علم الكلام و ثلاثية ( النص و الواقع و العقل )
إتجاهات تجديدية في علم الكلام
كتبه: د. نادر عمر عبدالعزيز
حرر في: 2014/04/21
التعليقات: 0 - القراءات: 5278

نشأ علم الكلام كعلم ظاهر أحادي الوظيفة و الهدف وهو إثبات العقائد الإيمانية و الرد على شبهات الملحدين و الزنادقة عبر عدة أطوار تاريخية بالأدلة النقلية تارة والعقلية تارة أخرى أو بمحاولة التوفيق بينهما , فمن إعتماد على العقل عند المعتزلة الى توفيق ما بين العقل و النقل عن الأشعرية و الماتريدية الى عدم التعدية لحرفية النص القرآني عند الحشوية و الفكر الخارجي ، هذا بالإضافة الى بعض من التفلسف في بعض الآراء الكلامية التي أخذت عن العلم الطبيعي لإثبات وجود الله التي كانت محل إعتراض عند بعض المذاهب و المدارس الكلامية و ذلك للإعتماد السافر على العقل و جعل النصوص الشرعية خاضعة للقوانين العقلية البرهانية المعصومة من الخطأ و الزلل ، و هو التيار الذي ساد بعد"إبن رشد و صدر الدين الشيرازي " ( ) ؛ إن هذا السجال الفكري مع مراعاة الأبعاد التاريخية جاء مع وجود وقائع و أسباب و أحداث ؛ مثل التأثر بالتراث اليوناني و الحضارات الشرقية و صراع سياسي ما بين سلاطين المعتزلة و أفراد الأشعرية في مشكلة "خلق القرآن" ؛ و العمل على وسطية تقوم على التقنين و التعميم و التوفيق ما بين النقل و العقل لفرض السيادة المذهبية الأشعرية بعد ذلك منذ عهد الخليفة المتوكل ليلقبوا أنفسهم " بأهل السنة و الجماعة " ؛ يتخلل ذللك خروج عن التفسير والتأويل و السير على سطحية ظواهر النصوص عند الخوارج و الحشوية لتحقيق أهداف ذاتيه وهذه الإختلافات الفكرية جاءت نتيجة تحقيق أيدولوجيات سياسية على الأغلب .

المقدمة

علم الكلام و التجديد : 

         نشأ علم الكلام  كعلم  ظاهر أحادي الوظيفة و الهدف وهو إثبات العقائد الإيمانية و الرد على شبهات الملحدين و الزنادقة عبر عدة أطوار تاريخية  بالأدلة النقلية تارة والعقلية تارة أخرى أو بمحاولة التوفيق بينهما , فمن إعتماد على العقل عند المعتزلة الى توفيق ما بين العقل و النقل عن الأشعرية و الماتريدية الى عدم التعدية لحرفية النص القرآني عند الحشوية و الفكر الخارجي ، هذا بالإضافة الى بعض من التفلسف في بعض الآراء الكلامية التي أخذت عن العلم الطبيعي لإثبات وجود الله التي كانت محل إعتراض عند بعض المذاهب و المدارس الكلامية و ذلك للإعتماد السافر على العقل و جعل النصوص الشرعية خاضعة للقوانين العقلية البرهانية المعصومة من الخطأ و الزلل ، و هو التيار الذي ساد بعد"إبن رشد و صدر الدين الشيرازي " ( ) ؛ إن هذا السجال الفكري مع مراعاة الأبعاد التاريخية جاء مع وجود وقائع و أسباب و أحداث ؛ مثل  التأثر بالتراث اليوناني و الحضارات الشرقية و صراع سياسي ما بين سلاطين المعتزلة و أفراد الأشعرية في مشكلة "خلق القرآن" ؛ و العمل على  وسطية تقوم على التقنين و التعميم و التوفيق ما بين النقل و العقل لفرض السيادة المذهبية الأشعرية  بعد ذلك منذ عهد الخليفة المتوكل ليلقبوا أنفسهم  " بأهل السنة و الجماعة "   ؛ يتخلل ذللك خروج عن التفسير والتأويل و السير على سطحية ظواهر النصوص عند الخوارج و الحشوية لتحقيق أهداف ذاتيه  وهذه الإختلافات الفكرية جاءت نتيجة تحقيق أيدولوجيات سياسية على الأغلب .

     إن علم الكلام هو تكرار لبعض المواقف القديمة بروح بسيطه و سهلة موجهة الى الأمة حاليا ، الأمة التي لا زمان و لا مكان ولا واقع ولا تاريخ التي تعتمد على الحجج النقلية قدر إعتمادها على الحجج العقلية تبدأ بالتراث لا الواقع ، بالماضي لا الحاضر ، بالإسلام ليس بالمسلمين ، و التراث معطى مثالي لم يتكون في الواقع و لم يؤثر فيه و لم يتحول الى ثقافة شعبية تؤثر في الناس بل ظل مهملا موضوعا على أرفف المكتبات الخاصه لا يخرج عن حدود الأروقه و الجامعات لا يتغير و لا يتطور و ما هي إلا نصوص منقولة أولا وأخيرا بصرف النظر عن كون المذهب و صاحبة ذات نزعة عقلية أو ظاهرية أو حتى عرفانية .

        المشكلة في عدم التعامل مع تلك النصوص على أنها قوالب نفسية ذات أبعاد تاريخية قامت نتيجة مؤثرات إجتماعية و سياسية أثرت بدورها على وعي و شعور المتكلم منتج النص ؛ و النص بدوره يأتي عن طريق العقل تبعا للواقع لذا  فالتراث الكلامي القديم يكشف بدورة عن صراع سياسي ، فعلى المستوى الفكر هناك صراع بين التنزيل و التأويل و العقل ، دافع الأول عن أصحاب السلطان و الثاني المعارضة السرية مثل الباطنية  ،  و تمسكت بالعقل  المعارضة السياسية العلنية مثل المعتزلة ، التنزيل و التأويل يمثلان الصراع ما بين الفقهاء و الصوفية ، و النص و العقل يمثلان الصراع بين المتكلمين و الفلاسفة " ( ) إن النظرة القدسية الحالية للنص الكلامي كانت حائلا بينه و بين الواقع التاريخي الذي نشأ فيه فالنص ليس معزولا عن الواقع و العقل عند المذاهب و ليس الوسيلة الوحيدة بالرغم أنه هو دليل المذهب الأوحد لفهم نشأة و تنوع الفرق و المذاهب ، بصرف إعتمادها على العقل أو النقل لأن النص قد يفسر أو يؤول , وأن كل نص له نص مقابل يعارضه أو يفسرة أو يؤكدة و الإعتماد على النصوص يكسر إتساق تحليل الواقع كما يكسر إتساق الخطاب النظري و لن يلغي النص الواقعه إذا كانت موجوده كما أنه لن يوجد واقعه لم تكون موجوده . 

         فالتوحيد كما يصورة الأفغاني و إقبال مثلا ليس علم الكلام الموروث من نظرية في الذات و الصفات و الأفعال بل هو حركة و حياة و قوة على الأرض و حياة في الشعور و تحرير للإنسان و تأسيس للمجتمع الواحد ذي الطبقة الواحدة و توحيد للشعور بين القول و العمل و الوجدان و الفكر و توحيد للبشر و التوحيد كما يصورة سيد قطب تحرر الوجدان الإنساني من كل القيود و تأسيس لمجتمع العدل و الإخاء ، و التوحيد عن الكواكبي هو أيضا إثبات لحرية الإنسان و مقاومة قوى الإستعباد و الظلم كما أعطى رشيد رضا تفسيرا إجتماعيا للقرآن موجها النصوص ضد أبنية الواقع المخلخلة من أجل التغيير ، تغيير هذا الواقع المخلخل الى واقع مثالي راسخ و لكن لم يسر أحد بعد ذلك في هذا التفسير الموجه واستعمال النصوص استعمالا وظيفيا خالصا ، و ما زلنا نفسر النصوص تفسيرا نظريا خالصا كما ظهرت لدى الأفغاني و دنقة و سيد قطب وحدة النظر و العمل و أن الفكرة الإسلامية ليست نظرية بل هي ممكنة التحقيق وواقع يتحرك ثم رجعنا عن ذلك الى الدراسات التي تظهر فيها الأفكار مجرد آراء لا تتعدى ما بين السطور"( ) ،عملية التجديد للموروث الكلامي سواء كانت  إعادة بناء أو إعادة طلاء تحوم حول ثلاثية النص و الواقع و العقل ، فالبداية مع النظرة التجديدية للموروث و التي تقوم على تحليله تحليلا شعوريا لا يغفل بنيته التاريخية ، فالموروث قائم على البنية الشعورية المتراكمه من الماضي الى الحاضر الناتجه عن تتابع المسار الحضاري ، وما تعانية المسيرة الكلامية  من تأخر و إنحطاط إنما هو ناتج عن عملية فصل و إحلال لتركيبة النص و الواقع و إخراجهما من تحت سلطة الإتجاه العقلي الصاعد مما ترتب عنه إغفال للجوانب الشعورية و النفسية للمنتج و المستهلك لذلك الموروث ، نحن في إحتياج الى فهم العقائد فهما لا يغفل واقعا يلبي حاجات المجتمع ، فالباحث صاحب إتجاه شعوري يريد كمجدد الفهم و التأويل الذي يلبي حاجاته الناتجه عن واقعه الذي يعيشه و يشمل جوانبه  النفسية كهمومه تجاه الفكر أو الوطن . 

                                                                                                                         د. نادر عمر 

                                                                                                                     مصرالجديدة القاهرة

 التأويل و القراءة المنتجة : 

      من معاني التأويل إذا أدخلنا في الإعتبار اللغوي " إرجاع الشئ الى الأصله "، و قد أستخدم في مجال القرآن بصفة خاصه معنى التفسير ، و من هنا كان المقصود من التفسير والتأويل : "إظهار كشف المراد عن الشئ المشكل" ،و إن كنا نجد فريقا من العلماء يفرق ما بين التفسير و التأويل نظرا لأن التفسير عادة ما يتعلق بشرح الألفاظ و المفردات و التأويل يختص بالجمل و المعاني . و يجب فعلا التفرقة ما بين التفسير و التأويل و خاصة إذا وضعنا في الإعتبار أن التأويل قد قام به أناس كثيرون نتجت عنه الفرق الكلامية بالإضافة للإخوان الصفا و الصوفية و الفلاسفة و قد لا نجد عندهم إلتزاما بمجرد تفسير الآيات القرآنية " ( )، المفهوم الشائع في فكرنا الديني و الفلسفي المعاصر و الذي يرى التأويل جهدا ذاتيا يخص النص الديني لتصورات المفسر و مفاهيمة و أفكاره و هي نظرة تغفل دور النص و ما يرتبط به من تراث تفسيري و تأثير في فكر المفسر إن العلاقة ما بين المفسر و النص ليست علاقة إخضاع من جانب المفسر و خضوع من جانب النص ولكنها علاقة جدلية قائمه على التفاعل المتبادل  . و التأويل في التاريخ الكلامي فقد طبعة بالمواضعة اللغوية فعلى الرغم من الخلافات بين المعتزلة و الأشاعرة إلا أنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان في التأويل ولا يتعدونها و بذلك يبقي التأويل دائما تأويلا بيانيا و بالتالي فالتأويل في الحقل البياني لم يكن يتجاوز اللغة العربية بوصفها محددا من النظام المعرفي الذي يصدرون عنه و بالتالي فإن التأويل يعني توظيف اللغه في بنية العقل لجعلة مقننا مضبوطا لأن التأويل "كان تشريعا للعقل العربي و لم يكن مجالا لممارسة الفاعلية العقلية فاعلية العقل الكوني المستقل بنظامة عن اللغة " ( ) ، و يعتمد عابد الجابري في تحليلة على شروط التأويل عند المعتزلة و هي المواضعة و قصد المتكلم و القرينة  .

         لذا فإعادة النظر في التراث تقوم من خلال منظور علاقة المفسر بالنص و ما تثيرة هذه العلاقة من معضلات على المستوى الوجودي و المعرفي على السواء ،  والآفاق التي يمكن أن يفتحها لنا هذا المنظور ثرية و متنوعه و ذلك عن طريق أيضا إعادة طرح فكرة التفرقه بين التفسير و التأويل موضوعية الأول و ذاتية الثاني و الحالة الأولى موضوعية تاريخية يتلبس القارئ بتاريخية النص مهملا واقعه و هموم عصرة و أن يتبنى موقف المعاصرين للنص ( المفسرين ) المعطيات في مداخل تاريخية مختلفة و هذا يعارض مبدأ صلاحية النص الشرعي لكل زمان و مكان و مثل هذا المبدأ يعارض تمسك المفكر المسلم سواء كان مفسرا أو متكلما بالتفاسير المأثوره المروية عن الجيل الأول أو الجيل الثاني و الوقوف عند فهمهم و تفاسيرهم و أن جيل الصحابة و التابعين قدم  المعرفة الشاملة التامة بالوحي و معناه وهو العاصم من الزلل و الخطأ و الإنحراف " و هو منهج إبن تيمية في التفسير  ينتج من ذلك عدم تطور المعرفة الدينية و عزلها عن غيرها من أنواع المعرفة من جهة و إلى إنكار تطور المعرفة الإنسانية من جهة آخر " 

          إن التفرقة ما بين التفسير و التأويل تفرقة إصطلاحية متأخرة فالطبري مثلا يسمى تفسيرة "جامع البيان عن تأويل القرآن" و أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعى لإبن عباس " اللهم فقة في الدين و علمة التأويل " إننا يجوز أن نزيل تلك التفرقة الإصطلاحية المتأخرة و نوحد بينهما على أساس عدم إزالة ذاتية المفسر و تاريخيتة عن النص فالمفسر جزء من النص و النص جزء من المفسر كلاهما لا يستطيع أن ينفك عن الآخر فلا ذاتية تمحى الموضوعية و لا الموضوعية تمحي الذاتية . إن هذا الإشكال هو الذي أطلق دعاوي المستشرقين بإنكار وجود الفلسفة الإسلامية لأنها لا تعبر عن ذاتية المذاهب الإسلامية و أن الروح الإسلام ليست روح فلسفية فبالتالي لم نحسن فهم فلسفات اليونان و الإغريق كدعوى " أرنست رينان " لذا فقد أستخدم مقياس الذاتية و الأصالة و قد تحققت هذه الحدة لما أستخدم معيار العقل في نقدة فأخرج علم الكلام و التصوف من مجال الفلسفة لأن الكلام ماهو إلا محاولة توفيق ما بين العقل و النقل و مرحلة تاريخية ناتجة عن تأثرهم بفلسفات الآخر .

       لذا يجب إعادة تنظير للواقع المباشر لذاتية المتكلم المستخدم للنص المشكلة في العلاقة الجدلية للعناصر الثلاثة الواقع التاريخي و الإجتماعي و العنصر الثاني دور النص بالمعنى الأوسع التراث التفسيري في حركتة المتطورة لا مجرد ما هو مكتوب بين دفتي المصحف أما الثالث التراث الفلسفي الذي أنتقل الى المسلمين بكل ما تعنية كلمة تراث من شمول و تنوع دون الوقوف عند حدود الفلسفة اليونانية "  

ونظرا لوجود أسباب للنزول ووقائع للتزيل و مراحل في التدرج التشريعي و تنوع ما بين الناسخ و المنسوخ نجد أن القرآن جاء مستجيبا لحاجات الواقع و حركتة المتطورة يتكلم رشيد رضا عن ذلك الإشكال ( ) "من العجيب أن من رواة أسباب النزول  أنهم يفككون الطائفة الملتئمة من الآيات القرآنية إذ يفصلون بعضها عن بعض أو يفصلون الجمل الموثقة في الآية الواحدة فيجعلون لكل جملة سببا مستقلا كما يجعلون لكل آية كذلك " و ينتهي الى التصريح بأننا إذا كنا بحاجه الى معرفة أسباب النزول في آيات الأحكام فإن معرفة الواقع و الحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمة و فقه و حكمتة و هذا كان محل نظر تفسير الإمام الرائد محمد عبده في تفاسيرة "(  )

        و بعد إنقطاع الوحي تظل هذه العلاقة متجددة جدلية ما بين الوحي و الواقع من خلال ذلك يتسع مفهوم التأويل في تراثنا الفكري ليتجاوز ثنائية العقل و النقل فلا نفسر أو نأول فكر بفكر أو فكر بحادثه تاريخية و لكن نأول الفكر في التاريخ الفلسفي أو الكلامي أو الديني في الإسلام بما يملية علينا الواقع المعاصر . 

القراءة المنتجة : 

      تقوم العملية الفكرية الكلامية بمنظور تجديدي  على معادلة التوالد الفكري بين المؤلف و المراجع فالمراجع أو القارئ يقوم بإما مراجعة شكلية للأسلوب و نواحي اللغه و صنعة التأليف و طريقة تنسيق الأفكار و إما الرجوع للموضوع الأساسي الذي يخرج منه المؤلف من موروث أو ثوابت تقليدية و في الحالتين يكون العبأ على المراجع و القارئ الذي يحاول إخراج معاني و مكتسبات تناسب حالته و عصرة من بيئة قديمة الى بيئة جديدة ، التأويل شرح و القراءة إبداع فقد ينتهي التأليف و يموت المؤلف و لكن يظل المؤلف يعيش بحياة القارئ و إحساسة بأزمة العصر . 

ما بين النص و الخطاب الديني :

الخطاب الديني يتمثل في تيارين وهما :

1-التيار الأول يرد أسباب تخلف المسلمين لا الى الدين نفسة بل الى سوء فهم و تأويل الدين و هو تيار الإصلاح الديني المتمثل في خطاب الأفغاني و محمد عبده و غيرة و هو التيار التي يرى أن إعادة التأويل و التفسير طريق للإصلاح في جميع المستويات الإجتماعية و الأقتصاد و السياسه 

2-التيار الآخر يرد التخلف الى البعد عن نهج الإسلام و طريقة السلف و ينادي بالعودة الى الدين و سنة السلف الصالح .

       و من السهل ملاحظة أن التيار الأول يستند بقوة على التأويل العقلي للنصوص الدينية و التراثية ليستوعب كثيرا من منجزات العصر في حين أن التيار الثاني يسعى لتغيير الواقع الإجتماعي ليكون صالح و ملائم مع المعنى و التأويل التراثيين "حيث قام على سبيل المثال " رشيد رضا " صاحب مجلة المنار بدور لافت في تعميق المنحى السلفي خاصة في إلغاء الخلافة العثمانية إبان الثورة الكمالية  و صدور كتاب علي عبد الرازق " الإسلام و أصول الحكم " حيث كان الجدل صاخبا بين أنصار الدولة الدينية و أنصار الحكم المدني و بعد أعوام قام " البنا " بتأسيس " الإخوان المسلمون "  ، لذا نرى العقل العربي بين سلطتي " الدين و العقل "( ) .  لقد تم فرض السلطتين بشكل تراثي في الصراع العلوي الأموي في صفين و إذا توحدت السلطتان الدينية و الدنيوية كان تأويل النص الديني دائما من شئون الدولة و صار رجل الدين موظفا في بلاط الدولة كما كان لدور المأمون في مسألة "خلق القرآن " و إكتشافة للمذهب الإعتزالي الذي كان مذهب الدولة بلا منازع . لذا كان الفكر الديني و سيلة لتأييد مصالح أيدويولوجية يسعى إليها صاحب هذا الفكر الديني فنجد أن أصحاب الرأي الديني يبررون آراء تخدم الطبيعة القمعية للدولة كمسألة " خلق القرآن " كما ذكرنا من قبل تبريرا للنسق الإعتزالي العقلي و بعد ذلك تظهر الأشعرية لتأخذ تأييد الجماهير المسلمة تحت مسمى وضعي أنشأة علماء المذهب و هو " أهل السنة و الجماعة " في  عهد المتوكل فكانت بداية لظهورة رسميا ، بذلك تم  صرف الفرد و الجماعة   لقبول الرأي و تقديس النقل مما نتج عنه إبتعاد  عن السجال الفكري و الإنتاج العقلي الذي حدث في عهد الإعتزال فيتحول الخضام الكلامي العقلي الذي أثر بدورة في العملية الفكرية للتاريخ البشري وكونه أداة تأثير في الأديان المغايرة للإسلام و الأقطار الأخرى البعيدة عن بلد المنشأ لتلك الآراء الكلامية الى توجيه أخلاقي و ذوقي ممثلا في الصوفية بعدما حدث التزاوج الفكري بينها و بين المذهب الأشعري ليكون بمثابة تسكين للحدة العقلية المؤثرة في الدين الذي كان يلعب دورا سياسيا لا يغفل عنه فاتجه العقل العربي الى الخمول و التسليم مما نتج عنه غياب تام . 

      بالإضافة الى الحديث عن سلطتي الدين و العقل أن في العقود المتأخرة من القرن الماضي أخذت بعض الآراء السياسية و الأفكار من الدين أداة لتحقيق بعض المذاهب السياسية كالقومية و الإشتراكية العربية ومن ناحية أخرى الخلافة الإسلامية و الإسلام السياسي . 

      ولا خلاص من تلك الوضعية إلا بتحرير العقل و قبول التعددية في الآراء النظرية  لتحقيق التناسب مع الواقع على مختلف إثباتتها و تنوعها سواء كان خطاب عرفاني - برهاني - جدلي فيكون بمثابة تجريد و إلغاء لقيود الأيدلوجيات و السلطات التي تؤثر على صاحب الفكر و إطلاقة حرا  يتحاور مع من حولة من طبيعة و واقع إجتماعي و إنساني فيخرج من أسر الأيدلوجيات الى فضاء و إنتاج المعرفة العلمية بالواقع و التراث و بالحاضر و الماضي بل و بالسلطه ذاتها بكونها كائن بعيد عن كائن الإنسان .

      وذلك هو الخطاب التنويري الذي يعيد بناء وتأويل التراث بصرف النظر عن محاولات الطلاء بطلاء أكثر عقلانية و إن كان هناك ثوابت تعيق ذلك " واستمر الخطاب التنويري في هذا التوفيق منذ الطهطاوي حتى زكي نجيب محمود يحاول إعادة طلاء القديم دون هدمة ' تلوينة دون تأويله يستخدمه نفعيا و لا يقرؤة علميا بما في ذلك مشروع " التراث و التجديد " كأحد فلول مشروع النهضة ولا فرق بين هذا الخطاب و الخطاب السلفي و الخطاب الصهيوني العنصري الكل نفعي إنتقائي سلفي شعوبي عرقي يقوم على وعي زائف للتراث "( )

إعادة بناء و تطوير المصطلحات الكلامية :

     المصطلح الكلامي المأخوذ من الخطاب و النص الشرعي وثيق الصلة بالإنسان و هو المخاطب و الهدف من ذلك الخطاب فالمصطلح الكلامي لماذا لا يتطور بتطور الإنسان ، التراث له وجود مثالي في الوعي الجماعي أساس نظري للسلوك مقدس و فية التكوين الذهني للناس أقرب الى المثالية بالرغم من ضغوط الحياة الإجتماعية ولا نعني بالمثالية التجرد النظري و الإنعزال العملي عن التراث ، التراث بناء شعوري و تاريخي في آن واحد يقوم على التكامل وليس الإستبعاد و لا يخرج الكلام و تنوع مذاهبة و تاريخيته عن الإدراك الشعوري لذا فالتطور تطور في الإدراك البشري يعيد بناء من حوله عن طريق بنية ذاته فمحاولة إكتشاف الإنسان و التاريخ من وراء الإلهيات و النبوات و ما يعيشه الإنسان من لحظات تاريخية إنسانية لابد أن تنبع من أفكار وعلوم تناسب تلك اللحظة التاريخية الإنسانية فلا يفكر في شئ بعيد كل البعد عما يواجهه من مشاكل و تحديات .

     علوم العقيدة و الكلام تتكلم عن علاقة الإنسان بربة و دينة و لكن أين عقيدة تكوين الإنسان من قدرة و إمكانيات وعلاقتة بالآخر نريد عقيدة تعامل كما توجد عندنا عقيدة تعبد ، عقيدة تشبع نهم الإنسان تجاه وجوده و دورة في العالم بالإنتقال من الله الى خليفة الله من تاريخ الرسول الى تاريخ المرسل اليه من الميعاد الى المستقبل بنظريات مستقلة لا تخضع لهيمنة التقليد و التوارث الكلامي و لا تلتوي بقوانين اللغه و البيان وهذا لا ينافي الثوابت القطعية للعقائد الإيمانية . 

    وليس المطلوب هو ترك الألفاظ القديمة الى معان غريبة حديثة بل تجديد معاني الألفاظ القديمة بحيث تفيد معاني حديثة تعبر عن مصالح الناس و متطلبات العصر و ليست بالضرورة تلك الوافدة من التراث الغربي لماذا لا يتم تغيير معاني الألفاظ القديمة أو توسيعها و تغيير مضامنها من الداخل ؟. ( )

بعض مناحي التجديد الكلامي : 

1-عرض العدل بشقية خلق الأفعال و العقل أو النقل و هو يبدأ بإثبات الفرد بالكوجيتو الحر " أنا حر فأنا موجود "  فما يعانيه الإنسان من الآجال و الأرزاق و الأسعار و الفقر و الغنى في الحاضر أو  المستقبل سواء  الفرد و الجماعة هي دعوة لتفكيك الجبر و الكسب الأشعري . 

2-تحليل القضايا الكلامية على علم النفس .

3-السمعيات تحويل النبوات من تاريخ و ميعاد الى مستقبل و إيمان و عمل و من الإمامة الى الفرد و الدولة و كشف أبعاد الزمان الثلاثي الماضي و الحاضر و المستقبل . 

4-إكتمال الوحي و إستقلال العقل و الإرادة في النبوة و التركيز على الرسالة 

5-وحدة الشخصية بين الداخل الفكر و الوجدان و الخارج القول والعمل في الإيمان . 

6-تشخيص الإمام و صفاته و ضرورة الخروج علية إذا جار و ظلم .

7-المعاني و الفروق  فما هو  الظن و الشك وما الفرق بينهما  عند إستقبال الناس للإنفجار المعلوماتي اللحظي و الحوادث و الأخبار و الوقائع الحياتية من شائعات أو حقائق من تصديق أو تكذيب من إدعاءات أو أثباتات  .

8-نقد المعتزلة في إثبات أن المعدوم شئ خشية إثبات الشر و لم لا يوجد شر ليكون خصم الإنسان يحاربة في كل عصر .

9-التحسين و التقبيح العقليين أداة لمعرفة و ملازمة كل ما هو حسن و طيب و إبتعاد عن كل ماهو ضار و سئ .

 لذا فكل جيل من المفكرين له رسالة طبقا لظروف عصرة من مواقف الإيجي الى رسالة محمد عبده من العقيده للثورة  لحسن حنفي من الأشعرية المتأخرة التي عزتها الفلسفة في المقدمات النظرية في التوحيد الى العدل والتوحيد الثوري عند المعتزلة . 

النص واقع : 

    أيهما يفهم أولا النص أم الواقع و هل يفهم الواقع بالنص أم نفهم النص فقط أم نفهم الواقع دون نص  ' حقيقة أولية يقينية نستند عليها هي أن العقل دائما يسبق النقل و لكن أين الواقع من ذلك غياب الواقع سبب مشكلة فهم النصوص في أيامنا المعاصرة ، ينعزل النص إنعزالا كليا عن الواقع فيتغير الواقع الحقيقي الى واقع نصي من جديد الى قديم من إبداع الى تقليد تسلب الإرادة و تقيد الحرية ، نقيس الجديد بمقدمات و حدود واهيه لا أساس لوجودها حديثا فنخرج من يقيني واقعي الى سوفسطائي لا واقعي فتثار المشكلات ولا حلول تروي عطش المعرفة . ولماذا الإعتماد الكلي على النص المصر على الإختلاف و التفرق المذهبي فالنصوص الكلامية مشبعة بالفرق و المدارس بصرف النظر قربها أو بعدها عن المقدمات اليقينية أو الخطابية أجواء من الإختلاف و الجدال من التحدث عن حديث " تفترق أمتي إلى  ثلاثة و سبعين فرقة " الى توحيد سلبي أم إيجابي من إثبات للصفات أو إنكارها والى سؤال  هل القران خالق أم مخلوق كذلك  شروط الإمامة و نظرية الأحوال والمعاني قديمة أم حادثة و الأكثر من ذلك إقحام لعلوم الكلام المسيحي و اليهودي في عملية تأثر و تأثير بينهما و بين علم الكلام الإسلامي فمشكلة الصفات عند المسلمين و الثالوث الإلهي عند المسيحيين و في جانب آخر علم الكلام اليهودي و نظريات المعتزلة  " وبما أن المسيحين كانوا أقلية في مجتمع إسلامي شاسع و في ظل معرفة المسلمين بالمنطق و الميتافزيقا ظل هجومهم متواصل على عقيدة التثليث المسيحية و الذي أكده القرآن خصوصا و أن المسلمين قد أصبحوا على دراية بفساد هذه الحجج في تاريخ المسيحية ذاتها عند الهراطقة و كان يلزم اللجوء الى مسلك جديد من الحجج أكثر حيوية و أكثر دفعا و أكثر إلزاما و على ذلك فإن المسيحين تحت الحكم الإسلامي قد إنحرفوا عن مذهبهم السفلي الأرثوذوكسي بدأوا في التوفيق بين نظريتهم في التثليث و بين النظرية الإسلامية في الصفات الإلهيه وبدأوا في التدليل أخيرا على إنه لا يوجد فرق أساسي بين أشخاص الثالوث المسيحي و بين صفات الله عند المسلمين فيما يتعلق بأثر ذلك في التوحيد التي كان يؤمن بها المسيحيون و المسلمون على السواء وببراعة شرعوا يردون الاختلافات بين أشخاص الثالوث و بين الصفات الى مجرد إختلافات لفظية و هكذا سنرى كيف أعادت مجموعه من النساطرة صياغة عقيدتهم الإلهية السلفية في التثليث في إصطلاحات نفسها مستخدمة في صياغة نظرية الصفات الإلهية في الإسلام دون أن ينحرفوا على أية حال عن  تصورهم السلفي الأصلي للتثليث " و في علم الكلام اليهودي نجد" إبن ميمون "يوضح في كتابة "دلالة الحائرين"  الخصائص المميزه للتراث اليهودي الفلسفي في العربية منذ بدايته الأولى و حتى عصرة و ذلك في قوله " أما هذا النزر اليسير الذي تجده من الكلام في معنى التوحيد و ما يتعلق بهذا المعنى لبعض الجناؤنيين و عند القرائين فهي أمور أخذوها عن المتكلمين من الإسلام ثم يضيف إبن ميمون و يقول "'إنه لما كانت أول فرق ظهرت بين المتكلمين المسلمين هي فرقة المعتزلة أخذ عنها أصحابها ما أخذوا و سلكوا في طريقهم " وفيما يتعلق بالآراء الجديده ظهرت بمجئ الأشاعرة نجد أصحابنا أختاروا الرأي الأول ( المعتزلي ) على الرأي الثاني ( الأشعري ) و قبلوه و ظنوه برهانيا " يقدم " إبن ميمون في هذه الفقره ثلاث عبارات ذات مغزى الأولى إن تأثير المتكلمين على النظار من رجال الدين اليهود من المشرق وهم الجاؤنيون أي الربانيون و معارضوهم القراءون و الثانية ما يتعلق بالتوحيد و ما يتعلق فإن الربانيين و القراءين في المشرق على السواء اتبعوا المعتزلة على حين أن الأندلسيين من أهل ملتنا كلهم يتمسكون بأقاويل الفلاسفة و يميلون آرائهم و العبارة الثالثة تبين أن تفضيل الجاؤنيين و القراءين لآراء المعتزلة لم تكن نتيجة اختيار متعمد لكنه كان بالأحرى لمجرد أنهم عرفوا المعتزلة أولا  ( ) 

لذا نجد أن واقع النص الكلامي أينذاك   يختلف تماما عن واقعنا الذي نعيشة الذي يقوم على شعور بالنقص تجاه الحضارات الحديثة  وليس فقط شعور بالنقص  بل واقع التعصب المرير الذي يعاني منه بعض أفرادنا تجاه الأديان الأخرى أو سوء فهم ناتج عن نظرة أحادية تجاة النص الغير مسلم أو الغير عربي  أو نظرة تقليدية غائبه عن تخصص أو صادره عن جهل أو تحول  من تقريب  أهل الذمة الى عداوة أهل الذمه من قبول النصوص و الحوار الى رفضهما كلية و وضع النظرية الكاملة للتثليث المسيحي بكل ما تحوية من تراث كلامي و فلسفات ميتافيزيقية و تواريخ و شعور تحت التفسير الظاهري للآية " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " فأصبحت أحكام المعاملة لأهل الذمه أحكام تكفير كذلك التراث اليهودي  أنحصر في قوم موسى  شعب الله المختار بما تملكه سياسات  المكر و الدهاء و أن العقيدة اليهودية الذي تحرك النظرة الصهيونية العنصرية و إحتلال الأرض و الممتلكات وشعور العربي بالقهر و الفقر  هذا التحذب و التنوع في الآراء و الرؤى في التراث القديم  نتج عنه مدارس و جماعات أنمحت من الوجود كليا إذن لماذا الإصرار على إعادة دراستها و تمحيصها وخلق خصم غير مرئي و لا وجود له على الساحه الكلامية في يومنا هذا ؟ 

دراسة الواقع : 

       دراسة الواقع ليلبي الإنسان حاجته النفسية و الإجتماعية و الإقتصادية فالحاجات و الغايات تختلف من عصر الى عصر لدرجة تداخل التراث داخل كيان الإنسان الشخصي فأين الإنسان من الإلهيات و أين الإلهيات من النفسيات الإنسانية ، أصبح هناك  إنفصال  بين الإنسان والله و كذلك الأنسان و الآخر أصبح الإنسان يعيش حياة إنسان آخر في القدم مع إختلاف الظروف و الأحوال التاريخية و المعاشية نتج عنه تصادم ما بين الإنسان وواقعه فأصبح غريبا عما حولة يعيش حياة الغرباء مغلوب على أمرة  ، و أين دراسة  صفات الإنسان من دراسة صفات الإلهيات و أفعالها ، لماذا الإنسان ذلك الفرد المنسي أمام الامتناهيات في العلم الطبيعي من عناية و إتقان  لصنعة الكون و العالم و لماذا لا يكون الموضوع عناية و إتقان الإنسان لما حولة ، و لم لا نضيف الى مسألة رؤية الله التي قتلت بحثا و تصنيفا الى مسألة رؤية التكوين الباطني للإنسان و وجدانه . "إن عنصر الواقع ذاته يحتوي على المخزون النفسي القديم بإعتبارة أحد مكونات الواقع أما الدخول في الواقع مباشرة و محاولة تنظيرة فهو نقص في النظرة الموضوعية و إغفال لأساس النفسي لسلوك الجماهير و التعامل مع الظواهر الانسانية و كأنها ظواهر طبيعية خالصة ، و قد تتضارب التفاسيرات للواقع الواحد بناء على الاختلاف النظري المسبق لدى الباحثين و لو أخذ الواقع النفسي في الحسبان لتكاملت نظرتهم ، ولكن الواقع أكثر تعقيدا لانه يقوم على الزمان و التراكم الزمني الواقع تاريخ ممتد كميدان للفعل و لا يمكن فهمة إلا داخل مسار التاريخ ، إن تحليل الواقع بلا تنظير راجع الى نقص أيديولوجي عند الباحث ناشئ عن نقص في الوعي النظري أو عن خوف من إنتساب الى نظرية ، و أيضا يقع الخطأ عند إستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث و المنقول فالتراث و التجديد ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية و الاصلاح بينها بلى المقصود منه إدراك الواقع بنظريه علمية " ( ) . 

الشعورية و الظاهراتية : 

      وأهم هذه المستويات الشعور و الشعور مستوى أخص من الانسان و أهم من العقل و أدق من القلب و أكثر حيادا من القلب يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمنا داخل العلوم التقليدية نفسها و لكن نظرا لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة و لم تعط له الأولوية الواجبة و لكن يفهم ضمنا ويقرأ بين السطور ' صحيح أن تراثنا القديم يغفل البعد الإنساني لأن الإنسان كان موجودا بالفعل و هو حامل الوحي و صانع الحضارة و فاتح البلاد و لكن التنزية هو الذي كان موضوع خطر من الداخل واتجاهات التألية و التجسيم و التشبيه أو من الخارج من الوثنية و الشرك و تعدد الآلهه يظهر الموضوع في الحضارة عندما يغيب في الواقع و يغيب في الحضارة عندما يوجد في الواقع لم يظهر الإنسان واضحا في الحضارة كبعد مستقل كالالهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجودا بالفعل ومع ذلك فنجد أن الانسان و بوجه أخص الشعور موجود و لكنه متخفيا وراء الالهيات و داخل العلوم التقليدية ( ) ولا تعني دراسة الواقع الوقوع في  نظرية مثالية تود تغيير الواقع بتغيير الأفكار و تفسير الظواهر الاجتماعية بتغيير أبنيتها الفوقية وذلك لأن التراث القديم مازال حيا في وجدان الجماهير و أيهما العامل الموجه،البناء الفوقي أم البناء التحتي أيهما له الأولوية الأبنية الأجتماعية أم النظريات ؟ و الحقيقة أن الظاهرة لا صورية ولا مادية بل هي ظاهرة شعورية أي أن الأبنية التحتية إجتماعية و سياسية و اقتصادية والأبنية الفوقية من نظريات و آراء و موروثات تم توحيدها في الأبنية الشعورية و هي الأبنية الفعلية التي تحدد سلوك الجماهير فالواقع خارج الشعور خواء و النظرية خارج القصد لا فعل لها فالتراث القديم أحد و جزء من أبنية وجداننا المعاصر و أحد مكوناته كما أن الواقع جزء آخر وأحد مكوناته الأخرى و الفكرة التي تؤمن بها الجماهير تتحول الى سلوك و الواقع الذي يعيشه الناس يتحول الى مشاركة .

      والفارق بين المنهج الشعوري و بين الظاهراتية أن الأخيرة تكتفي بالقول أن الوقائع سواء في الأشياء أو  الأحداث لا تنكشف أو بالأحرى لا تفصح عن نفسها إلا من خلال الشعور الحي للذات العارفة و هذا الشعور ليس شعورا فارغا محايدا ولكنه شعور ممتلئ بخبرات سابقه و إذا كانت الظاهراتية قد أسهمت بذلك في وضع أساس الاعتداد بالذات العارفة و بدور الخبرة السابقه في تكييف النشاط المعرفي فإن منهج الشعور قام بمد ذلك التصور في اتجاه الذاتية المثالية فجعل مجال الشعور يتجاوز دوره في الكشف عن الوقائع الى أن يكون كاشفا عن الواقع الكلي بمستوياته العديده و المتشابكه و هي دعوه مغرقة في المثالية التي لا يخفف من سطوتها استخدام بعض مصطلحات التحليل الاجتماعي أحيانا  هذا المنهج الشعوري الكاشف لكل مستويات الواقع المعقد و المتشابكه هو ذاته القادر على تجديد التراث ( ) 

علم الكلام و الأيدولوجيات : 

       تطهير الوعي العلمي من الأيدولوجيات التي تسعى لتغيير الواقع و الى حوار الخصوم فلقد إستخدم المتكلمون القرآن إستخداما أيدولوجيا سواء كان أيدولوجيا السلطة أو أيدولوجيا معارضه إن التعارض ما بين العلم و الأيدولوجيا يقوم على التطهر و على رغبة في مزيد من الإحكام النظري في عصر تشابكت فيه الأهواء و احتدم فيه الصراع و الحقيقة أن الأيدولوجيا هي علم العلم بوصفة أيدولوجيا . و قد يقضي الإنسان عمره كاملا يبحث عن الحقيقة دون الوقوع في غياهب الزيف و الخداع و لم لا تكون هناك أيدولوجيا تناسب الواقع و تعيش به إننا اذا أردنا لفكرنا نوعا من التقدم فلا بد أن تكون له أيدولوجية معينه فالفكر لا يكون فكرا إذا أقتصر على التغني بأمجاد التراث الماضي و البكاء على الأطلال الفكر لا يكون فكرا عربيا إذا كان مجرد معبر أو مقلد لأفكار الأمم الأخرى إننا إذا أردنا أيدولوجيا لفكرنا العربي " ( ) فلابد أن تكون شعارها دراسة الواقع و الأبنية الشعورية في ضوء العقل لابد أن يكون محورها السعي الى التنوير بكل قوة و جهد لابد بأن يكون قضيتها الكبرى تغيير الواقع بحثا الى الأفضل وليس مجرد تفسير الواقع و تبريرة  

كتحويل عقائد الايمان الى أيدولوجيا ثورة وهي الفترة التي بدأت منذ القرن الماضي منذ الحركات الأصلاحية الأخيرة و التي تتمثل في " رسالة التوحيد عند  " محمد عبده (1323 هـ ) من أجل إحياء التراث الإعتزالي و التركيز على حرية العقل و إستقلال الإرادة ثم ظهور التاريخ و إنتشار الإسلام فيه حتى يعي السلمون نهضتهم ازدهارا ثم انهيارا ثم نهضة بقى دفع الإصلاح خطوة الى الأمام و تحويل العقائد الدينية الى أيدولوجية ثورية للمسلمين حتى يستطيعوا بها مواجهة ما يعرض لهم من مشاكل رئيسية في حياتهم مثل الإستعمار و الصهيونية و الاقطاع و الرأسمالية و التخلف وحتى يمكن تجنيد الأمه من جديد و توحيدها ابتداء من " التوحيد " . 

     تحليل الواقع المعاصر و ذلك عن طريق التنظير المباشر للواقع و إدراك روح العصر من الأمثال العامية  و النكات الشعبية و الأعمال الأدبية خاصة شعر الأدباء الشبان و قصصهم و الملاحظة المباشرة لرجل الشارع و على سلوك الجماهير و المعاناة من مآسي العصر و العيش في مآسية و الإنفعال بأحزانه و أفراحه فالباحث إبن عصرة كما كان الصوفي ابن وقته و الإستعانة بالإحصائيات و تحويل الواقع الى لغه كميه و لو أن الادراك المباشر للواقع يكون مطابقا أيضا للتحليل الاحصائي الكمي أي أن الباحث هو ابن بلد بذكائة و لمحاته و بصيرته وحسه المباشر و إدراكه الفطري .

الإنسان في علم الكلام : 

     ونظرا لأننا لا نجد فكرا إنسانيا خالصا في الفلسفة العربية أو الإسلامية بمعناها التقليدي الكلاسيكي بل في فلسفة العصر الوسيط بوجه عام بل نجد نوعا من المزج بين الفكر الذي يتناول الجانب الإلهي و بين الفكر الإنساني فإنه كان من الضروري إذن في حديثنا عن هذه المناهج أن ندرس فكرها من خلال الحديث عن الجانبين معا الجانب الإلهي و الجانب الإنساني وهذا على العكس الى حد كبير مما نجده في الفلسفة الحديثه و المعاصرة خاصة الاجتماعية الفرنسية مثل أوجست كونت و دوركايم و بريل و غيرهم " ( )  وقد نجد في الجانب الصوفي الفلسفي مساحة أكبر للتكوين الإنساني حيث نصوص لمحي الدين بن عربي تبين القصد المتبادل بين الله و الإنسان قد أخذ الله الإنسان قصدا له وغاية بكلامه إلية و أخذ الإنسان الله قصدا له و غاية بعبادته له .

    ولا خلاف أن الإسلام بالفعل حرر الإنسان من سيطرة الأوهام و الأساطير على عقله وحرر وجدانه و عقائدة من كل ما يعوق حريته ولكن الخطاب الديني الذي يصر على اختصار علاقة الإنسان بالله في أبعاد محدوده   فتحرم علية السؤال والنقاش ولاشك أن الإيمان يقوم على التسليم بهذه العلاقة على مستوى العقيدة  وهو المستوى القلبي الشعوري الذي لا مجال فيه للتأويل والإجتهاد و لا مجال فيه كذلك لتدخل البشر إنها العلاقة الذاتية  بين الإنسان و ربه فلا ينظر الإنسان الى نفسة نظرة تقلل من شأنة تجاه العالم فيكون بها مهمشا  بل ينظر نظرة تجعل منه مركزا لمن حولة و قد يتحول النص الى أسطورة عن طريق إهدار بعده الإنساني و التركيز على بعده الغيبي الأمر الذي يفسح المجال لتساؤولات عقيمة عن طبيعة النص هناك و عن شكله و نمط الخط المكتوب به و هل تنطقة الملائكة بالعربية أو بغيرها الى آخر ذلك من الأسئلة المتعلقة بالغيبيات فيتحول الواقع الى أسطورة والمقدمات الإيمانية تحدد علاقة الإنسان بالله ليس فقط على مستوى المعرفة و النظر بل أيضا على مستوى السلوك و العمل فالإنسان يحمد الله على نعمة و يشكرة على فضلة مما يجعل العلاقة أحادية الطرف من واهب الى موهوب و تجعل الإنسان مجرد وعاء للنعم و العطايا و ينتظر تلك النعم و العطايا من حين الى آخر و يتشوق دون عمل وتوكل في سلبية مستمرة و ان كثيرا من مآسي العصر هو الإنتظار دون دأب و التزلف من أجل هبات السلطان حتى أصبح العصر تعايش و إرتزاق بل أن سلبية الجماهير اليوم قد ترجع الى أن معظم مظاهر التغير الإجتماعي في حياتها قد تمت أيضا بفعل الجود و الكرم و كأنها هبات من أعلى وليست مكتسبات حصلت عليها الجماهير بعرقها و كفاحها فإذا حصلت الجماهير على بعض حقوقها فإن الحاكم لم يتفضل عليها بشئ بل نالت حقها و قد يكون السبب في معاناة عصرنا من اعتبار كل حق منه أو فضلا من رئيس على مرؤوس ." ( )

تطوير البناء الاعتزالي نحو عقل الثورة من أجل لاهوت شامل للثورة:

    ومقام العقل عندهم كان عاليا مع صفات الأرستقراطية الفكرية و سمات العلماء كما أرتبطت أسماؤهم بالمواطن التجارية و بألقاب الحرف و الصناعات يؤكد هذا التيار العقلاني القومي قد ارتبط في النشأة و الانتشار بالطبقة التجارية و فئات الحرف و الصناع الذين كونوا البيئة الأكثر استنارة و الأكثر قابلية للعقل و العقلانية .

هكذا كان المعتزلة كوكبة من أهل الفكر و النظر و الثورة اتخذوا الفلسفة و الفكر والرقي بديلا عن الأحساب والأنساب و كان الفكر العقلاني القومي هو السلم الذي أرتقوا علية ' و بالإضافة الى النشاط السياسي العملي فكانت ثوراتهم التجسيد لرفض القوى الاجتماعية المتقدمة لما أحدثة الامويون من تغييرات في طبيعة السلطه العليا للدولة فبلا من الشورى و البيعه و الاختيار أصبح وراثة و ملكا عضودا و على هذه الجبهه كان المعتزلة الحزب السياسي و النشاط العملي و المعارضه و الثورة للتعبير عن رفض تلك التغييرات و عن الطموح الى عودة الخلافة الشوروية من جديد و للمعتزلة الثوار صفحات عدة في سجل الثورة بالمجتمع العربي الاسلامي . 

    إعتماد المعتزلة على العقل فوثقوا بحكمه في التحسين و التقبيح دونما الحاجه الى النصوص و المأثورات لأن الحسن و القبح عندهم ذاتيان أي طبيعيان فهم هنا يعطون العوامل الطبيعية وزنها الحقيقي و يجعلون ادراكها وظيفة من وظائف العقل و هذا التقديم للعقل و براهينة على النقل و نصوصه قاد المعتزلة الى القول بأن الشرع لم يأت مطلقا بما يخالف العقل بل جاء به إما أن يكون واجبا بالعقل أو جائزا في نظره   كان الإستناد الى بنية علم الكلام الاعتزالي حتى في صيغته التراثية كفيلا بإحداث تحقيق جزئي لمشروع التجديد و لا نعني بالبنية الاعتزالية ترتيب القضايا الكلامية في المصنفات الاعتزالية المتأخرة و منها " المغني في أبواب التوحيد و العدل " للقاضي عبد الجبار بل نعني الترتيب الإبستمولوجي الذي يراجع التولد التدريجي للأفكار من خلال جدل الفكر و الواقع حتى تنتظم الجزئيات في منظومة الاعتزال إن ترتيب المصنفات الكلامية المتأخر جرى على العرف الذي قننه التوجه الأشعري و الذي تحول بحكم هيمنته الى ما يشبه القانون العلمي و ليس الكشف عن بنية علم الكلام المعتزلي أمرا صعبا أو مستحيلا فأصولهم الخمسه ترتد كلها في التحليل الأخير الى أصل " العدل " 

       و هو أمر يصر علية المعتزلة أنفسهم على لسان أبي الحسين الخياط ( ت : 300 هـ) و مفهوم العدل الإعتزالي لا يقف عن حدود مبحثي الحريه (خلق الأفعال) والعقل ( التحسين و التقبيح) كما هو الأمر في الخطاب التجديدي بل يتجاوز ذلك الى النفاذ في كل قضايا العلم و جزئياته ,.

 إن مثال يتضح من خلالة اللجوء الإضراري لمصطلحات  و نظريات المعتزلة بالتطوير أو إعادة القراء خصوصا أصل العدل الإلهي و ما يتعلق به من مسألة الجبر و الإختيار الذي يتمثل في  فكر الإمام محمد عبده و إتجاهه الحر فقد حرص اللإمام بأن يكون إعتزاليا في مبحث العدل و حرية اللإختيار رشديا في معنى القضاء دونا عن بقية المباحث الكلامية التي ناقشا نقاشا أشعرية فقد أوضح أن الإسلام ليس كما يزعم الكثيرون دين الجبر و إنكار الحريات فمذهب أهل الحق من المسلمين هو أن الله تعالى و أن كان يعلم ما سيحدث للإنسان يترك له مع ذلك حرية أفعالة الخاصة وليس في هذا تناقض بل بالعكس إن إنسجاما عميقا يتم بين فعل الإنسان و فعل الله "ولا تخالف بينهما في الحقيقه فالله فاعل من حيث العبد فاعل و العبد فاعل من حيث الرب فاعل و الوجود في جميع مراتبة مختار " ( )  فتبين من هذا أن نظرية محمد عبده في حرية الأفعال الإنسانية تتجاوز نظرية الكسب التي قال بها بعض علماء الإسلام خصوصا الأشعري و الجويني ذلك أن الشيخ محمد عبده لا يلتمس الحرية كما يريد جمهور الأشاعرة في ذلك الفعل الوهمي فعل القدرة الحادثة التي لا أثر لها و هي ما يسمونه  " كسبا " ( ) و إذن فقد ناصر محمد عبده نظرية حرية الإراده و ذلك لملاحظة الإمام دون أدنى شك شئون الناس في البيئة التي نشأ فيها و تدبر حجج كل فريق من أنصار الحرية و خصومها ووازن بين نتائج المنطقية و العملية لموقف أولئك و هؤلاء و لعد أشد ما أثر في نفسة ذلك المنظر البائس الذي طالما شهده من عامة المسلمين ممن كانوا يرزحون تحت ثقل الجبر و الإختيار الذي لا مرد له ما أشد جمود هؤلاء و تواكلهم و إشفاقهم على أنفسهم من السعي و الكفاح . فنهض الإمام في قوة محتجا على أمثال هذه التأويلات فقال أن الله لم يأمرنا أن نهمل واجباتنا بحجه التوكل عليه فإن مثل هذا مثل هذا لمن سخف الرأي و لا يمكن أن يحتج به إلا قوم لا أخلاق لهم و لا دين ( ) 

و الإنصراف من الاعتقاد بالجبر معناه إيقاظ القوى الأخلاقية و التمسك بالعزة القومية والدينية  وفكر محمد عبده   يتجه أيضا بمسألة العودة الى الحرية  الى أهل الأستعمار و أعداء وطنه من جهة و الى جميع الذين يتشبثون عن الإسلام بفكرة مرادفة للجبر و القهر و نقي كل حرية من جهة أخرى . وإذا إنتقلنا الى أصل  " الحسن لذاته و القبيح لذاته " نجدها عند محمد عبده متبلورة حول " نظرية الخير "  فقد كان حريصا على بيان ما للعقل من دور هام فذلك لأنه يرى أن موقفا كهذا له في  مجال الأخلاق و الاجتماع نتائج  عملية بعيدة المدى و أكبر الظن أن المصلح المصري كان يرمي بمحاولته إحياء المذهب العقلي الذي قال به المعتزلة أن يساهم في إعادة و توطيد أركان مبدأ الإجتهاد في الرأي والحرية في البحث في ربوع العالم الإسلامي و بهذا المبدأ يتيسر للفقهاء مثلا أن يتناولوا الشريعة الدينية في شئ كثير من الاستقلال الفكري و لأن يكونوا قادرين على أن يحكموا على الأمور بما يطابق العقل لا بإلتزام النص و الوقوف على حرفيته . 

هكذا يعاد توزعة أصول المعتزلة على مشاكل العصر لعلها تكون حلا و ثورة  يقودها  العقل تجاه الصلاح و الأصلح ،  فتوحيد للأمة من بعد شتات ووعد بالجنة و الفوز و النصر بعد عمل دؤوب  ، ووعيد من الإنزلاق الى براثن الظلم و الهزيمة و العذاب  بعد غفلة و جحود و تخاذل. 

 فلسفة العقل و اللغه : 

في أواخر الثمانيتيات من القرن العشرين ظهر اتجاه سيرل الى دراسة فلسفة العقل و هي دراسة المشكلات الفلسفية المتعلقة بالعقل و الحالات العقلية مثل طبيعة العقل و الوعي و القصدية و كانت فلسفة اللغه منذ خمسين عاما خلت تعتبر الفلسفة الأولى ولكن طرأ تغير على الفلسفة في الربع الأخير من القرن العشرين أصبحت معه فلسفة العقل في قلب الفلسفة و أصبح من فروع الفلسفة فلسفة الفعل و حتى فلسفة اللغه تعتمد على فلسفة العقل و لذلك يرى سيرل أن فلسفة العقل هي الآن الفلسفة الأولى و هذا يرجع لعدة أسباب أن فهمنا للقضايا في عدد كبير من الموضوعات مثل طبيعة المعنى و العقلانية و اللغه  بصفة عامة يفترض مسبقا فهما للعمليات العقلية الأساسية لذا فتمثيل اللغه للواقع على الطرق الأساسية بيولوجيا التي يمثل بها العقل الواقع و بالفعل فإن التمثيل اللغوي هو توسيع فعال للتمثيلات العقلية الأساسية ( ) و مثلة في علم الكلام وعلوم المنطق والتي  هي الاداة التي تعصم مراعتها الزلل و الخطأ في التفكير من التصديقات و التصورات التى كانت السباقة في إصدار الحجج و الأدلة وأن كانت هناك منطقية لغوية إذن كيف نضع الطراز اللغوي من بيان و معاني بدون تصور عقلي شامل للمسألة الكلامية  لقد وقع  علم الكلام في حفرة  التشبت بالأبنية اللغوية فكانت اللغه في عصور الكلام المنحطة غاية و هدف مما أفقد علم الكلام عنصر الأصالة و أنمحت منه جوانب الشعور و الوعي ، نجد المسائل الكلامية مزينة بالسجع و التصريع يغلب عليها  الإطناب  و الحشو ،  أنتقلت المشكلات الكلامية و حلولها من بنيان الذات الى بنيان اللغه و من قوانين الوعي و الواقع الى قوانين النحو و البلاغة من السابق ؟ و من اللاحق؟ الإنسان بعقلة قبل اللغه أم اللغه قبل الإنسان و أيهما الثابت و أيهما المتحول و أين الأصل و أين الفرع كذلك مفهوم العلم المعرفي و هو دراسة علمية للإدراك و التفكير تتعاون فيه فروع معرفية بينية مثل علم النفس و الفلسفة و علم الكمبيوتر و الذكاء الاصطناعي و الأنتروبولوجيا و علم اللغة أين هذا كله من المفترض دخولة في دراسة أصول الدين و العقيدة بعد وجود أبعاد أخرى للتفكير و الشعور هل يمكن إعادة بناء فهم النصوص بهذه الأبعاد الجديده ؟ 

تحول جون سيرل من طبيعة اللغه الى موضوع جديد مختلف عنه تمام الإختلاف و هو العقل فتكلم عن " القصدية " يقرر أسبقية العقل على اللغه و أن فلسفة العقل هي الفلسفة الأولى و أن الافتراض الأساسي القائم و راء تناولة لمشكلات اللغه هو أن فلسفة اللغه فرع من فلسفة العقل و القدرة اللغوية على تمثيل المعاني هي أمتداد لقدرات أساسية عقلية و من خلال الفعل و الإدراك الحسي الذي يرتبط به العقل و الواقع " . 

الحرية النقدية : 

و أهمية النقد انه يفتح باب الاجتهاد في كل مايعرض لنا من قضايا ، النقد يمثل الحركة لا السكون ، إن المعتزلة على سبيل المثال قد حاربوا الجمود و الإنغلاق و دعوا الى الشك الذي يعد خيرا من اليقين الذي لا أساس له . فالشك عندهم يعد ضروريا لكل معرفة و أن أول واجب على المكلف هو الشك بحيث إن النظر العقل إذا لم تسبقة حالة شك فلا فائدة منه و لا جدوى ومن هنا كان المعتزلة حريصين على التفرقة بين وظيفة العقل من جهة و بين ما تؤدي إلية العادات و التقاليد و القيود من جهة أخرى إن العقل يؤدي الى الإنفتاح و العادات و التقاليد تؤدي الى الإنغلاق إذا كنا فيها مجرد مقلدين لغيرنا دون فهم . إن التفكير النقدي عند المعتزلة أمثال الجاحظ و النظام يمكن أن يفيدنا في محاربة الخرافات و الأوهام التي مازالت للأسف منتشره و لعل الشيخ محمد عبده كان على حق في دعوته الى كانت تقوم أساسا على النقد لقد دعا الى إصلاح الأزهر في عصره وذلك بطرق عديده من بينها المطالبة بإلغاء دروس الكتب العقيمه كالشروح و الحواشي التي يلقنها الشيوخ لمريديهم و طلابهم المغلوبين على أمرهم دون فهم . ( )

   و الواقع أن أي حركة تجديدية لابد أن تقوم على العقل و النقد إن المشكلة ليست في تحقيق النقد إنما المشكلة هي تحقيق المقاييس النقدية ، للنقد صور  و قوانين و معايير ، نرى صورة النقد مشوشة بضباب  النقض أصبح هناك إلتباس شديد عند المجتمع الشديد بين النقد بالدال والنقد بالضاد ، بين النقد البناء و النقد الهدام نغفل البناء لنركز على الهدام يحاول المفكر تكوين البناء النقدي فيأتي المتلقي بعقلة الجامد و خلفيته التقليدية و تشبسه بالموروث ليهدم ذلك البناء . فكم من ناقد للتراث و الخطاب الديني أدرجوا في  دائرة الضلال للخروج عن الثوابت الفكرية  و المتعارف عليه . 

علم الكلام و العقل : 

   أما في علم الكلام فيعرض عابد الجابري مقاربة بين علم الكلام المعتزلي و أصول الفقة الشافعي حول إشتراكهما في تحديد مكان العقل إذ عرض للمعتزلة من خلال عرض لمشروع "الرسي" المفكر الشيعي الزيدي على إعتبار تقارب المنهج بينه و بين المعتزلة مما يعني معرفة إعتزالية و هنا بين موقف الرسي و الشافعي يرى إن التكامل مع الأصول يتم هنا في علم الكلام المعتزلي بنفس الآلية الذهنية التي يتم التعامل بها مع نفس الأصول هناك في الفقه إنها آلية رد الفرع الى الأصل و يعلل الجابري وضع المعتزلة للعقل في المقدمه لسبب أيدولوجي بقوله كان يرمون الدفاع عن العقيده أمام من لا يؤمن بالكتاب أو السنه  ( ) و من خلال هذا التحليل يبدو أن الجابري يذهب الى القول بأن العقل مجرد وسيلة وليس غايه فالعقل هنا مع المعتزلة أو هناك مع الشافعي ليس مجرد إلا أداه فهو في جميع الأحوال يكون في خدمة النص و ليس بديلا عنه و هذا الكلام يعني أن لنا أن النص هو المؤثر بينما العقل مجرد أداة في خدمة أهل الكتاب و السنه  .  بعد تحليل مكانة العقل لدى المعتزلة الذين كان لهم أثر في علم الكلام البياني فقد امتد تأثير هذا المنهج الى الأشاعرة خصوم المعتزلة الذين أستعاروا ذات المنهج و بكيفية عامة لعقائد السلف كما وضعها مؤسس المذهب فتأثروا حتى أصبح علم الكلام الأشعري كعلم الكلام المعتزلي في تبرهن قضايا الأول منها على قضايا الثاني  " فالقسم الأول هو( دقيق الكلام )و هو ما يتفرد به العقل أي المسلمات و النظريات التي تخص عالم الطبيعه الشاهد أما القسم الثاني فهو (جليل الكلام) و هو مايفزع الى كتاب الله أي العقائد الدينية التي تخص ما وراء الطبيعه (الغائب) فلكي يبرهن الأشاعرة على صحة آرائهم في ( جليل الكلام ) يلجؤون كما فعل المعتزلة الى ( دقيق الكلام ) أي الى بناء الشاهد بالشكل الذي يمكنهم من قياس الغائب عليهم و هكذا شيدوا مذهبهم  في الجوهر الفرد و الخلاء و الأعراض و الصفات و الأحوال .....) ( ) و هكذا عرضنا لفكر الجابري القائم على وجود عقل بياني يشكل قاعدة مشتركه  بين اللغه و الفقه و الكلام التي يستقطبها النص الديني لتشكل طريقة في التفكير "

سلطة النص في مواجهة العقل من أجل نقد الخطاب التنويري المعاصر:    

التراث بين الاستخدام النفعي و القراءة العلمية و التراث يعني في وجداننا المعاصر التراث الديني لأن الدين هو مكونه الأول و يلح السؤال عليه لأننا في مرحلة إتصال معه و لم ننقطع عنه كما هو الحال في الوعي الأوروبي فالإشكال صحيح كيف يتقدم العربي مرتبطا بتراثه الذي به أسباب معوقاته و تقدمه في آن واحد . كيف يستمد العون أو يفك أسره منه فالتراث لا يعني بالضرورة الخمول و السكون بل هو تراث متشابه به السكون و الحركة الخمود و اليقظه واختزال التراث في التراث الديني ثم اختزال التراث الديني في الخطاب الأشعري شئ طبيعي لأنه الخطاب السائد في الوعي العربي المعاصر " ( )

الخاتمه

وظيفة علم الكلام الجديدة التنظير المباشر للواقع : 

      فنحو علم كلام يكون الإنسان مبحث من مباحثه فيعطيه وجودا أكثر قوة و إيجابيه معبرا عن ثورته على الأوضاع التي يعيشها الغير راضي عنها من ضياع للأرض و الثروات و الحريات لا علم كلام  يمحي استقلالية فكرة  و يطمس توجهه الشعوري فيصبح سجينا للنصوص التي لا تعبر عن واقعه و مكانته ، و إبتعادا عن الطابع التكراري للأقاويل و الآراء الذي لا تشبع نهمه العقلي المتأثر بالظروف حيث لا مكان للعقل لأن يدرك مضمون وذاتية الفكره  . و أين الأفكار التي تجمع لا تفرق  في علم الكلام البعيده عن إشكالات الجدل المنفصلة عن وعي الجماهير للتجارب الجماعية التي تعبر عن روح الجماعة والتي لها الأولوية في سيادة الفكرة و الأثر . نريد تأويلا للنص و شعورا بالواقع و إعمالا للعقل من أجل وحده و حرية و إبداع  حيث الوظيفة الكلامية الجديده . 

 و علم التوحيد هو الأساس النظري للعمل و عمل التوحيد هو توحيد الشعور ثم توحيد العالم في نظام واحد و هو نظام الوحي ، التوحيد فعل من أفعال الشعور يضع ذاته من حيث هو شعور متوحد ومهيئ الى تصور وحداني للعالم ، التوحيد إذن ليس نظريا فقط بل عمليا أي هو عملية توحيد و الأسم توحيد اسم فعل و ليس أسما مجردا فارغا أو حسا يشير الى شئ يدل على عملية ولا يدل على جوهر ثابت كما هو الحال في " واحد " من فاعل التوحيد فعل من أفعال الشعور تتوحد فيه قواه وأبعاده  و مستوياته نحو ماهية و احده مطلقة أو شاملة عامة أو مجرده خالصه و منزهة و قد حاولت معظم العمليات الإصلاحية الحديثة من قبل إعطاء الأولوية للتوحيد العملي على التوحيد النظري و تحويل التوحيد الى طاقة فعالة لتوحيد الشعور الفردي و لجمع شتات الأمة .

وواضح أن الهاجس المسيطر على هذا الطلاء الجديد لعلم الكلام هاجس البحث عن البعدين المفقودين في واقعنا : الإنسان و التاريخ و لأن البعدين مطموران في علم الكلام القديم بسبب إغتراب الإنسان في الإلهيات و إغتراب التاريخ في السمعيات فإن الكشف عنهما و إزاحة ما يخفي وجودها لا يتحقق بمجرد عملية " التحويل الدلالي " المعتدمة على علاقة التجاوز و " المشابهه" إن الإلهيات لا تصبح إنسانيات و لا النبوات تتحول إلى تاريخ لمجرد الرغبة في ذلك بالتماس أوجه سطحية صورية للمشابهه إن الكشف عن الخقي المطمور لا يتحقق إلا بالقراءة التأويلية التي تصل إلى المغزى عبر الدلالة لا وثبا عليها و بعبارة أخرى لا يمكن لليسار الإسلامي أو لغيرة أن يعيد بناء علم الكلام أو بالأحرى أن يعيدة إلى وضعه الطبيعي بعد أن قلبته الأشعرية و أوقفته على رأسه إلا من خلال " المفسرة الإجتماعية التي جعلت ذلك الإنقلاب ممكنا . 

المراجع و الدوريات :

1-عاطف العراقي :  الفلسفة العربية و الطريق الى المستقبل رؤية نقدية عقلية الطبعة الرابعة 2002 .

2-جون سيرل : العقل و اللغه و المجتمع ترجمة وتقديم صلاح إسماعيل المشروع القومي للترجمة 2012 .

3-عثمان أمين رائد الفكر المصري مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1955 .

4-أ. ولفسون فلسفة المتكلمين المجلدين الأول والثاني  ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني المشروع القومي للترجمة الطبعة الثانية 2009 

5-جون هرمان راندال : تكوين العقل الحديث :ترجمة جورج طعيمة المشروع القومي للترجمه جزءان المشروع القومي للترجمة 2013 . 

6-زكي نجيب محمود تجديد الفكر العربي دار الشروق بيروت 1971

7-محمد عابد الجابري تكوين العقل العربي 2 مركز دراسات الوحدة العربية2009 

8-محمد عابد الجابري : نقد العقل العربي مركز دراسات الوحدة العربية2009 

9-محمد رشيد رضا :  تفسير المنار ج 2 . 

10-نصر حامد أبو زيد : الخطاب و التأويل المركز الثقافي العربي الطبعه الثالثه 2003

11-نصر حامد أبو زيد : إشكاليات القراءة و آليات التأويل المركز الثقافي العربي الطبعه  التاسعة 2012 

12-نصر حامد أبو زيد :  فلسفة التأويل المركز الثقافي العربي الطبعة التاسعة 2010 .

13-حسن حنفي : التراث و التجديد المكتب المصري للمطبوعات 2013 

14-حسن حنفي : حسن حنفي من العقيدة الى الثورة دار قباء 1998

15-حسن حنفي : حوار الأجيال دار قباء 1998

الدوريات : 

16-جريدة القبس الكويتية  الحلقة الرابعة عشر علم الكلام 5 - 1 -1990 الدكتور  أبو ريدة  .







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


د. نادر عمر عبدالعزيز

السجـــل التعليمــي او المؤهلات العلمية .

-طالب بكلية دار العلوم جامعة القاهرة السنة الثالثة

- طالب بأكاديمية التصوف و علوم الإسلامية و التراث العشيرة المحمدية  السنة الثالثة

-بكالوريوس طب الأسنان جامعة مصر الدولية

-خريج معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الاوقاف المصرية .

ثانوية عامة مدرسة طبري شيراتون .الشهادة- الـــدورات

عضوية الجمعية المصرية الفلسفية و المشاركة في مؤتمر المشاريع العربية المعاصرة عن بحث " الشيخ مصطفى عبد الرازق و منهجة الإصلاحي" -الدراسة الحرة في الجامع الأزهر الشريف في مجال  الفقة و التفسير و العقيدة وعلوم اللغة  و الحديث و التراث  . بالسند المتصل على أيدي مشايخ الازهر .خاصة متون علوم العقيدة و علم الكلام و الفلسفة الاسلامية و المنطق

دراسة التصوف على أيدي مشايخ التصوف و السلوك كعلم و تذوق

دورات مختلفه في علوم الطاقة و الدفاع النفسي و التنمية البشرية

دورات في اللغات الانجليزية و الفرنسية _
المهــــارات:

المطالعة و البحث في العلوم الشرعية _ الفقة و أصوله و التفسير و علوم الحديث و التوحيد 0

مطالعة كتب علم الكلام  _ الخاصة بمذهب الاشعري أو المعتزلي و الموسوعات الخاصة بتاريخ الفلسفة الإسلامية و فروعها . مشاركة في المؤتمرات للجمعية المصرية الفلسفية ( المشاريع الفكرية المعاصرة )

كتب الفلسفة الشرقيه و اليونانيه و المنطق .

الأهتمام بفلسفة ابن رشد خاصة كتب الدكتور عاطف العراقي و فلسفة ابن عربي

كتب علوم اللغة و نظرية الأدب .



ارسل لصديق