّه يعني أنّ نظرية البطون -وفقاً لهذه الفرضية- لا تختزن شيئاً جديداً في النظام الدلالي، وهذه الفرضية محتملة؛ لأنّ العبرة والرسالة ليست ظاهرةً حال قيام القاصّ بقصّ قصّته؛ وإنما هي أمرٌ فيه خفاء نسبي كما هو واضح.

وتظلّ هذه الفرضية رغم منطقية احتمالها تعاني من مشكلة أنّ بعض الروايات دلّ على أنّ لكلّ آية في القرآن ظاهر وباطن، فيما هذه الفرضية كأنها تحصرنا بدائرة القصص القرآني ولا تقدر على تفسير الشمولية في البطن القرآني، الأمر الذي يضعها في قدرٍ من الاستبعاد أو المحدوديّة.

9- البطون وثنائية اللفظ والمعنى

الفرضية التاسعة هنا هي ما ذكره الشيخ الطوسي وغيره ناسباً اختياره إلى البلخي، وأنّ الطبري ذكره، وهو أن يكون الظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى.

لكنّ هذه الفرضية بعيدة في حدّ نفسها؛ لأنّ كون القرآن له ظاهر وباطن بهذا المعنى ليس شيئاً يميّزه عن سائر الكلام، فإنّ أيّ كلام يتكلّم به العاقل سيكون كذلك عادةً، مع أنّ هذه الروايات والمقولات ظاهرة -لا أقلّ بعضها- في أنها تريد أن تمنح القرآن ميزةً وتشير فيه إلى عظمة، ثم لا أدري هل تريد هذه الروايات والمقولات أن تقول لنا: إنّ القرآن ألفاظ لها معانٍ؟! وهل هذا أمرٌ يستحقّ الذكر؟! وهل القرآن ألفاظ لا معاني لها الأمر الذي قد يخدش في عقلائية المولى سبحانه وتعالى؟! إن سياق النصوص والشواهد العقلانية السابقة لا يوحي بأنه يريد تركيز هذه الفكرة الصحيحة الواضحة، وإنما يضيف أمراً آخر فيما يبدو.

10- فرضيّة الإجمال في تفسير البطون القرآنية

ذهب السيد أبو الحسن الإصفهاني إلى وجود التشابه والإجمال في تفسير معنى الظاهر والباطن الوارد في النصوص، ولعلّ الذي دفعه إلى ذلك أنه رأى الاحتمالات متساوية وأنّه من الصعب حسم الموقف لصالح واحدٍ من هذه الاحتمالات، الأمر الذي يجعل الباحث يقف أمام إجمال، ولهذا يكون الحديث في هذه الحال من الأخبار المجملة المتشابهة.

وتعليقاً على هذا الكلام يمكن القول بأنّ الجهل بتحديد المعنى الحقيقي الدقيق للفكرة الواردة في هذه النصوص، ربما لا يضرّ ضرراً نهائيًّا بها، بحيث يعطّل إمكانية الاستفادة منها؛ لأنها تظلّ تجتمع تحت سقف واحد، وهو أن المدلولات السطحية المنسبقة إلى الذهن العرفي بمجرّد سماع الآية وإن كانت صحيحة، إلَّا أنّ هذا لا يعني عدم إمكانية ممارسة تأمل -قد يخضع أيضاً لضوابط الفهم العقلائي للكلام- بهدف الكشف عن مساحات جديدة في المعنى كانت خافيةً، وكأنّ الروايات تريد أن تفتح في النص القرآني فسحة المقاربات والمقارنات والجمع والضمّ والتأمل لاكتشاف دلالات جديدة، فهذا هو الباطن، أي الجانب المخفي، وهذا معنى الأبعاد المتعدّدة في القرآن الكريم على حدّ تعبير الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيد محمد حسين فضل الله. وسيأتي ما يزيد القضية وضوحاً إن شاء الله تعالى.

11- البطون وفرضية استعمال اللفظ في أكثر من معنى

الفرضية الحادية عشرة هنا هي أن يكون المراد أنّ القرآن استُعملت ألفاظه في أكثر من معنى دفعة واحدة، بحيث كانت بعض المعاني أقرب إلى العقل العام من بعضها الآخر، فكلمة (طعام) استعملت في الأكل المادي، واستعملت في الوقت عينه في العلم، لكنّ أحد المعاني المستعمل فيها اللفظ كان أقرب إلى ذهن العرف من غيره فتصوّره ولم يلتفت إلى الآخر فسمّي الأول ظاهراً، وسمّي الثاني باطناً.

هذه الفرضية محتملة أيضاً، إلَّا على تقدير القول بثبوت النظرية القائلة باستحالة استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، كما ذهب إلى ذلك جمع من علماء أصول الفقه؛ فإنّه مع هذه النظرية تصبح نظرية البطون نظرية مستحيلة، أما إذا قلنا بإمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى، غايته أنه خلاف الظاهر من الكلام أو قليل التحقّق، فإنّ روايات البطون كأنها تريد أن تعلن أنّ القرآن جاء على نظام غير متداول كثيراً في اللغة العقلائية، الأمر الذي يفرض تلقائيًّا أن يكون النظام اللغوي القرآني عرفيًّا وما فوق عرفي معاً.

