الإمام شرف الدين وهاجس التقريب بين المذاهب الإسلامية
الاقتصاد في الخلاف والمناظرة المسؤولة [1]
كتبه: إدريس هاني
حرر في: 2014/02/01
التعليقات: 0 - القراءات: 2852

يعتبر السيد شرف الدين الموسوي أحد فرسان المناظرة الكلامية الحديثة في العالم الإسلامي، بين مدرستين كبيرتين سبق ونعتهما بأنهما جدولين من نهر واحد[2]، مما جعله يبدو في عيون أبناء المدرسة الإمامية، بطلاً لا يلوى له ذراع وعبقريًّا لم يفر نظير له فريه، في الذود الكبير عن مقطوع عقائدها والاستدلال السديد على ما بدا شاذاً في نظر مخالفيها[3]. غير أن هذا جانب محدود من الفضاء الواسع الذي امتد إليه مشروع السيد شرف الدين، أو لنقل إن ذلك لم يكن يمثل سوى بعض من المقاصد.

شرفا «عبد الحسين» المرتقي

من صروح العلم والدين ذراها

تمـلأ المـنبر  عـزًّا  وسنى

وكذلك الشمس تهدي من يراه

كادت الأعواد من نشـوتها

تلبـس الخضرة ذكراً لصبـاها

أو تعيد الغض من أوراقـها

كلما  «العلامة» السبط أتاهـا

بولس سلامة 

:الاهتمام بسؤال الوحدة والتقريب

يعتبر السيد شرف الدين الموسوي أحد فرسان المناظرة الكلامية الحديثة في العالم الإسلامي، بين مدرستين كبيرتين سبق ونعتهما بأنهما جدولين من نهر واحد[2]، مما جعله يبدو في عيون أبناء المدرسة الإمامية، بطلاً لا يلوى له ذراع وعبقريًّا لم يفر نظير له فريه، في الذود الكبير عن مقطوع عقائدها والاستدلال السديد على ما بدا شاذاً في نظر مخالفيها[3]. غير أن هذا جانب محدود من الفضاء الواسع الذي امتد إليه مشروع السيد شرف الدين، أو لنقل إن ذلك لم يكن يمثل سوى بعض من المقاصد. وحتى لو سلمنا بأنه كان يمثل المقصد والمطلوب بالذات فثمة مقصد آخر بالتبع، يتعلق بإرساء قواعد للتفكير التواصلي بين المدرستين، كمقدمة لخلق مناخ للتعايش والسلم المجتمعي الذي تكون فيه السلطة للعلم والعقل في تناول الخلاف. وهكذا نجدنا أمام لوحة غمرتها أطياف من اللون في دعة وسماحة ندية كان أحرى بها أن تعكس الجانب العبقري النموذجي لعَلَم قدم نفسه للعالم الإسلامي كلَّه، وليس لطائفته فحسب. 

وإذا كان السيد شرف الدين قد عمل جهده للدفاع عن أصول وفروع مدرسته، فإنه فعل ذلك كخطوة ضرورية ومقدمة الواجب في نشدان التقارب الصحيح والوحدة المبنية على الوضوح والاعتراف. لقد شاء السيد شرف الدين أن يقيم التقارب والوحدة على أرضية سواء، تبدد النظرة الاستعلائية للاتجاه النظير، على أساس أنها مدرسة ليس في وسعها تقديم أدلتها على ما انفردت به من فروع وأصول. لقد أحيا السيد شرف الدين طريقة من سبقوه، وأحياناً بكثير من التبسيط والتنهيج والأضبطية لمطالبها مع نهج الانتقاء للإشكاليات، مورد الخلاف ومثار الجدل في راهنه، على أساس الاقتصاد في الاستشكال وعدم الغوص في متفرعات ما لا ضرورة لاستحضاره اليوم إما لدوس الزمان لزيف حقيقته أو لاندراسه بفعل النسيان وجولة التاريخ وسطوع ما كان مستحيلاً بروزه والتفكير فيما كان مستحيلاً التفكير فيه. فللأباطيل كغيرها من الظواهر الثقافية والبيولوجية عمر محدود وفرصة للبقاء مستنفدة، ونشوء وتطور واضمحلال. فليست كل الأباطيل تملك التعدي بالعمر أكثر مما يمنحها إياه التاريخ بمكره الخفي وسنن الله التي لا يبارزها مكر البتة. وليؤكد للمختلف أنه إذا لم يكن في الوسع تبني ما ظهر لك دليله بالأدلة المعتبرة، فلك على الأقل أن تدرك بأن قطع أبناء هذه المدرسة بعقائدهم في الأصول وأحكامهم في الفروع ناشئ عن قناعة في الجملة. ما يجعله قطعاً تكاملت حجيته بعين العقل، بلا جعل من جاعل. ومعتبراً في عين الشرع الذي تعبدنا بالحجة والدليل. أي شاء السيد شرف الدين أن يعلم من لم يعلم أو من خانه عدم الاطلاع على آثار هذه المدرسة، أنها ليست كما هي معروضة في ثقافة كتّاب ومؤرخي الملل والنحل، مدرسة مصنفة في خانة أهل الأهواء والعقائد الشاذة. بل هي مدرسة أهل النص والدليل كما دلت على ذلك كل آثاره وفي مقدمتها: النص والاجتهاد[4].

تعكس اهتمامات السيد شرف الدين الموسوي كل هذه الأبعاد التي تبدو للكثير ممن لم يستوعب امتداد رؤيته الشمولية والاستراتيجية، مختلف آثاره التي تبدو متناقضة الأهداف، متى استسلمنا للنظرة المذكورة. ولعل ذلك ما جعل الكثير من خصومه أن ينعتوه بأنكر النعوت، حيث لم يقفوا عند المحتوى العلمي لأعماله بقدر ما اكتفوا بخلع الصورة النمطية على نهجه باعتباره واحداً من الرافضة المخادعين، وهي الصورة التي عمل حياته على أن يكسرها كسر الأصنام التي تحول بين العقل ورؤية الأشياء كما هي. فمن يقرأ (النص والاجتهاد) و(المراجعات) وما جرى مجراهما من أعمال تتصل بالخلاف ويظهر منها إصرار على الدفاع عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، مقارنة بكتاب (الفصول المهمة في تأليف الأمة)، سيعتقد لا محالة أنه أمام ازدواجية في الخطاب. غير أن سبب هذه الرؤية النمطية التي ما انفكت بحال عن أعلام مدرسة أهل البيت، إلا لماماً، من قبل عقلاء ومنصفين من هذه الأمة، هم شجعان بما فيه الكفاية لكسر تابو الرؤية النمطية المهجوسة بتبديع الآخر وأخذ اعتقاداته مأخذ استخفاف، بسلب الدليلية عنها ونسبتها إلى آراء أهل البدع والأهواء جملةً وتفصيلاً؛ أجل، لعل السبب في استمرارية هذه النزعة هو استمرارية مفعول سكر المكابرة وهواجس الغلب، التي تحول دون منح قليل من السماع لفكر المختلف وتأمله بعقل لا بانفعال.

 إن رجلاً كالسيد شرف الدين يؤلف فيما يؤلف الأمة ويقاوم الاستعمار الفرنسي ويدعو إلى مشاريع وطنية وقومية رافضاً الاحتلال والتجزئة، ورافعاً شعار الوحدة العربية على أساس توحيد برامج التعليم العربية ورفع الحواجز الجمركية والدعوة إلى الجيش العربي الموحد، لا يمكن إلا أن يكون شخصية تتطلع إلى ما وراء الأحياز الضيقة للطائفة. فالذي ضاق عليه القطر على تنوعه يومها، ستكون الطائفة في وجدانه أضيق. ولذا كان السيد شرف الدين ينزع إلى المدى الأوسع الذي تكون فيه الأمة برمتها هي طائفته والإسلام كلاًّ هو مذهبه. إن منشأ هذا التحامل الذي بدا من بعض الخصوم الذين أزعجتهم القوة الاستدلالية للسيد شرف الدين وإصراره على الدفاع عن مدرسته الفقهية والكلامية، لم يلتفتوا إلى أن أمر التقارب والوحدة ليس نزهة سهلة أو التفافاً يسيراً على حكاية بالية، بل هو واقع تاريخي واجتماعي ثقيل يجب التعامل معه بهمة وشجاعة، والتقيد بشروط المرحلة ومقدمات العمل. وفي مقدمة هذه الأسس أن يدرك المختلف ما أحرزت هذه المدرسة من صنوف الأدلة المعتبرة على آرائها، حيث لو كان التقارب يجب أن يبنى على أساس الصمت وعدم الاستدلال على صدق مدَّعى المدرسة، لكانت وحدة غير جادة، صورتها التقريب ومضمونها الاعتراف بعدم حجية ما تدعو إليه هذه المدرسة أو تلك[5]

لقد أراد السيد الموسوي أن يقول: إن مدار التوافق والاختلاف هو الدليل، والاختلاف بدليل هو أشرف من الاتفاق بلا دليل. ومع ذلك فإن اختلاف الأمة القائم على الدليل يوجد شعوراً عند المختلف بضرورة تفهم مواقف النظير. من هنا فقط يكون «اختلاف أمتي رحمة». والاختلاف إلى العلماء الحقيقيين الذين هم أعلام الفقه المقارن، بشقيه الفقه الأكبر والأصغر، حيث أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس. وهذا كناية عن أن الخلاف الذي يؤسس اعتباره على أرضية علمائية موضوعية مبنية على الحوار والتواصل، هو ما يجعل الخلاف رحمة. بهذا المعنى يكون الاختلاف إلى العلماء أساس الاختلاف الرحيم. الاختلاف إلى العلماء بالقيد الاحترازي المذكور؛ أي العلماء العالمين بالاختلاف في المقام والمنصفين.

 :السيد شرف الدين الموسوي.. وسياسة تدبير الخلاف

لقد أدرك (قدس سره الشريف) أن الخلاف الضارب الأطناب والممتد الجذور في تاريخ الأمة، ليس اختلافاً سطحياً معدوم الأسباب مبتور العلل. بل إنه أكثر غوراً وأشد رسوخاً مما تصور الطيبون الشغوفون بوحدة الأمة التي عملت عوامل مختلفة على تكريس خلافاتها إلى حد تمأسس الخلاف وتفرُّع مدياته وتنميط العقل الإسلامي على أساس شطط العصبية وجنوح الغلب ومستقبح عجره وبجره. ولقد وجد السيد شرف الدين نفسه أمام أخٍ إسلاميٍّ كبيرٍ يتميز بآراء ويحمل عنه من جنس تلك الصور النمطية ما يحول دون الوصال السمح والتلاقي السعيد، في طريق التوحد والتقارب والتعاون على البر والتقوى وطلب النجاة في صف واحد كأنه البنيان المرصوص؛ لا يكاد يدرك عنه شيئاً في الأصول والفروع، سوى ما كان في حكم الممضوغ المتهافت من أوصاف ونعوت، تتراوح بين الخرافي التافه -نظير الروافض أصحاب أذناب بقر- و التجديف الخطير -نظير أن لهم قرآناً غير قرآن المسلمين-. ولا شك في أن الموقف العقلائي حينئذٍ قاضٍ بأن ينبري أولاً لتوضيح ما فات المختلف من حجج النظير، من باب إلقاء الحجة الشرعية ليس على الاختلاف، بل على استمرارية التجديف في حق مدرسة هكذا عمق استدلالها على آرائها. فإذا كان الآخر له الحق في الاحتفاظ بآرائه ومقارعة الدليل بالدليل، فلن يكون له الحق البتة في الاستمرار على نعث هذه المدرسة بأنها دخيلة على الإسلام أو خارجة عن الدين، متآمرة على أهله، أو إلحاقها بالعقائد الفاسدة والضالة والكيل لها بمقتضى القاعدة: «ليس علينا في الأميين سبيل».

 لقد أدرك (قدس سره الشريف) أن ثمة مساحة واسعة لعبث الجاهلين وظلام مكثف يخيم على عرصاتها، ناتج عن أن حصاراً فرض على هذه المدرسة، وأقيمت في وجه حقائقها حصون شامخة منيعة، لم يتح لها التعبير عن بديهي أصولها وفروعها وصادق أفكارها وآرائها كما كان متوقعاً من أمة حثها دينها على حسن السماع وطول الإطراق والحراك بدليل جلي لا بهوى خفي. وبأن الآخر كان قد شط وماع في نسج ما لا يرضاه ذوق غرير أو متراهق ضليل حولها، من هزيل أساطير ليس لها في الأولين ولا الآخرين نظير، لو أنه استمر، لكان حقيقاً بإيجاد جيل يجهل تماماً أن الآخر ينتمي إلى أمته حقًّا، ولكان كما كان أمر الشامي الذي زار الكوفة، وفوجئ بوجود علي بن أبي طالب في المسجد، حيث قال متسائلاً: « أوَعليٌّ يُصلي؟».. 

ولعمري إن علي بن أبي طالب لم يُسب من على المنابر قرناً من زمن انحطاطنا الطائفي، إلا بسبب هذا التغليط وهذا التجهيل المسرفين اللذين لم يجد لهما من يخرم جدارهما السميك. ولقد قام المحدِّث النسائي يوماً بمثل ذلك الصنيع وكله ألم على ما رآه من تهوين وسباب أهل الشام لعلي بن أبي طالب يومها حيث وجد الناس تجهل من يكون الرجل الذي رباهم طغاة بني أمية على كرهه عن غيب، فبادر بشجاعة إلى تأليف كتاب: «خصائص الإمام علي» حيث ذاق بسببه ما ذاق من صنوف التعذيب والبطش، فكان النسائي صاحب أحد الصحاح في المدرسة السنية، شهيداً من أجل علي بن أبي طالب، حيث لم يجد طريقاً لكسر طوق التجهيل سوى بنهج التصريح والتفهيم والتعليم. ولم يكن السيد شرف الدين الموسوي سالكاً غير هذا المسلك، لأنه وجد لدى المخالف من المواقف المبنية على الجهل بهذه المدرسة ما لا يحصى. إن السيد شرف الدين بهذا المعنى كان في وارد الاستدلال والتعريف بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وآراء من وصفوا على طول الخط بأهل الأهواء من الرافضة دونما تمييز. وليس في وارد الدفاع عن الأفكار التي كان يؤمن بها إيماناً راسخاً.

 :تكتيك من أجل استراتيجيا تقريبيَّة كبرى

لقد أدرك السيد شرف الدين الموسوي أزمة هذا الواقع المرّ. كما استوعب معضلة المخالف ومأزقه المعرفي بخصوص موارد الخلاف، حيث غاص أكثر في طبقات وعيه، فكان على درجة عالية من النباهة مكنته من حسن التمييز بين أطياف ومستويات من الفهم والمواقف تترى. فبعضها يستند إلى موقف لا أبالي، ليس له رصيد من المعرفة أصلاً بوجود طائفة من المسلمين بهذا العنوان أو ذاك بله الوقوف على عمومات الخلاف وخصائصه. وهؤلاء على فرض أن خطرهم يسير وأنهم لا يمثلون تهديداً مباشراً للوحدة الإسلامية، إلا أنهم قابلين للاستغلال من قبل الذي يستقوي بهم مِنْ خصوم التقريب والوحدة الإسلامية، حيث من لم يتسلح بالمعرفة الضرورية تعرض حتماً للاستغلال. فإذا لم تُعاقر دينك بوعي، مُورس عليك بجهل. وفي التاريخ الإسلامي كان هؤلاء هم الجيش الاحتياطي الذي يحركه خصوم كل فئة ضدها، مرة ضد الفقهاء ومرة ضد الحكماء.

 ومن هنا كان لا بد للسيد شرف الدين ألَّا يهمل هذه الشريحة وأن يجتهد لإخراجها من الجهل وتمكينها من الحد الأدنى من المعرفة بالآخر حماية لها من الاستغلال الطائفي البغيض وإنماء لوعيها بواقع الاختلاف. ففي تاريخ طويل من النقاش البيني بين العلماء لم يثمر شيئاً، حيث إن إلجام العوام عن الحد الأدنى من معرفة موارد الخلاف وأدلته، واحدة من أسباب اتساع الجهل وتكريس التجهيل. من هنا كانت طريقة السيد شرف الدين الموسوي تعمل على تبسيط المطالب والمقاصد وتيسيرها للمتلقي، بحيث استطاع أن يوجد لدى الإنسان متوسط وبسيط الثقافة قدرة على استيعاب ما كان فقط من شأن العلماء الكبار. حتى تكاد تجد أن محتوى ما دار حوله النقاش بين علمين، هما الشريف المرتضى وعبد الجبار المعتزلي[6]، موجود في المراجعات والنص والاجتهاد، بنحو من التبسيط لكنه غير مخل بكمال المطلب، وهو على أي حال أسلوب برع فيه السيد (قدس سره الشريف)، براعة فرسان البيان والتبيين وأرباب السهل الممتنع!

لقد كانت هذه هي الفئة الأولى التي حاول السيد شرف الدين احتواءها وعزلها عن الاستغلال الطائفي، حيث أدرك أن بعضاً من العلماء أيضاً استغل جهل هذه الفئة ليطعمها بمزيد من الأساطير؛ حيث شاعت خرافة الروافض أصحاب أذناب البقر، وعبارات سخيفة نظير تقويلهم في أعقاب الصلاة: «خان الأمين»، وما إليها من خرافات على شدة شيوعها لم ينبرِ لها عالم واحد من المخالفين في زمن الانحطاط الطائفي ليكشف عن تفاهتها، بل ساهم أعلام كبار في تكريسها وإمضائها على الرغم من تهدل محتواها وعدم ثبوت أصل لها. إلا بعد أن انبرى السيد شرف الدين وأمثاله في العصر الحديث، لينضم إليهم بعض المنصفين من المدرسة السنية، فصدحوا بالحق وكانوا بذلك حقيقين.

وحيث فعل ذلك وكان نعم العون لهذه الطبقة حيث مكنها من الثورة على التجهيل ورفدها بعناصر المنعة والتحصن ضد سموم التجديف الذي كان يرسله بعض خصوم التقريب والوحدة إرسالاً، ليتلقفه الدهماء وعامة الناس تارة بطيبة وجهل وتارة بعصبية وشطط، فإنه أدرك أن في الطبقة العالمة هي الأخرى، مستويات مختلفة في منسوب الاستيعاب وصنوف المواقف. ففيها العالم المقيد بشروط المعرفة العلمية المذعن لصوت الضمير المنحني أمام جلال الحقيقة حيثما طار بها جناح أو رست بها قدم. وثمة فئة مكابرة معاندة تستغل جمال العلم في جلال الطغيان وتستقوي بمقدمات النظر في تحقيق مقاصد فاسدة، تعمق بها جذور الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة وتمارس التجهيل بألف ليلة وليلة من التحامل والخداع، ولا يهمها أن تعرف عن الآخر إلا ما يساعد على استئصاله من لوح الوجود. وحيثما ذكر الآخر كان لسان حالها «لا مساس». كأنها حقًّا صوت السامري يصدح خلف خوار عجله الفتان، ليصرف الأمة عن وحدتها المشدودة إليها من الأعناق. حاول السيد شرف الدين من خلال نشاطه الموسع ووصاله المكثف مع الأطراف العلمية المختلفة على امتداد العالم العربي والإسلامي، ومن خلال ملحمته المناظراتية التي زفها زفًّا سمحاً جميلاً في كتاب «المراجعات» مع علم من أعلام مصر المنصفين[7]، ما جعله يعزل ويميز فئة المنصفين عن أهل المكابرة.

 ولقد قدم السيد شرف الدين الموسوي رؤية متكاملة عن الشخصية المنصفة من المدرسة السنية بأعلامها الشجعان والمنصفين، ما فضح المستوى العلمي والأخلاقي لأهل المكابرة والتجديف، ليعلم العالم الشيعي قبل السني، بأن أهل السنة ليسوا سواء، بل إن جمهورهم الطيب غير العارف بمواطن الخلاف معذور. كما أن كثيراً من أعلامهم المنصفين الذين يتمتعون بسماحة وأخلاق وغزارة علم السيد سليم البشري شيخ الأزهر أنذاك، لهم وجود بين ظهرانينا لا تأخذهم في التواضع أمام سير الأدلة والحجج لومة لائم. وبذلك ضيَّق السيد شرف الدين من دائرة أهل التجديف والمكابرة. حيث سيحاصرهم علم المنصفين ويقظة العوام الواقفين على الضروري من موارد الخلاف. وحيث إن أهواء المتطرفين والاستئصاليين أينما كانوا، لا أثر لهم لشذوذهم وانفضاح أمرهم وهزال وسائلهم، إلا بأن يستغلوا علم المنصفين وجهل العوام. فإذا ما عزل المنصفون والعوام، وبان عوار المجدفين وهم الأقلية القليلة، والشرذمة الشاذة، أمكن التوصل إلى طريق أمثل للتقريب بين المذاهب الإسلامية والوحدة الإسلامية. فمن هي هذه الفئة يا ترى؟

من تَنَزَّلَتْ شريعة الوحدة والتقريب عندها منزلة المحذور..

هذه الفئة هي أخطر عقبة ضد مشروع التقريب.. فإذا ثبت أنها من التقريب وسياسته على قدر من الشدة والنفور، فهي في أمر الوحدة لا محالة أشد. ومثل هذه الشرذمة لم تعدم وجوداً في كل الحقب والطبقات، ولم يخلُ منها هذا المذهب أو ذاك. ولا تخلو جعبتها من مبررات تسوِّغ بها موقفها الرفضوي من أي تقارب أو وحدة تلم الشمل وتشد عرى الوصال. وهذا الموقف هو منتهى ما يصله متمذهب طائفي، وغاية ما يبلغه متشدد لا يرى ما يشغل ذمته من وحدة الأمة. ولا يكفي تعيير مثل هذه الفئة المتشددة ولا يجدي شيئاً تصنيفها في خانة واحدة، على الرغم من اشتراكها في الرفضوية المطلقة، حيث وراء هذا الاشتراك أسباب موضوعية يتعين على الباحث في شأن الوحدة وسائس التقريب أن ينزل إلى أغوارها، ليدرك الدوافع الحقيقية وراء هذه المواقف،غير ما يظهر من مسوغاتها التبريرية. وكان أولى أن نطلق عنوان الرافضة على من وقف من الوحدة موقفاً قاسياً أو متراخياً، ليشمل العنوان كل فئة من ذاك القبيل، سواء أكانت من هذه المدرسة أو تلك. ولا داعي أن نسرد هاهنا مواقف سلبية من ذاك القبيل وردت على ألسنة الآحاد من الفريقين تجاه الوحدة، تفادياً لذكر الأسماء والتعرض للأشخاص. لكنها تصريحات تُشير إلى واحدة من أكبر الآفات التي تواجهها أمتنا اليوم، ألا وهي شيوع ثقافة الفرقة والتشتت الطائفي والمذهبي. وهي ثقافة شائعة لا تنحصر فيما بين السنة والشيعة، بل مثل هذا التغالب يجتاح المدرسة الواحدة والمذهب الواحد والحزب الواحد. ولا يخفى أن ثمة ظروفاً زادت في تأجيج هذا الوضع. ولم تكن السياسة بعيدة عن هذا التأثير، إن لم تكن هي الدافع الأكثر حيوية ونشاطاً وراء كل المشاريع التفريقية والتدميرية داخل الأمة.

يعتقد بعض الرافضة للوحدة والتقريب أن مشروع التقريب -الذي احتضنته القاهرة في منتصف القرن المنصرم، وأحاط به جمع غفير من خيرة علماء الأمة- مؤامرة ماسونية وصهيونية[8]. والحل ألَّا أحد يلزمنا بالتنازل للوحدة مع فئة كافرة لم يثبت إسلامها على وفق ما تقرر من قواعدها في التفكير وأصولها في التكفير. وليس أمام تلك الفرقة التي اتهمت بالخروج عن الملة سوى مخرج واحد لا ثاني له، وهو أن تعلن توبتها وتدخل في الإسلام على نحو ما تقرر في هذه المدرسة أو ذاك المذهب، وإلا لن يتقبل منها شيء مما تدين به وتعتقد. أو أن تعترف بخروجها عن الإسلام ولا تعود إلى أن تصف نفسها به. وفي تلك الحالة فقط، سيكف عنها ذاك الفريق ولن يذكرها بسوء ولن يحمل عليها حملاته المشهودة. وتلك لعمري قسمة ضيزى، لو استمرت فلن تفلح هذه الأمة أبداً[9]. ولظلت الأمة على حالها، يغشاها الخور ويستنزفها المرض، وتستعبد للأمم المستكبرة، ويذهب ريحها، دون أن تتراجع هذه الفكرة، ولا تتبصر طريقها القويم في لجة سبل الضلالة التي تتربص باجتماعها وتربك خطوها. ومثل هذه المواقف على سذاجتها وظلمها الذي ما أنزل الله به من سلطان، لن تجعل هذا الفريق يتحرك قيد أنملة عما يدين به ويعتقد. بل من شأن مواقف كهذه أن تعمق الفرقة وتمدد المسافة بين الفرقاء، وربما أدت إلى ردود فعل لا يعلم منتهاها إلا الباري جل وعلا. إن الحل الذي يطرحه هذا الفريق على الفريق الآخر ليس في الواقع حلاًّ. بل هو ظلم واستكبار، يستخف بأدلة الطرف الآخر ويهون من حجته، ويدين أفكاره قبل أن يقارع ما انتصب من صارم أدلته أو يفسخ ما انعقد من حججه. وأي عاقل من أي عصر من العصور، لاسيما في عصرنا الذي أمسى أكثر نضوجاً في فهم واستيعاب قيمة الحرية والحقوق وأساليب المناظرة، لا يسعه إلا أن يمجَّ هذا المقترح مجًّا ويستقبحه استقباحاً، فأنى يذهبون؟!. لكن ترى ما هو الحل؟ وهل قدر على رافضة الوحدة والتقريب أن يستمروا على مواقفهم الانزوائية كما لو أن أمراً لم يحدث البتة؟!

من المؤكد أن ثمة رهاب قاتل لا يزال يتحكم بسيكولوجيا رافضة الوحدة والتقريب. فهم يعتقدون أن الانخراط في سلك التقريب يوشك أن يجرف ما رسخ في اعتقادهم. وأن الدنو من فكرة الوحدة من شأنه تعطيل كل هذا التراث من الحجاج. لا سيما وأن بعض الفرق تضخمت عندها ثقافة التبديع والتكفير حد التخمة. وصارت تفوق ما تبقى من مقومات ذلك المذهب من تعاليم فقهية وكلامية وتعلن حروباً بلا موضوع، ونزاعاً بلا محل. وقد غاب عن هؤلاء جميعاً أن للوحدة مداخل وللتقريب مراحل لا يستحسن تخطيها بالنسبة لأمة أدمنت عبر قرون خلت على أكثر أنواع المسكرات الطائفية حجباً للعقل وبعثاً لسورة الاستئصال. ليست الوحدة والتقريب قضية قرار يتحقق عبر اجتماع هنا أو هناك. بل هي مسار يستدمج مراحل عديدة، وتربية وثقافة وجهاد واجتهاد. يكون التقريب مبتدأ له والوحدة خبراً له وغاية. وليس من شأن جيل في هذا المشوار الوحدوي والتقريبي إلا أن يكون ممهداً أو مؤسساً، حيث مراكمة هذا الفعل المستمر هي وحدها ما يمكن أن يثمر نتائج ظاهرة ومعتبرة. فما رسخ عبر قرون لا يمكن تطهيره من خلال مشاريع محدودة في الزمان والمكان.

 ولك أن تتأمل، أن ما يكتب في التفريق يفوق أضعاف كثيرة ما يسطره أهل التقريب. إننا لا نبالغ لما نؤكد على أن الثقافة الغالبة على أمتنا اليوم هي ثقافة التفريق والكراهية واللاتسامح... وهذا يكفي أن نؤكد على أن ثمة غياباً فظيعاً لخطاب العقل وسيرة العقلاء. وعليه نقول: إن الحديث عن التقريب اليوم لا يعني أن تتنازل هذه الفرقة أو تلك على معتقداتها وأفكارها. بل غاية التقريب في مرحلة ما قبل الرسوخ في الثقافة والأذهان أن يتفهم كل طرف الطرف الآخر، وأن يفهم أن لكل منهما أدلة حاكمة على معتقداته، وأن مدار النقاش يجب أن يتجه نحو الدليل. إنما العوار كل العوار لما تدين كل فرقة بآراء لا تجد ما ينهض بها من حجية نص أو عقل. فإذا أدرك كل فريق أن نظيره يستند إلى أدلة ما، في حصول فهمه ورسو معتقداته، أصبح حينئذٍ معيباً أن تتهم كل فرقة الأخرى إلا على أرضية حجاج علمي تتحقق شروطه وأخلاقة ومقاصده ورجالاته. ليس غاية التقريب استدماج فرقة لنظيرتها، والخضوع لحركة أشبه ما تكون بالكون والفساد، بل المطلوب تفهم وتقدير ما عليه كل فرقة على أساس أنه منجبر بدليل، وأن لا تهمة إلا إذا انفسخ الدليل. وحيث لم يتحقق ذاك الانفساخ واستمر من الشبهات أكثرها، فلا حق لأحكام القيمة بله الاتهام والتعيير. وعلى هذه الشرذمة أن تدرك أن موقفها غليظ لو أنها افترضته في غيرها وتأملت ما يرد من أمر السفهاء حين سوراتهم واستحكام القوة الغضبية تجاه الخصم، لأدركت أنها على خطأ أخلاقي كبير، لا يصلح في دعوة أو حجاج. حيث للمناظرة آداب وأخلاق، لو أخل بها المناظر، وقفت المناظرة وانتهت عند ذلك التراخي[10].

:الوحدة ضرورة.. لكن بالتعايش لا بالاستئصال

إن ما يؤكد على أن السيد شرف الدين الموسوي كان يرى في الوحدة والتقريب بين المذاهب الاسلامية أم الضرورات، وأن كل ما قدمه من صنوف الحجاج لم يكن في وارد التغليب بقدر ما كان في وارد التعريف، هو انخراطه في مشروع دار التقريب ووقوفه إلى جانب أنصار الوحدة، وأسلوبه الفريد في المناظرة. لقد كان هناك تراث كبير من المناظرة أمام سماحته، يغلب عليه طابعان: بعضه غلب عليه طابع التغليب، والثاني غلب عليه طابع التهريج.

فأما ما كان يغلب عليه طابع التغليب، فكان على جديته وحماسته، ينصب غاية بين عينيه: أن تثبت كل فرقة مدعاها، وتهجم على الأخرى فتسلب منها مشروعيتها وتستخف بأدلتها على ما اطمأنت إليه، قصد تغليب طرف على آخر: إما أنت أو أنا، فلا متسع للتعايش ولا مندوحة للوصال. وحتى لو كان في تجارب بعض الإمامية ما كان يهدف الرد على هذا التغليب، بالنَّفَس نفسه والاعتبارات نفسها، فكان رد فعل يمتح من الغاية نفسها ويُعاقر الأسلوب نفسه. غير أن في التراث الإمامي حالات شبيهة بالتجربة الموسوية، وكانت تنتظر تكاملاً وتنضيجاً يبلغ بها ما كانت تطمح إليه، كتلك التي ابتدرها الشيخ الطبرسي الذي صنف جامعاً في الاحتجاج، وثَّق به ملحمة احتجاجات أعلام مدرسة أهل البيت من سيد الخلق أجمعين (صلى الله عليه وآله وسلم) مروراً بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) وانتهاء بشيعتهم الموالين (رضي الله عنهم). ومثله ما قام به أيضاً السيد المرتضى في ردوده على القاضي عبد الجبار، من كتاب الشافي، حيث قارع الرأي بالرأي، وكان مع ذلك لا يرى مانعاً من الانفتاح على مدرسة العامة فقهاً وأصولاً، بل لعله من أوائل من ألف في الفقه المقارن. وكذلك فعل الشيخ المفيد والحلي وأعلام كثيرون. غير أن طريقة السيد الموسوي  دفعت بهذا الاتجاه إلى منتهاه، فاستدخل عنصر التسامح في الحجاج، وتقيَّد بفن التنهيج المقارناتي في محاوراته ومناظراته، ونصب غاية نبيلة قطعت مع تراث التغليب، وردود الفعل التي تجعل الإمامي في موضع المدافع دائماً أو الواقع في رهانات التغليب التي يفرضها خصمه المناظر، فإذا بها طريقة تعيد طرح الأسئلة البديهية على التراث الإسلامي، وإعادة تشكيل الوعي بالخلاف على أسس علمية وأخلاقية سمحة، تجعل الغاية، التعارف، وعدم التسامح في إصدار حكم القيمة على المخالف، حيث بعد إثبات ما في حوزته من أدلة، لن يعود في وسع المخالف إلا أن يذعن أو يسلم بأن ثمة فهم آخر وتعبير مختلف، ينهض على صارم الأدلة التي بها عبَّدنا الشارع المقدس وبها يتحقق القطع المعتبر حجة في المقام.

وأما من كان يغلب عليه طابع التهريج فهو هادف إلى الاستمتاع بالتجديف والتفنن في التكفير والاجتهاد في تلفيق الصورة الخاطئة عن المختلف واختراع ما لا يصح لأجل مزيد من التبشيع للآخر. وهذا الضرب من المناظرة ضرره كبير ومقصده ذميم. ضرره كبير على المعرفة لأنه يقزم العقل ويطلق العنان إلى شيطان الأهواء، فإذا بالمتناظرين يستسهلان من القدح ما لا يقوى على استيعابه عقل محكوم بسلطة النظر، محفوف بقرائن الحكمة. فإذا بالمناظرات أو الكتابة في الخلاف تصبح مثوى للسفسطة والتصابي في الكيل الظالم والعبثي للحقائق، كأن يتم الحديث عن تخريفات من قبيل أن للشيعة أذناباً شبيهة بالبقر، أو فرية تافهة من وزن الريشة في حلبة الحجاج، نظير أعجوبة «خان الأمين»، وإذا ارتقى العقل التهريجي مقداراً يسيراً، تم الحديث عن تهم لا تقل سخفاً، نظير فرية القول بتحريف القرآن وإثبات الإفك على السيدة عائشة وإجازة الزواج بتسعة وهلم جرَّا من صنوف الإفك والتجديف الذي لا يؤطر بفقه أكبر أو أصغر ولا نظر أوسع أو أضيق. وهذا الضرب من الحديث في الخلاف والمناظرة حوله، هي قاصمة ظهر الأمة، وعلى نحو ذلك جاءت طريقة السيد الموسوي لتخفف من ثقل هذه الجبال من التهريج، على الوجدان المسلم وتسهل على المنصفين من أبناء المدرسة السنية، طريقاً سالكاً للوقوف على مصادر الحقيقة، ونفض ما علق في الذاكرة المرة من صورة نمطية على تهدل محتواها، وليقيم جسوراً جديدة على أساس الفهم العلمي الذي يستمد قيمته ومصداقيته من الأدلة المشروعة. ولك أن تتصور لو شاع في الأمة ما قدمه السيد الموسوي، إذن لخف وزر الخطايا ولتقلص حجم البهتان، ولعرفت الأمة طريقها إلى التعايش السمح والتفاهم الرضي. ففي مقابل هذا النوع من المناظرة ومعاقرة الخلاف تهريجاً، اجترح السيد الموسوي ما يمكن الاصطلاح عليه: المناظرة المسؤولة. وهي المناظرة التي تأخذ في الحسبان الغاية النبيلة التي تدفع باتجاه التعايش لا التنافر. إنها المناظرة الوحيدة التي يقرها الشرع وتستمد مشروعيتها من نبل الغاية، حيث ما دون ذلك من صنوف المناظرات التهريجية يدخل في باب الجدل العقيم الذي نهى عنه الشرع واستقبحه العقل، لأن غايته معكوسة، ومردوده هزيل، يزيد من حجم الكراهية ويهدم ما تبقى من جسور الوصال.

:السيد الموسوي.. شروط المناظرة الصحيحة

إذا سلمنا بأن ما قدمه السيد الموسوي قمين بأن يُجسِّد معالم مدرسة متكاملة في فن المناظرة وسياسة الخلاف، فإننا نستطيع من خلال هذا التراكم الكبير من الإنتاج الغزير في مختلف المباحث والأبواب، أن نتحدث عن الشروط الضرورية لقيام تقاليد صحيحة في المناظرة وسياسة الخلاف، والتي سنجملها في الآتي:

الشرط الأول: كفاءة عالية

ليس المعنى المراد من الكفاءة العلمية هاهنا مطلق العلم، بل المراد تحصيل العلم الضروري المخصوص بالخلاف. وهو الاستئناس بالمدرستين معاً، وامتلاك الحد الضروري من علم الكلام وأصول الفقه المقارن. حيث أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس. ومثل هذا الشرط تحقق بشكل لافت للنظر عند السيد الموسوي، حيث لم يكتف في المقام بالضروري من العلم بالتراث المخالف، بل زاد عليه مهارة، فكان استيعابه له استيعاباً تخصصياً لا هواية. وليس أدل على ذلك مما فاضت به أعماله التي مثلت معبراً لهذه الحقائق التي كان يستطلعها استطلاعاً، ويقتنصها اقتناصاً من غائر المتون ومنسي المصنفات. إن إطلالة سريعة على بيبليوغرافيا السيد الموسوي تكشف عن أنه أعد للمناظرة عدة كافية، مدركاً بذلك أن السفر في تفاصيل الخلاف، سفر طويل وأن العقبة في سياسة التقريب كأداء. لقد ألَّف السيد الموسوي كتباً كثيرة منها ما رأى النور ومنها ما صار في عداد المفقود، حيث لا ننسى أن بيت السيد الموسوي كان قد تعرض للحرق من قبل قوات المحتل الفرنسي وحُرقت له أعمال كثيرة. لكن ما أُحصي من مخطوطاته يدل كفاية على أن استئناسه بمصنفات المخالف الكبرى، كان على نحو التخصص لا مجرد الاستئناس الخفيف. فقد كان له تعليقات على كل من صحيح البخاري وصحيح مسلم. ولقد زاد أغا بزرك الطهراني من هذه المصنفات المنسوبة للسيد شرف الدين الموسوي، كتاب: «تحفة العلماء في من أخرج عنه البخاري ومسلم من الضعفاء». ومن هنا ندرك ما كان قد أورده سواء في مراجعاته أو في الفصول المهمة، من أسماء من أخرج لهم أهل الصحاح السنية من عدول الرواة الشيعة، ما يبطل فرية أن الشيعة يكذبون في الحديث. كما كتب السيد رسالة تحت عنوان: «ثبت الأثبات في سلسلة الرواة»، تحدث فيها عن شيوخه في الرواية من الإمامية والزيدية وأهل السنة. وفيه يذكر أن الشيخ سليم البشري المالكي الذي أجرى معه المناظرة الشهيرة التي ضمها كتاب المراجعات، كان قد أجازه في عام 1329هـ، إجازة شاملة لجميع الطرق والأسانيد لكتب أهل السنة قديماً وحديثاً المنقول منها والمتأخر. وممن أجازوه من أهل السنة الفقيه بدر الدين الدمشقي والشيخ محمد بن عبد الله الخاني النقشبندي الشافعي والشيخ توفيق الأيوبي الأنصاري الدمشقي. وأريد أن أؤكد على من أجازه من أعلام المغرب، ومنهم على ما نعرف أربعة، هم الشيخ محمد عبد الحي بن عبد الكريم الكتاني الفاسي الإدريسي، والإخوة الغماريين الثلاثة: أبو الفيض أحمد بن محمد الصديق الغماري الحسني الإدريسي وأبو المجد عبد الله بن محمد الصديق الغماري وأبو اليسر عبد العزيز بن محمد الصديق الغماري[11].

الشرط الثاني: آلية ناجعة

لا يكفي إحراز الكفاءة العالية، مهما بلغ وسع التحصيل ودرجة الاستئناس، إذا لم تنضم إلى ذلك آلية ناجعة، تحسن استثمار كافة المعطيات، استثماراً سمحاً حسناً، يحقق المراد وتنتج عنه ثمرة. ولعل السيد الموسوي قد أدرك بذكاء ما كان يعتور أكثر أشكال المناظرة، نتيجة الخلل الذي تعانيه آليات التحقيق والتواصل، ما يؤدي إلى نتائج تعمق الإشكال وتمنح المكابرة والانزواء مسوغات إضافية للتردي في الشطط. تقوم الآلية الناجعة في أي مناظرة ناجحة مسؤولة على خلفية التكامل بين ضربين من التسامح، أي التسامح في النظر والتسامح في العمل. وربما أمكننا في كل المناسبات التقريبية والوحدوية التقدم باتجاه شكل جديد من التسامح في العمل، يجعل كل طرف يحتفظ بآرائه، وفي الوقت نفسه يبادل الطرف الآخر بحسن السلوك ودماثة الخلق. وهذا لعمري درجة تعتبر في المقام، لأنها أفضل حال من القطيعة والفرقة والانزواء، لكنها تظل خطوة صغير غير مكتملة، لأنها تأخذ فقط بأسباب التعارف في شقه العملي الأخلاقي القائم على المعروف، لكنها تحتفظ بتصلب خفي بمواقفها وخلفياتها، ولا تأخذ بأسباب التعارف في شقه النظري العلمي القائم على المعرفة. فإذا لم يعضد النظر العمل، والمعروف المعرفة، يكون التسامح ناقصاً وثمراته جميلة المنظر، لكنها مرة كالعلقم وإن بدا شكلها جميلاً كالأترجة. ومقتضى التسامح في النظر هو ما أسميه بالاقتصاد في الخلاف. فلو أننا راجعنا ما بين أيدينا من نماذج خلافية لوقفنا على فائض قيمة زائف ليس له من وجود حقيقي سوى ما كان من جود التجديف وكرم البهتان وسخاء المغالطة وسوء الفهم الناتجة عن عدم التسامح في النظر، وإرادة التبشيع والتقبيح الذي بلغ حد التخريف والهجر الطائفيين. وليس أمام المختلفين، لتحقيق مبدأ الاقتصاد في الخلاف؛ إلا الأخذ بمبدأ التعارف في شقه العلمي، أي أن يتحقق شرط السماع بين المختلفين، ووضع حد بقوة الإجماع للزائف الملفق، حتى لا يعود إلى الواجهة، ولتنقية المناخ من كل ما من شأنه تهويل الخلاف ورسم مسافة فلكية بين المختلفين. وهذا ما حدا بالسيد الموسوي أن يقوم باستعراض عقائد الإمامية بالدليل، حتى يدرك الطرف الآخر بؤس ما حيك وبؤس ما يحمله الآخر من معلومات عن الإمامية، حيث لم يكن الهدف التغليب كما قلنا، بل التعريف، كمقدمة للمعروف. ولتحقيق هذا الغرض عبر آلية المناظرة المسؤولة أو التحقيق الجاد، استند السيد الموسوي إلى آلية ناجعة تقوم على تأمين خط ذهاب وإياب بين المدرستين. فلا معرفة إلا عبر هذا الخط، ولا معروف إلا بتحقق القدر الضروري من المعرفة.

الشرط الثالث: مقصد نبيل

قلنا إن كل ما قدمه السيد الموسوي في الخلاف لم يكن مهجوساً بالتغليب كما بدا للكثير، بقدر ما سعى إلى التعريف. ولم يكن التعريف هو الغاية القصوى بل كان غاية قريبة، هي بدورها محطة في سلسلة العلل، لغاية أكبر ومقصد نبيل، أن يستقر جنان الأمة وتتقارب أطرافها وتتوحد على المساحة الكبيرة من المشترك الذي به كانت أمة واحدة. ويبرز ذلك بشكل واضح من خلال «الفصول المهمة في تأليف الأمة» حيث نلاحظ طَرْقاً للخلاف، وهجوماً على الزيف بدل الفَرَق منه، وكشفاً عن المغالطات التي تقعد بالأمة عن فريضة التواصل والتقارب. ولقد أعاد الحديث نفسه الذي سبق وعالجه في كتبه الأخرى كالنص والاجتهاد أو المراجعات أو الرسائل الأخرى كبحثه حول المسائل الفقهية أو التقية وغيرها، ما يؤكد أن الغاية التي كانت تتحكم بهذا العرض الملحمي للعقائد والأحكام الإمامية، هي هذا المقصد النبيل والغاية الكبرى. إننا نجد في هذا المقصد غاية مركبة تجمع بين مثالية النبل وواقعية المقصد. لم يكن السيد شرف الدين، مثاليًّا في التماس هذه الغاية والحث عليها من موقع الحالة الوجدانية المثالية التي نجدها لدى كل غيور على وحدة الأمة دون أن يوفق إلى إيجاد السبل العملية لها، بل لقد كان واقعيًّا، وهو ما يفسر درجة الصدمة التي أحدثتها كتاباته لدى كل من كان ولا يزال يزعجه أن يتعرف المسلمون على حقيقة الخلاف، خارج مناخ التجديف والانزواء الطائفي. لقد أبرزت سماحته حقيقة أخرى، وهي أن سبب النزعة الطائفية ليست هي أن تبرز حقيقة معتقدك، بل النزعة الطائفية هي حينما نستمر في التجهيل ونجعل كل طرف يحتفظ بقدر من المعطيات المزيفة التي لا يستسيغها معروف ولا معرفة، أي لا يستسيغها فعل التعارف الذي إن كان هو سنة الله في خلقه التي دعا إليها القرآن الكريم، فإنها بين أطراف الأمة الواحدة أوجب بموجب الأولوية القطعية. إن صدمة الواقعية التي انتهجها السيد شرف الدين، هي صدمة طبيب لم يعد يجد في الجسد المترهل ما يساعد على العلاج إلا بآخره، وهو الكي. ولكنها صدمة مجبورة بنبل الغاية التي حكمت كل مبادرات ونشاط السيد شرف الدين، وحدة الأمة وتقارب مدارسها وألفة أبنائها.

 هل كان السيد شرف الدين يمارس التقية؟

لو أن المدعي اطلع على ما قاله السيد شرف الدين في التقية لأدرك أن لهذا المبدأ أصولاً مقررة، وشروطاً محددة، وأنه لا يؤدي إلى ذلك المعنى القدحي إلا عند من صمم على إحكام جدار الانزواء وقطع دابر التعارف، ونبذ واجب التحقيق. وما أكثر ما اتُّهم أتباع مدرسة آل البيت (عليهم السلام) بالتقية والكذب وما إليها من تهم. فما هي التقية وهل قدر الشيعة أن يتعبوا أنفسهم بإعلان حسن النوايا حتى قيام الساعة، وهل مع استمرار هذا المنظور الخرافي يمكن أن يستتب أمر الوحدة وبناء الثقة، أو هل سيكون أمر الشيعة مريباً، وليس لهم سوى أن يقولوا متى قالوا أو فعلوا على أساس، صدق أو لا تصدق!؟

التقية كما يعرفها الشيعة حكمة صادقة. وهي كما يعرفها خصومهم جبن وخور وخداع ومراوغة وكذب. فكيف يقال ذلك وقد قال إمامهم يوماً: لو تظاهرت عليَّ العرب ما وليت هارباً! وماذا سيفعل الشيعة بكل هذه التعاليم الحاثة على نبذ الكذب وتعظيم خطره و مكارم الأخلاق التي اكتظت بها مصنفاتهم ونهض عليها نظامهم التربوي؟!

لقد ارتبط مفهوم التقية بالعقائد الشيعية، حتى بات في نظر خصومهم واحداً من مميزات الشخصية الشيعية لا تنفك عنها بأي حال من الأحوال. وذلك بعد أن تعدَّوا بالمفهوم إلى مطلق السلوك الشيعي الفردي والجماعي على السواء. فلم يكن غريباً أن يتحدث أحد المحللين عن موقف الشيعة بالعراق بأنهم يمارسون التقية مع الأمريكان. ولقد بالغ خصوم الشيعة في هذه النعوت بل وأصبحوا يحملون عنها فهماً خرافيًّا لا يقل سذاجة عن خرافة الشيعة أصحاب أذناب البقر التي طالما تغذَّى عليها العقل التكفيري ردحاً من الزمان غير بعيد. والواقع أن مفهوم التقية بعد أن كان مفهوماً ذا أهمية قصوى ودلالة عالية في العقائد الإسلامية، سرعان ما تحول إلى معنى قدحي، دفع الشيعة بموجبه الثمن غالياً، حيث ظن غالبية الناس من ضحايا التجهيل أن الشيعة غير صادقين في ما يظهر من كلامهم. ولا يخفى أن المنظور الذي يحمله خصوم الشيعة عن الشيعة بخصوص مفهوم التقية، هو بخلاف الطبيعة البشرية وبخلاف الواقع التاريخي الذي عاشوه ولا يزال دربه ممتداً أمامهم وبخلاف منظومتهم المعرفية. فأما من جهة الطبيعة فإن بشريتهم مانعتهم من أن يكون لهم باطن دون ظاهر كسائر خلق الله أجمعين بمن فيهم إبليس اللعين. فإذا كان مستساغاً لدى من رأى فيهم يوماً أنهم ليسوا بشراً، بل لهم أذناب بقر، فحتماً سيصدق بكل ذلك إلا أن يقال: إن لهم باطناً فقط، حيث كل ما للحيوان ظاهر لا محالة. فأن يكون سلوك الشيعة محكوم بهذا الستار الحديدي من التقية في الصغيرة والكبيرة، دليل على طبيعة العقل الذي يتحلى به خصومهم، وهزال التفكير الذي لا يزال يشكل القاعدة المنطقية لمثل هذه النعوت. وأما من جهة التاريخ فإن الشيعة كانوا ولا زالوا يتواصلون ويتفاعلون ويكتبون ويحاضرون ويجاهدون ويبنون. ومثل ذلك لا يستقيم بالباطنية المطلقة، والتقية الشاملة لفعلهم. وكيف يقال إنها كذلك، في حين أن السر لو ذاع في المجتمع وفشا بين الناس عز أن تجد له حاجباً. فمادام للشيعة مجتمعاً وما دام مجتمعهم محكوماً بسنة الاجتماع البشري من نزعات وخصومات وعواطف وانفعالات ومعاملات وذنوب، فحتماً لن يكون لهم رأي باطن، بل ولكان انتهى التواصل بينهم منذ زمن بعيد. لجهة أن قوام التواصل هو ثبوت إرادة المتكلم وجريان الفهم على قانون التلقي، الذي يقوم على حجية الظواهر وقرينة الحكمة كما يقول الأصوليون.

 وأما من جهة منظومتهم المعرفية، فلك أن تنظر في عقائدهم، حيث ظن الكثيرون أن التقية من العقائد التي تتقوم بها أصولهم، في حين التقية هي سلوك طبيعي وموقف عقلاني وعقلائي أمضاه الشارع بنص الآية وجملة الروايات التي كان أول مواردها حادثة الصحابي الجليل عمار كما لا يخفى. ولك أن تتأمل مورد الآية، حيث رفع الحرج عن عمار بن ياسر لم يسلب قيمة الصدح بالحق الذي قضى في سبيله أبواه. فهم صدحوا وهو اتقى، وكلاهما له حكم خاص، فتأمل! وهي تمثل ما سماه غيرهم تورية وما إليها من عبارات تؤكد على المطلب ولا تنفيه وإن كانت تخالف الاصطلاح الذي أقره القرآن ليتحول من معناه اللغوي المعروف، إلى حقيقة شرعية بموجب هذا المورد. مع أن أصل التسمية هو ظاهر الآية: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}. ولعمري هي المرة الأولى التي أرى الشيعة يُعيَّرون بمبدأ سماه القرآن ولم يسموه إلا تمسكاً به. ومن جهة أخرى، ما كان للشيعة أن يكون لهم هذا التراث الكبير من الفروع لو أن التقية قامت عندهم على خلفية هذا المنظور الخرافي المستحيل تحققه في عالم النوع. فلا شك في أن الفروع تتحصل بظاهر الكلام، وأنهم أدركوا في عملية الاستنباط أن كلام العقلاء وذلك هو مفاد قرينة الحكمة تام وظاهر ومفيد. وما استثني عند التعارض بسبب التقية إنما هي واحدة من طرائق فك التعارض بين الروايات عند انسداد باقي الطرق المقدمة في المقام.

ولو كانت التقية مساوقة للكذب، لكان الإمامية أولى بنبذها لما علمت أن مذهبهم في التخلق على مذهب الأبطال والفرسان من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ولو كان السيد شرف الدين حاشاه على ما يقول عنه بعض المجدفين كاذباً، لما أجازه من أعلامهم من عرف بالإنصاف والتقى. فلقد كان صريحاً واضحاً في عرض آرائه، شجاعاً عارفاً بأن لا طريق للتحقيق إلا بجهد العالم وصراحة المناظر وتخلقه؛ فالتقية في المقال خارجة تخصصاً، ولقد دفع السيد الكريم ثمن صراحته غالياً. ذلك لأن إرضاء الشيعي لخصمه كانت ولا زالت غاية لا تدرك.

آفاق الرؤية الموسوية أو آفاق تجديد فن المناظرة؟

على الرغم من أن المحاور الأزهري للسيد الشرف الدين كان هو الشيخ سليم البشري، صديقه وزميله في دار التقريب ومجيزه ضمن من أجازوه، إلا أن البعض لم يستحسن هذا الواقع، فحاول جهده الالتفاف عليه، وتكذيب واقع قائم مشهود. ومع ذلك كان أحرى بنا أن نقول: إن أخلاقيات المناظرة وروح الوصال وعمق النظر الذي حكم مناظرة العلمين المذكورين، هو انتصار للحقيقة والمنهج الضروري اتباعه في كل أشكال المناظرة المسؤولة. وهي على كل حال، إذا نحن تخلصنا من خلفية التغليب التي تشكل الهاجس الوحيد في المناظرة المذاهبية سندرك أن (المراجعات) كان قد قدّم نموذجاً ناجحاً، ونمطاً في الحوار لا يرقى إليه في سماء الخلق الرفيع جناح. ولعمري كيف طابت نفوس بمثل «منهاج السنة» الذي جاء ردًّا عنيفاً قاسياً على كتاب «منهاج الكرامة» لابن مطهر الحلي، ورفعوه مقاماً عليًّا رغم حجم السباب والشتم وتحريف الحقائق والتجديف، ولم يروا في المراجعات، سوى مكر شيعي وما إليها من أوصاف نمطية معدة سلفاً وجاهزة للتنزيل ولو بالتكرار الممل. رغم ما اشتمل عليه من تحقيق نظري وآداب وتخلق في أداء المناظرة.

لكن علينا أن نقول: إن لهذا التراث النظري للسيد شرف الدين مادة وروحاً. وروحه المتأججة يلقي على عاتق الأجيال مسؤولية التجديد المستمر في فن المناظرة المسؤولة وانتقاء الآلية الناجعة والاجتهاد في تحقيق تكامل المقصد النبيل والغاية الواقعية. لقد كان سماحته بالغ الذكاء لما استحضر عدداً من الرواة الشيعة المعتبرين في التراث السني، ليدفع بذلك الفرية النمطية التي تختزل التشيع في التقية، التي يحملونها على معنى المراوغة والتخفي والكذب. لقد نظر سماحته إلى الخلاف، وأدرك أن ثمة أسباباً وخلفيات، كما أن لمروجيه أهدافاً ودوافع مختلفة. وسوف نستعرض ذلك حتى نستوعب هذه الأهداف، ونؤكد بعد ذلك على ضرورة استكمال ما لم يكتمل منها، لأنها رسمت معالم الحل لمسألة الوحدة والتقريب بين المسلمين.

من وراء العصبية والفرقة؟

في الفصل العاشر من (الفصول المهمة) أوضح سماحته السبب في أن يعلن براءة الشيعة من أكثر مما نسبه الكذابون إليهم. وأبرز الغاية من ذلك، وكما سبق وأوضحنا، بعيداً عن هاجس التغليب، بل بدافع لَمِّ الشعث واستئصال منابع العصبية. يقول J: «والغرض من ذلك استئصال شأفة التنافر واقتلاع بذرة التدابر وإزالة كل عثرة في طريق الاجتماع ودكّ كل عقبة في سبيل الوئام، وقبل الشروع في المقصود نقدم جملة لا تتم بدونها الفائدة، وحاصلها: أن في أهل السنة من رمى الإمامية بدواهي وفوارق قد علم اليوم بفضل المطابع وبركة انتشار الكتب وتقلص العصبيات وبزوغ الحقائق أنهم في غاية البعد عنها وتمام التقدس منها»[12].

وقبل أن نقف على الأصناف التي تقف وراء ذلك يستحسن الوقوف هنيهة عند ما تفيض به عبارات سماحته، في معرض شرحه للأهداف الثاوية وراء مبادرته تلك. يلاحظ أن السيد اعتبر أن أخذ الأكاذيب مأخذ الحقائق، وتبني الأراجيف كما لو كانت وقائع، هو ما يشكل عثرة في طريق الائتلاف. وإذن أصبح واضحاً أن العمل على اجتثاث هذه الأراجيف، هو بمنزلة مقدمة الواجب للوحدة والتقارب. تأكيداً على مشروعية المبادرة لفضح ما كان من قبيل ما تمت الإشارة إليه. ثم لاحظ قول سماحته: «إن في أهل السنة»، حيث إذا كان من مغالطات المجدف أن يتحدث عن الشيعة بالجملة، فإن حاكم الموضوعية والنزاهة يجعل السيد يفصل ما استطاع حتى لا يظلم من هم بعيدون عن هذه الفتن من أبناء السنة، كابن اللبون، الذي لا يخوض فيها خوضاً ويتألم كألمنا لهذا التصدع الذي خلد بالأمة إلى الأرض، وأربك خطاها. ثم لابد من الوقوف عند العبارة الأخيرة، لما يتحدث السيد عن ثلاث حقائق جديدة من شأنها أن تفضح التزييف وتبطل التجديف، وهي:

ـ فضل المطبعة وانتشار الكتاب

ـ بزوغ الحقائق

ـ تقلص العصبيات

إن للمطبعة دوراً كبيراً في تاريخ البشرية جميعاً. وقد استطاعت المطبعة أن تحدث انقلابات كبرى في أوروبا، وأحدثت قطيعة، بسبب انتشار الأفكار وحجم انتقال المعرفة. ومثله حدث في المنطقة العربية حيث إن دخول المطبعة إلى مصر إبان الاحتلال وأيضاً إلى بلاد الشام، ساهم في نقلة ثقافية كبرى، عرفت حينها بالنهضة العربية الحديثة. وقد كان للمطبعة دور بارز على صعيد انتقال المعلومات والمعارف، لاسيما ما يتصل بتاريخ وعقائد الإمامية بعد أن كانت مخطوطات نائمة في رفوف الآحاد. فإذا كانت المطبعة وانتشار الكتاب قد فكَّ الحصار، وقضم من جدار العزلة، فكيف يا ترى، يكون الأمر اليوم لو أن السيد شرف الدين شاهد كل هذا الانقلاب في وسائل المعرفة وفي سرعة انتقالها، في عصر العولمة والثورة المعلوماتية؟!

كذلك يعزو السيد شرف الدين التقدم في هذا المجال إلى بروز الحقائق، حيث لا ينحصر فقط في انتشار الكتاب وظهور المطبعة، بل أيضاً يتعدى إلى حجم الأبحاث المستجدة والاهتمام الذي أبداه الكثير من المنصفين لإحقاق الحق والبحث في التراث الآخر، من عرب ومستشرقين.

وأما الثالثة فراجعة إلى التقدم الاجتماعي والحضاري وارتفاع الذوق الحديث الذي أدى إلى انكماش في ثقافة التعصب، وجعل الثقافة الحديثة تستقبحه أكثر من أي وقت مضى. وقد كان من نماذج ما بلغنا من خبر الإحراق لكتب الشيعة ومصنفاتها ما يشيب له الولدان. والكثير منها اندثر ولم يعد له من وجود سوى آثار العناوين التي خلدها مصنفو البيبليوغرافيا. ولم يكن كتاب الذريعة في تصانيف الشيعة إلا مثالاً، أو بالأحرى جواباً عن فرية عدم وجود آثار شيعية نهضت بها الحضارة الإسلامية. فلقد أردف حدث انهيار الدولة الفاطمية عملية إحراق واسعة للمكتبة الشيعية كما رُمي بعضها الآخر في النيل، واستعمل العبيد جلودها في صناعة النعال كما جاء في تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان. كما أحرق طغرلبك السلجوقي بيت الحكمة التي كانت للشيعة وأسسها ابن بابويه[13]. وحدث مثل ذلك قبله وبعده، بل حتى في العصر الحديث حدث نظيره، وقد كان السيد شرف الدين ممن تعرض بيته للحرق، فضاع بذلك تراث غزير من جملة ما ألفه من مصنفات.

فكل هذه عوامل كانت سبباً في فضح أكاذيب من اتهم الإمامية بتلك الأكاذيب، ومع ذلك هناك من آثر التمسك بها إلى آخر رمق في نوع من المكابرة قبيح، وأحياناً إلى درجة الوقاحة. ولهذا استعرض السيد الموسوي هذه الأصناف التي تمسكت بهذه الأراجيف، إلى طبقات وطوائف هي:

ـ قسم تمثله طائفة من العلماء المتزلفين للبلاط الأموي والعباسي، حركتهم دوافع الانتماء السياسي وطلب الحظوة لدى السلطان الذي كان حينئذٍ خصيماً لأهل البيت وشيعتهم.

ـ قسم تمثله طائفة من العلماء قاموا بذلك خوفاً من أن يميل الناس إلى التشيع، فهم على درايتهم بنزاهتهم من كل تلك التقولات والأراجيف.

ـ قسم اختلطت عنده الأمور ولم يفرق بين المنسوب لبعض الدعوات التي تشترك مع الشيعة الإمامية بعنوان الشيعة، نظير الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفية، فلم يتثبتوا.

ـ قسم يمثله جماعة ممن اعتمدوا على ما ذكر أسلافهم من هذه التقولات والأباطيل فساروا على ملتهم في إرسال الأباطيل دون تثبت أيضاً.

ولعمري إن التقسيم أعلاه، لا يزال يطل علينا من أعلى مستوياته، حيث إن دوافع السياسة والخوف من انقلاب الناس إلى التشيع واختلاط الأمور والتسامح في تبني الأراجيف، أمر لا تخجل منه النخب فما بالك بالعوام. فأنت تجد باحثاً من شيوخ الفكر العربي مثل الدكتور محمد عابد الجابري، كان قد صب على الشيعة ما كان أرسله إرسال المسلمات، منقولاً حرفيًّا من كتب الملل والنحل، معترفاً بأنه لم يفعل سوى الاعتماد على المصادر المعتبرة عنده، أي كتب السنة. فالباحث الذي يدعي أنه بصدد نقد العقل العربي وتفكيكه، لم يملك أن يحقق في أبسط الحقائق المزيفة، فتبنى الأسطورة السبئية على علاتها واستعاد كل التهم الرخيصة في حق الشيعة مخلِّطاً بين عقائد هذا الفصيل وذاك. وقد تقبل منه ذلك ردحاً من الزمان من قبل المتلقي الذي طالما التبس عليه الأمر ولم يعلم من أمر الخلاف أيسره، قبل أن يصبح مشروعه محط سخرية أهل التحقيق، وبعد أن تبين أنه لم يكن سوى مقلداً لكل هذه المعطيات تقليداً لا يرفعه إلى مصاف المنصفين والمفكرين المبدعين. وقس على ذلك كل من كرّس الافتراء ولم يلتفت إلى ما يهذب به رأيه أو يصحح به منظوره التقليدي. فكان ما سمي بنقد العقل العربي، أكبر تجلٍّ لأزمة هذا العقل الذي أعاد كتابة التاريخ الإسلامي على النغمة نفسها من التجديف وعلى الوتيرة ذاتها من البهتان. وقد أثبتت طريقة السيد شرف الدين الموسوي أن نهج المناظرة المسؤولة، وانسياح الحقائق سوف يحاصر هذه الدوافع ويفضح هذه الطوائف، حيث أصبح من المتعذر على أحد أن يمنع أحداً عن معانقة الحقيقة ومباشرتها بنفسه والتعاطي معها في خلوته.

:في دواعي التنافر

في الفصل الثاني عشر من فصوله حاول السيد شرف الدين الوقوف بصراحة وشجاعة على مصدر المنفر من كل فرقة تجاه الأخرى. محاولاً وضع اليد على نزيف التباعد والتنافر، وتضميد الجرح بما تراءى له دواءً ناجعاً. وفي هذا السياق قسّم الحديث إلى مقصدين، أحدهما يستعرض باختزال، ما ينفر الشيعة من السنة والمقصد الثاني، ما ينفر السنة من الشيعة. ففي المقصد الأول تحدث سماحته عن منفرين، أولهما ما كان من تكفير وتحقير من قبل بعض من أهل السنة للشيعة، وقد عالجه سماحته ووقف على أكثر التهم المحاكة ضدهم. وثانيهما عزوف أهل السنة عن الأخذ من أهل البيت في الأصول والفروع. فلم تروِ صحاحهم عن أئمة أهل البيت، ولم يخرِّج البخاري -الذي روى عن الخوارج- أحاديث عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي والعسكري، ولا عن الحسن أو زيد أو يحيى و.. و..

أما في المقصد الثاني فلقد تعرض سماحته إلى أهمها، معتبراً إياها المسألة الوحيدة والمعضلة الشديدة، ألا وهي مسألة الصحابة. وقد أرجع السيد ذلك إلى أن بعض الفرق التي تحمل عنوان الشيعة غلت غلوًّا كبيراً في النيل من الصحابة جملة وتفصيلاً. ولقد تحدث عن أهمية الصحابة ونسب التشيع إلى بعضهم، ودعا إلى إبراز أسمائهم كما وعد هو بذلك. يقول J: «وذلك أن بعض الغلاة من الفرق التي يطلق عليها لفظ الشيعة، كالكاملية يتحاملون على الصحابة (رضي الله عنهم) وينالون من جميع السلف، فيظن الجاهل أن ذلك رأي مطلق الشيعة، ويتوهم أنه مذهب الجميع، فيرمي الصالح بالطالح، ويأخذ البريء بذنب المسيء (...) وكيف يجوز عليهم ما يقوله الجاهلون أو يمكن في حقهم ما يتوهمه الغافلون، بعد اقتدائهم في التشيع بكبراء الصحابة كما يعلمه الخبير (بالاستيعاب والإصابة وأسد الغابة)، (...) وسأفرد لهم إن شاء الله كتاباً يوضح للناس تشيعهم ويحتوي على تفاصيل شؤونهم، ولعل بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب فيكون له الشرف»[14].

يظهر مما سبق أن آفاق المشروع التقريبي للسيد شرف الدين لم ينجز. وأنه كان مع كل ما قدّم يرسم الخطوط العريضة لعمل دائم ومستمر لتفكيك دواعي التنافر والبعاد. وقد اختصرت دعوته المزدوجة الأخيرة ذلك الطموح، بحيث يحث أهل السنة على الاهتمام بآثار أهل البيت، وإظهار ما في ذمتهم من الاحترام والتقدير لهم، في صورة مشاريع عملية كما بدأ يظهر مع آحادهم هذه الأيام، وهو أمر حسن. كذلك على عاتق الشيعة الإمامية أن يهتموا بالصحابة ويمنحوهم التقدير الذي في ذمتهم، ويحصوا آثارهم وسيرتهم في مصنفات تدفع عنهم فرية أنهم يسبون الصحابة. فليتحدثوا عن فضائل هؤلاء القوم الذين قدَّموا أرواحهم في سبيل نصرة الدين، وكانوا حواريين للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقديم الاحترام لهم بالجملة والتغليب، وإن كان من بينهم من لم يرضَ صنيعة الإمامية، وذلك اقتداء بأسلوب القرآن الكريم، الذي ترضَّى عنهم بالجملة، في بيعة الشجرة مع أن من بين من حضر بيعة الرضوان مع الصحابة الأجلاء، ابن سلول، رأس النفاق في المدينة. وذلك في سياق ما أسميناه بالاقتصاد في الخلاف. فأن يكون الخلاف في آحادهم أهون من أن يكون فيهم جميعاً. ثم إن السيد شرف الدين حمل الأجيال اللاحقة مسؤولية الاهتمام بالصحابة. غير أن ذلك لا يكفي، حيث إن قوام عقيدة أهل السنة في الصحابة هي بالتفصيل لا بالجملة.

 وأيضاً بالتراتب لا أفقيًّا. فلا يكفي احترام البعض منهم إذا ما احتفظت بموقف من البعض الآخر، من منطلق أنهم في العدل سواء، كما لا يفيد أن تحترم الغفير منهم إذا لم تقدم رأيك فيمن احتلوا في تراثهم منزلة كبارهم. والحق يقال، إن السيد تحدّث عن مبررات الموقف الإيجابي بالجملة، وقدم ما يكفي لتفهم موقف الشيعة من الأولين دون أن يمنع هذا من الحديث عن إيجابيات الجميع، ونهج الواقعية في النظر إلى مسألة الصحابة (رضي الله عنهم). إن مسألة الصحابة معضلة شديدة، وعلى المختلفين أن يستمروا في معالجتها، لأنها وحدها قد تخفف من شدة الفرقة والبعاد، مادام أن المدار هو الدليل والحجة، ليس إلا. فهل العقل المسلم مستعد لقبول الحقيقة كما هي وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أساس التحقيق لا التغليط؟!

وأخيراً:

في نهاية المطاف، جدير بنا الحديث عن بعض التوصيات الضرورية حتى لا يكون مؤتمرنا الحالي عديم الأثر والأهمية، إلا إذا أسفر عن مشروع أدنى وأوسط وبعيد.

الأدنى: أن تنجز موسوعة حول السيد شرف الدين الموسوي، تضم ما ذكر في حقه وما قيل عنه، وهذا عمل فوري ومتاح، حيث المؤتمر الحالي يشكل مفتاحاً لذلك.

الأوسط: أن تنجز موسوعة تضم الأعمال الكاملة للسيد شرف الدين الموسوي، المطبوع منها والمخطوط، بالتعاون والتنسيق مع المعنيين بالأمر والمؤتمنين على تراثه.

البعيد: أن يعكف كل فريق من أهل الخبرة باستقراء واستلهام المعالم المميزة لآثار السيد الموسوي وأفكاره ونشاطه وتأطيرها ضمن قواعد ومعالم مدرسة متكاملة تدرس في المعاهد المتخصصة بتخريج المبلغين والدعاة. وأن يتم تأسيس معهد أو مركز باسم السيد شرف الدين الموسوي يُعنى بهذه الأهداف. كما يُعنى باستكمال المشاريع التي وعد بها قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى، وفي طليعتها أن يصنف الشيعة كتاباً حول الصحابة، يبرزون فيها الكم الهائل من أسماء المعتبرين منهم الأجلاء، وأيضاً الإتيان على سيرتهم كما هي، حتى لا يقال بعد اليوم إن الشيعة تكفِّر الصحابة ولا تبقي إلا على ثلاثة منهم أو أكثر من ذلك بقليل.

 



[1] ورقة مقدمة للمؤتمر الدولي حول الإمام شرف الدين الموسوي العاملي، المنعقد في 17 - 18 ماي 2006 ببيروت.

[2] عبد الحسين شرف الدين الموسوي، النص والاجتهاد، ص 14، منشورات الأعلمي، ط2/ 1966، بيروت.

[3] كان حريًّا بالمخالف متى ما بلغه مجمل الحجاج الذي قدمه السيد شرف الدين الموسوي في سبيل تبديد ما بدا غرابة في المعتقد الإمامي ببسط الدليل والبرهان على ثبوته، وأيضاً تبديد الأراجيف التي حيكت ظلماً وجهلاً في حق الإمامية، أن يهون خرط قتاد التجديف والحقائق الزائف على تراكمها المهول. لكن هيهات، فلقد ارتأى البعض أن يستمسك بعروة المكابرة، والسير في تعرجات التجديف إلى منتهاه. ولا شك أن ما بدا شاذاً في مذهب الإمامية لم يعنِ الشيعة المتأخرين فحسب، بل إن التهمة ذاتها كما عبر عنها ابن خلدون تطال أئمة أهل البيت أيضاً، حيث قال: «وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها». وليس أغرب من هذا قول، لما يتهم الثقل الأصغر بما دلت عليه المتواترات، وبث بثًّا مكروراً في متن الصحاح، بأنهم من أهل البدع. ومع أنك تجد ابن تيمية في غير ما مكان كردوده على المنطقيين، يصنف أهل الحق والضلالة طبقات، تتفاوت في المراتب، حتى أنه ذكر بينها متشيعي السلف، إلا أن هذه التراتبية دالة على أنهم وإن كانوا من السلف الصالح، فهم في درجة دنيا، حيث كلما انقرضت طبقة ممن رآهم أهل البدع ازداد شذود الأخرى. فالنيل من الشيعة لم يقتصر على المتأخرين، بل مس أهل البيت والصحابة المتشيعين لهم. فلقد نال ابن خلدون من الصحابي الجليل عمار بن ياسر، لما استصغر من شأن بصيرته، وقال في حقه: إلا عمار.. فلقد استماله قوم من السبئية. وحتى من كانوا يوصفون زيوداً، كانوا في كتابات المتقدمين من المخالفين بمثابة روافض. وهو ما جعل بعض الأعلام من السنة يعبر عن فوضى الأسماء والتصنيفات بقوله: لو سئلوا ما معنى الرفض لما عرفوه. وقد عبر الشافعي عن هذه الفوضى بالأبيات الشهيرة:

لو كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان بأني رافضي

 

[4] يقدم الكتاب المذكور، الذي أظهر فيه السيد شرف الدين الموسوي براعة نادرة في الفقه المقارن، وقدرة فائقة على الاقتصاد في تتبع موارد الخلاف، حججاً شرعية، تؤكد على أن ما من رأي أو اعتقاد لدى الإمامية إلا وقام على النص، بمدركيه القرآني والروائي، وبأقرب التأويل وليس أبعده. بل لقد كان في وارد الموازنة بين المدرستين في مدى تشبث كليهما بالنص، فأثبت أن الإمامية كانوا مشدودين من الأعناق بدليل النص، حيث أظهر أن أكثر الاجتهادات التي سلكت منحى غير النص، كانت بمنزلة الرأي المنزوع الشرعية في المقام، لأنه اجتهاد مع النص. وقد علمت أنه من مستقبح الاجتهاد.

[5] ولعل هذا من الآفات التي تواجه رسالة التقريب اليوم، حيث رأى البعض العمل على تجفيف منابع الخلاف بالتخلص من كل ما لا يرضي هذا الطرف أو ذاك. وسوف تكون الأمة لو سلكت ذلك الدرب، الذي يبدو في الأصل مستحيل التحقق، سابقة في تاريخ الأمم في التواطؤ على الحقائق والالتفاف على الدليل. ستكون أمة جبانة لأنها لا تستطيع مواجهة مصيرها بوعي وتصحيح منابعها على أساس الدليل لا على أساس التراضي. وقد تصبح تلك العملية مفيدة ومجدية فقط وفقط لما يتم التعارف بين المدارس الاسلامية والاستئناس المتبادل بما اختصت به هذه المدرسة أو تلك.

[6] كتب القاضي عبد الجبار الهمداني كتاب «المغني في التوحيد والعدل» في عشرين جزءاً، وخصص الجزء العشرين للإمامة. وقد ألف السيد الشريف المرتضى كتاب الشافي في الإمامة ردًّا عليه، وهو مؤلف من أربعة مجلدات، حسب طبعة مؤسسة الصادق بطهران.

[7] نريد فقط التذكير بأن هذه المناظرة بين السيد شرف الدين والشيخ سليم البشري، شيخ الأزهر المالكي، كانت قد تناولت كل ما هو مثار خلاف. وقد فعلت شرذمة من التكفيريين جهدها في التشكيك في حقيقة المناظرة. وما دروا أنهم بذلك قدموا دليلاً آخر على عجزهم عن تناول مضمون المناظرة التي قدم فيها السيد شرف الدين ما يدعم معتقده ويجعله مقبولاً من وجهة نظر الدليل. إن ما بدا من الشيخ سليم البشري استسلاماً، هو انتصار للحقيقة، لأنه قدم لأول مرة نموذجاً عن الرضوخ لسلطة البرهان. وإنما كان استسلامه المكرور إشارة أخرى إلى أن هذا القدر من الأدلة يجعل الرأي الفلاني أو الحكم الفلاني معتبراً، ويجزي التعبد به لجهة ما حَفَّه من دليل يدفع عنه فرية كونه مجرد رأي مبني على هوى. ومع ذلك نقول: إن الشيخ البشري هو نفسه أجاز السيد شرف الدين، بعد أن وقف على قوة ملكته في الاجتهاد والتحقيق. هذا ناهيك عن أنهما صديقان وزميلان في مشروع التقريب. ولقد أوضحت في محل آخر كيف أن صاحب «البينات في الرد على أباطيل المراجعات» كان مغالطاً ومحرفاً لكلام السيد شرف الدين. بل كل هذه المحاولات التشكيكية الفاشلة، إن ما فيها هو من مظاهر الاحتقار والاستصغار والتسفيه لكل هؤلاء الأعلام من أهل السنة الذين أجازوه ومدحوه، بل هو تطاول على الشيخ البشري نفسه الذي قدّم كل الاستشكالات المطروحة على العقائد والأحكام الشيعية، بأدب وعلم يليقان بمقامه.. انظر: السيد شرف الدين الموسوي: براعة الاحتجاج الرفيع وأخلاق التواصل الصريح، إدريس هاني مجلة المنهاج ص72 العدد 38 - السنة العاشرة 2005م/ 1426هـ.

[8] ليس غريباً أن تسمع أمثال إحساني ظهير والجبهان وأضرابهم، ينعتون دار التقريب بالقاهرة بأنها السفارة الصهيونية بالقاهرة، ويتهمون من ساندها من أعلام السنة بالغباء والجهل وما شابه من صنوف السباب. ليبقى السؤال: ألهذا الحد كانت مشاريع توحيد الأمة والتقريب بين مذاهبها عملاً ماسونياً.. وإذن ما البديل الإسلامي؟ هل هو يا ترى العمل على الفرقة.. يا للمفارقة!

[9] هذا الموقف ليس فقط أنه على خلاف مذاق العقلاء فحسب، بل إنه يؤكد على أن ثمة تراتبية في سلم الضلال عند هذه الشرذمة، ما أن تُصفي حسابها مع طائفة من المسلمين حتى تأتي على الأخرى على الترتيب المذكور في كتب القوم. بهذا المعنى علينا ألَّا ننسى عدد ضحايا هذا الفكر التكفيري من أعلام وأبناء السنة أيضاً من موالك وشوافع وأحناف... بهذا نقول: إن التصعيد الذي نشاهده اليوم ليس هو السقف الذي سينتهي عنده هذا المشروع التكفيري، بل إن الشيعة الإمامية اليوم هم بمثابة أكياس رمل، يمنعون من وصول نار التكفير إلى أهل السنة.

[10] قد يقول قائل : إنكم تحملون شرذمة معينة كل المسؤولية في الخلاف، وهذا بعيد عن الإنصاف. ونقول: بلى، فمع أننا نعتبر الوحدة والتقريب مسؤولية الجميع تجاه الجميع، إلا أننا نجد في هذه الشرذمة كل عناصر الفتنة وعوامل التفريق، حيث ركبت رأسها ولم يرضها من تلك الشين شيئاً. فليتها مدت الأيدي، لتمتد لها الأذرع. وليتها خطت خطوة، لتهرول إليها الخطا. فالإمامية تمد يدها، ولا زالت. ولو فعل خصمها التكفيري قليلاً من ذلك، لفعلت الإمامية الكثير. ونحن نملك أن نمضي لهم على بياض، إلا أن نقبل بتكفيرهم لنا أو إرغامهم لنا بأن نكفر أنفسنا. لقد ركزت هذه الشرذمة بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة. فسوف ندافع ليس عنا فحسب، بل عن الأمة بكل أطيافها، وسنقبل أن نكون أكياس رمل حتى لا تمتد يد التكفير إلى باقي أطياف الأمة من قبل شرذمة تورطت في الدماء البريئة والنفوس المحترمة من السنة والشيعة معاً، أي ضد الأمة بجناحيها.

[11] أقول بعد هذا يأتي خلف صغير للكتانيين، في معرض رده على أحد الباحثين الزميل بوهندي الذي ألَّف كتاباً تحت عنوان : أكثر أبو هريرة، ليصفه بأن ما جاء به ليس سوى استعادة لكلام من أسماه بأحد الروافض وزاد شططاً وتطاولاً. والحق أن الخلف الصغير، كان صادقاً في أن ما جاء في الكتاب المذكور ليس جديداً، وأن أول من أثبت أكثرية أبي هريرة في الحديث، بكتاب خاص، كان هو السيد شرف الدين الموسوي في كتابه : أبو هريرة، وسار على المنوال نفسه بعد ذلك، صاحب «أبو هريرة شيخ المضيرة» محمود أبو رية المصري. ولكن هذا لا يمنع من أن الإنصاف قاضٍ بأن ما جاء به القوم كان مركوزاً في مستند أهل السنة والجماعة وليس تجنياً خارجيًّا. فالشاهد في المقام، أن الخلف الصغير يتطاول ويتهم السيد شرف الدين الموسوي بعد أن كان أحد أجداده قد أجازه في رواية صحيح البخاري. وذلك حقًّا مصداق قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ... الآية.

[12] السيد شرف الدين الموسوي، الفصول المهمة في تأليف الأمة، ص163، دار الزهراء، بيروت لبنان، ط 8، 1995م.

[13] انظر مقدمة كتاب الشافي في الإمامة، للسيد الشريف المرتضى، ص 9 10 ج1 مؤسسة الصادق ـ 1986/ طهران.

[14] المصدر السابق، ص189.

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق