أزمة القيم فى ظل الربيع العربي .. الواقع وسيناريوهات المستقبل
كتبه: الحسين حامد محمد حسين قريشى
حرر في: 2014/07/15
التعليقات: 0 - القراءات: 7707

الربيع العربي وهو في حقيقة الأمر تحول تاريخي مهم شهدته المنطقة العربية بدءًا بتونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا منذ بداية العام 2011م ، وكان الغرب هو من أطلق مصطلح الربيع العربي على الأحداث التي جرت في المنطقة العربية بدءَاً بتونس بداية العام الماضي، حيث كانت صحيفة الاندبندنت البريطانية أول من استخدم هذا المصطلح.

         

                      الربيع العربي  وهو في حقيقة الأمر تحول تاريخي مهم شهدته المنطقة العربية بدءًا بتونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا منذ بداية العام 2011م ، وكان الغرب هو من أطلق مصطلح الربيع العربي على الأحداث التي جرت في المنطقة العربية بدءَاً بتونس بداية العام الماضي، حيث كانت صحيفة الاندبندنت البريطانية أول من استخدم هذا المصطلح (1) . 

     وفيما يتعلّق بأهداف ثورات الربيع العربي، فيمكن إجمالها في هدفين رئيسين، كانا محلّ إجماع لمعظم المواطنين العرب، وهما (2) :

1- الإطاحة بالنظم الاستبدادية بكافّة شخوصها ورموزها، وهذا يتطلّب إحداث قطيعة كليّة مع الحقبة الماضية المليئة بالمآسي والحزن والألم والتخلّف والفساد.

2- إقامة نظم ديمقراطية حقيقية وفاعلة، تحقّق ما عجزت عن تحقيقه النظم السّابقة، وتلبّي الحدّ الأدنى والمعقول من تطلّعات الجماهير التي صنعت التغيير.

        فالثورات العربية تستهدف  إسقاط النظم السّياسية الدكتاتورية القائمة، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة نظم ديمقراطية تحقّق المساواة والعدالة، وتعزيز الحرّيات والمشاركة السّياسية الفاعلة لكلّ الطّيف الوطني والقومى.

      فمشكلة الدراسة الحالية نبعت من خلال ما يٌعانى منه شباب الربيع العربى من أزمة قيم واقعية وأخطار تهدد كيانه ووجوده وأمنه القومى ، وتبدو هذه الأخطار واضحة فى كل مجالات الحياة، حيث انتشر بين الشباب الفساد والتسيب واللامبالاة والفوضى الأمنية والأخلاقية، وغياب احترام القانون وانتشار ظاهرة الارهاب والعنف بشكل مخيف ، فتبدو هذه الأخطار بصورة أكبر فى كل مجالات الحياة  بعد ثورات الربيع العربى ، كما أصبحت القيم ضرورة للحفاظ على الذاتية الثقافية والارتقاء بالفكر والسلوك الإنسانى فى المجتمع العربى، لمواجهة الغزو والهيمنة الثقافية التى تستهدف الشباب وتفقده القدرة على الشعور بالاستقرار والأمان فى جميع جوانب الحياة .

        كما أنَّ الشباب العربى فى هذة الفترة الراهنة هم المحرك الحقيقى للتنمية الشاملة مستقبلاً ، ولابد من الاستفادة منهم فى إحداث التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية ، وخاصة بعد الثورات العربية ( في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن ) التى تمر بفترة حرجة من حياتها ، تتسم باهتزاز القيم ، واضطراب فى المعايير الاجتماعية والأخلاقية ، تُؤكد ما بُعانيه هؤلاء الشباب العربى فى ظل الظروف الراهنة من اغتراب مجتمعى وخلل قيمي مخيف .

        فعلى سبيل المثال : تغير المجتمع المصري كثيراً بعد ثورة ينـاير المجيدة ، والتي أحدثت انقلاباً في منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية الإيجابية التي صاغت سلوك المصريين ، وأفسحت المجال لقيم سلبية معوقة للسلوك النمطي للشخصية المصرية، وقد ظهرت سلبيات كثيرة أثرت على الشباب المصري، فيجب معالجة الخلل الراهن في منظومة القيم الأخلاقية والتحول نحو منظومة جديدة من القيم الإيجابية الدافعة للتقدم وسط بيئة إقليمية ودولية صعبة وسريعة التغير، والوصول إلى هذه الرؤية يجب العمل على تنمية العنصر البشرى ( الشباب المصرى ) ، القادر على المحافظة على قيمه الأصيلة والقادر على تحقيق الرؤية المستقبلية لمصر ، وذلك من خلال تضافر كافة قطاعات المجتمع الحكومي والمدني (3) . 

       فالبعد عن القيم وخاصة ًقيم التسامح بما تحمله من معان جميلة مثل الأخلاق وسعة الصدر والايثار والمبادرة والتقدير والتنازل والتراجع والعطاء والاحترام ، أدى بنا الى ما وصلنا اليه، لقد تراجع لدى بعض أفراد المجتمع مفهوم الثقة والأمان فلا مسئولية ولا احترام ولا انتماء ولا ديموقراطية ولا مساواة ولا عدالة ، فبناء الثقة والانتماء والولاء بحاجة الى منهج تربوي وخطة زمنية مبرمجة ودورات تدريبية مكثفة. ولابد من مواجهته لأجل مستقبل أبنائنا (4) .     

      فالقيم الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية كالمحبة والسلام والتسامح وغيرها من الأمور الرئيسية لعمليتى التربية والتعليم فى المدارس والجامعات ، فاحترام الطلاب لها للتغلب على التعصب والأهواء ومواجهة كافة الأزمات ، لتحقيق التماسك الاجتماعى والتنمية البشرية المنشودة  (5) .

           ويُشير مفهوم الأزمة فى اللغة كما ذُكر فى مختار الصحاح (6) : هى الشدة والضيق أو القحط ، والمأزم المضيق أى لها طريق ضيق بين جبلين  ، وكما ذُكر فى المنجد فى اللغة أنَّ الأزمة : جمعها إزم وأزمات وهى الشدة والضيق ، ونقول أزمة سياسية واقتصادية وغيرها (7) .

      أما فى الاصطلاح : فالأزمة تعبر عن حدث مفاجئ غير متوقع مما يؤدى إلى صعوبة التعامل معه ومن ثم ضرورة البحث عن وسائل وطرق لإدارة هذا الموقف بشكل يقلل من آثاره ونتائجه السلبية وأيضاً هى حالة مؤقتة من الاضطراب ومن اختلال التنظيم تتميز بقصور الفرد فى مواجهة هذه الحالة باستخدام الطرق المعتادة لحل المشكلات ،كما تتميز بما تنطوى عليه تلك الحالة من إمكانية حدوث نواتج موجبة أو سالبة بشكل جذرى (8).

      ويرى الباحث : أنَّ الأزمة حدث مفاجئ غير متوقع تتشابك فيه الأسباب بالنتائج وتتلاحق الأحداث بسرعة كبيرة لتزيد من درجة المجهول عما يحدث من تطورات وتجعل متخذ القرار فى حيرة بالغة تجاه أى قرار يتخذه وقد تفقده قدرته على السيطرة والتصرف .

        أما القيم فى قاموس علم الاجتماع تُعنى : أى موضوع أو حاجة أو اتجاه أو رغبة، ويستخدم المصطلح فى معظم الحالات حينما تظهر علاقة تفاعلية بين الحاجات والاتجاهات والرغبات من جهة والموضوعات من جهة أخرى  (9) .

       والقيم مفهوم يدل على مجموعة من التصورات والمفاهيم التى تكون إطاراً للمعايير والأحكام والمثل والمعتقدات والتفضيلات التى تتكون لدى الفرد من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته ويراها جديرة بتوظيف إمكانياته وتتجسد من خلال الاهتمامات أو الاتجاهات أو السلوك العملى أو اللفظى بطريقة مباشرة وغير مباشرة (10) .

     وهناك من ينظر للقيم من منظور فلسفى : فهناك المثاليون الذين ينظرون للقيم على أنها مطلقة وثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، مصدرها عالم المثل، وهناك الواقعيون والبراجماتيون والوجوديون الذين ينظرون للقيم على أنها تعتمد على خبرة الإنسان وذكائه وتجاربه الحياتية، ولذلك فهى نسبية تتغير بتغير الزمان والمكان والمواقف التى يتعرض لها، وتقاس أهمية القيم بمدى نفعها والتنمية التى تعود بها على الإنسان ، أما الفلسفة الإسلامية فتوازن بين وجهات النظر السابقة، فتؤكد على وجود قيم مطلقة لا تتغير وهى التى ورد فيها نص صريح ووجود قيم نسبية متغيرة تتعلق بحياة الأفراد (11) 0

      كما يُقصد بالقيم من المنظور السياسى : هى التى تعكس الشعور بالهوية الوطنية والانتماء للوطن وتساهم فى إعداد الفرد تجاه المشاركة السياسية داخل المجتمع كالديمقراطية أو الشورى، الطاعة، العمل، العدل، الجهاد، التضحية (12).

         وهناك تصنيف سبرنجرspranger   الذي يُعد من أشهر التصنيفات في مجال القيم ,حيث قام بتصنيفها طبقا لعدة أبعاد,منها :بعد المحتوي الذي شمل القيم النظرية, والسياسية ,والدينية, والاجتماعية ,والجمالية, والاقتصادية (13) 0        

       ويُقصد القيم فى الدراسة الحالية : مجموعة من المعايير والأحكام تتكون لدى الفرد من خلال تفاعله فى المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية ، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته يراها جديرة بتوظيف إمكانياته، وتتجسد خلال الاهتمامات أو الاتجاهات أو السلوك العملى أو اللفظى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فى ضوء التغييرات المجتمعية المعاصرة بعد ثورات الربيع العربى .  

         وترجع أزمة القيم إلى عوامل داخلية، وعوامل خارجية، فالعوامل الداخلية مرتبطة بالبنية الداخلية للمجتمع العربى ، وهى نتاج لعوامل مادية ازدادت خطورتها بعد الربيع العربى ، كالمشكلات الاقتصادية التى تواجه الناس خلال مسيرة حياتهم المعيشية ، وتقف حائلاً أمام احتياجاتهم الأساسية فالفقر والبطالة وارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول وقلة الخدمات وزيادة مستوى المعيشة والقهر المادى والاستغلال الاجتماعى وعجز الأفراد عن تدبير أمور حياتهم المعيشية كل ذلك يؤدى إلى تشكيل أنماط سلوكية لا معيارية ويخلق نوعاً من الخلل فى القيم ، الذى يتفاقم عبر الزمن بل قد يصل إلى خلق أشكال من الانحراف حيثُ يحاول كل فرد البحث عن وسائل غير مشروعة للتغلب على تلك المشكلات المادية والضغوط الناتجة عنها .

     وبالإضافة إلى العوامل المادية، هناك عوامل غير مادية تلعب دوراً هاماً فى تكوين الظواهر الاجتماعية المرضية من أهمها الفساد والتسيب واللامبالاة وعدم الانضباط والفوضى الأخلاقية وزيادة العنف والتطرف والارهاب بأشكاله المختلفة، وظهور أنواع من الجرائم كالرشوة والبلطجة وغيرها من الأفعال التى تدل على تدهور القيم الاجتماعية وتحولها من قيم إيجابية بناءة إلى قيم سلبية تضعف من قدرات البشر وتهدم كيانات المجتمعات البشرية  .

      أمَّا العوامل الخارجية فلا زالت بعد الربيع العربى هى الأسوء على هويتنا وذاتينا العربية ، والتى تتمثل فى الغزو الثقافى الغربى الذى يستهدف تدمير البناء الثقافى والحضارى العربى وذلك بالعمل على تشويه التاريخ العربى، وتصغير شأن العرب قديماً وحديثاً، وهدم اللغة العربية وإحلال العامية واللغات الأجنبية محلها، باعتبار أن اللغة العربية للماضى ولا تصلح للمستقبل والتقدم والتحضر، بالإضافة إلى الربط بين الإسلام ومفاهيم العقيدة الدينية الراسخة،وبين العنف والإرهاب والقتل والتخريب، فكل ذلك يجعل الشباب يعيش حالة من الاغتراب الثقافى والعزلة الفكرية عن المجتمع الذى يعيش فيه، ويحمل الشباب على التخلى عن القيم الإيجابية النابعة من الدين والمجتمع الذى يعيش فيه، واعتماد القيم السلبية الضارة التى تسهم فى هدم البناء الاجتماعى الثقافى للمجتمع العربى .       

        ويُعرف الباحث أزمة القيم فى ظل الربيع العربى بأنها :مواقف تتحدى قوى الفرد نتيجة ضغوط الحياة المجتمعية وتؤدى إلى نوع من الخلل وعدم التوازن فى البنية المجتمعية ، وما تتضمنه من قيم ومعايير أخلاقية راسخة ومتأصلة فى الفرد وهذه المواقف تتمثل فى الفساد بأشكاله - الوساطة والمحسوبية- العنف- والارهاب وفقدان الثقة- وعدم احترام القانون وغيرها .

        إنَّ أزمة القيم التى يعانى منها الإنسان العربى أكثر حدة عند جيل الشباب الذى يعانى غموضاً فى الهوية وضياعاً فى الأهداف, خاصة بعد الأزمات والهزات الاجتماعية والسياسية العميقة التى عصفت بالربيع العربى ، وهنا يجد الشباب نفسه اليوم موزعاً بين أهداف وغايات متعددة, وما يتطلبها من قيم متنوعة، مع الرغبة لبلوغ التكامل والوحدة كى يتهيأ له السلام مع النفس والعالم أجمع ,ومن الطبيعى أن تؤدى التغيرات الحادثة في المجتمع العربى إلى تغير قيمى لدى أبنائه, وخاصة الشباب, ومن ثم تغير فى أولويات هذه القيم لديهم .

       وقد أشارت بعض الدراسات إلى واقع  أزمة القيم التى تُعانى منها دول الربيع العربى والتى تُوثر بشكل واضح على تحقيق أهداف ثورات الربيع العربى التى خرجت عن مسارها ومنها :

       دراسة " دينا أحمد سليمان سيد سليمان 2013م "(14) إلى التأثير السلبي لوسائل الإعلام على التنشئة الاجتماعية ، وأنَّ واقع الإعلام العربي أصبح غير قادر على إعطاء الصورة الحقيقية للمجتمع وتقاليده وأعرافه وخصوصيته وتعدده الثقافي واللغوي والديني، فأدى ذلك إلى ضعف الاهتمام بالقيم كالولاء والانتماء والحوار والتسامح والثقة بالنفس لدى الشباب وخاصة بعد ثورات الربيع العربى .

       كما أشارت دراسة " سمـر رجب أحمـد رجب 2013م "(15) إلى تأثير الغزو الثقافي السلبى على أعمق مكونات الثقافة وهو نظام القيم لدى الشباب الجامعي وهذه القيم هي: قيم العمل والإنتاج، قيم التعليم والثقافة، قيم المشاركة والإيجابية، قيم الولاء والانتماء، والحوار المجتمعى ، قيم الترابط الأسري ، بسبب متابعة بعض القنوات الفضائية والإنترنت .

           وأكدت دراسة " الحسين حامد محمد حسين 2013م " (16) إلى ضعف الانتماء وعدم الالتزام بالقيم الأخلاقية والاجتماعية ، فأدى ذلك إلى انتشار الانحلال الأخلاقى ، وحالات الانحراف الأخرى كتعاطى المخدرات والتحرش الجنسى بين الشباب الجامعى ، والذى يُشكل تهديداً دائماً للأمن القومى والاستقرار فى البلاد بعد ثورة 25يناير 2011م ،وقد توصلت الدراسة إلى بعض المتطلبات الأخلاقية للشباب المصرى بعد ثورة يناير2011م ،كترسيخ العقيدة الدينية السليمة ، والتربية الأخلاقبة ، وتنمية القيم الأخلاقية كالاحترام والتسامح والحوار لدى الشباب الجامعى من خلال التربية ومؤسساتها المختلفة حتى يتم تحقيق الأهداف المنشودة للثورة .

      وتهدف الدراسة الحالية إلى ضرورة التغلب على أزمة القيم فى ظل الربيع العربى من خلال التخطيط بأسلوب السيناريو ، وذلك لأخذ أفضل السيناريوهات المقترحة  لمواجهة هذه الأزمات القيمية  وذلك تأسيساً على أنَّ "الأخذ بالتخطيط ، هو السبيل لمواجهة تلك التحديات ، إذ يُعد التخطيط بمعناه الشامل ضرورة إنسانية حتمية لمجابهة المشكلات والتحديات الحالية والمستقبلية عن طريق وضع إستراتيجيات محددة للتعامل مع الأحداث، وتحقيق المرونة فى التعامل مع المتغيرات المتسارعة فى مجالات الحياة المختلفة"(17) .

        فالتخطيط ورسم السياسات، هو أحد العلوم المستقبلية، التي تحرص عليها قيادات الدولة؛ حيث تحرص تلك القيادات بتكليف خبراء لوضع خطط مستقبلية مستقرة، تحقق أهداف الدولة. وإذا كان التخطيط المستقبلي، قد اعتمد على العقول والوثائق، مما كان يستلزم جهداً كبيراً؛ فإن إدخال الحاسبات الآلية، في هذا المجال، جعل من التخطيط المستقبلي، باستخدام السيناريوهات، مادة في متناول أجهزة الدولة، التي تصل إلى القرار السليم، باستخدام أعداد كبيرة من الخيارات، في زمن محدود، وبجهد ملائم 

ومفهوم، السيناريو ببساطة: " قصة عن كيف سيكون المستقبل المتوقع"  أو بأنه عبارة عن سلسلة من الأحداث التي نتخيل حدوثها في المستقبل أى التطور من الوضع الأصلي إلى الوضع المستقبلي (18)  والسيناريو أسلوب من أساليب استشراف المستقبل التي أصبحت ضرورة في العصر الحديث ، لما لها من قيمة في تصور الاحتمالات الممكنة للمستقبل في المجتمعات المختلفة                                      ويمكن تعريف السيناريو في أبسط صورة على أنه (19) :

 * وصف لوضع مستقبلى ممكن الحدوث عند توافر شروط معينة في مجال معين .

 *  مجموعة من الافتراضات المتماسكة لأوضاع مستقبلية محتملة الوقوع في ظل معطيات معينة .

 *  أسلوب يعتمد على الابتكار إلى درجة ما في صياغة مستقبل الظاهرة . 

        إنَّ دراسة المستقبل من خلال وضع السيناريوهات عبارة عن عمل توجيهى أو إرشادى فهى ترشد المسئولين عن اتخاذ القرار إلى ما هو ممكن وما هو محتمل ، كما ترشدهم إلى نوع التغير الذى يمكن إحداثه فى ظل التغييرات المصاحبة للثورات العربية ، ويرى الباحث أنَّ هناك ثلاثة سيناريوهات مقترحة لمستقبل أزمة القيم فى ظل الربيع العربى تتمثل فى : السيناريو المرجعى ، والسيناريو الإصلاحى ، والسيناريو الابتكارى ، وذلك على النحو التالى :

1- السيناريو المرجعى :

 هو الامتداد المنطقى للتطورات الحالية  للربيع العربى ( كما فى ليبيا وسوريا ) أى بقاء الحال كما هو عليه ،مما يُوثر سلبياً على نسق القيم لدى الشباب ، حيثُ سيؤدى ذلك إلى زيادة انتشار الأعمال المنحرفة كالسرقات وأعمال العنف والارهاب  ، والنصب وزيادة العبء على مرافق المدن وبالتالى سوء حالتها، وفقدان الثقة بالمجتمع ، الأمر الذى سيعرض الشباب للانحراف السلوكى أو على الأقل لجوء الشباب للانطواء والانغلاق على النفس لاعتقاده بعجز المجتمع عن مواجهة مشكلاته ، وفى ظل انعكاس آليات السوق لم تعد قيم الكفاءة العلمية والقدرة الذهنية تؤهل الشباب لشغل الوظائف، بل حلت محلها قيم النفعية التبادلية مع من يمسكون بزمام هذه الوظائف، أى يتوقف الأمر على قيم الواسطة والمحسوبية والنفوذ وغيرها من القيم السلبية ، وعدم الاحترام أو التهيب من القانون  ، وربما يرجع عدم الاكتراث بالقانون إلى غياب قيمة العدالة التى لابد أن تكون متأصلة فى المجتمع، لأن قيم الحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها لن تؤتى أى ثمار طيبة بدون قيمة العدالة، وهذه القيمة هى التى تجعل قيم النزاهة والمسئولية والخير العام التى تتطلبها حياة المجتمع الأخلاقى السليم ممكنة وفاعلة وقابلة للحياة.

2- السيناريو الإصلاحى :

       اصلاح جزئى لعودة القيم الإيجابية ( كما فى تونس واليمن ) فى ظل تأثيرات الربيع العربى على الرغم من وجود مخاطر تُحيط وتتربص بالثورتين ، فالأمر يتطلب من الشباب العربى وخاصة الشباب الجامعى ضرورة تطوير إمكاناته وقدراته ومهاراته, بحيث تتكون لديه قيم المنافسة الشريفة والقيم العلمية المختلفة, كالرغبة الملحة فى المعرفة والفهم، والإيمان بالتفكير العلمى, واحترام المنطق, واستخدام العلم كمادة وطريقة، والقيم المرتبطة بالبيئة من حيث حمايتها, والحفاظ عليها, بحيث سيؤدى ذلك إلى إعداد مواطنين قادرين على إيجاد حلول لتحسين مستوى حياتهم من خلال النمو الاقتصادى ودون تعريض البيئة للخطر، مع الحفاظ على حق الأجيال المقبلة من خلال تحقيق مجموعة من الأهداف هى :

    1- لفت الانتباه إلى أهمية تضمين المناهج والكتب الجامعية للقيم الإيجابية التى أشارت إليها الدراسة, واهتمام والمعلمين وهيئات التدريس بالجامعات بالعمل على تنميتها لدى الطلاب فى جميع المراحل التعليمية . 

2-زيادة المقررات التى تناقش القيم فى الجامعة, والعمل على تطبيق المنهج المتكامل فى المواد الدراسية الذى يساعد على ترسيخ القيم بشكل مباشر وغير مباشر0 

3-ضرورة العمل على التصدى للقيم السلبية السائدة فى محيط الطلاب, والعمل على تغييرها أو تعديلها , خوفاً من سيطرتها على سلوك وتصرفات الطلاب0 

4 - إعداد برامج ملائمة لطلاب الجامعة تعمل على غرس هذه القيم وتنميتها ،وتجهيز وتدريب السادة أعضاء هيئة التدريس من جميع أقسام الكلية بحيث يكونون قادرين على القيام بتلك المهمة وإنجازها، وذلك من خلال دورات تدريبية . 

5- ضرورة مسايرة وسائل الإعلام المختلفة لهذه الاصلاحات حتى يتم التغلب على الأزمة القيمية التى خلفتها الثورات العربية .

3- السيناريو الابتكارى :

    استغلال طاقات الابداع والابتكار بما يتفق مع نسق القيم ومستويات العلم والتكنولوجيا ( وهو ماتسعى إليه مصر حالياً ) ،  ويُمكن الوصول إليه من خلال ما يلى :-

1- يجب على الأسرة فى ظل الظروف الراهنة العمل على غرس القيم الدينية والخلقية فى نفوس الأبناء وخاصة فى مرحلة الشباب وإكسابهم القيم الأخلاقية والاتجاهات والأنماط السلوكية المحمودة التى يمكن عن طريقها مواجهة الغزو الفكرى وحملات التشكيك والفتنة الطائفية .

2- أن تعمل كلا من المدارس والجامعات على تكوين الاتجاهات الصالحة والقيم البناءة والهادفة فى نفوس الطلاب من خلال المناهج الدراسية وأسلوب التدريس، وإحلالها محل الاتجاهات العدائية نحو المجتمع ونحو الآخرين ، حتى يمكن تغيير نظرتهم إلى ذاتهم وإلى الآخرين فى ضوء الواقع المعاصر .

3- تضمين المقررات التعليمية مقرراً استثنائياً تحت عنوان التربية والقيم  يتضمن دور الدولة والمواطن والحقوق والواجبات الأساسية ومبادئ النظام الديمقراطى ومفاهيم الحرية والمساواة والعدالة ، بهدف تكوين الشخصية السوية وتنميتها وبث روح المبادرة والابتكار فيها، وتنمية القيم الأخلاقية وترسيخ الانتماء إلى الوطن والأمة .

5- أن تعمل جميع مؤسسات وأجهزة الثقافة وهيئات التوجيه والإعلام على جميع مستوياتها على بث الموضوعات المتصلة بالقيم ودعوة الشباب إليها وترغيبهم وتحببهم فيها وحملهم عليها مع تجنب ما يتعارض وقضايا الدين والأخلاق .

6- أن تتضافر الصحافة ووسائل الإعلام وأجهزة المسرح والسينما مع مؤسسات التنشئة الاجتماعية فى إرساء القيم الخلقية فى نفوس الشباب عن طريق القدوة الحسنة والإلتزام الأمين حتى لا يرى الفرد من صور الفعل ما ينافى حقائق ما يتلقاه عن الدين وتعاليمه وما اكتسبه من قيم أخلاقية .

7- إخضاع البرامج التليفزيونية للرقابة الجادة من حيث محتواها وكلماتها ورسومها وطريقة إخراجها وتصويرها وأداؤها بحيث تحقق هذه البرامج الهدف منها فى إطار الإلتزام الأخلاقى، بحيث لا تتطرق للإساءة إلى المشاعر أو لخلخلة المبادئ والقيم الأخلاقية لدى الأفراد.

8- إشاعة روح الثقة بين الشباب وسلطات الحكومة والتخلص من الرشوة والفساد والمحسوبية واختيار الشخصيات المؤثرة عند التعيين فى الوظائف العامة بحيث تكون سيرتها الذاتية خالية من الشبهات والشوائب.

9- سن بعض القوانين التى تغلظ عقوبة ضد مرتكبى الجرائم المخلة بالشرف مثل التحرش الجنسى وهتك الأعراض والخطف والاغتصاب ، والغش فى مواد البناء والنصب على البسطاء فى توظيف أموالهم ورفع الأسعار بدون مبرر.

11- أن تركز وسائل الإعلام على تقديم القدوة الحقيقية من الرموز الذين يتعلم منهم الشباب قيم الأخلاق الرفيعة خاصة فى الدراما التاريخية والدينية وتقديمها فى وقت كثافة المشاهدة التليفزيونية وليس فى آخر الليل أو قرب الفجر كما يحدث فى كل رمضان كل عام والحرص على الابتعاد عن الأدعياء ممن يرتدون ثبات القدوة والخلق القويم ونكتشف أنهم غير ذلك فيما بعد.

12- أنْ تشدد الرقابة على المصنفات ومتابعتها ومراقبتها لعروض المسرح الخاص، وتنقية بعض عروضها من لغة الإثارة ومشاهدة العرى، والرقص المبتذل وتشبه الرجال بالنساء، وإلقاء بعض النكات الفاضحة التى تغضب بعض الأسر المحترمة وتجعلهم يتركون العرض لهذه الأسباب.

13- يجب أنْ تخطط الحكومة بشكل مدروس لجذب رءوس الأموال المعطلة والاستفادة منها فى تنمية المجتمع العربى ، وتكوين قيم اقتصادية عربية مشتركة غير مستوردة من الخارج بعد الربيع العربى .

        ومما سبق يتضح أنَّ القيم هي الضابط والمعيار الأساسى للسلوك الفردى والاجتماعى، ولا يمكن تحديد الأهداف القومية فى ظل الربيع العربى ، لتكون معبرة عن طبيعة الإنسان وطبيعة المجتمع إلاَّ عن طريق غرس القيم , الأمر الذي يُؤكد الحاجة إلى المسئولية المشتركة فى تعميق القيم وتنميتها لدى الشباب، عن طريق التخطيط والتنسيق بين كافة مؤسسات المجتمع ،لكى لا تكرر مؤسسة أو هيئة ما تفعله المؤسسات الأخرى .

قائمة المصادر والمراجع

1-   مديرية الدراسات والمعلومات بالأردن ، الربيـــع العربــــي ( المفهوم – الأسباب - التداعيات ) ، على موقع :

 Available on line at: http://www.dpp.gv.jo/2012/ht.

2-   محمد الشويخ ، فلسفة ثورات الربيع العربي وأهدافها ، مركز آفاق للدراسات والبحوث ،  2/1 /2013م ، على موقع :                        Available on line at: http://aafaqcenter.com/index.php/category/2013.  

3- عادل عامر ، تغير أخلاقيات المصريين بعد الثورة ، جريدة الوفد فى 8 يناير 2012م .             Available on line at  : www.alwafd.org,8/1/2012

4- سلوى عبد الله الجسار  ، ثقافة التسامح ،  الكويت ، جريدة الوطن فى 29 يونيو 2012م . 

            Available on line at:   http://alwatan.kuwait.tt/ArticleDetails.=204878

5-  حامد عمار، نحو تجديد تربوى ثقافى- دراسات فى التربية والثقافة ، (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 1997م) ص ص61-62 .

6-  محمد بن أبى بكر بن عبد القادر الرازى، مختار الصحاح، (بيروت: مكتبة لبنان، 1995م) ص11.

7-  لويس معلوف، المنجد فى اللغة والأدب والعلوم، الطبعة الثامنة عشرة، (بيروت: المطبعة الكايوليكية، 1965م) ص10.

8- أحمد إبراهيم أحمد، إدارة الأزمة التعليمية من منظور عالمى، (الإسكندرية، المكتب العلمى للكمبيوتر والنشر والتوزيع، 2000) ص16.

9-  عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، (الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1995م ) ص505.

10- على خليل مصطفى : القيم الإسلامية والتربية – دراسة فى طبيعة القيم ومصادرها ودور التربية الإسلامية فى تكوينها وتنميتها ، (المدينة المنورة: مكتبة إبراهيم حلبى، 1988م) ص34

11-  ضياء زاهر، القيم فى العملية التربوية- سلسلة معالم تربوية، (القاهرة : مركز الكتاب للنشر، 1996م) ص56.

12- محمد سعد الشربينى، القيم التربوية والجمالية التى تعكسها الرسوم المقدمة فى مجالات الأطفال، رسالة ماجستيرغير منشورة ، معهد الدراسات العليا للطفولة، جامعة عين شمس، 2003، ص81.

13-  ضياء زاهر : القيم فى العملية التربوية، مرجع سابق ، ص ص 28-29 ..

14- دينا أحمد سليمان سيد سليمان ، القيم التي تعكسها البرامج الواقعية في القنوات الفضائية العربية وإنعكاسها علي إدراك الشباب للواقع الاجتماعي  ، ماجستير غير منشورة، كلية الآداب ، جامعة المنيا ، 2013م  .

15- سمـر رجب أحمـد رجب ، الغزو الثقافي في المجتمع المصري وتأثيره على قيم الشباب - دراسة مقارنة على عينة من الشباب الجامعي ، ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة المنيا ، 2013م  .

16- الحسين حامد محمد حسين ، المتطلبات الأخلاقية للشباب المصرى بعد ثورة يناير2011م . ( رُؤية تربوية ) المجلة التربوية بسوهاج ، كلية التربية ، جامعة سوهاج، العدد الرابع والثلاثون ، يوليو 2013م .  

                     17-  أحمد إسماعيل حجى، الإدارة التعليمية والإدارة المدرسية، (القاهرة: دار الفكر العربى، 2005م) ص43.

18-  نياف بن رشيد الجابري وآخرون ، استشراف مستقبل التعليم بمنطقة المدينة المنورة ،

تطبيق السلاسل الزمنية- بجامعة طيبة بالمدينة المنورة ، على موقع :          Available on line at

http://www.mohyssin.com/Download/research/doc/research15.doc

19- محمد صبرى حافظ والسيد محمود البحيرى، تخطيط المؤسسات التعليمية ، (القاهرة: عالم الكتب ، 2010م) ص ص 225- 236.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


الحسين حامد محمد حسين قريشى

 باحث ومفكر تربوي – مصر



ارسل لصديق