وقد علّق السيد فضل الله على نظرية استعمال اللفظ في أكثر من معنى وارتباطها ببطون القرآن بالقول: «إنّ تعدّد المعنى في الاستعمال الواحد ليس مألوفاً في الطريقة العامّة للكلام؛ لأنّه لا ينسجم مع أسلوب التفاهم، حتى في الكلمات المشتركة بين أكثر من معنى؛ لأنّ الوضع للمعاني المتعدّدة لا يفرض استعمالها، بل يعني حاجة كلّ واحد منها في إرادته من اللفظ إلى قرينة حالية أو مقالية، وإذا كان الناس يتحدّثون عن «المجمل»، فإنّه يوحي بالإجمال في معرفة المعنى المراد من اللفظ مع احتماله بين أكثر من معنى، ولذلك فإنّ المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة من حيث الذات، بل هي مسألة المنهل الفني في استعمال الكلام في التفهيم لدى العرب، فلو أريد هذا اللون من التعدّد من الكلام لكان بعيداً عن النهج المألوف لديهم من خلال إخلاله بالوضوح، وابتعاده -بذلك- عن مستوى البلاغة الذي يتنافى مع الإعجاز الفني الذي يرتفع به القرآن إلى أعلى قمّة في الفنّ البلاغي».

12- فرضيّة إرادة الإشارة لدقة المعاني القرآنية

الفرضية الثانية عشرة هنا هي ما نقله الميرزا الإيرواني مشافهةً عن مجلس درس الآخوند الخراساني، من أنّ هذه الروايات لا تعني أنّ للقرآن معاني متعدّدة، بعضها ظاهر وبعضها باطن، وإنما هي تعبير بلاغي أريد به أنّ معاني القرآن دقيقة لا يفهمها الإنسان السطحي بل تحتاج إلى متخصّص وناظر ومتأمل أو إلى أشخاص معيّنين يدركون هذه المعاني، فبدل أن يقول: إنّ معاني القرآن دقيقة ولا ينالها الفهم العادي، عبّر بالبطون، مشبّهاً عدم رؤية الذهن العادي لها بالحجاب أو البطن؛ لأنّ البطن تحجب عن رؤية الأمعاء والمعدة وما فيها.

وهذه الفرضية معقولة، وربما يدعمها رقم سبعة وسبعين الدالّين على المبالغة، فيكون المراد الدعوة إلى عدم الاستخفاف بالمقاصد القرآنية والتأمّل في النص، أو الدعوة إلى حصر فهم القرآن بأشخاص معيّنين مثل أهل البيت(عليهم السلام).

وهذه النظرية إن أريد بها عدم إمكان فهم أحد للقرآن غير أشخاص بأعيانهم، فهي تضرّ بنظرية عرفية البيان القرآني؛ لأنّ البيان العرفي يستدعي قابلية الفهم ولو في الجملة، لا الحيلولة دون الفهم، وقد نوقشت هذه الدعوى عند علماء أصول الفقه كما ذكرنا سابقاً، أما إذا كان المراد منها أنّ القرآن بحاجة لتأمل وتدبّر لاكتشاف المزيد من الدلالات فيه، فهذا ما يمكنه أن ينسجم مع نظرية عرفية اللغة القرآنية، كما صار واضحاً.

13- البطون وثنائي المحكم والمتشابه، نظرية الشريف الرضي

من المقولات التي نذكرها هنا لتفسير البطون القرآنية هو ما طرحه الشريف الرضي (406هـ)، حيث فسّر رواية الظهر والبطن بالآيات المحكمة والمتشابهة، إذ هذا التعبير عنده مجاز؛ لأنّ المراد به أنّ الآيات المتشابهة بطن لا ظهر له؛ لأنّ ظاهرها لا يحكي لنا عنها، فيما الآيات المحكمة هي الآيات الظاهرة التي لا ظهر ولا بطن لها فليس فيها ثنائي الظهر والبطن، والمتشابه هو الذي يتسابق فيه العلماء، فالظاهر هو المحكم والباطن هو المتشابه.

وهذه الفرضية غير واضحة؛ لأنّ هذا معناه أنّ بعض القرآن ظاهر وبعضه باطن، فيما العديد من الروايات جعلت في الآية الواحدة ظاهراً وباطناً، بما فيها تلك الرواية التي عرضها الرضي نفسه وأراد من خلالها الحديث عن الظاهر والباطن، وقد ورد فيها تعبير: «لكل آية ظهر وبطن»، فكيف ينسجم تفسيره مع دلالة الروايات نفسها؟! هذا فضلاً عن عدم تقديم شواهد لهذا الفهم.

إنّ للمتشابه ظهر وليس هو بالذي لا ظهر له، وقد حقّق في علم الأصول عند بعض المتأخرين أنّ المتشابه لا يساوي المجمل الذي لا يحكي عن شيء، وإنّما يحكي لكن بشكل من الحكاية يمكن معه التحايل وابتغاء الفتنة من دلالاته ومعانيه.

14- نظرية البطون الوجودية، القراءة العرفانية

يعتقد العرفاء والمتصوّفة بفكرة الظاهر والباطن، لكن لا على الطريقة السائدة، بل على أساس أن باطن كل شيء هو حقيقته، فالباطن ليس باطناً دلاليًّا حتى أعبر إليه عبر الألفاظ، وإنما هو باطن وجودي لا أبلغه إلَّا عبر الغوص في رتب الوجود للوصول إلى تلك الرتبة التي يستقرّ فيها الباطن القرآني؛ لأنّ القرآن حقيقة مجرّدة متعالية ترجع إلى الذات الإلهية، وتنزُّلها وتجلّيها في عوالم الوجود يأخذ أشكالاً تتناسب مع تلك الرتب الوجودية، إلى أن يبلغ هذا الكتاب عالمَنا المادي فيظهر على شكل ألفاظ ومصحف وكلمات، فالظاهر شكل من أشكال الباطن ومظهر من مظاهره، فلا معنى لترك الظاهر لصالح الباطن ولا لترك الباطن لصالح الظاهر، لأنّهما وجهان لعملة واحدة، لهذا لم يعتقد كثير من العرفاء بأن الوصول إلى الباطن يكون بالغوص في دلالات الألفاظ، لأنّهم شادوا معادلة بالغة التعقيد تقول: ليست الألفاظ سبيلاً لفهم مراد المتكلّم، بل العكس هو الصحيح؛ فإنّ فهم مراد المتكلّم هو السبيل لفهم كلامه، وهذا الفهم للمراد عندهم لا يكون سوى بالتعالي في مدارج السير والسلوك للبلوغ للمتكلم نفسه، من هنا طالب بعضهم بأن نسمع القرآن من الله وليس من النبي، أي نأخذ الحقيقة الوجودية التي أخذها النبي لا التي أعطانا إيّاها.

ولكي يحرّر الصوفي نفسه من المساءلة عن الدلالات العرفية العادية للنصوص، تحدّث عن لامعيارية الفهم العربي من حيث الحدّ الأعلى، أي إنّه قال: إنّ فهم العرب -بمن فيهم الصحابة وأصحاب الأئمة- لا يجوز التوصل إلى نقيضه، لكنّه ليس الفهم النهائي، فيمكن لنا تفسير النصوص حتى بطريقة لم تكن تخطر على ذهن عربيّ قط، كما هي طريقة ابن عربي وحيدر الآملي وغيرهما، هذا هو المنفذ لتكثير الدلالات وكسر قيود اللغة، وهذا هو بعينه التخطّي عن الألفاظ دون مخاصمتها.

فالتأويل الصوفي لا ينطلق من العقل؛ لأنّ ما يتحدث عنه الصوفي طور فوق طور العقل، ولا ينبعث من الواقع؛ لأنّ الصوفي لا يرى فيما نسميه نحن واقع الحياة سوى شكلاً بسيطاً سطحيًّا من حقيقة الوجود، أي تلك الرتبة الأقلّ نوريّةً وإضاءة، وإنّما يتفجّر التأويل الصوفي من العلم الحضوري اللدني الشهودي الذي يبلغ أعلى المراتب، لينزل بعدها إلى النص المدوّن بين أيدينا، لا ليفسّر الألفاظ عبر نظام اللغة، بل ليسقط عليها ما تختزنه من كثرات، رُمّزت فيها ترميزاً، وسبّبتها الرحلة الطويلة للنص من مصدره -أي الله- مروراً بسلسلة العوالم الطويلة، وصولاً إلى ما بين أيدينا اليوم، فلا يسمح لنا العارف بمحاكمته عبر نهج اللغة السائد، إنّه يفرّغ ذلك كلّه من مضمونه، ويطالبنا بالعروج معه لقراءة نسخة أكثر أصالة للنصّ القرآني في عالمٍ آخر. نعم، يسعى المتأخرون من العرفاء بالخصوص للحفاظ على الظاهر وعدم هدره، ويصرّون على أنّهم لا يكسرونه بل يسيرون منه ويتخطّونه.

لست أريد هنا الدخول في محاكمة هذا النهج من التفكير، والذي يقوم على نظرية التجلّي التي طرحها ابن عربي، وقد سبق أن تعرّضت للنهج العرفاني في المعرفة، وأثرت بعض الملاحظات عليه، لكن أكتفي أمام هذه الصورة بعدم إنكارها، فهذا أمر مهم، كما يقول الإمام الخميني، وأعلّق عليها بما علّق به السيد محمد باقر الصدر على بعض المقولات الصوفية في مسألة الطلب والإرادة في الفلسفة بقوله: «ما ذهب إليه عرفاء الفلاسفة ومتصوّفوهم... مبنيّ على تصوّر صوفي لا نفهمه».

15- البطون وثنائي العبور والاستيحاء، نظرية السيد فضل الله

الفرضية الخامسة عشرة هنا هي ما ذكره السيد محمد حسين فضل الله، فقد دخل السيد فضل الله هذا البحث -في سياق الحديث عن بعض الوجوه السابقة مثل التعدّد المصداقي وتعدّد الأبعاد، ونظرية اللوازم وقبوله الإجماليّ لها- فقام بتحليل أوّلي لمفردتي: الظاهر والباطن، فقال: «إنّنا لا نستطيع تصوّر مسألة الظاهر والباطن بالطريقة المادية التي تجعل للفظ طبقتين من المعنى، تماماً كما هو ظاهر الشيء وباطنه، الذي تتعدّد فيه العناصر، وتتنوّع فيه الخصائص، أو كما هو الظهر الذي يمثل جانباً من الجسد يختلف عن الباطن الذي يمثل جانباً آخر، فهناك حالتان عضويّتان متعدّدتان؛ لأنّ اللفظ حالة صوتية بسيطة توحي بحالة ذهنية مماثلة فيما هو المألوف من الطريقة المألوفة في اللغة العربية، لذلك لابدّ من استنطاق هذا المصطلح على أساس إرادة المعنى الواحد الذي تختلف طريقة فهمه تبعاً لاختلاف ثقافة الإنسان...».

وقد رفض السيد فضل الله فكرة الظاهر والباطن بالمعنى الذي يستدعي وجود معاني للقرآن الكريم على الطريقة الصوفية أو الرمزية أو غيرها، وقال بأنّ المنظور من البطون ليس التأسيس لنظام لغوي مختلف عن نظام التعبير العربي الذي يفهمه العرب بقراءتهم للنصوص والخطابات، وإنما يقوم على أساسين نوضحهما على طريقتنا:

الأول: العبور من الجزئي إلى الكلّي أو من المادي إلى المعنوي، بمعنى أنّ القرآن قد يطلق موارد جزئية لكنه يؤسّس فيها لقواعد عامة، كما في قصص الأنبياء والتجارب التي أعطى منها موقفاً في أحداث وقعت في الصدر الإسلامي الأوّل في الحروب والعلاقة مع المنافقين وغير ذلك، فإنّ الانتقال إلى الكلي يسمح بإعادة إنتاج القرآن ضمن سياق عام يقبل تطبيقه خارج الإطار الجزئي الزمكاني الذي كان فيه.

وبهذا يلتقي فضل الله أو يعيد إنتاج نظرية المصاديق أو يريد الانتقال من المادي إلى المعنوي، كأن نفسّر إحياء النفس الذي هو بمثابة إحياء للجميع في إطار الإحياء المعنوي، كما جاء في بعض الروايات، فالسيد فضل الله هنا يدمج بين نظرية التجريد المادي للوصول إلى المعنى العام الجامع وبين إعادة صبّ هذا المعنى الجامع على المصداق الجديد.

وفكرة العبور من المادي إلى المعنوي، يرجع أساسها إلى الاتجاهات العرفانية ونحوها، وقد طرح العلامة الطباطبائي هذه الفكرة عندما فسّر بها بطون القرآن أيضاً، ليجعل القرآن مسوقاً في كثير من مواقفه على طريقة الأمثال التي تقرّب المعنوي إلى الذهن البشري الذي يألف الحسّ.

الثاني: الاستيحاء، بمعنى أنّ الناظر في القرآن يلحظ فيه إشارات ولطائف ودلالات متحرّكة يمكن استيحاء تصوّرات منها وفقاً لنظام اللغة العربية، فقد يستوحي من قصّة ملكة سبأ، أنّ القرآن يريد أن يركّز مفهوم قدرة المرأة على ممارسة إدارة سياسية حسنة للسلطة، وينتفع الفقيه بهذا الاستيحاء، أو قد يستوحي الفقيه من سرد كبرى الفرائض في الإسلام فيضع القرآن الأمر بالمعروف إلى جانب الصلاة والزكاة والإيمان بالله وطاعة الرسول، فصحيح أنه لا يوجد صيغة أمر أو مادة أمرية، لكنّ هذا السياق يقدّم استيحاءً بعظمة هذه الفريضة.

إنّ الاستيحاء يعني تجاوزاً مدروساً لحرفيّة النصّ خاضعاً لمنهج الفهم اللغوي والعرفي، وتخطّياً للبعد المعجمي والقاموسي، وكلّ ما نحصل عليه من تجاوز الجزئي إلى الكلي والمحسوس إلى المعنوي وما نستوحيه بطريقة تعدّد الأبعاد القرآنية، هو الذي يسمّى بطناً؛ لأنه لا يبدو لنا للوهلة الأولى، بل فيه قدرٌ من الخفاء.

من هنا ربط السيد فضل الله بين البطون والتأويل والاستيحاء، فذكر: «أنّ التأويل ليس إلَّا عملية استيحاء للمعنى من خلال التقاء المعاني بعضها ببعض في الأهداف التي يستهدفها القرآن في القضايا التي يثيرها أمام الناس، والمفاهيم التي يوحيها إليهم..».

فالسيد فضل الله يريد هنا بناء فكرة الاستيحاء تارةً على المقاربة والمقارنة بين النصوص القرآنية، وأخرى على الربط بين المعاني والمفاهيم المأخوذة من القرآن الكريم، وربما ثالثة على فكرة الذوق التفسيري الذي يملكه المفسّر من خلال خبرته بالنص القرآني تماماً كما يملك الفقيه ذوقاً فقهيًّا أو شمًّا فقاهتيًّا كما يقولون؛ من هنا كان السيد فضل الله ميّالاً للجمع بين بطون اللفظ وبطون المعنى بالطريقة الخاضعة لنظام اللغة.

وأعتقد أنّ السيد فضل الله طرح فكرة الاستيحاء ليعطي العملية التفسيرية طابعاً مرناً يمكنه من خلاله تحريك الاستناد إلى النصوص وتحريك التعاطي مع المعاني بما يخدم الجري القرآني والتطبيق القرآني على مختلف مرافق الحياة بمظاهرها الجديدة.

وهذه الفرضية في تفسير البطون محتملة أيضاً، ولا تأباها اللغة العربية في تفسير الكلمة، وأعتقد أنّ السيد فضل الله كان يريد -بشدّة- الحفاظ على مرجعية اللغة العربية، وعدم القبول بالتفاسير التي تستنكرها هذه اللغة، وتتصادم مع فهمها العرفي؛ ولهذا ذكر في نهاية كلامه قائلاً: «إنّنا لا نحتاج إلى الخروج عن المألوف من قواعد اللغة العربية في تفسيره، أو إلى إبعاده عن القضايا العامّة، من أجل التركيز على هذه الحقيقة أو تلك، أو هذا الرمز الشرعي للحقّ؛ لأنّ الخطوط العامّة المتناثرة فيه، والنماذج الحية المتحرّكة في داخله، يمكن أن توحي لنا بما نريد، في عالم الدليل والبرهان».

وهذا هو ما قلناه من أنّ السيد فضل الله كان يريد من جهة الحفاظ على مرجعية اللغة، وكذلك الحفاظ على سعة المعطيات القرآنية وقابليتها للاستمرار من دون خنقها في حقيقة من الحقائق أو مفهوم محدّد من المفاهيم.

ونجد شيئاً يشبه ذلك -أي ضرورة تحكيم المرجعية اللغوية بهذا المعنى- عند السيد محمد باقر الصدر، ففي تعليقه على رواية عبد الرحمن بن كثير التي جاءت في سياق تفسير آية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ، قال الإمام الصادقعليه السلام: «أمير المؤمنينعليه السلام والأئمة ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ قال: فلان وفلان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أصحابهم وأهل ولايتهم ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أمير المؤمنينعليه السلام والأئمة(عليهم السلام)». قال السيد الصدر: «ومثل هذه الرواية على طريقتنا لا يعمل بها؛ لأنها مخالفة للكتاب... أما المخالفة مع الكتاب فلما سوف يأتي في بحوث التعادل والتراجيح من أنّ كل رواية تكون مخالفةً لكتاب الله سبحانه زخرف باطل لم يقله الأئمة(عليهم السلام)، وأيّ مخالفة أشدّ من مثل هذه التأويلات الباطنية التي لا يمكن تطبيقها بوجه من الوجوه مع الكتاب الكريم».

إنّ هذه الرواية ليس فيها مشكلة وفقاً للنظريات السائدة في بطون القرآن، لكنّ رفض السيد الصدر لها معناه أنه يرى أنّ فهمنا العرفي للقرآن وسياقاته يصلح له طرح هذه الروايات دون السماح بتعليلها بفكرة البطون، وهذا يعني خضوع فكرة البطون عنده لمعيارية الفهم العرفي بالشكل الذي تقدّم.

وهكذا نجد أنّ السيد فضل الله يبتعد عن كلّ من الفرضيات: الأولى، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والتاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، فيما يقترب من كلّ من: النظرية الثانية، والثالثة، والرابعة، والثامنة.

نتائج رصد النظريات والفرضيات

كانت هذه خمس عشرة فرضية طُرحت في التراث الإسلامي وفي الفكر الإسلامي المعاصر لتفسير مقولة البطون القرآنية، وقد تبين أنّ الفرضيات المستبعدة -ولو نسبيًّا- من بينها هي الفرضية الأولى (تداعي المعاني حال الكلام في ذهن المتكلم)، والفرضية الخامسة (النزول المتعدّد بعدد البطون)، والفرضية الثامنة (العبرة من القصص الماضية)، والفرضية التاسعة (الظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى)، والفرضية الثالثة عشرة (المحكم والمتشابه).

وأما الفرضيات الممكنة، فبعضها ينسجم أو فيه قابلية الانسجام مع عرفية اللغة، مثل الفرضية الثانية (نظرية المصاديق)، والفرضية الثالثة بناء على وجود عدد معقول من اللوازم، والفرضية الرابعة (تجريد المعاني وإرادة الجامع الكلي وما يتناسب والعقل الإنساني)، والفرضية الثانية عشرة (الكناية عن دقة المعاني) على بعض التقادير، والفرضية الخامسة عشرة (مقولة العبور والاستيحاء).

وبعضها الآخر يستدعي لغةً ما فوق عرفية، مثل: الفرضية الثالثة بناء على لا تناهي المداليل الالتزامية أو كثرتها بحدّ غير معقول عادة في الممارسة البشرية، والفرضية السادسة (الأسرار في ذوات الأحرف)، وإلى حدّ ما الفرضية الحادية عشرة (استعمال اللفظ في أكثر من معنى)، والفرضية الثانية عشرة (الكناية عن دقة المعاني) على بعض التقادير، والفرضية السابعة (الإشارية) على بعض التقادير أيضاً، والفرضيّة الرابعة عشرة (البطون الوجودية).

وبعضها لا يفيد شيئاً، كالقول بالتشابه والإجمال كما هي الفرضية العاشرة.

على خطّ آخر، لاحظنا أنّ النظريات المطروحة حول البطون القرآنية يمكن تصنيفها ضمن إطارين:

الأوّل: إطار ثنائي الوجود والمعرفة، حيث رأينا أنّ أغلب النظريات والفرضيات المطروحة هي نظريات معرفية؛ لأنّها ترى الظاهر والباطن مراتب للمعرفة، وهذا يعني أنّ الظهور والبطون درجات للمعرفة، فعندما نقول بنظرية اللوازم فهذا يعني أنّ الباطن هو معرفة لا تأتي للوهلة الأولى وإنّما يحتاج الوعي الإنساني للمرور بمرحلة معرفية أولى هي الظاهر للوصول إلى المرحلة المعرفية الثانية التي هي الباطن.

وهذا على خلاف الحال في نظرية العرفاء، فإنّ الظاهر والباطن فيها رتبٌ وجودية وليست درجات معرفية، فباطن القرآن رتبة وجودية أرقى من الرتبة الوجودية الظاهرية له.

من هنا يمكن تقسيم الموقف الإسلامي من مقولة الظاهر والباطن إلى قسمين: تيار معرفي، وآخر وجودي، وقد انتبه إلى هذا التقسيم بعض الباحثين المعاصرين أيضاً.

الثاني: إطار ثنائي اللغة العرفية العقلائية والمافوق عرفية وعقلائية، حيث وجدنا من خلال ما تقدّم أنّ بعض النظريات التي طرحت تنسجم مع اللغة العقلائية، ولا تفرض لغةً ما فوق عقلائية أو وضعاً ما فوق عقلائي، فيما رأينا أنّ بعض النظريات الأخرى تفرض هذا الوضع، بل وتعتبره حجر الزاوية في تفسيرها لفكرتي: الظاهر والباطن.

وقد رأينا أنّ السيد فضل الله يقف مع الفريق المعرفي في الثنائية الأولى، كما يقف مع الفريق العقلائي العرفي في الثنائية الثانية.

البطون القرآنية، النظرية المختارة

من خلال رصد نتائج تحليلنا ونقدنا للنظريات السابقة يتبيّن أنّنا استبعدنا بعضها، فيما رأينا أنّ بعض ما أمكن منها يحوي تعالياً على اللغة العرفية، لكنّ هذا البعض لم يثبت تعيّنه بدليل كما قلنا، فالحديث عن الفرضية الثالثة (المدلول الالتزامي) بناء على لا تناهي المداليل الالتزامية أو كثرتها بحدّ غير معقول عادة في الممارسة البشرية، حديث غير مبرهن عليه كما ذكرنا في استعراض المعطيات العقلية والنقلية، كذلك الحال في الفرضية السادسة (الأسرار في ذوات الأحرف)، فإنّها محض احتمال لا يقدّم ولا يؤخر شيئاً، وهكذا الحال فيما علّقنا على كلّ من: الفرضية الحادية عشرة (استعمال اللفظ في أكثر من معنى)، والفرضية الثانية عشرة (الكناية عن دقة المعاني)، والفرضية السابعة (الإشارية)، والفرضيّة الرابعة عشرة (البطون الوجودية).

وبناء عليه، فالذي يبدو لنا أنّ الباحث يقف هنا أمام احتمالين وسط هذا الكمّ من الفرضيات والنظريات والمواقف والمعطيات والأدلّة؛ وذلك أنّه:

أ- إما نقول بالتشابه والإجمال لتساوي احتمالات الفرضيات الممكنة، وفي هذه الحال لا يمكننا التأكّد من أنّ نظرية البطون بإمكانها أن تحسم لنا وجود لغة (ما وفق) غير عرفية في القرآن الكريم؛ لأنّ الاحتمالات متساوية، فكما يمكن أن يكون الواقع احتمالاً يستدعي لغةً غير عرفية، كذا من الممكن أن يكون احتمالاً لا يستدعي ذلك، فوفقاً لحالة تردّد الباحث ينبغي الخروج بنتيجة تحفظ المعطيات المؤكّدة بين الأطراف والأدلّة، وهي اللغة العرفية والعقلائية وخضوع القرآن لها؛ فإنّ هذا هو الشيء المؤكّد في هذا المضمار وسط هذا التردّد.

ب- أو أن نقول بالجامع المشترك الذي تستدعيه طبيعة التعبير بالبطن أو الباطن، فإنّ هذه الكلمة أخذت من الخفاء؛ لأنّ البطن أو باطن الشيء يكون مخفيًّا عادةً، فشبّه المخفي بالباطن والبطن، فيما الظاهر يكون له ظهور لا بطون، كما أسلفنا في البحث اللغوي، وإذا أخذنا هذا القاسم المشترك سنجد أنّ القرآن توجد بعض دلالاته ومعطياته واضحة ظاهرة بيّنة يفهمها الإنسان عندما يطالع الآيات القرآنية، لكنّ هذا لا يمنع أن تكون بعض رسائل القرآن الكريم ومعانيه غير ظاهرة، بمعنى أنها تحتاج إلى حفر وتحليل ومقاربة ومقارنة ورصد المناخ المحيط لفظيًّا ومقاميًّا وحاليًّا و...

وهذا ما يفعله العلماء والمفسرّون، لاسيما في التفسير الموضوعي؛ ذلك أنهم يقومون بمزيد من الجهد للكشف عن دلالات القرآن، وهذه هي سيرورة التجربة البشرية في تفسير هذا النص المقدّس، وذلك كلّه تحت سقف مرجعية اللغة والعرف، بما يستوعب المعجم والسياقات التاريخية والاجتماعية والمضمونية والقرائن الحالية والمقامية واللفظية والداخلية والخارجية وغير ذلك، فما يفعله الكثير من الفقهاء والمفسّرين والأصوليين وعلماء القرآنيات والكلام هو كشف للباطن بكلّ ما للكلمة من معنى، ولعلّ هذا الباطن هو الذي يسمّيه السيد محمد باقر الصدر بالظهور المعقّد مقابل الظهور البسيط، وإن تركّز في الوعي الإسلامي ربط فكرة الباطن بالاتجاهات الباطنية كالصوفية والإسماعيلية الباطنية والغلاة والفلاسفة والعرفاء وأمثالهم، وهذا الارتكاز تاريخيّ السبب، وإلَّا فلا ربط بين باطن القرآن -حسب الدلالة اللغوية للكلمة والمعطى المضموني للمفهوم- وبين هذا النوع من البطون.

ويؤيّد ذلك الرواية الأولى من سلسلة الروايات التي عرضناها سابقاً، حيث أشرنا إلى حديثها عن محرّمات تؤخذ من باطن القرآن الكريم.

وبهذا يتبيّن أنّ نظرية البطون القرآنية نظرية صحيحة بالمعنى الذي ذكرناه، حتى لو لم تدلّ عليها الروايات، وهي لا تنافي اللغة العرفية، ولا تثبت شكلاً لغويًّا آخر يختصّ به الكتاب العزيز. غاية الأمر أنّ هذه البواطن:

1- عرفية عقلائية لا تعبّر عن نظام لغوي قرآني خاص.

2- على صلة بالظواهر ولو عبر الواسطة.

3- تخدم القرآن في شموليته وسعته وبقائه وحيويته.

4- تحتاج إلى تدبّر وتأمل وتفكّر في الكتاب الكريم.

وهذا ما يرشد إلى ما تريده الآيات والأحاديث الآمرة بالتدبّر في الكتاب، بمعنى أنّها تريدنا العبور من دلالته الأولية إلى معاني أعمق وأكبر وأشمل.

وأمّا الروايات التي فسّرت الآيات بطريقة باطنيّة، فإلى جانب الإشكاليّات العميقة في أسانيدها وفق القواعد المعهودة في النقد السندي، لا ينافي كثير منها ما توصّلنا إليه؛ فإنّ كثيراً منها يحكي عن القرآن ومعانيه الباطنية بطريقة اللازم أو المصاديق الحادثة أو التجريد للوصول إلى معنى كلّي عام أو الاستيحاء أو ما شابه ذلك ممّا لا ينافي معيارية اللغة وقواعد الفهم العربي في تفسير الكلام، ولا يبقى سوى بعض الروايات التي يمكن -لقلّتها، وركاكتها السندية، وغلبة الطابع الصوفي والباطني على رواتها، ومعارضة جملة منها للكتاب العزيز وفق فهمنا لقانون المعارضة بما يشبه رأي السيد الصدر المتقدّم- التوقف فيها؛ لعدم حصول وثوق بها، بل إنّ مجرّد أنّ بعض التأويلات الواردة في بعض الروايات لا نفهمها -لا أنه يرفضها العرف- لا يعني أنه لا يمكن فهمها بالمنهج العرفي فقد تكون بعض المقدّمات خافية ليس إلَّا، تماماً كما هي حال بعض التفاسير اليوم التي لم تكن لتأتي على فكر المفسّرين القدامى، فلا تثبت هذه الروايات البطون غير العرفية، وإنّما لزمنا تصديقها بعد فرض حجيّتها بصدورها عن معصوم.

وهذا الذي توصّلنا إليه هو ما تثبته بشكل مؤكّد وبوصفه مقداراً متيقناً الأدلّة السابقة، فالتجربة البشرية في التفسير، إضافة إلى النصوص الحديثية، لا تعطي أكثر من هذا فيما ثبت منها كما بينّا بالتفصيل. وبهذا نثبت نظرية البطون القرآنية الخاضعة لنظام اللغة والفهم العرفي العقلائي العام للنصوص والخطابات، دون البطون المتحرّرة من ذلك.

وهذا يعني أنّ بنية النص القرآني أو الخطاب القرآني هي بنية عقلائية عرفية لا تتعالى عن القواعد العقلائية في التفهيم والتفاهم والمحاورة والإرسال والتلقّي، كما أنّ العملية التفسيرية للكتاب العزيز يجب أن تخضع في انطلاقتها وفي مسيرها نحو البطون القرآنية لعنصر الفهم اللغوي والعرفي الذي لا يقف بالضرورة عند السطح الأوّل الذي فهمه الذين استمعوا الخطاب في لحظته الأولى، بل يمكن -وفقاً لقواعد الفهم العرفي والعقلائي والعربي، ولاسيما انطلاقاً من البُعد البلاغي للنص القرآني- الغوص في المعاني بشرط التحرّك وفقاً للقواعد، بما يضع -على حدّ تعبير الشيخ محمد هادي معرفة- التناسب بين المعاني الظاهرية والباطنية بمثابة المبدأ للغوص في الباطن، وأيّ انفصال عن هذا المبدأ، كما حصل مع بعض التيارات الباطنية والغالية والصوفية، سوف يلغي التفسير الباطني المزعوم.

وأمّا الروايات ذات النزعة الباطنية فينبغي محاكمتها -إلى جانب التحليل السندي الصدوري، وما أكثر ما فيها من مشاكل- وفقاً لقواعد نقد المتن التي يقف على رأسها العرض على الكتاب الكريم، فما كان مخالفاً للفهم العرفي طرح، وأمّا ما لم يكن مخالفاً لكنّه لكم يكن مفهوماً عرفاً فقط، فيمكن الأخذ به على تقدير حجيّته في نفسه والتعبّد بمضمونه لصدوره -واقعاً أو تعبّداً- عن المعصوم الذي يكون تفسيره لكتاب الله تعالى بمثابة تبليغٍ للدين الإلهي، فيشمله حتى المقدار المتيقن من أدلّة العصمة عند المسلمين.

كلمة أخيرة حول النهج التفسيري للسيد فضل الله

إنّنا نرى -في ختام هذه الوريقات المتواضعة- أنّ النهج الذي سار عليه السيد فضل الله كان هو النهج الأقرب لقواعد الفهم القرآني ومعايير التفسير الإسلامي، ولأساسيات التفسير عند كبار المفسّرين وعلماء الفقه والأصول، وإذا كانت بعض كلماته توحي برفضه فكرة البطون، فإنّ هذا الرفض منه ليس لأصل الفكرة بقدر ما هو للمعنى السائد لهذه الفكرة، وهو البطون التي تتعالى عن اللغة العرفية والعقلائية وتتخطّى قواعد النهج العربي في البيان والفهم والتفهيم.

إنّ مشروع السيد فضل الله في التفسير القرآني مشروعٌ ممنهج وفقاً لقواعد اللغة، ولا يسمح أبداً بتمزيق النص القرآني أو هدره لأهداف أخرى تجعل هذا الكتاب الكريم ضحيّةً لها، إنّه بذلك يعطي للقرآن موقع الصدارة في المعرفة الدينية، ويجعل الروايات والأحاديث أيضاً تحت سلطانه لتعرض عليه وتقوّم وفق ما يقدّمه الكتاب الكريم من معطيات، دون أن يسدّ ذلك أمامنا مجال مناقشة هذا السيد فضل الله في فهمه لهذا النص هنا أو هناك.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق