تعالوا نتعلم كيف نختلف
كتبه: محمد محفوظ
حرر في: 2010/07/19
التعليقات: 0 - القراءات: 5223

لا شك أن الدين الإسلامي، شكل قفزة نوعية ومهمة في التاريخ الإنساني، بما قدمه هذا الدين العزيز من نظم وتشريعات، تكفل حرية الإنسان الفردية والاجتماعية، وتسعى نحو تحقيق السعادة للإنسان في هذه الحياة. وتبدأ هذه النظم والتشريعات ببيان أن الله سبحانه وتعالى، قد أوكل للإنسان خلافته في هذه الأرض بعد تكريمه إياه، وتفضيله على الملائكة، قال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني اعلم ما لا تعلمون}(1)

وقال تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا(2) .

فأصبح الإنسان هو الذي يسخر جميع المخلوقات له..

ومن هنا أبرز هذا التكريم الرباني للإنسان، التعبير الذي ينبغي أن يسعى الإنسان للحفاظ عليه في هذه الدنيا وهو إنسانيته..

والعمل على توفير جميع السبل والوسائل للحفاظ على هذا التكريم. وينبغي التأكيد في هذا الإطار، أن التكريم الإلهي لم يكن خاصاً بإنسان دون الآخر، وإنما هو تكريم لنوع الإنسان بدون تمايز أو فروق عرقية أو طبقية أو عنصرية أو ما أشبه. (كلكم سواسية كأسنان المشط).

ومن تجليات هذا التكريم أن جعل الله سبحانه وتعالى الاختلاف بين الناس حالة طبيعية في الوجود الإنساني، لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواحي عديدة.

1 ـ لتكوّنهم من ذكر وأنثى ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى.

2 ـ مختلفين لاختلاف ألسنتهم وألوانهم ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم.

3 ـ مختلفين لاختلاف عقائدهم ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن.

وعلى ضوء هذا الاختلاف تنشأ الوحدات الاجتماعية المستقلة، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها وإنما لكي تتعارف.

فالتعارف هو المنظور القرآني لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم.

ويقول المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة في تفسير هذه الآية "إن التعارف يوجب التعاون في رفع الحق، وخفض الباطل وسيادة الفضيلة والمساواة العادلة بين الناس، وأن يدفع الظلم عن كل بني الإنسان وأن يقف أهل كل إقليم أنفسهم لمساندة الضعيف في أي أرض من أرض الله، حتى لا يفسد الظلم أهل الأرض"(3) .

ولقد أثبت القرآن الحكيم الحق في الاختلاف لجميع البشر، واعتبر أن الاختلاف في العقائد والأفهام والمواقف، هو سنة من سنن الله تعالى في الأرض.

فقد قال تعالى ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين(4) .

ومن الطبيعي أن الإقرار بحق الاختلاف، يستلزم الإقرار بالتعددية والتنوع في المجتمع، وحينما ننظر إلى الصحيفة التي كتبت كدستور للدولة الإسلامية الأولى، تتوضح في بنودها الإقرار والاعتراف التام بحالة الاختلاف والتنوع والتعددية، فقد جاء فيها "هذا كتاب من محمد excaim بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تُفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين"(5) . وعلى الصعيد السياسي العملي أيضاً، لا شك أن تجربة الإمام علي عليه السلام مع الخوارج تؤكد حقيقة اعتراف الإسلام بالاختلاف والتعددية في المجتمع الإنساني، قال تعالى ﴿ولا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(6) .

وتاريخياً لم يكن ينظر مفكرو الأمة وأئمتها للاختلاف، كمصدر ضعف وتراجع، بل اعتبروه تعبيراً عن غنى الثقافة وزخم الحضارة المرتبطين بعمق التجربة التاريخية واتساع الانتشار الجغرافي.

وجماع القول في هذه المسألة أن الاختلاف حالة طبيعية ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني، إذ "اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس مختلفين متباينين في قدراتهم الفكرية، وفي أمزجتهم وأذواقهم. فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وفهومهم. ويعطي هذا الاختلاف والتنوع للحياة مظهر التجدد، ويبعدها عن التكرار والرتابة. ويمكن من تنويع الإنتاج الإنساني ومن تكثير الصور الفكرية للموضوع الواحد. ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع ايجابياً ومفيداً، وما دام نابعاً عن تلك الفروق الفطرية وعن التباين الموضوعي في البحث عن الحق(7)"

وبهذا فإن الاختلاف في حدوده الطبيعية هو أصل الوحدة، ومصدر الحرية ومنبع التقدم والتطور، وما علينا إلا أن ننزع من أذهاننا روح التشاؤم ونعمق روح الثقة بالعقل والإنسان، عندئذ يصبح الحوار ونحن مختلفين ممكناً، وتصبح الحرية والاحترام المتبادل شرطاً لاستمرار هذا الحوار.

ويقول الماوردي في كتابه "نصيحة الملوك" حول أن الاختلاف مسألة طبيعية "كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه وكلام أولى بهذه الصفات من كلام الله جل ذكره، إذا كان أفصح الكلام وأوجزه وأكثره رموزاً وأجمعه للمعاني الكثيرة. ولابد في الدين من وقوع الحوادث الطارئة التي يحتاج إلى النظر فيها والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها ولذلك صار لكل رأي تُبّع ومشرعون وأئمة ومؤتمون وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها"(8) .

فالاختلاف حسب هذا القول أمر طبيعي بطبيعة النص الشرعي المقدس وما يؤدي إليه من تأويل متعدد وقراءات مختلفة، ولكن ينبغي القول "أن الاختلاف الذي يسمح به الشرع هو نتيجة طبيعية ومنطقية لمشروعية الاجتهاد لأن من المستحيل القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف أنظار المجتهدين"(9) .

وبالتالي فإن حمل الناس على الرأي الواحد والفهم يناقض حقيقة الاجتهاد والنواميس الكونية فيما يرتبط بالاختلاف البشري.

كما أن حمل الناس على الرأي الواحد يناقض الفكر الديمقراطي المعاصر إذ أن "الاختلاف في المفهوم الديمقراطي ليس تفتيتاً وتجزئة بل هو بديل عن كل استبداد مغلف بغلاف الوحدة، حين تكون هذه الأخيرة مجرد تغطية للإنفراد بالسلطة.. نعم هناك سلبيات ومزالق للتعددية حتى في مستوى التعبير المؤسسي الديمقراطي، إلا أن عيوب الديمقراطية تصحح بالديمقراطية وليس بإلغائها(10)

ولكننا في الوقت الذي نعتبر أن الاختلاف حالة طبيعية والوجود الإنساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه بـ (الاختلاف من أجل الاختلاف)، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار ويبقى كل منها منغلق على ذاته رافض للآخر، كل منهما يشكل عصبية لا تقبل التعايش والحوار، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف. لذا فنحن نرفض هذه الأشكال من الاختلاف، لأنه يؤدي إلى الفوضى في النظام الاجتماعي العام.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرح في هذا المجال هو كيف ندير اختلافاتنا أو ما هي السبل الناجعة في إدارة الاختلاف..

1- الاعتدال

دائماً التطرف في كلا الاتجاهين (الحب والبغض) يصادر الحقيقة، ويشرّع للاستبداد وإقصاء الرأي الآخر. هو تطرف يدعي لصاحبه من حيث يشعر أو لا يشعر أنه الناطق الأوحد باسم الدين والقيم. فالتطرف يحرم الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف، له وحده (المتطرف) الحق في أن يخالفهم، وليس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له..

وينبغي القول في هذا الصدد، أنه لا يوجد على وجه هذه البسيطة إنسان (ما عدا المعصوم) يمتلك مركز إصدار الحقيقة، وان قوله هو القول الفصل في كل شيء.. فـ "ليس من حق أحد أن يقف أمام الملأ ويقول: أنا الإسلام! ليس من حق احد أن يتحصن بكتاب الله، ثم يعلن علينا من ورائه أن من نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين ومن خذله أو عارضه فقد خرج على كتاب الله، وصار من أعداء الله المارقين!، ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانه إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين، فرفعته فوق كل الرؤوس، ونزّهته عن النقد والسؤال، وأحاطته بسياج من العصمة والقداسة" .(11)

إن التطرف يؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين ويسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن.

وحين يسود التطرف تستباح الحقيقة، ويزيف الواقع وتنتهك السمعة والكرامة، ويُرجم أصحاب الرأي المخالف على حد تعبير الدكتور احمد كمال أبو المجد.. لأن التطرف في العلاقات الإنسانية يجعل صاحبه منفصل دائماً عن الذات ومبرراً لكل ما يصدر عنها، والنقد المطلق لغيره واتهامه وتجريحه في كل ما يصدر عنه.

لهذا نجد أن الإسلام العزيز يؤكد على مسألة التسامح بين الأخوة، والابتعاد عن سوء الظن والتشهير والإسقاط وما أشبه.. فقد جاء في الحديث الشريف "ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً".

"أطلب لأخيك عذراً فإن لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً"(12) .

"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة"(13) .

لهذا فإن صدر الإسلام يتسع لاختلاف الآراء، فلا نضيقه بأهوائنا ونوازعنا الذاتية السيئة، فلا بد لنا أن ندير خلافاتنا بصفاء قلب وعفة لسان وحرص متبادل على صون الكرامات وحفظ المودات، وأن نبتعد عن قوارص الكلم وفنون التجريح والتشهير والإسقاط، وكل ما يسبب ويؤدي إلى شحن النفوس بالضغينة والبغضاء.

2- مدنية الاختلاف

بما أن الاختلاف مسألة طبيعية في الاجتماع الإنساني لذلك ينبغي الابتعاد قدر المستطاع عن إعطاء هذا الاختلاف وكأنه خلاف بين الحق والباطل.

إننا ولكي ندير اختلافاتنا بشكل إيجابي ينبغي لنا تحويل الاختلاف إلى حالة مدنية موضوعية، لا إلى خلاف ديني بل هو اختلاف في تحديد مصاديق القيم والمبادئ المتفق عليها من قبل الطرفين.

"ويبقى من خصائص الحوار الديني، خصوصاً في إطار الإسلام الذي يتميز بشموله والارتباط الأساسي بين عقيدته وشريعته وآدابه، أن من اليسير على الأطراف في حوار دائر حول أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد، أن يضفي عليه بعضهم طابعاً دينياً، وأن يلقى على مائدة الحوار بنص يتعرض من قريب أو بعيد لموضوع الخلاف بين المتحاورين، وبذلك يكتسب الحوار كل ما يحيط بأمور الدين من قداسة، وكل ما يلحق المخطئين فيها من شبهات الإثم، والانحياز للضلال فيتحول الحوار إلى محاكمة.. يضطر فيه المخالف إلى توجيه جهده كله للدفاع عن نفسه، وإثبات براءته من خطيئة الاستخفاف بالنصوص والاجتراء على الله والقول في الدين بالهوى. لقد كان من آثار هذه الظاهرة غياب المنهج النقدي عن كثير من القضايا المهمة في نطاق البحث الديني، وخوف كثير من العلماء الثقات لتمتد إلى النيل من الجهر بآرائهم حتى لا يتعرضوا لحملات تتجاوز الرأي وتقييمه.. لتمتد إلى النيل من دينهم وتقواهم وأمانتهم وحسن نواياهم"(14) .

لذلك من الضروري الابتعاد عن حالات تديين الاختلاف أو إعطاءه طابعاً دينياً بحيث تصبح عملية الاختلاف وكأنها صراع بين الحق والباطل.. فما دام الاختلاف ظاهرة طبيعية على مستوى البشرية، لذلك من الخطأ الفادح سلب صفة البشرية من خلافاتنا ووجهات نظرنا المتباينة، وفي إطار مدنية الاختلاف وبشريته، لا بد من التحلي بصفة الموضوعية حين الاختلاف. والموضوعية منهج يهدف مقاربة آراء وأفكار الآخر المختلف بدون زيادة أو نقيصة.. كما أنها تقتضي أن لا ينظر المرء إلى الآخر المختلف من عل، وإنما هي رؤية متساوية وقريبة منه.

3- الاتفاق على خريطة المستقبل

عادة حينما يكون الحوار بين المختلفين حول قضايا الماضي ومشاركة كل طرف في صنعه، عادة لا يتوصلون إلى حلول بل إلى المزيد من الإصرار المتبادل على الآراء والأفكار، لذلك ينبغي أن تكون جلسات المختلفين وحواراتهم حول غدهم لا أمسهم، وقد تكون الآية القرآنية ﴿قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون(15) تشير إلى ذلك.

4- فريضة الحوار

إن غياب فريضة الحوار هو الذي يحول كل اختلاف فكري أو اجتماعي أو سياسي إلى حرب ساخنة، وتجدد أسبابها وشروطها باستمرار حالة الجفاء وغياب فقه الحوار.

إن تكريس قيمة الحوار في أوساطنا وأجوائنا هو الذي يجعل الاختلاف في وضعه الطبيعي ودون أن يؤثر ذلك على القواسم المشتركة لدى الطرفين. ومن المؤكد أن التعصب هو أحد أشكال الانحطاط والتخلف في العلاقات الإنسانية التي تؤسس للعداء والقطيعة بدل التعايش والحوار المتواصل. فالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن كان لها الفضل في رد الكثير من الآراء الوافدة والدخيلة.

فلا يمكننا أن نمنع الإنسان من عدم إبداء رأيه أو التعبير عن أفكاره، ولكننا بإمكاننا محاورته ومناقشته.

فالإمام عليعليه السلام حينما ظهرت أفكار الخوارج مثلاً لم يحاربهم، وإنما حاورهم وناقشهم وكان موقفه منهم، موقف المجادل الذي يقارع الرأي الباطل بالرأي السديد مؤيداً ذلك بالأدلة والبراهين والوقائع الساطعة. "بوسعك أن تتبين مدى حماية الإسلام لحق التعبير عن الرأي أياً كان صاحبه، إذا تأملت في قوله عز وجل من الآية السابقة ﴿وجادلهم… فإن المجادلة لا تكون إلا في جو يصغي فيه كل من الطرفين إلى رأي الآخر، وإذا كانت المجادلة لبيان الحق وتمييزه عن الباطل واجباً كلف الله به المسلمين، فلا شك أن تهيئ مناخه، من الإصغاء إلى الرأي الآخر، مهما كان جانحاً، واجب هو الآخر, إذ أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا الواجب لا يتم إلا بتمكين صاحب الرأي الجانح (في اعتقادنا نحن) من التعبير بكل أمان عن رأيه، إذ بذلك توجد المادة التي تدور حولها الجدل والحوار" (16)

وينبغي التذكير في هذا المجال انه لا يوجد مجتمع في التاريخ الإنساني، لا تتعايش فيه رؤى وأيديولوجيات مختلفة ومتباينة، ذلك لأنه ينطوي بالضرورة على مصالح متغايرة، ويمارس اختيارات مختلفة. ولكن التقدم والتطور لا يكون من نصيب إلا المجتمع الذي استطاع أن يوجد علاقة ايجابية وحسنة ومتعايشة بين هذه الرؤى والمدارس الفكرية المختلفة.

وعن طريق هذه العلاقة الايجابية والمتعايشة التي تربط هذه الرؤى يحتضن المجتمع عناصر التقدم والتطور في مختلف الأبعاد والحقول، وبهذه العملية نحوّل اختلافاتنا إلى مصدر لتطوير ذاتيتنا الفردية والجماعية، وبهذا نغني ثقافتنا ونعيد توازننا الاجتماعي التاريخي. فالاختلاف في حدوده الطبيعية ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه، بل هو محرك المجتمع نحو الأفضل، ومصدر ديناميته، وهو يقود لو أحسنا إدارته إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل.

عن طريق هذه الأمور نستطيع أن ننجح في إدارة خلافاتنا، ونفقه أن نتعاون مع بعضنا البعض دون أن تتطابق وجهات نظرنا في كل شيء.

وحتى تكتمل صورة التعامل الايجابي مع ظاهرة الاختلافات في المجتمعات البشرية، هذه مجموعة من الوصايا والقضايا التي تحوّل دون تحوّل الاختلافات إلى عوامل هدم وتخريب في المجتمع..

أ- ضرورة عدم الاكتفاء بأدنى الفهم والمعرفة، وإنما تهيئة النفوس والعقول إلى استقبال أقصى الفهم والمعرفة. إذ أن الكثير من الاختلافات تأخذ سبيلها السيئ والسلبي من جراء الفهم المنقوص للمسألة التي دار حولها الخلاف، لذلك وقبل أن يرتب أحد أطراف الاختلاف أي قناعة أو موقف، لا بد من أن يفهم المسألة بشكل كامل بحيث تتوفر المعرفة التامة حول المسألة المعنية.

ب- ضرورة احترام حق الرأي، إذ إننا لا يمكننا أن نصادر حق الإنسان في التعبير عن آرائه وقناعاته ولا شك أن الاختلاف فرض احترام حق الرأي، لذلك نحن مطالبون بأن لا نشن على الطرف الآخر (المختلف) نعوت تؤدي إلى التسقيط والتخوين وما أشبه، لأننا نحترم رأيه ونجعل هذا الاختلاف في هذه الدائرة.

وقديماً قيل "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

ج- إخراج الذات من دائرة الاختلاف، وهذا يقتضي أن نعتبر أنفسنا مختلفين ضمن مختلفين، لا أن الآخرين هم وحدهم المختلفون معه أي المخالفين.

وينبغي الابتعاد عن التعالي، تعالي كل خصم على خصمه بادعاء احتكار العلم الكوني، واستعمال النص المقدس لفرض سلطته هو على الجميع.

وقد قال تعالى ﴿قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (18).

د- ضرورة حضور البعد الأخلاقي في الاختلاف، إذ أن طائفة ليست قليلة من الأسباب والأمور التي تجعل حالة الاختلاف، من حالة طبيعية إلى مسألة تؤدي إلى التخريب ووجود حالات التصدع الداخلي.

كل ذلك يحدث بفعل غياب القضية الأخلاقية في مسائل الاختلاف، لذلك فمن الضروري، وحتى نحافظ على طبيعة الاختلاف من وجود الضوابط والقيم الأخلاقية التي تجعل الاختلاف في حدوده الطبيعية. وقديماً قيل أن الخلاف لا يفسد للود قضية.

ونحن نرى سيرة أهل البيتعليه السلام مع معارضيهم، والمختلفين معهم عقائدياً أو فكرياً أو سياسياً، يتعاملون معهم وفق الضوابط الأخلاقية، لأن تجاوز هذه الضوابط يحوّل مسألة الاختلاف إلى سلاح هدام لكل نقاط القوة والنشاطات الايجابية في الساحة.

هـ- ضرورة التواصل بين العلماء والدعاة، فلكي لا تتوسع شقة الاختلافات، وتتحول إلى صراعات ينبغي التواصل الدائم بين العلماء والدعاة وكل من يشكل حالة عامة في المجتمع. لأن هذا التواصل يبدد الغيوم السلبية للاختلاف. ويعرف وجهة نظر كل طرف إلى الآخر بشكل مباشر.

ويشير إلى هذه المسألة مصطفى بن حمزة بقوله "والخطر في هذه التقابلات لا يكمن في الاختلاف في حد ذاته، وإنما يكمن في إفراز هذا الاختلاف لروح التشرذم والتشتت ما دام الدعاة يعجزون عن مد جسور التلاقي والتواصل بينهم، وما داموا يتعصبون ويتشددون في تمسكهم بما تأدى إليه اجتهادهم وما داموا يرون أن ما عندهم هو الحق الذي لا خلاف فيه.. وان ما عند مخالفهم هو الباطل الذي لا خلاف فيه. وعلى أساسه يرسمون مواقع جديدة تستـنـزف جهدهم وطاقتهم. إذ يتصورون أن مخالفهم يجب أن يكون موضوع دعوتهم وإرشادهم فيجعلون الوكد من عملهم زحزحته عما هو عليه من رأي، هو أيضا وليد اجتهاد ونتيجة نظر في الأدلة الشرعية" (19).

لذلك فليس المطلوب أن تتطابق وجهات نظرنا جميعاً في كل شيء ولكن المطلوب هو بقاء التعاون واستمرار المحبة والود لبعضنا البعض، وان لا نسحب اختلافنا في حقل من حقول الحياة إلى بقية الحقول والجوانب.

وأخيراً ولكي لا نقتل إنجازاتنا ومكاسبنا جميعاً بأيدينا تعالوا نتعلم كيف نختلف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. سورة البقرة آية 30.

2. سورة الإسراء آية 70.

3. الوحدة الإسلامية - دار الرائد العربي - الطبعة الأولى، 1978م صفحة 14.

4. سورة يونس آية 95.

5. ابن هشام صفحة 502.

6. سورة الممتحنة آية 8.

7. مقدمة من أجل تأصيل التسامح بين المسلمين - مصطفى بن حمزة - جريدة الراية الأسبوعية، عدد 81 فبراير 1994م.

8. نصيحة الملوك - الماوردي، صفحة 111.

9. مقدمة من أجل تأصيل التسامح بين المسلمين (مصدر سابق).

10. في شرعية الاختلاف، علي أوميل، صفحة 10 - دار الطليعة - بيروت.

11. القرآن والسلطان ، فهمي هويدي، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1981م.

12. ميزان الحكمة، محمدي ري شهري، المجلد الخامس، صفحة 623.

13. المصدر السابق، صفحة 362.

14. حوار لا مواجهة، احمد كمال أبو المجد، دار الشروق، صفحة 26.

15. سورة سبأ آية 25.

16. حرية الإنسان في ظل عبوديته لله، دار الفكر المعاصر، لبنان، صفحة 112، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

17. ليس معنى هذا الذي نلح على ضرورة فهمه أن الذي يعلن عقائده وآرائه المناقضة لمبادئ الإسلام، غير مؤاخذ عند الله عز وجل. وإنما المعنى أن سياسة الدعوة الإسلامية في تنبيهه إلى هذه المؤاخذة الإلهية له تقتضي إقناعه ببطلان رأيه، وهذا الإقناع لا يكون إلا بمجاراته في الطريق إلي يسير عليها، ألا ترى كيف أذن القرآن للمرتابين بإعجاز القرآن وأنه كلام الله، أن يتحدوه ويسعوا سعيهم إلى تأليف مثله؟ مع أن المسلم الموقن بأن كلام الله، لو فعل ذلك على وجه التحدي لعصى بدون شك. غير أن أدب الحوار مع الجاحدين يقتضي دائماً هذه المجاراة، والمجاراة لا تتم إلا في مناخ حرية التعبير عن الفكر والرأي أيا كان نوعه.

18. سورة سبأ آية 24.

19. مقدمة من أجل تأصيل التسامح بين المسلمين، مصدر سابق.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


محمد محفوظ

الاسم: الشيخ الأستاذ محمد جاسم المحفوظ.

مكان وتاريخ الميلاد: ولد بسيهات عام 1966م


النشأة والدراسة:
-تلقى تعليمه الأولي في مدارس سيهات
- التحق بحوزة القائم ودرس فيها ودرس لمدة أربعة عشرعاما


المهنة والعمل:
كاتب، مدير تحرير مجلة "الكلمة" مدير مركز آفاق.


الأعمال والنشاطات:
- ساهم في إدارة مجلة "البصائر".
- شارك في تأسيس مجلة "الكلمة" وهي مجلة فصلية تعنى بالقضايا الفكرية والثقافية.
- شارك في العديد من المؤتمرات الفكريةوالثقافية.
- كتب مقالات ثقافية واجتماعية وفكرية في جريدة اليوم السعودية.
- له كتابات كثيرة ومتنوعة خاصة في المجال الفكري
-له حضور بارز في الندوات والمنتديات الثقافية والأدبية في المنطقة
- يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرياض .


المؤلفات والإصدارات:
1- الإسلام مشروع المستقبل ، دار النخيل ، بيروت .

2- نظرات في الفكر السياسي الإسلامي ، دار الصفوة ، بيروت .
3- الإسلام ، الغرب وحوار المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
4- الأهل والدولة بيان من أجل السلم المجتمعي ، دار الصفوة ، بيروت .
5- الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
6- الأمة والدولة من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
7- الحضور والمثاقفة - المثقف العربي وتحديات العولمة ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
8- العولمة وتحولات العالم – إشكالية التنمية في زمن العولمة وصراع الثقافات ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
9- الواقع العربي وتحديات المرحلة الراهنة ، دار الإشراق الثقافي ، بيروت .
10- العرب ومتغيرات العراق ، دار الانتشار العربي ، بيروت .
11- الإسلام ورهانات الديمقراطية – من أجل إعادة الفاعلية للحياة السياسية والمدنية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
12- الإصلاح السياسي والوحدة الوطنية – كيف نبني وطنا للعيش المشترك ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
13- الحوار والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية ، دار الساقي ، بيروت .
14- الآخر وحقوق المواطنة ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
15- شغب على الصمت ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
16- ظاهرة العنف في العالم العربي – قراءة ثقافية ، كتاب الرياض ، عدد 144 .
17- أوليات في فقه السنن في القرآن الحكيم ، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق .
18- التسامح وقضايا العيش المشترك ، مركز أفاق للتدريب والدراسات ، القطيف 2007م.
19- سؤال الثقافة في المملكة العربية السعودية. دار أطياف
20- العرب ورهانات المستقبل الوطنية. جرديدة الرياض
21- الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية . دار أطياف
22- الإصلاح في العالم العربي. دار العربية للعلوم.
23- المواطنة والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية. نادي حائل الأدبي.
24- ضد الطائفية. المركز الثقافي العربي.
25- الأسلام والتجربة المدنية مقاربة أولية. كراس صغير
26- الحوار أولا ودائما . كراس صغير
27- ملامح حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي. كراس صغير
28- حرية التعبير في التشريع الإسلامي . كراس صغير

2016/06/22 | مقالات | القراءات:6401 التعليقات:0
2016/06/12 | مقالات | القراءات:6418 التعليقات:0
2016/05/12 | مقالات | القراءات:6317 التعليقات:0
2016/04/12 | مقالات | القراءات:7266 التعليقات:0
2016/03/23 | مقالات | القراءات:7401 التعليقات:0


ارسل لصديق