كتاب يتوغل في غابة اللغة والتداخل الديني والسياسي
عماد جانبيه (الاتحاد الاماراتية)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/07/21
التعليقات: 0 - القراءات: 2360

يطل علينا المؤلف راتب حوراني بمجموعة من المواضيع المستقلة، والبعض منها متصلة بشكل أو بآخر في معالجته لمسائل متداخلة؛ يجمع بينها الملاحقة للفكر المتنكر لمكانة الإنسان في هذا الكون، وكأنه لم يأت إلى هذا العالم إلا للعبودية في خدمة أسياد نصّبوا أنفسهم أصحاب سلطة مطلقة مستمدة، من كائن مطلق مفترض على صورتهم ومثالهم، وتمادوا في تسلطهم على النفوس الضعيفة.

إنه كتاب ذكي.. جامح الكلام متوغل في غابة اللغة والثقافة المشتركة النابعة من القومية. بعد أن ردد المؤلف مع محمود درويش: هويتي لغتي، ولدت بين قبيلتين على طريق الهند!. سائلاً من منا ليس بقومي.. بالفطرة والمشاعر والعواطف. وقد أدى هذا التطور المعرفي العلمي والفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الى سقوط كل العقائديات أمام العلم. لا عقيدة في العلم ولا سقف للتساؤل الفلسفي؛ في الوقت الذي تدعو فيه الايديولوجيا، الدينية أو غير الدينية، إلى الطاعة لنظام أو لحزب أو لزعيم، ونجد العلم والفكر الفلسفي يحثّان على التساؤل والمعرفة.

مقدمة الكتاب نصّ مكتمل النضج، عن منهج الكاتب وتعداد خطواته، في عملية نقد وتفكيك للفكر الرجعي. من خلال هذه المجموعة الصريحة بنوايا الكاتب واتجاهاته، ازاء الممارسات النقدية في الفكر الفلسفي والاجتماعي. فهي تتضمن أيضاً جسور تواصل مع الآخرين، مع مواقف تصويبية.

مفهوم المواطن

يعتبر الكاتب أن مفهوم المواطن واحد في اللغة والثقافة العربية، والتي ما زالت بحاجة الى تأصيل وترسيخ في الوعي السياسي العربي. ويعرض أيضاً مفهوم الوطن، المرتبط بالمكان الذي يقطنه المرء. والمواطنة هي شراكة بين أبناء الوطن الواحد، والشراكة تفترض معاملة الشريك للشريك معاملة الند للند، والمساواة بين المواطنين حتى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. أما في اللغات الأجنبية حيث المواطن هو عضو من مجموعة أعضاء المدينة المتمتعين بحقوقهم المدنية وفقاً لمبادئ الديمقراطية. والغالبية العظمى للكيانات السياسية، التي أثبتت قدرتها على العيش والإبداع الحضاري، قامت وما زالت قائمة على أساس الإحساس بالانتماء الى كيان، أو الى جماعة واحدة تجمعها قواسم مشتركة أبرزها وأهمها اللغة المشتركة. هذا الكيان معروف بالدولة القومية. يعرض كيف أن الانتماء القومي الى قومية شيء، والانتماء الى عقيدة قومية شيء آخر. والدولة القومية هذه قد تكون عقائدية دينية أو عقائدية دنيوية، أو قد تكون حيادية عقائدياً. وطالما أن العالم العربي يعاني من التجزئة والتشرذم والاقتتال الداخلي، سيبقى ساحة مستباحة لكل أشكال التدخل والتحكم بمصائره.
يقول المؤلف إن مطلب العصر التكتل الإقليمي والأخذ بالبعد السوسيولوجي والتاريخي وليس الأيديولوجي أو السياسي للقومية أو العربية أو الإسلامية.
الأشقاء ـ الأعداء، عنوان من عدة عناوين، تثير شهية الذهن وفضول العقل يقول الكاتب: من لا يعرف حقيقة ذاته، كيف يعترف بالآخر؟ ففي مجال الديانات الثلاث أراد توضيح مسألة ما هو الدين. عرض أن هناك من يقول إن الدين هو المعاملة، الدين هو الأخلاق، ومنهم من يعتبر أن الدين هو نمط حياة يشمل كل جوانب حياة الفرد المتدين بالعلاقة مع الخالق كما يتصوره هذا الفرد، ومنهم من يرى في الدين إطاراً لتنظيم حياة الجماعة الدينية، ومنهم من يذهب أبعد من ذلك ويعتبر الدين الذي يعتنقه دون غيره من الأديان هو النظام الاجتماعي السياسي الأمثل للبشرية جمعاء ولكل العصور. هنا يعرض كيف أن الدين يعرّف بالمتدينين به، وليس بنصوص تقرأ أو ترتل أو تحفظ عن ظهر قلب، والقصد المعنى القائم الموجود في الذهن من خلال قراءة الذهنية التي تعطي المعنى للنص المكتوب.
يتحدث المؤلف عن تعدد القراءات بمعنى تعدد الفرق والطوائف والأحزاب انطلاقاً من كتاب واحد. وهذا الواقع هو دليل صحة وازدهار وإثراء للجميع معاً. إذا كان كل طرف من الأطراف يعترف بحق الطرف الآخر بالتساوي مع حقه في الفهم والاقتناع والتعبير بحرية عن أفكاره وقناعاته، حتى لا يضطر الى النفاق والتخفي وبالتالي الوقوع في مرض الشيزوفرانيا السائد في المجتمعات التي يحكمها نظام العقيدة الواحدة المفروضة على الجميع بقوة الحديد والنار. يلاحظ المراقب الموضوعي أن السابق لا يعترف باللاحق، لأن اعترافه بالدعوة الجديدة يعني اللحاق بهذه الدعوة وإلغاء السابقة. لأن كل واحد منهم لدى جماعته الشعور بأنه هو صاحب الحق والآخر على ضلال.

الديمقراطية الأولى

تحت عنوان “الشورى عند العرب” يطرح المؤلف سؤالا: هل عرف العرب الشورى قبل الإسلام؟ ما هو شكل الحكم أو النظام السياسي، هل له قوانين وان لم تكن مكتوبة؟ يروي كيف تكون الشورى باختصار التي هي معطى قبلي يعود الى ما قبل الإسلام، عرفته الحضارات القديمة مثل السومرية كما تفيد ملحمة جلجامش، الأمر الذي دفع بأحد الباحثين الى الحديث عن أول ديموقراطية في التاريخ. وان المجتمع العربي قبل الإسلام قد عرف شكلاً من أشكال الشورى في الملأ والندوة. أما عند مجيء الإسلام فقد خاطب العرب، بدوهم وحضرهم.
يبدو أن الكاتب في اختياره عنوان “الدولة المنشودة” أراد الإضاءة على كيفية ما اذا كان الجميع يعرف، أو يظن انه يعرف، وما هي الدولة التي لا نريدها، ولكن هل نعرف ما هي الدولة التي نريدها؟ أما التي نرفضها فهي المفروضة علينا من الخارج غالباً كحصيلة توازنات محلية، إقليمية أو عالمية، توهم القائمين على هذه الدويلة أو تلك بأنهم يقومون بدور عالمي وإقليمي عدا عن الدور المحلي الوطني. أسئلة بعبارات مكثفة.. في زمن يزداد فيه باستمرار عدد الدول المختارة اختياراً من قبل مواطنيها.
ولكن اية دولة؟ وهل المسألة مسألة اختيار إرادي؟ كأن يذهب المرء الى سوبر ماركت ويختار من على رفوفها: دولة قومية مثلاً، او دولة اشتراكية، او دولة اسلامية، أو كما يحلو لخيال بعضهم: دولة قومية إسلامية، او غير ذلك من الكلام المصفوف الذي يدل على أن صاحبه لا يعرف ما هي الدولة ولا يعرف ما هي القومية! وبما أن المسألة بالنسبة للكثيرين هي مسألة رفع شعارات لا أكثر فكل هذه الشعارات قد يكون لها وقع.
يعرض المؤلف ايضاً أن هناك كلمات مرغوبة مثل الحرية، او الديموقراطية، او غيرها فلم لا تضاف الى الشعار. ولكن ما هي الحرية؟ وما هي الديموقراطية. هذه اسئلة مفروغ منها!؟
يرى الكاتب أن الشعوب التي وصلت إلى مستوى اختيار نظامها السياسي اختياراً واعياً لم تصل الى هذا المستوى بين ليلة وضحاها، بل كان ذلك نتيجة مسيرة طويلة مشحونة بالصراعات والتضحيات، ليدور الحديث عن التاريخ الأوروبي، الذي ساهمنا ونساهم في صنعه سلباً كان أم إيجاباً، لاعتبار أن ذلك من حيث نحن جزء لا يتجزأ من التاريخ العالمي الذي أعطت تراكماته نتائج باهرة وملحوظة في أوروبا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وما زالت متواصلة. وليست العولمة كما يشرح المؤلف إلا نتيجة واستمراراً لهذه العملية. والإنترنت هي واحدة من هذه النتائج الباهرة. وإذا كان هناك من لا يريد الانتماء الى هذا التاريخ العالمي ويريد التقوقع فلن ينفعه شيئاً لأن الإنترنت، وغيرها من التكنولوجيا المتطورة في أعلى مستويات التطور.
يرى المؤلف أنه أينما ولد المرء فهو ابن هذا الكون الشاسع الذي لا يعرف الحدود. ولا شك أن إحساس الإنسان، هذا الإحساس العميق، بالانتماء الى هذا الكائن اللامتناهي، هو المسؤول عن هذا النزوع الى سبر أغوار هذا الكائن في كل أبعاده، وفي ذلك لا يبحث الإنسان في الواقع إلا عن ذاته في نفسه وفي الآفاق، وكلما كانت جذور المرء قوية وراسخة في الأرض، وإذا احتاج احدهم، الى المزيد من الوضوح، فيردد مع الشاعر الكبير محمود درويش قوله: هويتي لغتي، ولدت بين قبيلتين على طريق الهند. ولكن ولادة المؤلف بين قبيلتين لم تمنعه من العيش في أية قارة من القارات الخمس. وإذا استطاع الاستفادة من تجارب شعب من الشعوب، وإن كان في الصين أو أبعد فلماذا لا نغتني بتجاربه وكأنها تجاربنا أيضاً؟ أليس هو المقصود بالقول اطلب العلم ولو في الصين؟ يشير المؤلف انه لو استخلص دعاة الدولة الدينية الدروس من تجربة الدولة العثمانية لأدركوا أنها لم تكن يوماً من الأيام دولة دينية ولم تزد عن كونها دولة عقائدية تتخذ من الدين أداة إيديولوجية لتبرير أفعالها وتقديمها وكأنها تنفيذ للإرادة الإلهية تبعاً للتقليد السائد الذي كرس في الدولة الأموية وجدد في الدولة العباسية.
يبقى عدد قليل جداً من التجارب أو النماذج الحية الجديرة بأن تستخلص منها دروس ودروس، رغم أن الكاتب الذي أحسن شرح المواضيع والأفكار السابقة على صعيد المجتمعات كافة. وبذلك يكون قد اوضح مفهوم الحوارات والمساواة بين المواطنين في الدول العربية، مع الانفتاح على الآخر المحلي والعالمي بدون خوف مهما بلغ اختلاف هذا الآخر. انه كتاب على مستوى المثقفين وأهل الفكر، يثير الجدل، ويدفع نحو الحوار...







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق